تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
من أم محمد إلى المصيلحي: «فين التموين؟»

من أم محمد إلى المصيلحي: «فين التموين؟»

كتابة: شمس الدين عصام، ندى عرفات 16 دقيقة قراءة
أرشيفية زحام للحصول على سكر مدعم- 2016 تصوير: رويترز

على مدار أكثر من ستة أشهر، لم تتمكن أم محمد، من إيجاد الأرز في منفذ بيع السلع التموينية، في قريتها الصغيرة بكفر الشيخ.. ثالث أكبر محافظات مصر إنتاجًا للأرز! كان هذا النقص سابقة، فرغم اعتياد أم محمد على نقص بعض السلع في منافذ التموين على مدار الخمسة عشر عامًا الأخيرة، منذ حصلت على بطاقتها التموينية، لكنها كانت تجد هذه السلع متوفرة، مرة أخرى، في الشهر التالي مباشرة، داخل المنفذ.

كانت أم محمد تُعوّل، في بداية كل شهر على «التموين»، الذي تحصل من خلاله على أربعة كيلوجرامات من الأرز (تقلصت إلى 2 كيلو في مايو الماضي، بقرار من الوزارة) لتوفير بعض الأموال، تشتري بها سلعًا أخرى تحتاجها، بما يُمكّنها من إعداد وجبة شبه يومية، ذات سعرات حرارية عالية لأطفالها الأربعة (يعاني اثنان منهم من حساسية القمح «الجلوتين» ما يمنعهم من تناول الخبز أو المكرونة). 

لكن، بعد شهرين من اختفاء الأرز التمويني، تحديدًا في فبراير الماضي، لم تجد أم محمد بديلًا سوى شرائه من السوق الحر، بسعر 26 جنيهًا للكيلو، بدلًا من 10.5 جنيه في منافذ التموين. الفارق الذي يتجاوز 15 جنيهًا بين السعرين، دفع أم محمد لشراء 2 كيلو من الأرز شهريًا، بدلًا من أربعة كما اعتادت.

«الرز كان وجبة العيال الأساسية، بعوّض نقص الخضار واللحمة، بإني أكتّر رز يشبعهم. دلوقتي الرز بقى قليل، واللحمة مدخلتش البيت من أربع شهور»، تقول أم محمد، التي تعمل في تنظيف المنازل. 

لم يكن الأرز هو السلعة الوحيدة الناقصة على مدار الأشهر الستة الأخيرة، لكنه كان الوحيد، الذي خلت منه أرفف بدّالي التموين في جميع محافظات مصر لعدة أشهر بشكل متواصل، حسبما قال مصدر بنقابة بدّالي التموين لـ«مدى مصر». 

بخلاف الأرز، كان هناك نقص في العديد من السلع المدعومة الأخرى، مثل السكر والزيت. ظهرت تلك السلع أحيانًا على أرفف بدالي التموين، واختفت في أحيانٍ أخرى، وما زال 64 مليون مواطن، مع بداية كل شهر، يقتفون أثرها عند بدّالي التموين في نفس المدينة أو القرية، وأحيانًا بين المدن والقرى، فيما يقف الكثيرون في طوابير طويلة، انتظارًا لرغيف خبز، نتيجة نقص الدقيق أيضًا.

«شهر تلاقي الزيت اختفي في المنصورة ويظهر الشهر اللى بعديه، وطنطا يبقى فيها سكر قليل، الشهر اللي بعده ميبقاش فيه سكر خالص، وفي نفس المحافظة، بس في مركز كفر الزيات، تلاقي فيها سكر كتير. مكنش فيه نقص معين لسلعة معينة بشكل كامل طول الوقت غير الرز، السلع الباقية كانت بتظهر وتختفي»، يقول المصدر بنقابة البدالين، مشترطًا عدم ذكر اسمه.

بدأ بدّالو التموين في ملاحظة الأزمة قبل ستة أشهر تقريبًا، بعدما تكرر رفض أمناء مخازن السلع التموينية، بمحافظات مختلفة، صرف حصة السلع الأساسية (السكر، والأرز، والزيت)، والتي تمثل وحدها 80% من إجمالي حصة بدّالي التموين من السلع المختلفة، بدعوى نقصها، حسبما قال المصدر بالنقابة لـ«مدى مصر».

عمر عادل، بدّال تمويني في مركز زفتى بمحافظة الغربية، قال لـ«مدى مصر»، إن اختفاء الأرز مستمر منذ سبعة أشهر، موضحًا أنه يحصل على حصته الشهرية من السلع من مخازن وزارة التموين مرة أسبوعيًا، لكن منذ نحو سبعة أشهر بدأت مخازن التموين، في تأجيل مواعيد استلامه للبضاعة لأيام، تطورت لأسابيع، بدعوى عدم وجود مخزون كافٍ في مخازن «مؤسسة التموين»، التي تغطي كامل احتياجات مركز زفتي، الذي يضم نحو 54 قرية، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

الجميع يرون بأم أعينهم غياب تلك السلع، ما عدا وزارة التموين. بالعكس تمامًا، أكدت الوزارة مرارًا على توافر جميعها في المنافذ، والتزمت بنشر أسعارها شهريًا كالمعتاد. لكن، في الوقت نفسه أصدرت قرارات متتالية لتقييد الطلب عليها، تارة برفع أسعارها، ما جعل حصة الفرد منها المقدرة بـ50 جنيهًا لا تكفي سوى لشراء أربعة كيلو من الأرز، بعدما كانت تكفي لشراء ثمانية كيلو في 2017، وتارة أخرى بتحديد الكمية المخصصة لكل فرد في البطاقة التموينية.

في مايو الماضي، وضعت وزارة التموين حدودًا قصوى لصرف الأرز والزيت والسكر، في مؤشر على محدودية الإتاحات لديها، فحددت لكل بطاقة تضم أربعة أشخاص حدًا أقصى: كيلو أرز، وأربعة كيلو زيت، وستة كيلو سكر، كما رفعت أسعار السلع التموينية في مايو الماضي، مبررة ذلك بارتفاع أسعار السلع العالمية، وزيادة تكاليف الشحن، بالإضافة إلى تقليص الفارق بين أسعار السلع المدعمة والحرة، لوقف فساد وتربح البدّالين والموظفين، حسبما قال مصدر بوزارة التموين لـ«مدى مصر»، مشككًا في جدوى هذه الخطوة، لتحقيق هدف الوزارة المُعلن، مشيرًا إلى أن الهدف الحقيقي، هو زيادة واردات الوزارة المالية، في ظل الأزمات المستمرة.

وأوضح المصدر، أن الوزارة اعتمدت في إعادة تسعير منتجاتها، على نظرية الموازنة بين تكاليف الإنتاج والربح، بهدف المحافظة على نتائج أعمال الشركات، في ظل تطورات الوضع الاقتصادي الصعب، خلال الشهور الأخيرة.

يقول محلل بالقطاع الغذائي، لـ«مدى مصر» إن أرباح شركة الدلتا للسكر، التابعة لوزارة التموين، وأحد أبرز مزودي الحكومة بالسكر التمويني، ارتفعت العام الماضي بنحو 121%، بعد رفعها سعر الطن من سبعة آلاف جنيه إلى عشرة آلاف جنيه.

وأخيرًا، قلصت الحكومة مخصصات دعم السلع التموينية في موازنة العام المالي الجديد، الذي يبدأ في يوليو المقبل، بنسبة 1.8%. وبالتالي، يبدو أن سؤال أم محمد سيستمر.. "فين الرز؟"

الأرز.. اختفاء رغم الاكتفاء

توفر وزارة التموين معظم احتياجاتها التموينية من الأرز، البالغة 30 ألف طن شهريًا، من الداخل، حيث تشتريه من المَضارب، التي تشتريه بدورها من الفلاحين. ولضمان ثبات السعر، تحدد الحكومة سنويًا، حدودًا سعرية قبل بدء موسم الحصاد.

ورغم تقليص وزارة الري، مساحات زراعة الأرز منذ عام 2017، في محاولة لتخفيف الضغط على مياه الري، تظل المساحات المسموح بزراعتها كل عام، والبالغة أكثر من مليون فدان تنتج نحو أربعة ملايين طن، تحقق لمصر شبه اكتفاء ذاتي من السلعة الأكثر شعبية بما يقترب من 100% سنويًا.

رغم الاكتفاء الكامل، لاحت أزمة نقص الأرز في منافذ التموين عام 2021، ولكن بشكل محدود، حسبما قال بدّالو تموين لـ«مدى مصر». جاء ذلك بسبب رفض الفلاحين بيع الأرز للمَضارب، بعدما وضعت الوزارة سعرًا استرشاديًا منخفضًا لشراء الأرز رفضه الفلاحون، لكن الحكومة أصرت عليه، لذا لم يبع معظم الفلاحين إنتاجهم للمَضارب مثل كل عام، واحتفظوا به حتى نهاية الموسم، الذي يبدأ في سبتمبر ويمتد حتى أغسطس من العام التالي.  

سرعان ما انعكس ذلك على السوق المحلي، في شكل نقص في الأرز بالأسواق، وفي بعض منافذ التموين لمدة شهر أو أكثر، قبل أن يرتفع سعر الأرز إلى 13 ألف جنيه للطن عام 2022، بدلًا من ستة آلاف و500 جنيه في 2021.

في 2022، كررت «التموين» الخطأ نفسه. وعرضت سعرًا منخفضًا لشراء الأرز رفضه الفلاحون مرة أخرى، لذا أصدرت الوزارة قرارات للإمساك بزمام السوق منعًا لانفلاته مجددًا.

على أرض الواقع، أدت قرارات «التموين» لإحكام السيطرة على السوق إلى تفاقم الأزمة، وأخفقت الحكومة، للعام الثاني على التوالي، في جمع مستهدفها من الأرز؛ بعدما حصلت على 400 ألف طن أرز شعير (260 ألف طن أرز أبيض) من أصل مليون ونصف مليون طن أرز شعير (975 ألف طن أرز أبيض) كانت تستهدفها، فيما تسرب معظم إنتاج الأرز إلى مصانع الأعلاف، وانخفض توافره في الأسواق فوصل سعره إلى 30 ألف جنيه للطن. 

كان استخدام الأرز في صناعة الأعلاف توجهًا غير مسبوق، لكنه كان في الوقت نفسه منطقيًا في ظل ارتفاع قياسي لأسعار الأعلاف، بعد نقصها في الأسواق، إثر أزمة الاستيراد التي ألمت بمصر منذ أكثر من عام على خلفية نقص السيولة الدولارية اللازمة للإفراج عن السلع المستوردة.

هذه المرة انعكست الأزمة على المنافذ التموينية والسوق بشكل أكثر شراسة. 

«في 2021 لما الفلاحين رفضوا يسلموا الرز، السوق كان لسه باقي فيه من الموسم اللي قبله، لكن لما عدى موسمين ورا بعض، الأزمة ظهرت بشكل أوضح. عشان كده الحكومة اضطرت تستورد كميات أكبر عشان تعوض النقص»، يقول مصدر بغرفة الحبوب طلب عدم ذكر اسمه. 

وفقًا للكمية التي جمعتها التموين، والكمية التي تحتاجها للمنافذ شهريًا، فإن الفجوة بينهما تبلغ 100 ألف طن أرز، أي 28% من احتياجات البطاقات التموينية السنوية.

لتعويض هذه الفجوة، بدأت وزارة التموين في استيراد الأرز للعام الثاني على التوالي، وطرحت مناقصة دولية لشراء 50 ألف طن أرز هندي، قال وزير التموين في أبريل الماضي إنه سيتم طرحها في الأسواق بسعر 20 جنيهًا للكيلو، دون أن يحدد حصة البطاقات لهذه الكمية، فيما قالت مصادر بالتموين لـ«مدى مصر» إن الوزارة تستعد لطرح جزء من الأرز المستورد على البطاقات، بسعر 17 جنيهًا للكيلو، بدءًا من يوليو المقبل، في حين أن سعر الأرز البلدي، في منظومة السلع التموينية لا يتجاوز 12.6 جنيهًا للكيلو وقتها.

ورغم أن الفجوة بين احتياجات البطاقات والمتوفر لدى «التموين»، لا تتجاوز 28%، لمس البدّالون والمواطنون، الاختفاء التام للأرز في المنافذ، منذ ستة أشهر، وحتى الآن، وهو ما أرجعته مصادر إلى سبب إضافي، بجانب فشل الحكومة في توفير الكمية المطلوبة. يمكن رؤية هذا السبب من أبواب الفساد في المنظومة التموينية التي تُفتح على مصرعيها مع احتدام الأزمة الاقتصادية، وتتسرب منها السلع التموينية. 

أبواب الفساد

لضمان توزيع عادل للسلع في المنافذ التموينية، تحدد الوزارة لكل منفذ كمية معينة من السلع، وفقًا لكثافة السكان في منطقته. تتسلم المخازن السلع من الوزارة، ليستلمها البدّال من المخزن، ومنه إلى المنفذ التمويني، الذي يشتري منه حاملو البطاقات، حسبما قال المصدر بـ«التموين» لـ«مدى مصر».

لكن، ولأسباب أرجعتها المصادر إلى انخفاض هامش ربح البدالين، وضعف رواتب موظفي التموين، تنتشر في المنظومة التموينية أنظمة فساد متعددة الطبقات، تظهر عند أمناء مخازن السلع التموينية، وتمر ببدّالي التموين، لتنتهي عند حاملي البطاقات التموينية، استغلالًا لغياب الرقابة من المستويات الأعلى. 

أحد أصحاب مشروع «جمعيتي» بمحافظة الشرقية، وهي مبادرة من وزارة التموين، للتوسع في المنافذ التموينية في المحافظات، من خلال دعم الشباب بقروض صغيرة، قال لـ«مدى مصر» إن أمناء مخازن السلع التموينية، مثل شركة «العامة لتجارة الجملة»، يمارسون الفساد بأشكال مختلفة؛ مثل بيع الحصص التموينية في السوق السوداء مباشرة، قبل وصولها حتى إلى المخازن.

كما يضطر العديد من البدالين التموينيين إلى دفع رشاوى، فقط من أجل استلام حصتهم الشهرية، فضلًا عن "إكرامية إجبارية" 250 جنيهًا لشحن السلع من المخازن إلى المنفذ بالمخالفة للقانون، حسبما قال المصدر بمشروع «جمعيتي». 

كل هذه الرشاوى تدفع البدّالين إلى التماهي مع منظومة الفساد. 

«بعد تسويق حصة كل أسبوع بحسب أنا كسبت قد إيه، مش حاجة كبيرة يعني، دا ربع جنيه على العبوة من كل سلعة، عشان أشوف هدفع من مكسبي رشوة قد إيه لأمناء المخازن عشان أقدر أشتري حصة الأسبوع اللي بعده. وقيمة الرشوة بتزيد أحيانًا في حالة لو السلع ناقصة في المخزن. ودا في النهاية بيجبرني إني أبيع جزء من الحصة خارج منظومة التموين عشان أعوض اللي بخسره»، يقول أحد أصحاب مشروع«جمعيتي».

بخلاف ذلك، توجد اتفاقات وتسهيلات بين البدّالين وأمناء المخازن، هذه الاتفاقات يُمكن بموجبها للأمناء، شراء حصة البدال التموينية بهامش ربح أعلى، وبيعها في السوق السوداء، كما تسمح للبدّال بصرف ما يزيد على حصته، لبيعه خارج منظومة الدعم رغم حصوله عليها بسعر مدعم. 

«ممكن أطلب من الموظف المسؤول عن الصرف يديني زيادة فوق حصتي الأسبوعية، يعني لو حصتي في الزيت 10 كراتين آخد 12 وأدفعله 20 أو 30 جنيه رشوة، وهكذا في باقي السلع. وده بييجي على حصة بدال تاني، بيروح ميلاقيش حصته بحجة إنه مفيش مخزون كافي» يقول عمر عادل لـ«مدى مصر».

طريق آخر للفساد، يسلكه البدّالون، عبر التلاعب في بيانات الصرف، بمنظومة الدعم الإلكترونية. في كثير من الأحيان، يترك المواطنون بطاقاتهم لدى البدّالين على مدار الشهر. بعضهم يتركها بهدف الحصول على حصة من أرباح منظومة الفساد، عن طريق بيع حصته للبدّال بمقابل نقدي، «يعني لو أنا حصتي 200 جنيه ومش محتاج حاجة الشهر ده من التموين، بس عندي مصاريف تانية، بسيب حصتي للبدّال ويديني 250 جنيه، ومعرفش بقى هو بيعمل إيه بالحصة دي». يقول محمد السعدني* من محافظة قنا. 

هذه الحصة التي تركها السعدني، وعشرات غيره من حاملي بطاقات التموين، الذين تحدثوا إلى «مدى مصر»، تذهب مباشرة إلى السوق، بأسعار أعلى من المدعمة وأقل من الحرة، لتعود أم محمد لشرائها بسعر السوق. 

آخرون يتركون بطاقاتهم بطلب من البدّال تحت حجج متنوعة، مثل تسهيل عملية الصرف، أو وجود مشكلة في «السيستم»، لذا يطلب ترك البطاقات لإنهاء الإجراءات، في هذه الأثناء تختفي السلع التموينية وتظهر حجة «ناقصة»

بدّال تمويني في مدينة بنها بمحافظة القليوبية، صرح لـ«مدى مصر» بعدما اشترط عدم ذكر اسمه، بأنه يبيع جزءًا من حصته من السلع التموينية، سواء التي يحصل عليها من المواطنين، أو الكمية الي يحصل عليها من موظف المخازن، أو حتى جزء من السلع المتاحة عنده، إلى المطاعم والكافيهات، مبررًا ذلك بانخفاض هامش الربح، الذي قال إنه لا يتجاوز 25 قرشًا لكل سلعة. 

هذا «السيستم» يقلص من المعروض في المخازن والمنافذ على حد سواء، ليس الأرز فقط، لكن سلعًا استراتيجية أخرى مثل السكر. 

caption

زيت وسكر ودقيق.. ظهور متقطع

لم يختفِ السكر تمامًا مثل الأرز، لكن بدالين ومواطنين لمسوا نقصًا في المنافذ، أرجعوه إلى فساد منظومة التموين، التي يتسرب السكر من خلالها إلى السوق السوداء، استغلالًا للفرق بين الأسعار الحرة والمدعمة، بالإضافة إلى انعدام الرقابة على مخازن السلع الرئيسة، حيث يصل السكر إلى بعض المخازن غير مُعبأ ليتولى المخزن تعبئته، ويتسلم البدالون أكياس السكر بين 700 و800 جرام، في حين أن الكيس مدون عليه وزن كيلو جرام، وعلى هذا الأساس تتم محاسبة حاملي البطاقات، بحسب أحد أصحاب مشروع «جمعيتي».

يحدث هذا رغم اكتفاء مصر ذاتيًا بنحو 88% من السكر، بإجمالي إنتاج يبلغ 2,850 مليون طن سنويًا**، تحصل منها «السلع التموينية» على الثلث، بعد أن تشتري خامات إنتاجه من الفلاحين مثل القصب والبنجر بسعر معلن مسبقًا، ويتوزع الثلثان بالتساوي بين القطاعين التجاري والصناعي، وفقًا لتقديرات مصدر بغرفة الصناعات الغذائية باتحاد الصناعات المصرية تحدث مع «مدى مصر».

ومثل السكر، تعتبر التموين زيوت الطعام سلعة استراتيجية. ورغم ذلك، وجد حاملو البطاقات التموينية نقصًا متقطعًا بالمعروض من الزيوت في المنافذ التموينية على مدار الأشهر الستة الماضية وحتى الآن، رغم تأكيد مصادر بقطاع الزيوت والوزارة نفسها على توافر الزيوت في مخازن التموين. 

توفر الوزارة الزيت للبطاقات التموينية عبر طريقين: الأول من خلال مصانعها التابعة للشركة القابضة للصناعات الغذائية، التي توفر 40% من إجمالي احتياجات البطاقات. والثاني عبر مناقصات محلية ودولية تطرحها الوزارة لتغطية باقي الاحتياجات البالغة نحو 800 ألف طن سنويًا، وفقًا لأحد الموردين الذين يتعاملون مع وزارة التموين. 

توفر المصانع المحلية الزيوت من خلال استيراد البذور الزيتية وعصرها محليًا، أو استيراد زيوت جاهزة لتكريرها وتعبئتها فقط. وبشكل عام يستحوذ استيراد الزيوت المعصورة على أكثر من 65% من طاقة الإنتاج بالسوق، وفق تقرير صادر عن وزارة الزراعة الأمريكية، مايو الماضي، اطلع عليه «مدى مصر».

تعتمد مصر على الاستيراد لتغطية 97% من احتياجاتها من الزيوت، البالغة 2.6 مليون طن سنويًا. ورغم أزمة العملة الصعبة، لم تتأثر مخزونات الوزارة من الزيوت التموينية، وفقًا لمصدر بإحدى الشركات الخاصة التي تورد الزيوت إلى الوزارة، إذ أدى انخفاض الطلب العام على الزيوت في الأسواق بسبب ارتفاع أسعارها، وفقًا للمصدر، إلى إتاحة كمية كافية للتموين لتلبية احتياجاتها رغم أزمة الاستيراد الضخمة.

ومع ذلك، قال العديد من حاملي بطاقات التموين، إن الزيت لم يكن متوفرًا في المنافذ، مشيرين إلى أنهم وجدوا صعوبة في الحصول على حصصهم المحددة على مدار عام كامل. «كنت بروح التموين آخد الزيت يقولولي الأسبوع الجاي، اللي بعده، ساعات كان بيعدي شهر أو اتنين مخدش زيت خالص»، يقول صالح المعداوي، سائق بمدينة بلقاس بمحافظة الدقهلية لـ«مدى مصر».

«كتير من السلع على قائمة التموين مش موجودة، رغم أن المخازن فيها كميات، لكن كل ما نسأل يكون رد الأمناء إنه مفيش إذن من الوزارة نصرف من المخزون دا، وبشكل ودي عرفنا من إدارة المؤسسة اللي بنتعامل معاها إنهم مش بيصرفو من المخزون عشان المراقبة والتفتيش اللي بيتم من جهات رقابية تابعة للوزارة، لو ملقوش كميات مخزونة بيعملولهم عقوبات بمخالفات رغم إن الوزارة هيا اللي مش بتبعت كميات كافية»، يوضح عمر*.

إلى جانب الأرز والسكر والزيت، يواجه أصحاب البطاقات نقصًا في الدقيق أيضًا. ظهر ذلك عقب  قرار الوزارة، في أبريل 2022، بخفض حصص الدقيق المخصصة لكل مخبز تمويني، فضلًا عن نقص ملحوظ في الدقيق بالمنافذ التموينية.

بدأت الوزارة، العام الماضي، خفض حصص الدقيق المخصصة للمخابز التموينية، لمدة شهر، في إجراء دوري في «رمضان» من كل عام، لكن على أرض الواقع استمرت الوزارة من ذلك الحين وحتى الآن في صرف حصص مخفضة للمخابز، دون إعلان رسمي بذلك، وفقًا لمصدر بغرفة مخابز القاهرة. 

 عقب الغزو الروسي ﻷوكرانيا، في فبراير 2022، ارتفعت أسعار الدقيق محليًا بسبب اضطراب الأسواق العالمية، وضعفت قدرة القطاع الخاص على استيراد القمح بسبب أزمة العملة الصعبة، ما تسبب في نقص المعروض المحلي من الدقيق. فقفزت أسعاره في الأسواق 114% ليصل متوسط سعر الطن إلى 15 ألف جنيه حاليًا، مقارنة بنحو سبعة آلاف جنيه مطلع العام الماضي، في حين يصل الدقيق إلى المستهلك بأسعار تتجاوز 22 جنيهًا للكيلو بدلًا من 11 جنيهًا، العام الماضي. 

توفر وزارة التموين الدقيق والخبز في منافذها ومخابزها عبر توريد تسعة ملايين طن، سنويًا، من القمح المحلي والمستورد إلى المطاحن الحكومية، والتي بدورها تمد المنافذ والمخابز بالدقيق اللازم لصناعة خبز مدعوم يكفي ثلثي السكان.

لكن، أزمة الاستيراد دفعت القطاع الخاص إلى مزاحمة «التموين» على شراء القمح المحلي بالمخالفة للقانون، وهو ما نجح فيه بالفعل على مدار موسمين متتاليين، ما تسبب في تقليص الدقيق في الأسواق ومخازن الوزارة منذ العام الماضي وحتى الآن.

بالطبع لم يختفِ الخبز كالدقيق والسلع الأخرى، فهو الأولوية القصوى لـ«التموين»، حسبما قال مصدر بالوزارة لـ«مدى مصر»، مشترطًا عدم ذكر اسمه: «ممكن حصص الدقيق اللي بتروح للمخابز تقل، وبالتالي فيه مواطن مياخدش العيش يوم، بس اليوم الثاني لازم هياخد.. إلا العيش». 

«منقدرش نقول مفيش عيش خالص، لكن الناس بتيجي تقف طوابير كل يوم وفيه ناس كتير بتمشي من غير ما تاخد عيش في اليوم ده، لأن الدقيق اللي باخده بقى أقل من الأول أنا وكل المخابز اللي حواليا»، يقول علي المغازي*، صاحب مخبز تمويني، بمحافظة الدقهلية. 

في المقابل، اختفى الدقيق من منافذ التموين بشكل تام عدة أشهر، حسبما قالت مصادر مختلفة من البدالين والمواطنين لـ«مدى مصر»، وهو ما برره المصدر بـ«التموين»، بمواجهة الوزارة أزمة في توفير القمح المحلي.

وفي ظل ارتفاع مستمر لأسعار الأعلاف، استُنفِد معظم الإنتاج المحلي من القمح هذا الموسم، في مصانع الأعلاف ومزارع الثروة السمكية، ما انعكس في شكل انخفاض في معدل التوريد المحلي خلال أول شهرين وعشرة أيام من الموسم الجاري، الذي بدأ في أبريل الماضي، بنحو ما يقرب من نصف مليون طن، مقارنة بـ3.7 مليون طن الفترة نفسها من الموسم الماضي، بحسب إحصاء هيئة سلامة الغذاء، اطلع عليه «مدى مصر».

وكانت «التموين» قد أخفقت في جمع مستهدفها من القمح خلال الموسم الماضي، حين جمعت بالكاد أربعة ملايين طن، من أصل ستة ملايين طن استهدفتها، بسبب رفض الفلاحين بيع القمح بالسعر الذي عرضته الوزارة، وكان أقل من سعر القمح العالمي.

ورغم ارتفاع واردات القمح المستورد لصالح هيئة السلع التموينية، خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري بمقدار 700 ألف طن، لتصل إلى 2.5 مليون طن، مقارنة بواردات الفترة نفسها من العام الماضي، وفقًا لبيانات رسمية اطلع عليها «مدى مصر». استهلكت الوزارة نصف مليون طن من هذه الكمية في عمليات بيع القمح للقطاع الخاص عبر «بورصة السلع».

عمر*، البدّال التمويني بمدينة زفتي، قال لـ«مدى مصر»، إنه لم يجد الدقيق بسهولة في مخازن وزارة التموين على مدار أشهر، وحين تتوفر منه كمية يعرضها أمين المخزن عليه بسعر 20 جنيهًا للكيلو، في الوقت الذي كان سعرها التمويني الرسمي 11 جنيهًا، في أبريل الماضي، قبل أن ترفع الوزارة سعره رسميًا إلى 18 جنيهًا مايو الماضي.

يشتري عمر الدقيق بسعره غير الرسمي أحيانًا، لهدفين: الأول لبيعه في السوق السوداء مباشرة، أو لطرحه في المنافذ للمواطنين بالسعر غير الرسمي، الذي يظل أقل من سعر السوق (بين 23 و50 جنيهًا للكيلو).  

«الحكومة بتحاول تخلي الحاجات تشيل بعض، يعني هَندّي القطاع الخاص شوية دقيق عشان نسند رغيف العيش الحر، لكن ده هيسمّع الناحية التانية في شكل نقص في الدقيق اللي بيروح المخابز والمنافذ. بس في الآخر الدقيق بتاع المنافذ مش سلعة استراتيجية، لكن دقيق المخابز، سواء التموينية أو المخابز السياحية، سلعة الحكومة متقدرش تغامر بنقصها»، يقول المصدر بـ«التموين».

سوء الإدارة الحكومية، وهشاشة الوضع الاقتصادي، يدفع أم محمد، وملايين غيرها، من أصحاب البطاقات التموينية إلى إنفاق المزيد من دخولهم المحدودة لتعويض نقص سلع غذائية مهمة، والتخلي عن احتياجات أخرى. وبحسب آخر أبحاث الدخل والإنفاق الحكومية، الصادر منذ ثلاثة أعوام، فإن الشرائح الأفقر في مصر تنفق ما يقرب من نصف دخلها الضئيل على الطعام والشراب، وهو ما يعوضه نسبيًا دعم السلع التموينية، الذي يوفر، في الشريحة الأفقر، نحو 12% من إجمالي إنفاقهم على الطعام. وبارتفاع التضخم وزيادة تردي الوضع الاقتصادي، يضطر المزيد من المواطنين، إلى زيادة إنفاقهم على الطعام بشكل مضطرد، والتخلي، في مقابل ذلك، عن احتياجات أخرى مثل التعليم، والصحة، والكساء، والمسكن.

* اسم مستعار.

** تصحيح: قمنا بتعديل هذه الفقرة لتدقيق الأرقام الخاصة بإنتاج مصر السنوي من السكر.

عن الكتّاب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن