ملاعبة لصوص النوم
هذا النص ضمن «تقليب» #17 «مُنتهى الأدب»
جاءني «لصوص النوم» بنفسه صباح يوم من يناير 2023، حين لمحت الكتاب بين رفوف مكتبة مُغبرة، مُلحقة بفندق على كورنيش دهب.
طلبتُ قهوة، وجلستُ بجانب الشباك. لم أقرأ منذ أشهر، وكل ما كان يشغل بالي يومها هو صعود جبل.
أنت ممَن لا يهتمون مثلي بالنبذة على ظهر كتاب، بل تهرول إلى الفهرس؟
عناوين قصص أمجد الصبان مشوقة. أما البداية فخدعة بصرية مثل لعبة حواة: نص افتتاحي غير معنون. يظهر أن أمجد هارب، متمرد، من فهرس ما، أراد ملاعبتنا قبل أي لعب.
الصفحات غير المعنونة فخوخ. من دون الاسم، فالكائن بلا هوية، بلا شكل. طمس الاسم له وقع هائل في الثقافة المصرية بالذات. نعاقب أحدًا، ننفيه، بأنه «اللي مايتسماش».
فهذا كاتب مصري، يعني في ملعبه، فإلى أين سيذهب بالثيمة الخطرة؟
يفتتح بجملة عادية مطمئنة: «في مرحلتي الثانوية، أُصبتُ بانزلاق غضروفيّ في عمودي الفقري. قالت لي الطبيبة إنّ السبب هو المقاعد التي أجلس عليها..»، إلى الآن كل شيء هادئ، لكن ها هو الفخ الذي ترقبته يظهر في الجملة التالية: «لذلك لا أهبط على الجالسين فوق المقاعد، أو السائرين بهمة، أحيانًا أهبط على السائرين الناظرين إلى أعلى بوَلَهٍ شديد، لكن إذا رغبت فيَّ؛ ستجدني ولا تراني - ستراني فقط على هذه الورقة لمرة واحدة..».
ثم جملة حلزونية: «أفكر في كتابة قصة.. عني.. عن قصة غير مكتوبة ترغب في كتابة قصة عن رِجلها المقيدة بسرير في غرفة معتمة، وتُدرك أنّها..».
ضربة بداية للمجموعة من هوية غائمة، وتباشير بألاعيب ميتا سردية. والكتاب يأتي النوم في اسمه، هذا الاتساق الأولي محسوب. شعرت أن المعادلة ستمشي هكذا بيني كقارئ وبين الكتاب عمومًا، أو لنسمه الاتفاق، كأنما يقول: «سأكون عند توقعك لمرة أولى، ثم أفاجئك بغير المتوقع بعدها». وأقول: «ماشي، العب».
والتوقع المبدئي يقول إن أول القصص ستكون منامًا وأحلامًا، وهكذا كان الأمر؛ قصة ظريفة بطلها في الأحلام المخرج وودي آلن.
هي والأربع قصص التالية، بضمير المتكلم. النصوص الخمسة الأولى مختلفة تمامًا عن بعضها، ومنها «لصوص النوم» نفسها، والتي استلهم حاتم سليمان من إحدى فقراتها لوحته الممتازة للغلاف. لكن تشعر أن اللامسمّى الافتتاحي يتخلّق شيئًا فشيئًا، من شظايا، تتسرب إلى لا وعيك قصة وراء أخرى. لم أستسغ بعد منطق الأسلوب، فمفاجآته سريعة، على الأقل بالنسبة لمَن كان مثلي وقتها لم يقرأ منذ أشهر، وشديدة التحوّر. لكني مطمئن عمومًا بشعور أن الكاتب يعرف ماذا يفعل، يجيد التخفّي وراء راوٍ متغيّر باستمرار، وأنا أحب التخفّي، والجو نفسه كابوسي مقفل على ذاته، معتم كما يكون العالم حين تنقطع الكهرباء، وعنيف وأصيل.
النص السادس، «قرباننا»، بدا لي أول عتبة كبرى في الكتاب. هذه المرة نقرأ حدوتة شعبية شبه أسطورية.
وفيها أيضًا تكوين جسدي محل نحت، إرادة تشكُّل هائمة، فمجدي يرغب في تعديل شكل جسده الهزيل وفق مقاييس استقاها من بحوث «في أشكال وأجساد المقاتلين، بداية من الحروب قبل الميلاد، وحتى الحرب الكبرى».
يريد ذلك، رغم أنه أُحبط بعد ردود ساخرة تلقاها في المستشفيات، بدافع الانتقام، ولتمويه هيئته في عيون أعدائه، أهالي المنطقة كلهم، الذين يقيمون أسبوعيًا تحت منزله سرادق عزاء عبثي لفتى مات بالكهرباء من «كولدير» وضعه مجدي البائس على ناصية الشارع من فترة طويلة ونسيه. وضعه أصلًا كشيء لله بعد نجاته من حادث سيارة.
مفارقة صائبة بالنسبة لخرافة شعبية منحوتة، تبدأ سطورها بإعلان شاهده مجدي بالصدفة، فشعر أن ثمة طريق للنجاة. والإعلان: عن عودة مسابقة قرباننا، بعد انقطاع دام عقدًا كاملًا، «كانت شروط الترشُّح أن تكون سليم البنيان.. حسن الهيئة.. خاليًا من الأمراض. والفائز سوف يحظى بجنازة مهيبة، تُذاع مباشرة على قنوات التليفزيون المحلي، وسوف يُقام له تمثال صغير، يُوضع في مدخل المدينة».
فكرة مدهشة. وطريقة أمجد في نحت الفكرة كانت رشيقة ولاذعة، موزونة ومضبوطة. لكني شعرتُ أن قماشة كهذه اختُصرت أكثر من اللازم، معماريًا. كان يمكن كتابتها وحدها كنوفيلا؛ فيها عالم، شخصيات ومجالات، وفكرة المسابقة نفسها ككل تحتمل التوسيع.
أتخيل فيلم سينما مأخوذ عنها. وما دمت أتخيل فليخرجه عمر الزهيري، مخرج الفيلم العظيم «ريش».
هذا البناء السردي الشعبي الميثولوجي صعب التحكّم فيه، كثيرًا ما تاه فيه كُتّاب ولم يعودوا، إما استغرقوا في تهاويم الأحلام أو ابتلعهتم تعقيدات الرموز. لكن أمجد مستعد لهذا النوع من اللعب الدقيق، بالفطرة.
لا يظهر لي بوضوح ما إذا كان يعي ذلك أم أنه يتبنى عفوية مقصودة اتساقًا مع روح المجموعة وأصواتها، الذين يجمعهم خيط واحد فيما يشبه رواية متشظية؟
من «قرباننا» أعلنت المجموعة انحيازها للحكي، وتكريس تيمة التجسّد ومقابلها المحو، من نص إلى التالي بلا مركزية للمعنى. المعنى دائمًا مؤجل، بلغة انسيابية مثل الماء.
استوقفتني بعدها «حكاية المزهرية القاتلة»، فهي مُحكمة ودقيقة وممتعة، والأجمل فيها هو اختزالها. كتابة مكثفة ومباشرة.
لم أقتنع بـ«كأرجل الأخطبوط»، منطقها غير متماسك، ظهر لي ذلك من إيقاعها المتخبط. باختصار، سائلة بزيادة، رغم جمال جوها واختلافه. لا ضير في ذلك، يحتاج كل كتاب إلى فجوة، نقطة فراغ توازن بقية أجزائه، والحكاية نفسها مليئة بالقبور على أي حال.
في «2990» تظهر الخرافة الشعبية مرة أخرى، بنفس القوة التكثيفية التي في حكاية المزهرية. وبضمير متكلم مموّه.
القصة الأخيرة «إغواء الكف الصغير»، تقفل بمهارة وحس روائي ميتا سردي الدائرة المفتوحة من الصفحة الأولى للكتاب. وبجملة أخيرة من ضمير متكلم يقول: «قررتُ أن أضع نقطة في نهاية السطر الفائت، وأنُهي الأمر».
أليست هذه حلاوة الكتب الأولى لمؤلفيها؟ كاتبها غير مقيد بصورة أخذها عنه «جمهور»، إن توافّر، أو نقاد، إن توافّروا كذلك، وقارئه يستمتع بحرية الانفلات من أسر المقام العالي للمؤلفين المكرَّسين. بل يقدم «لصوص النوم» حريات انفلات أخرى من أسر الواقع الخارجي المباشر وسيادة الحكمة والرسالة. بخيال حر، من الشكل واللغة، بل الجنس الأدبي نفسه.
ويصلح جدًا للقراءة في فترة الخمول عن القراءة، التي تصيب أي قارئ. لا ليكسرها بالضرورة، ربما يفعل، بل لتزييت تروس الدماغ. بهذا أقترح تخريب فهرس الكتاب:
- ابدأ من المفتتح غير المعنون، وبعدها قصة الفيل - لصوص النوم - مصائد المرأة السمراء - ثلاث حكايات لمقهى وحيد - حكاية الأخ - حكاية حريق الأرشيف - حكاية المزهرية القاتلة - الأوراق - كأرجل الأخطبوط - كنتُ، سأكون في فرح - يوم دخلت في حدوة حصان - يوميات حروب الفئران - 2990 - قرباننا – ضيوف العمة - إغواء الكف الصغير.

بعد القراءة مررها (ينصح بتقليب قرباننا، والمزهرية، لمرة أخيرة). مررت الكتاب إلى غيرك ولم تحتفظ به في مكتبتك؟ لا تقلق؛ هو لص نوم لا ينام، هكذا وصل إلى دهب.
إن فعلها وفتح شهيتك، فلن يضيع وقتك مع الكتاب التالي لأمجد، وهو رواية «الياقوت». فكثير من الألعاب السردية المنثورة في لصوص النوم، تطورت إلى نوفيلا رشيقة، تدور أحداثها في مصر بافتراض أن الملك فاروق ظل مستمرًا على العرش بعد فشل حركة الضباط الأحرار.
جو شديد الإغراء، أليس كذلك؟ لكن بالمناورة وألعاب الأسلوب، واستراتيجية تأجيل المعنى، الممتدة في «الياقوت» على ثلاثة فصول، يتجنب أمجد بنجاح كل العوامل الخارجية (الواقعية)، ومعها كل الضوضاء التاريخية وسياقاتها، ويخلق عالمًا يدور بين صوت الراوي والملك فاروق شخصيًا. ولن تضطر إلى الشعور بالحاجة لغير ذلك. فالعالم مقنع، ومنطقه انسيابي مثل الماء، مخدوم بالإيجاز والضربات المحسوبة.
يعجبني قول بورخيس إن الرواية حين تطول تفتقد للشكل (لذلك طبعًا استثناءاته). لن أخفي تحمسي للنوفيلات. ففيها أولًا أوضح وأبهى شكل للغة العربية تحديدًا: الإيجاز. وفيها تجلّي قدرة الروائي على تبسيط ما هو معقد بنائيًا، ووعيه المباشر بالدهاء اللغوي، وهنا الصعوبة.
تقارير ذات صلة
عن معاني المخيم الفلسطيني
هذا النص ضمن «رُحنا وشُفنا» #21 «مُنتهى الأدب»
إيران البعيدة والمسكوت عنها
هذا النص ضمن «تقليب» #21 من «مُنتهى الأدب»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن