تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
مع بدء مؤتمر المناخ.. ما يجب أن تعرفوه

مع بدء مؤتمر المناخ.. ما يجب أن تعرفوه

كتابة: أحمد بكر، بيسان كساب، محمد عز 16 دقيقة قراءة
شعار مؤتمر المناخ في الطريق المؤدي لمنطقة المؤتمرات في مدينة شرم الشيخ | المصدر: رويترز

انطلقت اليوم فعاليات قمة تغير المناخ السنوية للأمم المتحدة التي تستضيفها مدينة شرم الشيخ على مدار أسبوعين، فيما وصفتها الرئاسة المصرية للمؤتمر بـ«لحظة فارقة» في التعامل مع قضية التغير المناخي، في ظل تأكيدات متتالية عن أهمية التحول من الحوار إلى التنفيذ، بما في ذلك الوصول إلى اتفاق عالمي لخفض انبعاثات الكربون.

كانت مصر من أوائل الدول التي استجابت لتهديدات تغير المناخ، إذ صدقت على اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC) في عام 1994. كما قدمت أول مساهمتها المعتزمة المحددة وطنيًا (INDC) في نوفمبر 2015 لتحقيق الأهداف العالمية المنصوص عليها في اتفاقية باريس بشأن تغير المناخ، التي وقعت عليها مصر رسميًا في أبريل 2016 وصدق عليها البرلمان في يونيو 2017. وينص اتفاق باريس للمناخ على العمل على وقف زيادة درجة الحرارة بنحو درجتين بنهاية هذا القرن -قياسًا إلى عصر ما قبل الثورة الصناعية- والعمل على ألا تتجاوز الحرارة 1.5 درجة. 

تأتي تلك الخطوات، بحسب وزارة البيئة، مدفوعة بالتأثير الكبير الواقع على مصر من آثار تغير المناخ، مثل ارتفاع منسوب سطح البحر، وتهديد الأمن المائي والغذائي، وكذلك الآثار السلبية على صحة المواطنين. 

ما هي الإجراءات الأكثر تحديدًا التي تتخذها مصر لمواجهة  التغير المناخي؟ وما هي تكلفتها؟ وكيف تمولها؟ هذا ما نحاول أن نجاوب عليه هنا حتى تبقوا معنا في الصورة خلال الأسبوعين القادمين حيث ينعقد مؤتمر المناخ في شرم الشيخ.

ما هو شكل إسهام مصر في مواجهة التغير المناخي؟

رئيس الحكومة ووزيرة البيئة يتفقدان الاستعدادات لكوب 27/ من صفحة مجلس الوزراء

بين مؤتمر الأطراف للتغير المناخي في جلاسجو العام الماضي والمنعقد في شرم الشيخ العام الحالي، عملت مصر على تعزيز رئاستها للمؤتمر عبر إصدار وثيقتين أساسيتين تعرض فيهما خطتها لمواجهة آثار التغير المناخي.

أعلن عن الوثيقة الأولى رئيس مجلس الوزراء، مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحفي في مايو الماضي، حيث تبنى على ما سبق وأعلنته الحكومة في إطار رؤية 2030 تحت اسم «الاستراتيجية الوطنية لتغيير المناخ في مصر 2050».

أما الوثيقة الثانية، فأطلقتها الحكومة بعد أسابيع قليلة، في يونيو الماضي، وتحدثت فيها عن مساهمات مصر في خفض الانبعاثات المسؤولة عن التغير المناخي، وسلمتها لمؤتمر الأطراف في يوليو.

كلا الوثيقتين خلتا من أي التزامات حقيقية تحقق وفقها مصر تقدم في التعامل مع أو تخفيف آثار التغير المناخي. 

وبحسب متتبع العمل المناخي، وهو المحلل العلمي المستقل الذي يتتبع تطورات العمل المناخي الحكومي منذ 2009 ويقيس تلك التطورات مقارنة بأهداف اتفاقية باريس، فالمساهمات المصرية المحددة وطنيًا السابقة لم تتضمن هدفًا لخفض الانبعاثات على الإطلاق، لذلك يرى أن الهدف الجديد لعام 2030 «بالكاد يمثل تحسنًا»، وسيشهد استمرار الانبعاثات في الارتفاع من حيث القيمة المطلقة، بل من المتوقع أن يزيد إذا استمرت السياسات المنفذة حاليًا، ما يضع تلك المساهمات تحت تصنيف «غير كاف للغاية».

بالإضافة إلى ذلك، فإن تلك المساهمات، بحسب المتتبع، تفتقر إلى الشفافية، ما يُمكن مصر أن تُعلن في وقت لاحق عن تحقيق أهدافها الجديدة دون أي تعديلات في السياسات التي تتبعها الآن. كمثال على ذلك، يشير المتتبع إلى أن مصر افترضت أن الانبعاثات ستزيد بنحو 50% بحلول 2030، وتتوقع أن تساهم المشاريع الخضراء في خفض تلك النسبة. لكن، بحسب تقديرات المتتبع، فإن الانبعاثات من مصر ستزيد بنسبة 15-40% بحلول 2030 على أقصى تقدير، ما يعني أن بحلول 2030، قد تعلن الحكومة المصرية نجاحها في خفض الانبعاثات بنسبة 10% على أقل تقدير دون اتخاذ أي إجراءات تؤدي إلى تغيير عملي في سياساتها البيئية. 

ويشير المتتبع إلى أن مصر لكي تكون متوافقة مع حد 1.5 درجة مئوية الوارد في اتفاقية باريس، ينبغي عليها أن تضع هدفًا وسياسات غير مشروطة من شأنها على الأقل تثبيت الانبعاثات عند مستويات اليوم بحلول عام 2030. وسيحتاج هدفها المشروط بالدعم الدولي إلى خفض الانبعاثات حتى عام 2030 بنحو 25% مقارنة بالمستويات الحالية.

ما هي تكلفة إسهام مصر في الأهداف العالمية لمواجهة التغير المناخي؟

الاستراتيجية التي قدمتها مصر إلى اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ هي اتفاقية غير مُلزمة لكنها مشروطة بحصول مصر على دعم دولي، ما يعني إنها تطلب من المجتمع الدولي تمويل تلك الاستثمارات دون تقديم أي تعهدات حقيقية لخفض الانبعاثات. وفي هذا السياق، يوضح الباحث المشارك في مركز بحوث التنمية المستدامة الفرنسي، صقر النور، أن كلتا الاستراتيجيتين ركزتا على «النمو الاقتصادي» وليس «التنمية الاقتصادية» أو «التنمية المستدامة».

لكن، الأمر الأخطر هو التضارب بين الاستراتيجية التي قدمتها مصر لمؤتمر الأطراف والاستراتيجية التي تبنتها لمواجهة تغيرات المناخ. 

بحسب التحديث المقدم لـ«UNFCCC»، حتى 2030؛ تحتاج مصر إلى 246 مليار دولار، تنقسم إلى 50 مليار دولار لمشاريع التكيف، و196 مليار دولار للتخفيف، أي أن مخصصات التكيف تصل إلى ربع مخصصات التخفيف تقريبًا في تقديرات الحكومة المصرية. على الجانب الآخر، ففي استراتيجية 2050 تحتاج مصر حتى ذلك الوقت 324 مليار دولار، منها 113 مليار للتكيف، و211 مليار للتخفيف.

«المشكلة هنا أنه إذا نظرنا إلى الجدول الزمني للتكيف في استراتيجية 2050، يظهر أن تكلفة قطاع واحد مثل الموارد المائية، تزيد أصلًا عن الـ 59 مليار دولار بحلول 2037، ما يعني أن هناك غيابًا في التنسيق والرؤية الواضحة بين ما أرسلته مصر إلى "UNFCCC" والاستراتيجية الوطنية، رغم أن الفارق الزمني بين إصدار الوثيقتين ليس بكبير»، يقول النور.

ويقوم مفهوم التكيف على توقع الآثار الضارة لتغير المناخ واتخاذ الإجراءات المناسبة لمنع أو تقليل الضرر، أو الاستفادة من الفرص التي قد تنشأ. تشمل أمثلة تدابير التكيف التغييرات واسعة النطاق في البنية التحتية، مثل بناء الدفاعات للحماية من ارتفاع مستوى سطح البحر مثلًا. ونشأ هذا المفهوم جنبًا إلى جنب وفي مواجهة مفهوم التخفيف، والذي يمثل التدابير التي تتخذ لتخفيف تأثيرات تغير المناخ عن طريق منع أو تقليل انبعاث الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي. ويتم التخفيف إما عن طريق تقليل مصادر هذه الغازات -على سبيل المثال عن طريق زيادة حصة الطاقات المتجددة، أو إنشاء نظام نقل أنظف، أو عن طريق تعزيز تخزين هذه الغازات، على سبيل المثال عن طريق زيادة حجم الغابات. 

الباحث البيئي أحمد العدوي يشير إلى تركيز الحكومة على مشاريع التخفيف بدرجة أكبر من التكيف، قائلًا: «كم الخفض فى الانبعاثات المخطط له فى مصر لن يؤثر بشكل كبير عن الوضع فى الأرض، لكن في حالة التكيف، دي خساير كدة كدة بيخسرها  النهارده وهيخسرها المصريين. يبقى المفروض الاستثمارات الحكومية تكون مركزة أكثر على التكيف، ومش طبيعى تكون الفجوة فى تمويل التكيف أكبر بكتير من الفجوة فى تمويل التخفيف. هل دا بسبب خلفية واضعوا الاستراتيجية إننا هانستقبل استثمارات ضخمة في التخفيف لكن مش في التكيف؟ لكن تبقى مشكلة لو مساهمة الدولة نفسها في التخفيف أكبر من التكيف. يبقى، أنت كأنك عامل دعم للمواطن العالمي على حساب خسائرك في الداخل».

يعتبر العدوي أيضًا أن استراتيجية مواجهة  التغير المناخي همشت الحفاظ على بعض الموارد الطبيعية نسبيًا، مقارنة بالخدمات البيئية الضخمة المقدمة منها. ويوضح: «الاستراتيجية بترصد 200 مليون دولار فقط ولمدة عشر سنوات لصون التنوع البيولوجى والبيئات البحرية، اللي بتدر ربح بعشرات مليارات الدولارات من سياحة الشواطئ والشعاب المرجانية وغيرها. دا معناه أن صون البيئات دى وقدراتها على احتجاز الكربون والمحافظة على الخدمات البيئية لها أرخص وأحسن من أننا نستورد تكنولوجيات خضراء، وإحنا بالفعل عندنا بيئات غنية بيتم التعدى عليها دوريًا فى البحر الأحمر والمتوسط».

وبخلاف التوجه المصري، ترتبط مصالح الدول النامية بالضغط من أجل الحصول على تمويل موجة للتكيف في المقام الأول، لأن انبعاثاتها من الغازات الدفيئة وثاني أوكسيد الكربون خاصة منخفضة للغاية بالنسبة للدول المتقدمة لارتباط تلك الانبعاثات أساسًا بالتقدم الصناعي، ما يعني أن جهود التخفيف لا يمكن أن تمثل أولوية بالنسبة لها. 

كيف تسخر مصر الاستثمارات في قطاع الطاقة لتمويل أهداف مواجهة التغير المناخي؟

مشروع تنمية حقل غاز نورس المكتشف حديثًا في البحر المتوسط | المصدر: موقع شركة إيني

يشير العدوي إلى أن أغلب الاستثمارات التي تبحث مصر عن تمويلها، بحسب الاستراتيجيات التي أعلنت عنها، هي استثمارات في مجالي الطاقة والنقل. من بين 211 مليار دولار تقريبًا طلبتها الحكومة في استراتيجية 2030 لتخفيف آثار التغير المناخي، كانت الحصة الأكبر لقطاع الكهرباء، الذي استحوذ وحده على حوالي 144 مليار دولار، تبعه قطاع النقل بأكثر من 57 مليار دولار.

ويبدو ذلك متسقًا مع اتجاهات الحكومة في التنمية «الخضراء». فعندما طرحت وزارة المالية في 2020 السندات الخضراء لتمويل المشروعات الصديقة للبيئة، خصصت 46% من إجمالي 750 مليون دولار حصلت عليها لمشروع واحد فقط، هو المونوريل. أما الـ54% الباقية، فقد وزعتهم الحكومة على 14 مشروعًا لتحلية المياه ومشروعات الصرف الصحي.

وبالمثل، في أغسطس الماضي، أطلقت مصر والأمم المتحدة خمس موائد مستديرة إقليمية للمساعدة في تأمين الاستثمار في مشاريع المناخ في الدول النامية قبل «COP 27». وخلال المؤتمر، استحوذت مصر على حوالي 40% من إجمالي الاستثمارات المتوقعة، بعدما عرضت أربعة مشاريع للاستثمارات الأجنبية.

لكن، الحصة الأكبر من تلك المشاريع الأربعة كانت لنفس القطاعات؛ الطاقة والنقل، إذ طلبت مصر خلال اللقاء حوالي عشرة مليار دولار لتكهين 17 محطة كهرباء «غير فعالة»، واستبدالها بالطاقة الشمسية، بالإضافة إلى ستة مليار دولار لبناء مشروع القطار الكهربائي السريع بين القاهرة والإسكندرية، لتصل قيمة الاستثمارات في المجالين إلى 16 مليار دولار، من أصل 17.4 مليار دولار طلبتها الحكومة. المشروعان الآخران كان أحدهما مشروع بقيمة 800 مليون دولار لتحقيق الأمن الغذائي من القمح، والآخر بقيمة 600 مليون دولار لبناء ست محطات لتحلية المياه بالطاقة الشمسية.

إضافة إلى ذلك، أثناء مؤتمر الأطراف «COP 26» العام الماضي، أعلن وزير البترول طارق الملا عن خطة عملية طموحة لاستخدام الهيدروجين باعتباره مصدر وقود منخفض الهيدروكربون، وتشمل التركيز على إنتاج الهيدروجين الأزرق على المدى القصير والمتوسط، وبالتالى إنتاج الهيدروجين الأخضر فى النهاية. كما تبنت برنامجًا طموحًا للطاقة الجديدة والمتجددة يستهدف توليد 42% من الكهرباء بحلول عام 2030 من الطاقة الجديدة والمتجددة.

لكن في البرنامج الذي قدمته مصر في يوليو، انخفض ذلك الهدف ليصل إلى 40% فقط، فيما قدرت الحكومة الوقت اللازم للوصول بالطاقة المتجددة لـ42% من إجمالي الطاقة بعام 2035، بزيادة خمس سنوات كاملة عن تقديراتها بالعام الماضي، وذلك على الرغم من تقديرات وكالة الطاقة المتجددة الدولية، التي أشارت في 2018 إلى قدرة مصر «فنيًا واقتصاديًا» للوصول بحجم الطاقة المتجددة إلى 53% بحلول 2030.

وأتى ذلك التراجع في نفس الوقت الذي اتخذت فيه الحكومة عدة قرارات هددت الاستثمارات في قطاع الطاقة النظيفة والمتجددة، وعرقلت نموه، بما في ذلك فرض ضرائب تسميها الشركات بـ«ضريبة الشمس»، وإلغاء استثناء ألواح الطاقة الشمسية من رسوم الجمارك. وفيما ألغت الحكومة بالفعل بعد ذلك بعض تلك الرسوم، توقع أصحاب شركات الطاقة الشمسية أن تفرضها الحكومة مرة أخرى بعد انتهاء المؤتمر.

على جانب آخر، إحدى السياسات التي تجعل تصنيف مصر في مساهمات خفض الانبعاثات غير كافية، هي التوسع بشكل كبير في استثمارات الغاز الطبيعي، الذي تعتبره الحكومة أقل ضررًا من أنواع الوقود الأحفورية الأخرى. فقبل أيام معدودة من بداية مؤتمر المناخ؛ صرح وزير البترول طارق المُلا بإن الحكومة تتجه للتوسع في استثمارات الغاز الطبيعي، سواءً من خلال شراكات في مجالات الاكتشافات الجديدة والبحث والإنتاج وتوزيع وتسويق المنتجات البترولية، أو تصدير حصة أكبر من الغاز. مؤخرًا، دعا وزير الصناعة والتجارة، أحمد سمير، الدول الغربية أن تنقل مصانعها إلى مصر للاستفادة من الغاز الطبيعي المُتاح محليًا بأسعار مخفضة على أن تصدر منتجاتها مرة أخرى إلى بلدانها.

لكن، وبحسب وكالة الطاقة الدولية، فإن الغاز الطبيعي هو أحد أنواع الوقود الأحفوري المُسببة للانبعاثات التي تؤدي للاحترار والتغير المناخي، بالإضافة إلى الفحم والبترول. وأشارت الوكالة في تقرير لها العام الماضي إلى أنه لتحقيق أهداف خفض الانبعاثات المُتفق عليها في باريس 2015، فيجب التوقف عن إنتاج كل أنواع الوقود الأحفوري، بما في ذلك الغاز الطبيعي.

وبحسب المديرة التنفيذية لشبكة العمل المناخي التي تضم أكثر من 1500 منظمة مجتمع مدني، تسنيم إيسوب، في حديثها مع «مدى مصر»، فإن الاستثمار في الغاز الطبيعي كوقود انتقالي بين البترول والطاقة الجديدة هو «قصر نظر».

«الطاقة المتجددة موجودة في مصر بوفرة، بما في ذلك الرياح والشمس»، تقول ايسوب لـ«مدى مصر»، مضيفة أن مصر يُمكن أن تحذوا حذو المغرب وتصدر الكهرباء للدول المجاورة، بدلًا من الاعتماد على الغاز كمصدر للطاقة، مشيرة إلى أن دعوة الشركات الأوروبية إلى الاستثمار في الوقود الأحفوري هو بمثابة تلويث للبيئة المصرية من إنتاج الغاز واستخدامه في التصنيع المحلي، مقابل استثمارات، يُمكن استبدالها باستثمارات في الطاقة النظيفة.

بالإضافة لذلك، تقول ايسوب إن الاستثمار في الغاز الطبيعي هو استثمار طويل الأجل، مضيفة: «المستثمرون سيجب عليهم الحصول على مقابل استثماراتهم خلال مدد زمنية طويلة. والبنية التحتية، من منصات للاستخراج، لأنابيب للنقل، للمصانع التي تعمل بالغاز، وحتى محطات تموين السيارات، ستعني الاعتماد على الغاز كوقود لمدة أطول بكثير على حساب التوجه السريع للطاقة النظيفة».

الأمر نفسه يؤكده متتبع العمل المناخي، الذي يشير إلى أن توسع مصر في إنتاج الغاز واستخدامه هو مخاطرة من الحكومة بحبس نفسها في مسار عالي الكربون. 

ويأتي ذلك في الوقت الذي يبلغ استهلاك الغاز الطبيعي في مصر نحو ثلث إجمالي استهلاكه في إفريقيا، وهي ثاني أكبر منتج للغاز في القارة. كما يأتي أيضًا في سياق عودة الدول المتقدمة للاعتماد بقوة على الوقود الأحفوري على خلفية تداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا وتأثير ذلك على سوق الطاقة. 

غير الاستثمار بالطاقة، ما هي صور التمويل الأخرى التي تبحث عنها مصر لمواجهة التغير المناخي؟ 

كان الوعد بتمويل مناخي من الدول المتقدمة إلى الدول النامية يبلغ 100 مليار دولار قد أطلق عام 2009 في مؤتمر «COP» في كوبنهاجن للمرة الأولى، على أن يبدأ عام 2020، لكن لم يحدث حتى الآن أن أنفق هذا المبلغ بالفعل. 

ويشير أحمد الدروبي، مدير الحملات في منظمة جرينبيس في المنطقة العربية، إلى إساءة استخدام الأرقام من قبل الدول المتقدمة التي يمكن في أحيان كثيرة أن تتعمد خفض مساعدات غير مناخية اعتادت تقديمها لتقديم مساعدات أخرى يمكن احتسابها كمساعدات مناخية، موضحًا: «لنتخيل مثلًا أن منح تمويل لإقامة مدرسة في إفريقيا الوسطى يمكن أن يعتبر من قبل المانحين من قبيل التمويل المناخي إذا أضيفت ألواح طاقة شمسية على سطح المدرسة». 

في تقرير صادر عام 2020 من منظمة أوكسفام بعنوان «تقرير الظل عن التمويل المناخي»، قدمت المنظمة تقديرًا مدققًا للتمويل المناخي، قالت فيه إنها تقدر صافي المساعدة العامة الخاصة بالمناخ بأقل بكثير من الأرقام التي أعلنت «حيث تتجاوز بشكل طفيف من 15 إلى 19.5 مليار دولار في 2015- 2016، و19–22.5 مليار دولار في عامي 2017–2018»، مقابل ما قالت الدول الدول المتقدمة إنها قدمته: 44.5 مليار دولار سنويًا في 2015- 2016 و59.5 مليار دولار سنويًا في2017 و2018.

يرى الدروبي أن ما هو مطروح على القمة بقوة هذا العام يتجاوز مجرد رفع قيمة التمويل المقدم بالفعل، إلى تحسين طبيعة التمويل، موضحًا أن «التمويل يعتمد في الاساس على القروض لا المنح، وبالتالي فهو يزيد من حجم مديونيات الدول النامية». 

وفي هذا السياق، يشير استشاري سياسات المناخ والبيئة والطاقة، عمرو سليم، إلى أن التمويل المناخي هذا العام من المحتمل أن يشهد جدلًا أوسع من أي وقت مضى من حيث حجم المكون الموجه فيه إلى التكيف، في مواجهة ميل الدول المتقدمة لمنح تمويلًا أكبر لجهود التخفيف الملائم أكثر لمصالحها في تخفيض الانبعاثات على نحو يخفض من سرعة ارتفاع درجات الحرارة. 

محمود محيي الدين، رائد المناخ للرئاسة المصرية، يقول لـ«مدى مصر» في هذا السياق إن الدول النامية تتحمل نسبة كبيرة من الإنفاق على التكيف من موازنتها، بحيث يصل متوسط الإنفاق على التكيف في إفريقيا من الموازنات العامة لـ97% مقابل 3% يمثل الإنفاق على التكيف من القطاع الخاص.  ويضيف«القطاع الخاص يجد ما يهمه أكثر في المشروعات المرتبطة بالتخفيف ونزع الكربون وما شابهها من قبيل مشروع رأس غارب [لطاقة الرياح] وبنبان [للطاقة الشمسية] مثلًا، لا التكيف إلا باستثناءات من قبيل تحلية المياه مثلا». 

وينص اتفاق باريس عام 2015 على تقسيم التمويل المناخي إلى 50% لأغراض التخفيف و50% لأغراض التكيف، لكن محيي الدين يرى أن بعض الدول القادرة على جذب تمويل القطاع الخاص أكثر في مجالات التخفيف ونزع الكربون أولى بها السماح أكثر للقطاع الخاص [بتمويل هذه المشروعات]. «في حالة مصر، من الممكن أن تلجأ مصر [لطلب التمويل] أكثر لصالح مشروعات التكيف المرتبطة مثلًا بحماية الشواطئ وتطوير البنية الأساسية المتاخمة لها ومشروعات الزراعة وحمايتها وتطوير مسارات النهر وفروعه حتى لو جاءت النسبة التي نطلبها تميل للتكيف أكثر من التخفيف يغض النظر عن الجهة المانحة»، لكن «الأهم هو أن يكون تمويل مشروعات التكيف تمويلًا ميسرًا ويشمل جانبًا كبيرًا من المنح لأن الدول النامية لم تكن المتسببة في الكارثة المناخية التي نعيشها». 

ويوضح محيي الدين لـ«مدى مصر» أن «الدول المتقدمة لا تزال قادرة على تسديد ما ينبغي تسديده من تمويل، لكن بعض من مجموعة الدول المتقدمة لم تنفق أكثر من 5% من التمويل الذي ينبغي عليها تقديمه، وحتى في حال تم الوفاء بتسديد كل هذا التمويل [المئة مليار]، فلن يسد ذلك إلا 3% من فجوة التمويل الضروري للعمل المناخي [في الدول النامية] وبالتالي سيبقى الجانب الأكبر من العمل المناخي تتحمله موازنات الدول النامية.. كنت في الهند مؤخرًا، ووجدت أن الموازنة العامة هناك تتحمل أكثر من 80% من تكلفة العمل المناخي». 

وفي هذا السياق، يتفق سليم والدروبي على الأهمية الكبرى هذا العام للنقاش حول مفهوم «الخسارة والضرر»/ «loss and damage» على نحو لم تشهده مؤتمرات «COP» على نفس القدر من قبل. 

ويقصد بالخسارة والضرر، التكاليف والنتائج الاقتصادية وغير الاقتصادية من كل من أحداث الطقس المتطرفة مثل الأعاصير والفيضانات والعمليات المناخية بطيئة الظهور مثل ارتفاع مستوى سطح البحر والتملح. الضرر هنا هو ضرر دائم، غير قابل للإصلاح من قبيل الخسائر في الأرواح وسبل العيش والمنازل والأراضي التي لها قيمة اقتصادية يمكن حسابها، وكذلك الخسائر المتجاوزة للقيمة الاقتصادية مثل فقدان الثقافة والهوية والتنوع البيولوجي. 

ويقع هذا المفهوم خارج نطاق مفهوم التمويل المناخي التقليدي، الذي يتمركز حول تخفيف الانبعاثات والتكيف مع آثار التغيرات المناخية. و لم يجر الانفاق أبدًا حول المفهوم الجديد كجزء من أي تمويل حتى الآن. 

يوضح سليم: «ما حدث طوال العام الماضي [في الفترة ما بين انعقاد مؤتمر "COP 26" في  جلاسجو وحتى الآن] أن المجتمع المدني ومن خلفه الدول النامية ومصر خصوصًا لعبوا جميعًا دورًا كبيرًا في الدعاية لهذا المفهوم، على نحو إن لم يسفر مباشرة عن تفعيل المفهوم أو ترجمته في صورة تمويل، فهو على الأقل سيسهم في تحسين التمويل المناخي المتفق عليه بالفعل ضمن المائة مليار دولار سنويًا [المتفق على منحها سنويا لصالح التخفيف من الانبعاثات والتكيف مع التغيرات المناخية]». 

كما يقول سليم: «كان من الواضح مثلًا ارتفاع تلك النبرة في يونيو الماضي في مؤتمر المناخ [اجتماع ينعقد في منتصف الفترة بين انعقاد أحد مؤتمرات COP والمؤتمر اللاحق]، على لسان المجتمع المدني -ودعمتها في ذلك الحكومة المصرية. ما كان مطروحًا هو تأسيس آلية تمويلية جديدة لمواجهة احتياجات الخسارة والضرر للدول الفقيرة على أساس تعويضها عن الأضرار السابقة». 

, خلال تلك الفترة، كما يوضح الدروبي «تأسس ما يسمى بـ"حوار جلاسكو" وهو ما يمكن اعتباره إحدى غرف الحوار في مؤتمرات الـ"COP" حول تمويل الخسارة والضرر، وهي غرفة سيستمر عملها لمدة ثلاث سنوات قبل الوصول لرأي حول تمويل الخسارة والضرر ولكنها تعد المرة الأولى التي يجري فيها الاتفاق على آلية للحوار حول الخسارة والضرر كمفهوم تمويلي. المفهوم الوحيد الذي كان معترفًا به من قبل في ما يتعلق بالخسارة والضرر هو مفهوم الدعم التقني من الدول المتقدمة للدول النامية».

ومن أبرز الاشارات التي ترجح أن يكون هذا المفهوم حاضرًا بقوة هذا العام في مؤتمر «COP» في مصر، كما يشير دروبي، هو تصريحات جون كيري، المبعوث الرئاسي الخاص للمناخ في الولايات المتحدة، والتي بدا فيها «منفتحًا لأول مرة على هذا المفهوم». 

كان كيري قد قال في تصريحات صحفية لمجلة «تايم» الأمريكية إن الولايات المتحدة ستشارك في محادثات حول كيفية معالجة الدمار المرتبط بالمناخ في اجتماعات المناخ المقبلة في شرم الشيخ ، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة منفتحة على المناقشات حول إمكانية «الترتيبات المالية»، لما يسمى بالخسائر والأضرار، وهو موقف وصفته «تايم» بأنه جاء «بعد سنوات من تجنب الموضوع». 

ويرى دروبي إن من ضمن المتغيرات الأساسية التي تدفع في طريق تبني مفهوم تمويلات جديدة مقابل الخسارة والضرر هو عدم إمكانية غض البصر عن كوارث مناخية من قبيل فيضان باكستان، كما يرى سليم أن امتداد الكوارث الطبيعية المرتبطة بتغير المناخ إلى الدول المتقدمة نفسها جعل القضية أكبر من إمكانية تجنبها، وهي كوارث من ضمنها موجات الحرارة الشديدة في إنجلترا التي تسببت في أضرار في شبكة الكهرباء على نحو اضطرت معه إنجلترا لاستيراد الكهرباء.  

عن الكتّاب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن