مع عودة الميرغني للسودان، لصالح مَن سيلعب؟
بعد عشرة أعوام قضاها محمد عثمان الميرغني في القاهرة، عاد إلى العاصمة السودانية الخرطوم ظهيرة 21 نوفمبر الماضي.
الميرغني هو زعيم طائفة الختمية الصوفية التي أُسست قبل مائتي عام وتنتشر في شرق إفريقيا والسودان، ورئيس أبرز أجنحة حزب «الاتحادي الديمقراطي» المُنقسم، وهو أحد أقدم الأحزاب السياسية وأهمها منذ استقلال السودان (1956)، ويُسمى الجناح الذي يترأّسه الميرغني بـ«الاتحاد الديمقراطي الأصل». في 2013، غادر الميرغني السودان باختياره إلى القاهرة، في خضم احتجاجات شعبية ضد رفع نظام الرئيس عمر البشير الدعم عن المحروقات. ظل الحزب وقتها جزءًا من حكومة البشير حتى انطلاق «حراك ديسمبر 2018» الذي انتهى لعزل الرئيس السوداني في 2019 وتشكيل حكومة انتقالية مدنية تقودها أحزاب تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير، بشراكة مع «المجلس السيادي» الذي يمثل القوات النظامية (الجيش وقوات الدعم السريع وجهاز الأمن والمخابرات الوطني).
في أغسطس 2020، وقعت قوى إعلان الحرية والتغيير ومجلس السيادة الانتقالي وثيقة دستورية جعلت من عبد الله حمدوك رئيسًا للوزراء، لكن انقلابًا بقيادة عبد الفتاح البرهان، القائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة، جرى في 25 أكتوبر 2021، وجُمّد العمل ببنود الشراكة داخل الوثيقة الدستورية.
يعود الميرغني إلى السودان في شروط سياسية مضطربة. يتوقع البعض أنه سيقرب وجهات النظر حول الخيارات السياسية الراهنة، لكن بشروط تقوي من المكون العسكري في المشهد السياسي. فبحسب بيانه، رفض الميرغني المساس بالقوات المسلحة، وهو ما يربطه بعض المحللين بقرب الزعيم السوداني من القوات المسلحة المصرية. يرى البعض أيضًا أن الميرغني سيحاول لَمّ شمل الحركات المسلحة، خاصة أنه منذ اتفاقية القاهرة 2005 تربطه صلات قوية بهذه الحركات.
يذهب متوكل دقاش، الكاتب والمحلل السياسي، إلى أن عودة الميرغني تأتي من أجل استكمال مسارات سياسية معقدة، بعد عام على انقلاب البرهان، في ظل التجاذب بين أطراف مدنية وعسكرية.
ويضيف دقاش أن الوثيقة الدستورية التي طرحتها اللجنة التسييرية لنقابة المحامين السودانيين في سبتمبر 2022، وتبنتها المجموعة الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والسعودية والإمارات وبريطانيا، والتي قبلت قوى إعلان الحرية والتغيير التفاوض حولها مع المكون العسكري من أجل الوصول الى تسوية سياسية، هذه الوثيقة رفضها الميرغني بشكل قاطع، بحسب دقاش، وقبل عودته بثلاثة أيام، أعلن الميرغني رفضه التدخلات الأجنبية، في إشارة إلى تبني المجموعة الرباعية للوثيقة الدستورية.
رفض الميرغني، حسب دقاش، يأتي وفق حسابات سياسية أقرب ما تكون لمعسكر الجنرالات وجزء من تقارب بين قيادة القوات المسلحة والحركات المسلحة الدارفورية، التي ترى في الوثيقة بعض البنود التي تجعلها خارج معادلة السلطة.
يقول حيدر أبو قيد، الباحث في الشأن الدارفوري، أن تأكيد الميرغني أهمية القوات المسلحة لم يأتِ من فراغ، فلقد التقى الزعيم السوداني، قبل أشهر في القاهرة، البرهان ومحمد حمدان دقلو، قائد قوات الدعم السريع، مما يعني أن الميرغني له مكان خاص داخل أي خيارات سياسية جديدة من خلال القاعدة السياسية التي يمتلكها.
لكن أبو قيد يقول إن وجود الميرغني في مصر جعله أقرب إلى القوات المسلحة السودانية مقارنة بقوات الدعم السريع التي تتخذ القاهرة منها موقفًا حادًا، «كما فهمنا من تصريحات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي التي عبّر فيها عن رفضه وجود أي ميليشيات مسلحة في المنطقة»، بحسب أبو قيد. وذلك دون إشارة مباشرة إلى «الدعم السريع» أو السودان.
ويشير الباحث في العلاقات السودانية الخارجية، بشير محمد، إلى أن خطوة الميرغني تُمهد لعودة الدور المصري. فالناظر إلى جميع الحكومات الوطنية في تاريخ السودان السياسي يرى أن مصر تلعب دورًا إما في استقرارها أو جعلها مرتبكة، كما حدث مع الإسلاميين بعد محاولة اغتيال الرئيس السابق حسني مبارك في 1995، حيث ساهم توتر العلاقات مع القاهرة في خلق اضطراب سياسي داخلي. في المقابل يقول محمد إن القاهرة دعمت الحكومة الانتقالية، سواء قبل أو بعد انقلاب 2021، عبر الإمداد الكهربائي، والمعونات الطبية في أثناء فترة كورونا، والتدريبات العسكرية المشتركة بين الجيشين المصري والسوداني خلال السنوات الثلاث السابقة.
يضيف محمد أن مصر لم توافق على البيان الذي وقعت عليه الولايات المتحدة وبريطانيا والسعودية والإمارات في الرياض في فبراير الماضي، والذي على أساسه تشكّلت المجموعة الرباعية. كان البيان قد أدان انقلاب البرهان في 25 أكتوبر 2021. يذكر محمد أيضًا أن القاهرة كانت المحطة التي زارها البرهان قبل هذا الانقلاب.
وحسب «رويترز»، فإن الميرغني سافر إلى السودان على طائرة خاصة أشرف عليها مكتب الرئيس المصري، وفي هذا إشارة إلى تطلع مصر للعب دور في المشهد السياسي، مثل الأدوار التي تلعبها بعض دول الخليج وأوروبا، خصوصًا أن الميرغني تاريخيًا له علاقات سياسية واقتصادية مع مصر.
يشير أبو قيد إلى دور متوقع للميرغني في لَمّ شمل الحركات المسلحة، بالنظر الى علاقات مهمة تربطه مع هذه الحركات، ذاكرًا اتفاقية الميرغني - قرنق في 1988 والتي وُقعت بعد اندلاع الحرب في جنوب السودان في 1983، إثر إعلان الرئيس السوداني الأسبق، جعفر نميري، قوانين الشريعة الإسلامية. دعت هذه الاتفاقية إلى مسار سياسي جديد للحكم والدستور في السودان، لكن ذلك المسار قُطع بانقلاب الإسلاميين في 1989 الذي جاء بالبشير رئيسًا للسودان طوال الثلاثين عامًا السابقة. اليوم، سيستفيد الميرغني من هذه العلاقات، بحسب أبو قيد، في ترتيب المشهد السياسي على نحو يضمن للحركات المسلحة خيارات سياسية جديدة دون خروج القيادة العسكرية للقوات النظامية عن معادلة السلطة.
الميرغني لديه مكانة في الأوساط السودانية يكتنفها كثير من التشويش، بحسب قاسم يوسف، أستاذ علم الاجتماع السياسي بكلية علم الاجتماع والانثروبولوجيا الاجتماعية في جامعة الخرطوم. وتعرضت هذه المكانة خلال السنوات العشر الماضية لاختبارات عملية، ففي وقت تصاعدت فيه معدلات جماهيريته عقب اتفاق «الميرغني-قرنق»، تراجعت هذه الجماهيرية كثيرًا في السنوات الأخيرة بسبب مشاركة «الاتحادي الديمقراطي» في حكومة الرئيس المعزول عمر البشير المعروفة بـ«حكومة الإنقاذ». وبعد قيام الثورة، سارعت القيادة الاتحادية للاغتسال من التركة الإنقاذية، فوقع الميرغني إعلانًا سياسيًا مع الحركة الشعبية لتحرير السودان/ جناح عبد العزيز الحلو، وهي حركة مسلحة معارضة تنشط في جنوب البلاد. لكن هذا الإعلان كشف عن تنازع عميق بين مجموعتين داخل قيادة الطائفة الختمية المُسيطرة على أبرز أجنحة «الاتحاد الديمقراطي»
يشير يوسف إلى التنازع على خلافة الميرغني الأب بين نجليه: الأكبر الحسن، والأصغر جعفر. تجلى هذا التنازع لحظة وصول الميرغني، حين مُنع من استقباله على مدرج الطائرات كل من الحسن وإبراهيم الميرغني، ابن عم الشقيقين الذي أقاله جعفر من منصب الأمين السياسي قبل أسابيع، بسبب موقفهما- الحسن وإبراهيم- المؤيد لوثيقة نقابة المحامين الدستورية، وهو الموقف الذي بسببه ظهر الصراع بين الشقيقين على رئاسة الحزب وزعامة الطائفة.
يقول الكاتب السوداني، الوليد آدم مادبو، إن الخلافات داخل الطائفة الختمية موجودة بطبيعة الحال طوال تاريخ الطائفة والحزب، لكن الميرغني احتكر هذه المرة التسوية داخل البيت، وخرج للناس في بيان مصور قبل ثلاثة أيام من عودته للسودان ليُكلّف نجله جعفر بحسم «التفلتات داخل مؤسسات الحزب» وهو ما يجعل «الاتحادي الديمقراطي الأصل» في مرمى نيران النقد والتململ الداخلي، مما سيؤدي إلى تفككه وانقسامه، وهذه المرة بواسطة أبناء الميرغني أنفسهم. يضيف مادبو أن الزعيم السوداني لم ينظر إلى السياق الذي يوجد فيه فاعلون جدد من الشباب وغيرهم، الذين قد يرفضون وجود حزب يقوم على أساس طائفي لا يحترم الحرية وحق النقد، خصوصًا أن هذا الحزب منقسم، وحزب «التجمع الاتحادي» الذي يقود تكتل قوى إعلان الحرية والتغيير، قد خرج من مؤسسات «الاتحادي الديمقراطي» ويضم «التجمع» تيارات الطلاب وبعض المثقفين داخل الحركة الاتحادية.
تقارير ذات صلة
تحقيق لـ«ذا سنتري»: أحمد جاد الله مهندس حكم اللصوص في شرق ليبيا
تمدد دور جاد الله ليصبح فعليًا المدير التنفيذي لاقتصاد شرق ليبيا تحت حماية صدام حفتر
«أنا أربح وأنت تربح».. قمة مصرية تركية على خلفية إقليم مشتعل
تحظى العلاقات التجارية بين البلدين بأهمية متبادلة
العودة إلى السودان.. إعادة رسم السياسات من المربع الأول
بينما احتفت وسائل الإعلام الموالية للدولة في كل من مصر والسودان بالعودة، ازدادت خيبة أمل السودانيين
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن