تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
 بدء مهام «صون الديمقراطية» بإحالة جرائم التموين لـ«القضاء العسكري»

 بدء مهام «صون الديمقراطية» بإحالة جرائم التموين لـ«القضاء العسكري»

كتابة: رنا ممدوح 9 دقيقة قراءة

أقر مجلس النواب، الأحد الماضي، تعديلات جديدة على قانوني «حماية المنشآت العامة»، و«القضاء العسكري»، توسّع من سيطرة الجيش على الحياة المدنية للبلاد، وتمنح القضاء العسكري وضباط الشرطة العسكرية مزيدًا من اختصاصات القضاء العادي والشرطة المدنية.

فبدلًا من ملاحقة الشرطة لمرتكبي جرائم مثل المتعلقة بالسلع والمنتجات التموينية ومحاكمتهم أمام قاضيهم الطبيعي، منحت التعديلات ضباط الجيش سلطة معاونة ضباط الشرطة في القبض على مرتكبي تلك الجرائم مع منح رئيس الجمهورية أو من يفوضه سلطة تحديد قائمة بالجرائم الأخرى التي يراها تهدد «مقتضيات الأمن القومي» أو «المقومات الأساسية للدولة» ليستكمل القضاء العسكري المهمة بمحاكمتهم عسكريًا.

التعديلات الجديدة تُعد أول تطبيق للمهام التي سبق ووصفتها مصادر لـ«مدى مصر» بـ«الغامضة»، والتي منحتها التعديلات الدستورية عام 2019 للقوات المسلحة، والتي نصت على: «صون الدستور والديمقراطية، والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها، ومكتسبات الشعب وحقوق وحريات الأفراد».

قانونيون وسياسيون تحدثوا لـ«مدى مصر» اعتبروا هذه التعديلات تطورًا خطيرًا في مسار عسكرة الدولة، وتوسعًا غير مسبوق في إحالة المدنيين للقضاء العسكري، ورسالة تخويف نابعة من تحليل خاطئ للأزمة الاقتصادية بوصفها أزمة جشع تجار وليس أزمة سلطة وسياسات أغرقتنا في الديون.

في 22 يناير الماضي، تسلم رئيس مجلس النواب مشروعي القانونين من الحكومة، وأحالهما إلى لجنة الدفاع والأمن القومي، التي عقدت اجتماعًا لهما في اليوم التالي حضره وزير شؤون المجالس النيابية، علاء فؤاد، ومساعد وزير الدفاع للشؤون الدستورية والقضاء العسكري، اللواء ممدوح شاهين، وعدد من المستشارين. ودون تعديلات تذكر، وافقت اللجنة على مشروعي القانونين وأحالتهما إلى الجلسة العامة لـ«النواب».

وعلى نفس المنوال، وافقت الجلسة العامة على المشروعين في جلسة 28 يناير الماضي، وذلك بعد أن أشاد رئيس المجلس، حنفي جبالي، وكثير من نواب البرلمان بالجيش، وحِرَفية وزارة الدفاع في صياغة التعديلات المرتبطة بإنشاء القضاء العسكري لمحكمة جديدة لاستئناف الأحكام الصادرة من محكمة الجنايات العسكرية، وبتنفيذ الجيش للدستور، وذلك على عكس ما فعله مع وزير العدل عند مناقشة تنظيم الأمر نفسه في القضاء العادي الأسبوع الماضي.

التعديلات التي مرت دون استفسارات أو اعتراضات، تضمنت في ما يتعلق بقانون «حماية المنشآت» استمرار المهمة الاستثنائية التي بدأها الجيش في يناير 2011 -عقب انسحاب الشرطة وتولي المجلس العسكري إدارة شؤون البلاد- في حماية وتأمين المنشآت العامة والمرافق الحيوية للدولة، ثم مرت بعدة مراحل قبل أن تصل إلى مرحلتها النهائية الحالية؛ كوظيفة دائمة للقوات المسلحة في اقتسام مهام حفظ الأمن وحماية المنشآت والخدمات مع الشرطة.

تضمن مشروع القانون، الذي قالت الحكومة في المذكرة الايضاحية له إنه يستند إلى المادتين 200 و204 من الدستور، دمج جميع القوانين التي أعطت اختصاص حماية المنشآت للقوات المسلحة، بداية من القانون الذي أصدره الرئيس الأسبق، محمد مرسي، في يناير 2013، لدعم القوات المسلحة للشرطة، والتنسيق معها في مهام حفظ الأمن وحماية المنشآت الحيوية بالدولة بشكل مؤقت، بدأ في 30 يناير 2013، وانتهى بإجراء الانتخابات التشريعية وقتها، وهو القانون الذي لم يمنح فيه مرسي للقضاء العسكري أي اختصاص، وإنما نص على اختصاص القضاء العادي بالفصل في الوقائع المرتبطة به.

وعلى عكس قانون مرسي، وسع الرئيس عبد الفتاح السيسي مع قدومه للسلطة، مهام القوات المسلحة المدنية، لتشمل التعاون مع الشرطة ليس فقط لحماية المنشآت والمقار الحكومية، ولكن امتدت لتشمل «محطات وشبكات أبراج الكهرباء وخطوط الغاز وحقول البترول وخطوط السكك الحديدية وشبكات الطرق والكباري وغيرها من المنشآت والمرافق والممتلكات العامة وما يدخل فى حكمها»، فضلًا عن تضمنه التأكيد على اختصاص القضاء العسكري في التحقيق ومحاكمة المتهمين بجرائم الاعتداء على تلك المنشآت. اقتصر التطبيق في البداية على سنتين، انتهت في 28 أكتوبر 2016، قبل أن يمد السيسي تلك المدة خمس سنوات جديدة، انتهت في 28 أكتوبر 2021، وهو ما تبعه في نوفمبر من العام نفسه بإصدار قانون يجعل معاونة الجيش للشرطة في تلك المهام، وإحالة المتهمين في الجرائم المرتبطة بذلك القانون إلى القضاء العسكري، وظيفة دائمة.

وعلى غرار جميع القوانين الخاصة بمعاونة الجيش للشرطة في مهام حماية المنشآت، تضمن مشروع القانون الحالي منح ضباط وضباط صف القوات المسلحة، الذين يحددهم وزير الدفاع ويحدد أماكنهم ومهامهم، سلطات الضبط القضائي المقررة لضباط وأفراد الشرطة.

وأضاف المشروع اختصاصًا جديدًا للقوات المسلحة، يتمثل بمعاونة الشرطة في مواجهة الأعمال والتعديات التي تخل بسير عمل المرافق العامة والحيوية بالدولة، أو الخدمات التي تؤديها بجميع أنواعها، وبالأخص التي تضر باحتياجات المجتمع الأساسية، ومنها السلع والمنتجات التموينية، بما يحفظ «المقومات الأساسية للدولة» أو «مقتضيات الأمن القومي»، التي منح القانون للرئيس أو من يفوضه سلطة تحديدها بعد موافقة مجلس الدفاع الوطني عليها. وأكدت التعديلات الأخيرة كذلك على اختصاص القضاء العسكري بمحاكمة المتهمين في الجرائم المرتبطة بالقانون.

«عايزين يخوفوا التجار بالجيش، ولو مفيش محاكم أمن دولة طوارئ دلوقتي، فيه قضاء عسكري هيخلص بسرعة»، يقول نائب لرئيس محكمة النقض لـ«مدى مصر» شارحًا الهدف من التعديلات. ووصف القاضي هذه التعديلات بأنها «الأخطر» بين كل التعديلات الدستورية والتشريعية التي تعطي للجيش سلطات مدنية، لكونها تحول البلاد إلى وحدات عسكرية، وتعطي لرئيس الجمهورية أو من ينيبه، سواء كان وزير الدفاع أو غيره، تفويضًا لتحديد ما يشاء من الجرائم التي يحاكم مرتكبوها «استثنائيًا» أمام القضاء العسكري بدلًا من قاضيهم الطبيعي، وذلك ترسيخًا لوضع استثنائي توجد فيه القوات المسلحة في كل تفاصيل الحياة العادية اليومية.

بخلاف كل الدساتير التي عرفتها مصر منذ 1882 حتى 2014، حددت التعديلات الدستورية التي وافق عليها الشعب في أبريل 2019 مهام جديدة للقوات المسلحة، بجانب وظيفتها الوحيدة المتعارف عليها والمتمثلة في حماية البلاد والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها. تضمنت المادة 200 من الدستور ثلاث مهام جديدة للجيش تتمثل في «صون الدستور والديمقراطية، والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها، ومكتسبات الشعب وحقوق وحريات الأفراد»، وهي المهام التي لم يستطع الكثيرون وقتها التنبؤ بما يعنيه تطبيقها فعليًا على صعيد الإجراءات والقرارات التي قد يتخذها الجيش تنفيذًا لها. وتخوف البعض من أن تضمين مهام وصلاحيات الجيش بعبارات فضفاضة يعطي له هامش واسع لتفسير تلك العبارات وفقًا لرؤيته.

وبعد قرابة خمس سنوات من التعديلات الدستورية، وجدت السلطة ضالتها في المهام الجديدة للقوات المسلحة، وأسندت إليها مهامًا مدنية تتعلق بـ«حماية ودعم منظومة الأمن الاستراتيجي للسلع الغذائية الأساسية على مستوى الجمهورية والتأكيد على توفيرها للمواطنين»، باعتبار هذا الأمر هو أحد التفسيرات لعبارات مثل «المقومات الأساسية للدولة» و«مقتضيات الأمن القومي»، وكذلك منح رئيس الجمهورية حق إتباعها بتفسيرات جديدة.

أستاذ العلوم السياسية، مصطفي كامل السيد، وصف التعديلات بـ«العبثية» موضحًا لـ«مدى مصر» أنها تمثل إمعانًا في عسكرة الدولة وسلب اختصاصات الشرطة والقضاء العادي في مواجهة الجرائم المدنية التي تنظمها القوانين العادية من ناحية، ومن ناحية أخرى تعبر عن فهم خاطئ للأزمة الاقتصادية وآليات مواجهتها.
وأشار السيد إلى أن الاعتقاد بأن سبب تردي الأوضاع الاقتصادية في البلاد هو جشع التجار، وميل بعضهم إلى تخزين السلع، وبيعها في السوق السوداء، وأن تدخل الجيش لمواجهة تلك الجرائم سيحل الأزمة الاقتصادية هو أمر خاطئ. أضاف السيد أنه بدلًا من أن تفكر السلطة في حلول مثل تغيير المسؤولين عن الملف الاقتصادي أو التوقف عن الاستدانة أو إعادة ترتيب الأولويات أو غيرها من الحلول، فإنها تعلّق الأزمة على شماعة التجار الجشعين أو الإخوان المسلمين أو غيرها من الشماعات، لاستدعاء وضع استثنائي والدفع بالجيش للأسواق والتوسع في محاكمة المدنيين عسكريًا.

لكن وكيل لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب، يحيى كدواني، يعتبر من جانبه أننا إزاء ظرف استثنائي يستدعي تدخل الجيش لحماية المواطنين من جشع التجار، مضيفًا لـ«مدى مصر» أنه «مينفعش نسكت لما البصل يوصل 50 جنيه ومنلاقيش رز وسكر». وشدد كدواني على أن «الجيش لن يحل محل الشرطة وإنما يعاونها لمنحها القوة والقدرة على ضبط الأسواق».

واتخذت الحكومة مجموعة من الإجراءات العقابية لضبط الأسواق خلال الأيام الماضية. وافق مجلس الوزراء في الثالث من يناير الماضي على إدخال تعديلات على قانون حماية المستهلك لتغليظ عقوبة حبس السلع الاستراتيجية المخصصة للبيع، سواء بإخفائها أو عدم طرحها للبيع، أو الامتناع عن بيعها بالحبس مدة لا تقل عن سنة، وغرامة لا تقل عن 100 ألف جنيه ولا تجاوز مليوني جنيه، أو ما يعادل قيمة البضاعة أيهما أكبر، مع مضاعفة حدّي العقوبة في حالة العود، لتصبح سجنًا وغرامة لا تقل عن 300 ألف جنيه، ولا تجاوز خمسة ملايين جنيه مع مصادرة البضاعة، والحكم بإغلاق المحل مدة لا تجاوز ستة أشهر، أو إلغاء رخصته، وهو القانون الذي لم يمرره مجلس النواب حتى اليوم، بما يرجح أن يقر بعد تصديق رئيس الجمهورية على تعديلات قانون حماية المنشآت والقضاء العسكري لتتولى القوات المسلحة تنفيذه.

رئيس مؤسسة دعم العدالة، ناصر أمين، من جانبه، وصف التعديلات بـ«الكارثية»، مطالبًا رئيس الجمهورية بعدم التصديق عليها وإدخالها حيز التنفيذ لكونها تنتهك حق المواطنين في المحاكمات العادلة والمنصفة أمام قاضيهم الطبيعي وعدم محاكمتهم عسكريًا إلا في الحدود التي رسمها الدستور.

وأكد أمين على أن حماية المنشآت العامة هو أمر مدني من اختصاص وزارة الداخلية، لافتًا إلى أن المرافق العامة بما تشمله من منشآت وطرق وغيرها هي مجال حركة المدنيين، والجرائم التي تلحق بها، وبغيرها من المنشآت، شملها قانون العقوبات بالتنظيم الكافي لضمان نظرها أمام القضاء الطبيعي، دون تعريض المواطنين للمحاكمات العسكرية التي تعد قضاءً استثنائيًا لهم.

وتضمنت تعديلات قانون القضاء العسكري الأخيرة، إضافة «الجرائم التي تقع على المنشآت والمرافق العامة والحيوية والممتلكات العامة وما يدخل في حكمها والتي تتولى القوات المسلحة حمايتها» إلى قائمة الجرائم التي تختص محاكم القضاء العسكري بنظرها.

مصدر قضائي بالمحكمة الدستورية العليا، اعتبر من جانبه أن التعديلات الأخيرة على القانونين تؤسس لتولي القضاء العسكري محاكمة المدنيين بوصفه بديلًا دائمًا   لمحكمة أمن الدولة العليا التي كانت تشكل وقت سريان قانون الطوارئ، ويحيل إليها رئيس الجمهورية بوصفه الحاكم العسكري أو من يفوضه، بشكل استثنائي، سلطة الفصل في الجرائم التي يحددها

وكان الحاكم العسكري أسند لمحكمة أمن الدولة طوارئ في السنوات الماضية، التي طُبق فيها القانون قبل إلغائه في أكتوبر 2021، سلطة الفصل في كثير من الجرائم مثل «التجمهر»، و«التموين»، و«التسعيرة الجبرية»، و«الأسلحة والذخائر»، و«حرمة أماكن دور العبادة»، و«التظاهر»، و«تجريم الاعتداء على حرية العمل» و«تخريب المنشآت»، و«مكافحة الإرهاب».

محكمة أمن الدولة العليا كانت محكمة استثنائية تشكل فقط في حالة سريان حالة الطوارئ، وتحال أحكامها إلى الحاكم العسكري «رئيس الجمهورية أو من يفوضه للتصديق عليها». وبعد التصديق على أحكامها، تعد أحكامًا نهائية لا يجوز الطعن عليها، ويجوز فقط التظلم على أحكامها أمام الحاكم العسكري.

وكان دستور 2014 حظر محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري إلا في حالة وحيدة تتمثل في الاعتداء «المباشر» على المنشآت العسكرية وما في حكمها، قبل أن تضيف التعديلات الدستورية الأخيرة، مهام إضافية لصلاحيات القضاء العسكري في محاكمة المدنيين في حال الاعتداء ولو كان غير مباشر على المنشآت العسكرية، وحتى غير العسكرية التي يتولى الجيش حمايتها.

وشدد المصدر الذي يعمل كنائب لرئيس المحكمة الدستورية العليا أن «محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري أصبحت أمرًا واقعًا لا تحده أي ضوابط أو حدود بخلاف رغبة رئيس الجمهورية». 

عن الكاتب

رنا ممدوح

صحفية مصرية متخصصة في الشؤون القضائية والبرلمانية.  عملت لصالح عدد من الصحف المصرية والعربية، منها «الدستور»  و«التحرير» و«المقال» و«الأخبار» [اللبنانية] و«السفير العربي». وذلك بالإضافة إلى عملها كمراسلة لوكالة الأنباء الروسية…

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن