تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
ملوك المجاعة

ملوك المجاعة

كتابة: مدى مصر 29 دقيقة قراءة

في رمضان العام الماضي، توجه وفد من رجال الأعمال الفلسطينيين المقيمين في مصر لمقابلة رجل الأعمال السيناوي الشهير، إبراهيم العرجاني. الهدف من الاجتماع كان إبلاغه بـ«امتعاض رجال الأعمال والتجار والمواطنين الفلسطينيين» من آلية إدخال البضائع إلى القطاع، والتي «خلقت حالة من الاحتكار وعدم وجود منافسة ساهمت في غلاء الأسعار»، بحسب تقرير أرسله وزير الاقتصاد الفلسطيني، محمد العامور، إلى رئيس الوزراء، محمد مصطفى، في أبريل 2024.

تطرق النقاش في هذا الاجتماع إلى خمس شركات فلسطينية كانت تحتكر وقتها استيراد البضائع عن طريق شركة «أبناء سيناء» المملوكة للعرجاني، عبر معبر رفح، مقابل رسوم مالية طائلة تُحصّلها أطراف عدة، فيما بات يُعرف بـ«تنسيقات البضائع».

أوضح العرجاني، بحسب التقرير، أن اعتماد هذه الشركات الخمسة «جاء بتعليمات إسرائيلية، وأنه سوف يعمل على تعديل وزيادة الأسماء مع الجهات الرسمية التي تجتمع مع الجانب الإسرائيلي».

لكن «أبناء سيناء» دافعت خلال الاجتماع عن موقفها فيما يتعلق بزيادة الأسعار. «بما إن التجار الفلسطينيين يتقاضون مبالغ باهظة من هذه التجارة (بسبب الاحتكار) ويستفيدون جراء ذلك، فلم لا تستفيد شركة أبناء سيناء أيضًا؟؟!!!»، حسبما نقل التقرير عن الاجتماع، الذي أضاف أن الشركة تعهدت بتخفيض الأسعار «إذا خفض التجار الفلسطينيون أسعارهم».

بحسب قاعدة بيانات أعدتها الغرفة التجارية بمحافظة غزة، والتي شملت توزيع أموال تنسيقات البضائع طوال عامي الحرب، حصل عليها «مدى مصر» وتُنشر بياناتها للمرة الأولى، تجاوزت أموال تنسيقات دخول البضائع إلى القطاع مليار دولار خلال العامين الماضيين.

يكشف التقرير، الذي حصل عليه «مدى مصر» أيضًا ويُنشر للمرة الأولى، ملامح نظام احتكاري لإدخال ونقل المساعدات والبضائع التجارية إلى القطاع، نظام وضعت إسرائيل أسسه مع الشهور الأولى من الحرب التي شنتها على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023. وشاركت أطراف مختلفة في كعكة جلبت مليارات الدولارات، من تخزين ونقل وتأمين وبيع بأسعار غير مسبوقة لهذه البضائع، على حساب ملايين الجوعى في القطاع، وسط إبادة تجاوزت أبعادها كل خيال.

وراء هذا النظام، تقف شبكة من رجال الأعمال ينتفعون من «الجوع الشديد والفقر المدقع» الذي يعاني منه الفلسطينيون في غزة: العرجاني يسيطر على ما يُعرف باسم «الخط المصري»، وآخرون على «الخط الإسرائيلي»، والجميع يحقق أرباحًا طائلة من بيزنس تخزين ونقل وتأمين البضائع والمساعدات في القطاع، من خلال نظام معقد تغير مرارًا خلال العامين الماضيين، لكنه ظل تحت سيطرة إسرائيلية كاملة.

صورة من تقرير عن اجتماع رجال الأعمال الفلسطينيين مع العرجاني - المصدر: «مدى مصر».

بعد أن توقف كل شيء تمامًا في الأسابيع الأولى من الحرب، دفعت ضغوط دولية إسرائيل للسماح بإدخال بعض المساعدات بحلول نوفمبر 2023. واعتمدت في البداية على البنية التحتية القائمة بالفعل لإدخالها وتوزيعها داخل القطاع، وعلى رأسها الشبكات التابعة لمنظمات الأمم المتحدة المختلفة وكبرى منظمات الإغاثة العالمية.

على الجانب المصري من الحدود، كانت «أبناء سيناء» هي الشركة الوحيدة التي تمتلك بنية تحتية مؤهلة لتولي تخزين وشحن ونقل هذه المساعدات من الجانب المصري في مدينة العريش. هذه البنية تأسست قبل أعوام من بداية الحرب، حيث انفردت الشركة، «ليس فقط بشحن البضائع من وإلى غزة، ولكن نضمن لك أمان كامل لشحنتك من بداية الطريق إلى نهايته»، بحسب وصفها في منشور على صفحتها على فيسبوك في 2022. على مدار هذه الأعوام، تكررت الاجتماعات بين العرجاني وتجار غزة بهدف «تذليل أي عقبات وتيسير أعمال التصدير للقطاع»، وشهدت تلك اللقاءات مناقشات حول التكلفة وغيرها من المشاكل، بحسب تصريحات العرجاني في 2019. 

في هذا الوقت، كانت «أبناء سيناء» تُحصّل ما يتراوح بين ثلاثة آلاف إلى خمسة آلاف دولار رسومًا عن كل شاحنة بضائع تدخل إلى القطاع، بحسب عدد من التجار في مدينة العريش وغزة من المتعاملين مع الشركة. 

هذه الجاهزية دفعت مختلف المؤسسات الدولية وحتى بعض الدول المانحة للاعتماد على «أبناء سيناء»، مع بدء السماح بدخول المساعدات بعد شهر من بداية الحرب.

المشهد أمام معبر رفح أظهر هذا بوضوح: انتشر موظفو شركات العرجاني، وبعضهم قيادات سابقة في اتحاد قبائل سيناء، بين الشاحنات لترقيمها وتنظيمها وتفتيشها قبل إرسالها إلى المعابر الإسرائيلية. تتواجد سيارات تابعة لشركات «مصر سيناء للتنمية الصناعية والاستثمار» و«إيتوس» للخدمات الأمنية، التابعتين للعرجاني، بينما يتوجه السائقون إلى مكتب تعتيق (إفراغ وتحميل) تابع لـ«أبناء سيناء» داخل المعبر للتوقيع على البوليصة الخاصة بانتهاء رحلتهم، بعد إفراغ الشاحنات حمولاتها عند الجانب الإسرائيلي.

مكتب تعتيق (إفراغ وتحميل) «أبناء سيناء» في ساحة معبر رفح - المصدر: «مدى مصر»

لكن، لم يكن أي قدر من المساعدات كافيًا لسد احتياجات الناس في غزة، خصوصًا مع حجم الدمار الواسع الذي أصرت عليه إسرائيل كأسلوب في حربها غير المسبوقة، وما تبعه من حركات نزوح مستمرة للسكان. نقصت السلع في الأسواق سريعًا وبدأت الأسعار في الارتفاع.

تدخلت أطراف دولية، من بينها الولايات المتحدة، للسماح بدخول البضائع التجارية إلى جانب المساعدات، بغرض «تحسين حياة الشعب الفلسطيني في غزة، بحيث لا يقتصر ما يتم إيصاله إلى القطاع على المساعدات الإنسانية، بل يشمل البضائع التجارية التي يمكن بيعها في المحال والأسواق»، بحسب المتحدث باسم الخارجية الأمريكية وقتها، ماثيو ميلر، في نهاية 2023.

استجابت إسرائيل بالفعل في ديسمبر 2023 لعدة أسباب. من ناحية، يرفع هذا قدرًا من الضغط الذي تتعرض له، خصوصًا مع غياب أي أفق لانتهاء الحرب. ومن ناحية أخرى، إذا اضطرت إسرائيل لإدخال أي شيء للقطاع، فإنها تفضّل البضائع على المساعدات. البضائع تُباع بأموال يواجه كثير من أهل غزة صعوبات متزايدة لكسبها، على عكس المساعدات التي يحصلون عليها دون مقابل. وفي النهاية، تقوم إسرائيل بتسجيل كل ما يدخل إلى القطاع باعتباره «مساعدات»، بغض النظر عما إذا كانت مساعدات فعلًا أو بضائع تجارية، كما يظهر في قاعدة بياناتها الرسمية. يرفع هذا من الأرقام الإسرائيلية لما تسمح بإدخاله من «مساعدات» بغض النظر عن حقيقة طبيعتها. 

وضعت إسرائيل نظامًا مُحكمًا لإدخال هذه البضائع، واستمر هذا النظام في التغير طوال ما يقرب من عامين. 

في البداية، منحت إسرائيل تصريحًا لخمس شركات فلسطينية لاستيراد البضائع إلى القطاع بشكل حصري، وفقًا لتقرير العامور، ليبدأ ما عُرف في أوساط الفلسطينيين بـ«تنسيقات البضائع». وفقًا لهذا النظام، يتواصل التجار مع واحدة من الشركات الخمسة لاستيراد البضائع عبر ترخيصها الإسرائيلي. وفي المقابل، تحصل الشركة على مبلغ من المال من التجار.

الشركات الخمسة كانت: شركة السقا وخضري للتجارة والمقاولات العامة، شركة عماد الدين نجم للتجارة والمقاولات، شركة عزو عقل للنقليات والتجارة العامة، شركة نفط غزة محمد الخزندار للتجارة العامة- ثري برازرز (استيراد وتسويق المحروقات)، وشركة إبراهيم الطويل للتجارة العامة.

في تقريره، وصف الوزير الفلسطيني الشركات الخمسة بأنها غير متخصصة في استيراد وتسويق السلع الأساسية، حيث تقتصر مهامها على التنسيق للتجار الفلسطينيين مع الجانب الإسرائيلي.

جميع البضائع التجارية التي دخلت القطاع في الشهور الأولى من الحرب، بعد السماح بها في يناير 2024، جاءت من مصر، كما يشرح عائد أبو رمضان، رئيس الغرفة التجارية في محافظة غزة لـ«مدى مصر». تتواصل الشركات الفلسطينية الخمسة، والتي تتمتع بتصريح إسرائيلي، مع «أبناء سيناء» بطلباتها من البضائع، بينما تتولى «أبناء سيناء» كل ما يتعلق بجلب وشحن ونقل البضائع وترتيبات دخولها عبر المعابر.

شاحنات «أبناء سيناء» أمام ميناء رفح البري - المصدر: «مدى مصر»

حتى ذلك الوقت، كانت الشاحنات التي تحمل هذه البضائع والمساعدات تتجه إلى بوابة معبر رفح المصرية، قبل أن تتحرك إلى نقطة التفتيش الإسرائيلية، سواء عند معبر كرم أبو سالم (بين غزة وإسرائيل) أو معبر العوجة (بين مصر وإسرائيل). بعد انتهاء التفتيش، تعود الشاحنات إلى معبر رفح مرة أخرى ليتسلمها الجانب الفلسطيني: المساعدات تذهب إلى المؤسسات الإغاثية والبضائع إلى التجار أو مندوبيهم. حمولة كل شاحنة وطبيعتها تُعرف برقمها والرقم القومي لسائقها، بحسب مصدر مسؤول بالغرفة التجارية في محافظة رفح، تحدث إلى «مدى مصر» شريطة عدم الكشف عن هويته. هذه العملية، منذ بدايتها وحتى تسلم التاجر بضاعته، «تعتمد على اتفاقات شفهية بين جميع الأطراف»، يقول المصدر.

في هذا التوقيت، كانت الشركات الخمسة تُحصّل من تجار غزة مبالغ تراوحت بين عشرة و25 ألف دولار لكل شاحنة، حسب نوع السلعة، طبقًا لتقرير العامور. من ناحيتها، كانت «أبناء سيناء» تحصل على ما يتراوح بين سبعة آلاف و13 ألف دولار مقابل التنسيق والنقل عن كل شاحنة، إلى جانب ألف دولار «بدل رسوم وأتعاب»، و60 دولار مقابل كل يوم انتظار في المعبر، والذي قد يصل إلى مدة شهر، وتسعة آلاف دولار لتخطي الانتظار الطويل.

أدى هذا إلى ارتفاع رهيب في أسعار البضائع في القطاع. طلبت الغرف التجارية في غزة بالسماح لجميع الشركات بالاستيراد الحر و«كسر الاحتكار الواقع من شركة أبناء سيناء أو الشركات الخمس». وأوصى الوزير الفلسطيني ببعض الإجراءات، من بينها الضغط الدولي على إسرائيل للسماح بدخول البضائع من ناحية الضفة الغربية «ومنع احتكار البضائع الواردة من مصر».

بحسب قاعدة بيانات الغرفة التجارية، تجاوزت قيمة التنسيقات هذه الفترة مبلغ 28 مليون دولار، وهي قيمة على الرغم من ارتفاعها، إلا أنها ستتضاعف عشرات المرات خلال الشهور اللاحقة مع استمرار كابوس الإبادة.

وعلى ما يبدو، تدخل العرجاني بالفعل باستخدام نفوذه، حيث يشير التقرير إلى أن تغييرًا حدث بعدها بأسابيع، بعد عيد الفطر، في أبريل 2024. ارتفع عدد الشركات إلى 25، بينهم الخمسة السابقين.

لكن  النظام نفسه استمر حتى مايو 2024، حين تسبب الغزو الإسرائيلي لرفح واحتلال الجانب الفلسطيني من المعبر في توتر كبير للعلاقات بين مصر وإسرائيل.

بدأت إسرائيل في السماح بدخول بضائع من ناحية الضفة الغربية، وانتقلت نقطة العبور من معبر رفح إلى معبر كرم أبو سالم، تحت سيطرة إسرائيلية كاملة، في ظل غياب رسمي فلسطيني بعد احتلال معبر رفح، الذي كان خاضعًا بشكل عملي لسيطرة حكومة حماس. 

ورغم هذه التغيرات، استمرت سيطرة «أبناء سيناء» على كل البضائع القادمة من مصر. وبشكل عام، في حالة توافر الاستيراد من كلا الخطين، المصري والإسرائيلي، يفضّل التجار الفلسطينيون الخط المصري بسبب تنوع البضائع وانخفاض أسعارها مقارنة بالخط الإسرائيلي. واستقر هذا النظام حتى فرضت إسرائيل حظرًا رسميًا على دخول البضائع من كل المنافذ في أكتوبر 2024، بدعوى استفادة أعضاء من حركة حماس من هذه التجارة.

لكن هذا الحظر لم يمنع إدخال البضائع، سواء من مصر أو الضفة الغربية. «كان ممنوع القطاع الخاص يدّخل أي حاجة، ولكن شفنا القطاع الخاص بيدخل كل حاجة»، يقول أبو رمضان، وذلك عبر شبكة معقدة وصفها بـ«مافيا الحروب» في مصر وإسرائيل.

بضائع مصرية دخلت القطاع رغم الحظر الإسرائيلي

هذه الشبكة اعتمدت على إدخال البضائع تحت ستار المساعدات، كما تشير تقارير اتحاد الغرف التجارية الفلسطينية في غزة. جميع البضائع التجارية التي دخلت إلى القطاع منذ بدء هذا الحظر كانت عبر هذا الطريق، بحسب تقرير الاتحاد في ديسمبر، لتبدأ مرحلة جديدة من التنسيقات.

يشرح مصدر الغرفة التجارية برفح أن التجار كانوا يتواصلون مع إحدى الشركات الفلسطينية التي تحمل تصريحًا إسرائيليًا. إذا كانت البضاعة مطلوبة من مصر، تتواصل هذه الشركة مع «أبناء سيناء» لتحديد الطلبية، على أن تقوم «أبناء سيناء» بتسهيل كل الإجراءات. العملية ذاتها تحدث مع البضائع القادمة من الضفة الغربية، ولكن مع شركات أخرى.

ويقول أبو رمضان أن شركات النقل، بالتعاون مع موظفين في المؤسسات الإنسانية في مصر وإسرائيل، كانت تتلاعب في الأوراق المطلوبة لتغيير هوية البضائع إلى مساعدات. تعتمد هذه الآلية بشكل كامل على المنظمات الإقليمية والدولية التي يُسمح لها بإدخال المساعدات، عبر الوصول إلى تفاهمات غير رسمية معها للسماح بإدخال جزء من البضائع ضمن مساعداتها، مقابل مبالغ مالية يحصل عليها الموظفون. خلال هذه الفترة، بدأت مجموعة مختلفة من الموظفين داخل مؤسسات دولية من بينها «ورلد سنتر كتشن» ومؤسسة «رحمة» ومؤسسة «أنيرا» في المشاركة في تهريب البضائع تحت ستار المساعدات، بحسب كل من المصدر المسؤول بالغرفة التجارية برفح وأبو رمضان، وهو ما تؤكده نسخة من إحدى أوراق كشوفات «وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق- كوجات» الإسرائيلية من أحد المعابر، حصل عليها «مدى مصر»، والتي شملت مختلف أنواع السلع التي لا تشملها المساعدات وتدخل فقط كبضائع تجارية.

صورة من كشوفات «وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق- كوجات» الإسرائيلية

تولت شركة اللوجستيات الفلسطينية «منهل شحيبر»، والتي تعمل في معبر كرم أبو سالم، منذ سنوات، مسؤولية إدارة ترتيبات دخول الشاحنات. هذه الشركة، بحسب أبو رمضان، تقوم بتسليم ما تسمح إسرائيل بإدخاله إلى الشركات الموجودة على الناحية الفلسطينية والتي تتولى نقلها وتسليمها إلى التجار أصحاب هذه البضائع أو وسطائهم. «اللي بيدخل من الجانب الإسرائيلي خلاص بيعدي ومفيش حد بيسأل إيه اللي معك، ولمين فبالتالي اللي يتحكم بالأمور دي هم الشركة الفلسطينية اللي في المعبر»، يقول أبو رمضان، الذي أكد أن كل هذا يتم بإشراف وتواطؤ إسرائيلي.

بحسب قاعدة بيانات غرفة محافظة غزة التجارية، وصلت قيمة تنسيقات البضائع خلال الشهور القليلة بين أكتوبر 2024 وحتى وقف إطلاق النار في يناير 2025 إلى ما يقرب من نصف مليار دولار.

يشير تحليل للغرفة التجارية لأسعار السلع وإمداداتها في القطاع، خلال الأيام الأولى من يناير الماضي، إلى أن دخول البضائع عبر القنوات الإنسانية تسبب في ارتفاع أسعارها بشكل كبير، بعدما بلغت رسوم التنسيق ما بين 60 و150 ألف دولار تقريبًا لكل شاحنة، تختلف حسب نوع البضائع.

مع سريان وقف إطلاق النار في يناير الماضي، اتسع نطاق دخول البضائع تحت ستار المساعدات بشكل كبير. نص الاتفاق على دخول 600 شاحنة محملة بالمساعدات يوميًا من كل المعابر. خصصت إسرائيل معبر كرم أبو سالم للمساعدات القادمة من ناحية مصر، ومعبر إيريز لتلك القادمة من الضفة والأردن وإسرائيل.

خريطة معابر غزة التي تدخل منها البضائع والمساعدات. المصدر: «مدى مصر»

خلال هذه الفترة، كانت وسائل الإعلام المصرية الرسمية التي يُسمح لها حصرًا بالتواجد داخل الجانب المصري من معبر رفح تصف الشاحنات التي تدخل يوميًا من الجانب المصري بـ«شاحنات المساعدات»، والتي بلغت بين 300-350 شاحنة يوميًا، بحسب تقديراتها.

في هذا الوقت أكد سلامة معروف، مدير مكتب الإعلام الحكومي في غزة، لـ«مدى مصر» أن عدد الشاحنات التي يسمح بها الاتفاق جميعها من المساعدات، «ولا علاقة لهذا الرقم بشاحنات التجار والقطاع الخاص». لكن، رصد الغرفة التجارية لحركة البضائع خلال يناير الماضي قال إن «معظم الشاحنات التي تدخل [من مصر] عبر معبر كرم أبو سالم كانت بضائع تجارية تم بيعها في الأسواق المحلية».

طبقًا لتقدير مصدرين في الهلال الأحمر المصري، كان نحو نصف شاحنات المساعدات تحمل بضائع تجارية، وهي نسبة قريبة لتقدير غرفة محافظة غزة، والتي أشارت إلى أنها وصلت إلى 60٪. مصدر إداري على الجانب المصري من معبر العوجة أكد وجود هذا التلاعب، بسبب طبيعة ما تحمله الشاحنات باعتبارها مساعدات. «الشيكولاتة والتفاح واللبان التشيكلتس مستحيل تبقى مساعدات»، بحسب تعبيره.

مع زيادة كميات البضائع والمساعدات العابرة إلى القطاع، انخفضت تكلفة التنسيق إلى 20 ألف دولار لكل شاحنة، وهو مقابل ثابت يدفعه التجار إلى شركة «أبناء سيناء» بغض النظر عن طبيعة البضائع، بحسب التقرير. على الناحية الأخرى، تراوحت قيمة تنسيق شاحنة البضائع القادمة من إسرائيل أو الضفة الغربية عبر معبر إيريز بين 20-150 ألف دولار تقريبًا، بحسب نوع البضائع، بحسب تقرير آخر للاتحاد. ولم يتضح سبب هذا الفارق الكبير.

بحسب رصد «الغرفة»، وصل إجمالي رسوم تنسيق البضائع من مصر والضفة وإسرائيل حوالي 332 مليون دولار خلال فترة وقف إطلاق النار الذي أنهته إسرائيل بعد شهرين فقط. توزعت هذه الأموال بين «أبناء سيناء»، التي حصدت منها حوالي 177 مليون دولار، بينما حصدت الشركات العاملة من ناحية الضفة وإسرائيل على حوالي 155 مليون دولار.

هذه الأموال تخص البضائع فقط، وتختلف عن الأموال التي تُدفع مقابل لوجستيات المساعدات نفسها من تخزين ونقل. تشير قاعدة بيانات الأمم المتحدة الخاصة بالموردين أن شركة «أبناء سيناء» تعاقدت مع وكالات الأمم المتحدة مقابل إدارة لوجستيات المساعدات من الجانب المصري، بقيمة حوالي 50 مليون دولار حتى نهاية 2024. بالغت «أبناء سيناء» في المقابل الذي تطلبه لإدارة لوجستيات المساعدات، لدرجة أن منظمات إنسانية مثل برنامج الغذاء العالمي واللجنة القطرية لإعادة إعمار غزة وصندوق قطر للتنمية بدأوا في «اتخاذ خطوات عملية لتغيير طريق المساعدات لتدخل عبر معبر إيريز، بسبب الابتزاز الذي تتعرض له من شركات النقل المصرية»، حسبما نقل تقرير للاتحاد عنهم. لكن هذه الأموال تتضاءل أمام مكاسب نقل البضائع. 

هذه المبالغ مثلت دافعًا كبيرًا لهذه الشركات لتفضيل نقل البضائع على نقل المساعدات. بحسب شهادات سائقين عملوا على الجانب المصري وتحدث إليهم «مدى مصر»، فإن شاحنات البضائع كانت تتحرك باستمرار، مقابل شاحنات المساعدات التي قد تنتظر شهورًا حتى يحين دورها. أحد سائقي الشاحنات العاملين مع «أبناء سيناء»، والذي بدأ العمل منذ أكثر من عام في نقل البضائع، يقول إن «أكتر مدة قعدت فيها ما دخلتش أعتق [إفراغ وإعادة تحميل البضائع] كانت 15 يوم فقط في يناير [الماضي]». في المقابل، يقول سائق شاحنة نقل مساعدات تتبع إحدى مؤسسات الإغاثة الدولية إن سبعة أشهر فصلت بين دخوله «كرم أبو سالم» في يونيو 2024، ودخوله مجددًا مع بدء وقف إطلاق النار في يناير الماضي، انتظر خلالها بينما تحمل شاحنته المساعدات.

هذه الأموال الطائلة التي يدفعها التجار لنقل البضائع تُحمّل على أسعار السلع التي تُباع داخل القطاع، ولهذا ارتفعت الأسعار بشكل غير مسبوق. بحسب برنامج الأغذية العالمي في نوفمبر الماضي، زادت نسبة ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية في القطاع غزة بأكثر من 1000% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.

استمرت أنظمة تنسيق البضائع حتى أوائل مارس الماضي، عندما قررت إسرائيل إنهاء وقف إطلاق النار والعودة للحرب، وبدأت استراتيجية واسعة لاستخدام المساعدات والبضائع للضغط على الفلسطينيين. خلال هذه الفترة، لم تسمح إسرائيل بإدخال أي مساعدات (سوى فتات تابع للأمم المتحدة). بحسب ملاحظة أوردتها قاعدة البيانات الإسرائيلية، لم يدخل أي شيء إلى القطاع بين 2 مارس وحتى 19 مايو الماضيين.

وفي مايو، بدأ عمل مؤسسة «غزة الإنسانية»، المؤسسة الأمريكية التي تحظى برعاية إسرائيلية، والتي أجمعت المنظمات الأممية والإنسانية والإغاثية على استحالة قيامها بهذا الدور، وتحولت إلى مساحات لاصطياد وقتل الفلسطينيين الراغبين في الحصول على ما يسد جوعهم وجوع عائلاتهم. ولم تسمح لأي مؤسسات إنسانية أخرى بالعمل. وصلت المجاعة إلى أعلى مستويات المؤشرات الدولية المتاحة، ليبدأ فصل جديد من كارثة الإبادة. انتشرت العصابات المسلحة، وانهارت معها ما تبقى من ملامح السلم الاجتماعي في غزة. 

كانت هذه فرصة لبيزنس جديد يجلب أرباحًا هائلة: بيزنس التأمين.

تطور تكاليف تنسيق دخول البضائع إلى قطاع غزة - بيانات الغرف التجارية بغزة ومصادر «مدى مصر»

بعد انهيار شرطة حماس في الشهور الأولى من 2024، حاولت مجموعة من القبائل والعشائر التطوع لسد الفراغ الأمني وتأمين شاحنات المساعدات والبضائع. لكن إسرائيل استهدفت هؤلاء أيضًا حتى أجبرتهم على التوقف. ومن ناحية أخرى، اشتد الهجوم الإسرائيلي على المنظمات الأممية العاملة في القطاع، خصوصًا «أونروا»، والتي تملك خبرة كبيرة وبنية تحتية متكاملة لتوزيع المساعدات.

وبين تعطيل أي أنظمة لتوزيع المساعدات والبضائع، وتدمير أي قدرة على تأمين الشاحنات، أصبح واضحًا أن إسرائيل تسعى بشكل عمدي إلى «إفشاء الفساد والفوضى في غزة كأحد أدوات الحرب»، بحسب تعبير أبو رمضان.

بدأت ملامح المجاعة في الانتشار عبر القطاع خصوصًا في النصف الثاني من العام، وانتشرت معها ظاهرتان. دفع الجوع والحاجة كثيرين إلى محاولة الاستيلاء على ما تيسر لهم من المساعدات والبضائع. كما بدأت مجموعة من العصابات المسلحة في إشاعة الفوضى والسرقة، بعضهم حتى برعاية إسرائيلية مباشرة، أشهرهم مجموعة «ياسر أبو شباب»، والذي قُتل قبل أيام.

هذه الفوضى، تلقائية كانت أو منظمة، خلقت احتياجًا جديدًا في السوق، وكانت هذه هي نقطة البداية لبيزنس تأمين البضائع. بدأت مجموعات التأمين في التنسيق عبر التجار أصحاب البضائع مع الجيش الإسرائيلي للسماح لهم بالاقتراب من المعابر، والتي تعتبر مناطق عسكرية إسرائيلية. ولا تتحرك هذه المجموعات إلا بعد موافقة الجيش على أعضائها.

في البداية، بحسب مصدرين، أحدهما من جمعية رجال الأعمال الفلسطينيين وآخر من تجار القطاع، تولت كل عشيرة أو عائلة ترتيب تعاملاتها. على سبيل المثال، تولت إحدى العائلات تأمين شاحنات «المطبخ المركزي العالمي» مقابل الحصول على نسبة منها تستخدم في تكية خاصة بالعائلة لضمان غذاء أفرادها بشكل مستمر. آخرون حصلوا مقابل جهودهم على جزء من المساعدات، والتي توزع على العائلة أو يجري بيعها في الأسواق. عائلات أخرى قررت الحصول على مقابل مادي لتأمين كل شاحنة.

«العائلات التي باتت مسؤولة عن عمليات التأمين [...] هي في الأساس التي كانت تشكل منظومة سرقة الشاحنات»، وفقًا لمصدر جمعية رجال الأعمال، لافتًا إلى أن عائلات كاملة حاليًا تسيطر على بيزنس التأمين ومنها عشائر أبو عمرة، وأبو مغصيب، وأبو خماش، وأبو بكرة، واللوح، وجميعها تنحدر من القبائل البدوية التي تسكن القطاع ومن أبرزها «الترابين». ثلاثة مصادر أخرى، اثنان من التجار ومصدر غرفة رفح التجارية، أكدوا هذا.

أصبح لدى هذه المجموعات المختلفة عتاد كامل وشعارات وأعلام ومناطق نفوذ، كما بدأ بعضهم في تشغيل أفراد من عائلات أخرى للعمل معهم بأجر لكن تحت اسم العائلة. تحول التأمين إلى بيزنس مربح. وتحت ضغط البطالة والحاجة، اندفع المئات من الشباب للعمل في هذا البيزنس الجديد.

اتسم هذا البيزنس بالعشوائية في أول الأمر، لكنه تطور مع الوقت ليتخذ أشكالًا أكثر مؤسسية وتنظيمًا، مع ظهور شركة «الأقصى للنقل والأمن والحراسة» التي انخرطت في هذا العمل للمرة الأولى بحلول أواخر صيف 2024.

أفراد العائلات والعشائر والقبائل لا يزالون يتولون مسؤولية التأمين، لكن كثيرون منهم يعملون الآن تحت مظلة الشركة. سهّل عمل «الأقصى» في تأمين الشاحنات داخل غزة امتداد روابطها بقبيلة الترابين في القطاع، حيث اعتمدت على أبناء عشائر القبيلة في عمليات التأمين التي تكون مسلحة في أغلب المهمات، حسبما يقول مصدر قريب من عناصر تأمين «الترابين» في غزة لـ«مدى مصر».

هذه الصلات سمحت للشركة بتأمين حركة البضائع حتى عبر أكثر المناطق خطورة في «موراج» جنوب رفح، والتي يسيطر عليها «أبو شباب» تحت حماية الجيش الإسرائيلي. «الأقصى كانت تتولى عملية نقل البضائع من كرم أبوسالم وحتى نقطة محددة بعد نحو 6 كيلومترًا غرب المعبر، داخل منطقة سيطرة أبو شباب المنحدر من «الترابين»، وكانت تبلغ التاجر بموعد التسليم داخل المنطقة»، يقول مصدر الغرفة التجارية في رفح. «هذه العملية كانت تتم بمقابل 3500 دولار» لكل شاحنة، طبقًا له.

هذه الشركة يترأس مجلس إدارتها شخص مصري يدعى «عمرو هدهود» ويقيم في مدينة العريش.

في عام 2010، تأسست شركة مقاولات في العريش تحت اسم «مجموعة الأقصى». تصف «الأقصى» نفسها، كما يُظهر موقعها الإلكتروني، بأنها شركة «للاستيراد والتصدير والنقل والشحن والتفريغ والتخليص الجمركى والأعمال اللوجيستية والمقاولات العامة»، وتعرض قائمة أعمال مقاولات شاركت فيها، تنوعت بين إعادة إعمار غزة ومشروع إنشاء عدد من المدارس في محافظة السويس ومشروع الضبعة النووي ومحطة المونوريل بمدينة الشروق وغيرها.

العامل المشترك بين كل هذه المشاريع المتنوعة التي شاركت فيها «الأقصى» أن جميعها تتبع شركات «العرجاني جروب».

على الرغم من أن موقع «العرجاني جروب» لا يشير إلى «الأقصى» كواحدة من شركاته، إلا أن «الأقصى» أكدت على هذه التبعية مرارًا. خلال إفطار رمضاني نظمته في مارس 2024، كتبت الشركة على بانرات الحفل أنها إحدى شركات العرجاني، كما يظهر في فيديو ترويجي أُعد عن الحفل الذي حضره العرجاني شخصيًا، إلى جانب لواء المخابرات الحربية الأسبق، لؤي زمزم، والذي يشغل منصب نائب رئيس مجلس إدارة شركة «مصر سيناء».

صورة من الفيديو الترويجي لشركة الأقصى
تصوير: صفحة حساب حسام الدين هدهود، شقيق عمرو هدهود مدير شركة الأقصى

تغير هذا خلال حفل الإفطار الرمضاني للشركة في مارس الماضي، والذي خلت بانراته من أي إشارة للعرجاني. لكن إعلان وظيفة نشرته الشركة قبل شهور قليلة عبر صفحتها على «لينكد إن» أكد على أن الشركة تتبع «العرجاني جروب».

إعلان وظيفة على موقع الوظائف لينكدإن، تابع لشركة الأقصى

المؤكد أن علاقة تاريخية طويلة تجمع بين العرجاني وهدهود، رئيس «الأقصى»، جعلت من الأخير محل ثقة كبيرة وأحد أهم المقربين من العرجاني.

إلى جانب إقامته في العريش، ارتبط عمل هدهود بالمعابر الحدودية بين مصر وغزة وإسرائيل منذ سنوات طويلة. بدأ في إحدى الشركات العاملة بمعبر رفح مطلع عام 2000، وتنقل في وظائف مختلفة في عدد من الشركات العاملة في معبري رفح والعوجة، حتى أسس شركة «الأقصى» في 2010، بحسب مصدرين مقربين منه تحدثا إلى «مدى مصر»، أحدهما عمل معه لفترة في «الأقصى» والثاني عمل معه في إحدى الشركات في المعبر سابقًا.

توطدت العلاقة بين هدهود والعرجاني بعد حرب غزة 2014 واستحواذ «أبناء سيناء» على نقل مواد إعادة الإعمار، بعدما تمكن هدهود من حل بعض المشاكل الخاصة بالتوريد والنقل التي واجهت أعمال «أبناء سيناء» أثناء عمليات إعادة إعمار قطاع غزة بعد حرب 2014، بحسب المصدرين. منذ هذه اللحظة، أصبح هدهود «في غلاوة عصام ابنه»، بحسب تعبير أحدهما. وشاركت «الأقصى» مع «أبناء سيناء» في عمليات إعادة إعمار غزة والتي أشرفت عليها مصر بعد حرب 2021، بحسب مهندس فلسطيني عمل في «الأقصى» لفترة قبل الحرب الحالية تحدث إلى «مدى مصر».

لكن اسم هدهود ظل مجهولًا طوال هذه السنوات حتى بدأت الحرب الإسرائيلية على القطاع بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023، ليتغير مجال العمل الأساسي من المقاولات إلى المساعدات والتأمين.

تأكدت مكانة هدهود للجميع بعد حادثة وقعت في يناير العام الماضي ذاع صيته على إثرها، بحسب المصدرين السابقين وثالث مقرب من العرجاني، حين أشهر هدهود سلاحه الخاص في وجه مسؤول في «أبناء سيناء»، وهو ضابط سابق، بسبب خلاف بينهما داخل المبنى الإداري لمعبر رفح، ما ترتب عليه احتجاز هدهود ليومين في إحدى غرف المعبر، قبل أن يُطلق سراحه بعد تدخل العرجاني.

خلال هذه الفترة، تسلط الضوء بشكل كبير على العرجاني وشركاته، بعد توليه مسؤولية ما عُرف باسم «تنسيقات السفر»، أي تنسيق خروج الفلسطينيين من غزة، وذلك مقابل رسوم بلغت خمسة آلاف دولار للشخص الواحد، عبر شركة «هلا» التي يمتلكها، إلى جانب مشاركته في أعمال نقل وتخزين المساعدات والبضائع من الجانب المصري إلى القطاع، كما كشف تحقيق نشره «مدى مصر» العام الماضي. بعدها، انتشر اسم العرجاني وشركاته حول العالم، ليصبح على رأس قائمة رجال الأعمال المتهمين بالانتفاع من الحرب.

هذه الضغوط دفعت العرجاني، بحسب تحليل مصدر مقرب منه، للبحث عن طرق لتخفيف الملاحقة الإعلامية مع الاستمرار في تنفيذ أعماله بشكل طبيعي. ووجد العرجاني ضالته في شركة «الأقصى» لإدارة بعض الأعمال المتعلقة بحركة المساعدات والبضائع، ومساندة المجهودات الرسمية المصرية لتقديم المساعدة على جانب القطاع هناك.

أحد أبرز أشكال هذه المجهودات تمثلت في إنشاء مخيمات للنازحين الفلسطينيين في غزة. أول هذه المخيمات كان في ديسمبر 2023، والتي أنشأها الهلال الأحمر المصري «بتوجيهات من القيادة السياسية المصرية»، كما أشارت تقارير إعلامية مصرية وقتها. وقدمت هذه المخيمات، إلى جانب خيام الإيواء، مساعدات شملت الطعام والمياه والكهرباء.

رافق هدهود فرق الهلال الأحمر خلال إنشاء مخيم مصري في منطقة مواصي خان يونس. وبعد إتمام إنشائه ونصب خيامه وتسكين الأسر النازحة فيه، ظل المخيم تحت إدارة الهلال الأحمر المصري لفترة، بحسب مصدر في الجمعية، قبل أن تنتقل إدارته إلى شركة «الأقصى»، ليعرف باسم «مخيم الأقصى».

حظي «مخيم الأقصى» خلال الربع الأخير من العام الماضي بتغطية إعلامية لافتة من قبل القنوات المصرية الرسمية، أظهرت موظفي «الأقصى» أثناء توزيعهم المساعدات المصرية على النازحين داخل المخيم. وشددت تقارير إعلامية مصرية على امتنان وجهاء قطاع غزة للدور الذي تلعبه مصر في مساعدة أهل القطاع، وتوزيع لبن الأطفال على المستشفيات. كل هذا ينفذه شباب يرتدون سترات «الأقصى»، والتي وصفت بأنها «ممثل مصر» في توزيع المساعدات داخل المخيمات الفلسطينية، مع غياب أي ذكر للهلال الأحمر المصري.

شباب يرتدون سترات «الأقصى» والهلال الأحمر المصري أمام معبر رفح - المصدر: «مدى مصر»

قناة «إكسترا نيوز» أشارت في نوفمبر العام الماضي إلى تأمين شركة الأقصى للمساعدات في تقرير بعنوان «مصر تواصل تأمين وإدخال شاحنات المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة»، أظهر أفراد الشركة خلال استلامهم شاحنات المساعدات وتفريغ حمولتها داخل مقر تابع للشركة.

مع ظهور المخيمات، ظهرت «الأقصى» بشكل جديد وسط القطاع في الربع الأخير من العام الماضي تحت مسمى شركة «الأقصى للأمن والحراسة». لكن الرابط تأكد في يناير الماضي، عندما قصفت مسيرة إسرائيلية سيارة على طريق صلاح الدين في خان يونس بقطاع غزة، لتقتل خمسة كانوا داخلها. وحملت السيارة شعارًا مطبوعًا على مقدمتها: نسر على صدره درع علم مصر، كُتب تحته: «جمهورية مصر العربية». بعد ساعات من الهجوم، نشرت «مجموعة الأقصى» بيانًا تنعي فيه القتلى الخمسة، ووصفتهم بـ«أبنائها» الذين قتلوا «أثناء قيامهم بتأمين المساعدات الإنسانية». مع هذا البيان، اتضح أن «مجموعة الأقصى» وشركة «الأقصى للأمن والحراسة» وجهين لعملة واحدة يملكها هدهود.

صورة من فيديو يظهر أثار قصف مسيرة إسرائيلية لسيارة مطبوع على مقدمتها: نسر على صدره درع علم مصر، كُتب تحته: جمهورية مصر العربية- المصدر: حسن اصيلح

لكن، بحلول نهاية العام، ولأسباب مجهولة، غاب ذكر «مخيم الأقصى» عن التغطية الاعلامية المصرية. في المقابل، ظهر كيان جديد اسمه «اللجنة المصرية لإغاثة أهالي قطاع غزة»، أو «اللجنة المصرية» اختصارًا، دون معلومات واضحة عن الجهة التي تتبعها تلك اللجنة أو طبيعة عملها. تتولى عشيرة أبو الحصين المنحدرة من قبيلة الترابين في القطاع إدارة اللجنة، حيث يترأسها هائل أبو الحصين، شيخ -أو «مختار» كما يطلق عليهم في غزة- العشيرة والذي يقيم في مصر، بينما ينسق أعمالها على الأرض في القطاع محمد أبو الحصين، بحسب صفحة اللجنة المصرية. 

انتقلت «اللجنة المصرية» إلى الواجهة، وهو ما ظهر واضحًا في تركيز التغطية الإعلامية المصرية عليها بديلًا عن «الأقصى»، وإن تركزت تغطية أعمال اللجنة على نفس نمط تغطية أعمال «الأقصى»، وهو تصوير شيوخ القبائل وهم يرددون كلمات المديح والثناء على القيادة المصرية. من جانبها، أعادت «الأقصى» مشاركة بعض هذه التغطيات عبر صفحتها مع الحرص على إضافة هاشتاج #مجموعة_شركات_الأقصى.

منذ ظهور "الأقصى" وحتى منتصف العام الجاري، تحول هدهود من رئيس للشركة إلى رئيس مجموعة شركات الأقصى، وصولًا إلى رئيس مجلس إدارة مجموعة شركات هدهود، كما أضاف شركة جديدة تحت إدارته «أقصى المستقبل للتشييد والبناء».

استغلت الشركة إدارتها لمخيم «الأقصى» لتلعب دورًا محوريًا في دخول المساعدات والبضائع ونقلها وتأمينها، حيث كان «مخيم الأقصى» أحد العناصر المستخدمة في إدخال شاحنات بضائع تحت بند المساعدات، حسبما كشف مصدر في الهلال الأحمر المصري.

استمر هذا طوال فترة وقف إطلاق النار أوائل العام حتى انهياره في مارس، وتوقف دخول المساعدات والبضائع بشكل كامل.

شهدت شهور التوقف تغييرًا لافتًا فيما يخص أعمال التأمين التي تقوم بها شركة «الأقصى». ظهرت صفحة جديدة في 24 أبريل الماضي اسمها «شركة الأقصى للنقل والأمن والحراسة - غزة فلسطين»، وأصبح لها طبيعة أكثر تنظيمًا منذ منتصف العام الجاري، بعدما أصبحت شركة مرخصة للأمن والحراسات داخل القطاع، بحسب مصدر «رجال الأعمال».

صورة من فيديو على حساب شركة الأقصى للنقل والأمن والحراسة على فيسبوك

وكما يشير الاسم، حاولت الشركة من خلال هذا الشكل الجديد الإيحاء بأنها شركة فلسطينية تختلف عن الشركة المصرية، رغم أنها تحمل اسمًا مماثلًا وشعارًا شبه متطابق، مع تعديل بسيط في اللون، ورغم أن كلتا الشركتين يديرهما شخص واحد: عمرو هدهود.

لم يكن هذا التغيير مجرد تغيير شكلي. عمليًا، ترجم هذا التغيير توسعًا في أعمال الشركة. إلى جانب سيطرة «أبناء سيناء» على حركة نقل وتخزين وتأمين البضائع من الجانب المصري، بدأت «الأقصى» المشاركة على الجانب الفلسطيني من هذه الأعمال عبر هذا الكيان الجديد، على الأقل في جنوب القطاع.

خلال هذه الفترة، توسعت «الأقصى» بشكل كبير داخل مدينة العريش وأقامت مخازن عملاقة بالقرب من مطار العريش وضعت عليه شعار الشركة، بجانب مخازن شركة «أبناء سيناء»، ومخازن الهلال الأحمر المصري. الآن أصبح العرجاني وشركاته مستعدون لإدارة العملية على جانبي الحدود في انتظار إعادة السماح بإدخال المساعدات والبضائع.

مخازن مجموعة شركات الأقصى بمدينة العريش، سيناء - المصدر: «مدى مصر»

في 27 يوليو الماضي، استؤنفت عملية إدخال المساعدات إلى قطاع غزة بعد شهور من الحصار القاتل، وضغوط دولية شعبية ورسمية هائلة. جاءت تلك الخطوة في لحظة حرجة للغاية داخل قطاع غزة وسط مجاعة تفتك بالجميع، مع انهيار الوضع الأمني وانتشار عصابات مسلحة متخصصة في السطو على شاحنات المساعدات المحملة بالطعام.

لكن توزيع المساعدات في هذه المرحلة أصبح خاضعًا لنظام جديد، أصبح يُعرف وسط الفلسطينيين بـ«التوزيع الذاتي». يدخل السائق بشاحنته وحيدًا دون تأمين، ويجبر على التوقف في منطقة «موراج» جنوب رفح لتصبح عرضة للسرقة والنهب.

وفقًا لأحد التجار، يأمر جيش الاحتلال سائقي شاحنات المساعدات التابعة للأمم المتحدة بالتوقف في مناطق معينة حتى يتمكن الأهالي من الاستيلاء عليها. إذا رفض السائق التوقف، يستهدف الجيش الشاحنة مباشرة. تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أنه من أصل 6943 شاحنة مساعدات أممية عبرت منذ استئناف المساعدات في 27 يوليو الماضي وحتى وقف إطلاق النار الأخير في 9 أكتوبر، وصل فقط 1823 شاحنة إلى وجهتها. أي أن حوالي 75٪ من هذه الشاحنات تعرضت للنهب.

في المقابل، سمحت إسرائيل بتأمين جميع الأشكال الأخرى من المساعدات والبضائع، سواء كانت تابعة للشركات الفلسطينية أو «أبناء سيناء»، والتي تدخل بشكل أساسي من معبر «كيسوفيم»، عند وسط القطاع المؤدي إلى خان يونس ودير البلح، حيث تتركز الكتلة السكانية الأكبر من النازحين الفلسطينيين، والذي بدأت إسرائيل تشغيله وقتها.

ومع الاستئناف، ظهرت «الأقصى للنقل والأمن والحراسة» بشكل أكثر تنظيمًا وتجهيزًا، سواء على المستوى البشري والإمكانيات والعدة والعتاد والتسليح، كما يلاحظ مصدر جمعية «رجال الأعمال» الفلسطينية. طبقًا له، تراوحت تكلفة تأمين شاحنة واحدة تحمل بضائع تجارية بين 17 و30 ألف دولار. وتسبب هذا في زيادة أخرى في أسعار السلع بنسب وصلت إلى 30 ضعفًا، بعد إضافة تكلفة التأمين إلى التنسيق، بحسب أبو رمضان.

بعد أيام من استئناف المساعدات في يوليو الماضي، قررت إسرائيل رفع حظرها الرسمي على استيراد البضائع، القادمة من الضفة الغربية وإسرائيل فقط، دون أن يشمل تلك القادمة من مصر، بحسب أبو رمضان. كل البضائع كانت تدخل عبر معبر «كيسوفيم» بشكل حصري، بحسب مصدر الغرفة التجارية برفح.

اعتمدت إسرائيل آلية جديدة لإدخال البضائع، تشبه الآلية التي استُخدمت أول الحرب، لكن هذه المرة اقتصرت التراخيص على ثلاث شركات فقط، بحسب كل من أبو رمضان ومصدر غرفة رفح. لكنهم أوضحوا أن الشركة الأكبر والأهم بينهم هي شركة «ثري برازر» المملوكة للخزندار، رجل الأعمال الفلسطيني الذي يعيش في مصر، والتي كانت إحدى الشركات الخمسة الحاملة لتصريح إسرائيلي باستيراد البضائع التجارية في بدايات الحرب، وهو ما أكده تجار بالقطاع لـ«مدى مصر». بحسب أبو رمضان، الخزندار هو المستورد الوحيد في القطاع الذي يمكنه جلب أي بضائع من أي مكان.

السبب على ما يبدو هو العلاقة الجيدة التي تجمع الخزندار بإسرائيل. يشير تقرير نشرته صحيفة «فاينانشال تايمز» أواخر مايو الماضي إلى أن إسرائيل حاولت إقناع العديد من رجال الأعمال الفلسطينيين البارزين بالعمل مع «غزة الإنسانية»، إلا أن كثيرين رفضوا بسبب سوء سمعتها. فقط الخزندار وافق على المشاركة. ولهذا، لم يكن غريبًا أن تحصل شركته على حقوق شبه حصرية لتنسيق دخول البضائع طبقًا للنظام الجديد منذ يوليو الماضي. وتسبب هذا في اتهامات فلسطينية متعددة للخازندار، تجلت في بيان منسوب لعائلته تعلن تبرؤها منه.

احتكرت شركة الخزندار بشكل أساسي إدارة عملية تنسيق البضائع، وارتفعت أسعار التنسيق لتصل ما بين 200-300 ألف دولار للشاحنة، تختلف حسب أنواع البضائع، طبقًا مصدر غرفة رفح. وسيطر «الخط الإسرائيلي» على استيراد البضائع.

لكن هذا لم يستمر سوى أسابيع قليلة. بعدها، استأنفت «أبناء سيناء» نشاطها في إدخال البضائع ضمن المساعدات، وعاد «الخط المصري» لمنافسة «الخط الإسرائيلي».

بحسب المصدر، دفعت هذه المنافسة «أبناء سيناء» لخفض تكلفتها لتنسيق البضائع إلى ما بين 100 و150 ألف دولار للشاحنة، أي حوالي نصف ما يطلبه الخزندار. «برضه مبالغ كبيرة»، يقول المصدر، «بيقول لك أنت [عن طريق الخط] الإسرائيلي بتدفع 300 ألف دولار، أنا عامل لك تخفيض». واستمر هذا خلال الأسابيع الأولى.

إضافة إلى ذلك، تراوحت تكلفة النقل داخل القطاع من المعبر وحتى مخازن التجار وقتها ما بين 25 و50 ألف دولار للشاحنة الواحدة، حسب نوع البضاعة، وفقًا لاثنين من التجار بالقطاع، إلى جانب ما بين 10 و15 ألف دولار للتأمين، على حسب نوع البضاعة.

كل هذه الأموال، بالإضافة إلى الأرباح الهائلة التي يحققها التجار، يتحملها في النهاية الفلسطيني الباحث عن أي طعام يسد بها جوعه وجوع عائلته. على سبيل المثال، بلغ مقابل تنسيق شاحنة واحدة من الدجاج المجمد (نحو 25 طنًا) أوائل أغسطس الماضي حوالي 200 ألف دولار، بحسب أبو رمضان، لتُباع في الأسواق بسعر يقترب من 40 دولار للكيلو الواحد. يعني هذا أن عائد بيع شاحنة واحدة من الدجاج المجمد بهذه الأسعار يصل إلى مليون دولار. ولا يمكن لأحد الاعتراض. «إذا قررت أي جهة رسمية في غزة كشف هذه التجارة على حساب المُجوعين عبر الخروج مثلًا في مؤتمر صحفي، هيقول لك ماشي ما بدكش بلاش أنت حر جوع»، يقول مصدر غرفة رفح، «احنا بين المطرقة والسندان».

استمر هذا حتى التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في منتصف أكتوبر الماضي، برعاية مصرية أمريكية قطرية، ومؤتمر كبير في مدينة شرم الشيخ حضرته مختلف الأطراف الدولية. بعدها، منحت إسرائيل تراخيص لشركات أخرى وصل عددها إلى 12 شركة. خلق هذا منافسة بين الشركات، والتي سمحت، إلى جانب ارتفاع وتيرة دخول المساعدات والبضائع، بخفض أسعار التنسيق.

لكن هذا التخفيض لم يكن كبيرًا، واستمر الفارق بين تنسيق الخزندار للخط الإسرائيلي، وتنسيق العرجاني للخط المصري. بعض منشورات إحدى شركات التجارة بالقطاع، والتي اطلع عليها «مدى مصر» قبل أن تُحذف لاحقًا، احتوت قوائم أسعار التنسيق للأنواع المختلفة من البضائع. يتكلف تنسيق شاحنة من الدجاج المجمد قادمة من الضفة الغربية وإسرائيل حوالي 150 ألف دولار. في المقابل، يتكلف تنسيق شاحنة دجاج مجمد قادمة من مصر 85 ألف دولار، مقابل جميع المصاريف من نقل بري ورسوم «أبناء سيناء» والتأمين. هذا إلى جانب رسوم إضافية يمكن دفعها لمنح الأولوية لدخول هذه البضائع. بحسب بيانات الغرفة التجارية، بلغ متوسط تنسيق شاحنة دجاج مجمد خلال الشهور الماضية 80 ألف دولار.

أسعار التنسيقات عبر الخط الإسرائيلي

لكن إلى جانب المنافسة فيما يتعلق بتنسيق البضائع، استمرت سيطرة شركة «الأقصى» على بيزنس التأمين، إلى جانب عملها في النقل والشحن داخل غزة. حاليًا، تحصل «الأقصى» على مبلغ ثابت بقيمة عشرة آلاف دولار لتأمين الشاحنة الواحدة، بحسب تجار القطاع.

مؤخرًا، ظهر شكل جديد من أشكال استيراد ونقل البضائع، يُعرف بالنقل الجزئي، حيث يمكن للتجار شراء بالتة بضاعة (100 * 120 سم، بارتفاع 160 سم) أو حتى كرتونة واحدة من البضائع، بحسب مصدر الغرفة التجارية برفح وتاجرين آخرين من القطاع. تتكلف كل بالتة ما بين ثلاثة وأربعة آلاف دولار حسب نوع البضائع (مقابل 300 دولار فقط قبل الحرب). هذا البيع الجزئي يضاعف في النهاية من أرباح كل شاحنة. «مثلاً نقول ملابس، لو أنا بدي أجيب شاحنة كاملة من أبناء سيناء مباشرة بدفع مثلاً 50 ألف دولار»، يقول مصدر الغرفة، لكن شراء كل بالتة على حدة عبر أكثر من تاجر يرفع سعر الشاحنة إلى 150 ألف دولار.

إلى جانب هذا، يتمدد عمل العرجاني حاليًا للمشاركة في مختلف حلقات الاستيراد داخل القطاع وصولًا إلى البيع للمستهلكين. «يعني مش بكفيهم مربح التنسيق يعني بده مربح كمان السوق»، يقول مصدر غرفة رفح.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن