تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
معيار الحضارة

معيار الحضارة

كتابة: بيري أندرسون 43 دقيقة قراءة

يتناول المؤرخ الماركسي المرموق بيري أندرسون في هذه المادة -المنشورة في «نيو ليفت ريفيو»، عدد أكتوبر 2023- تاريخ القانون الدولي ونشأته في سياقه الاستعماري وتطوره وممارسته المعاصرة. وتأتي ترجمتنا لها في ظل حرب إبادة جماعية لا تتوانى إسرائيل في شنها على الشعب الفلسطيني بأشكال مختلفة. في سياق هذه الإبادة، طرحت مجموعات مختلفة من المحللين والمتابعين ما مفاده أن الغرب والإنسان الأبيض -بالمعنى الأيديولوجي وليس الجغرافي أو العرقي- قد كشفا عن ازدواجية معايير وانتقائية في تطبيق معاييرهما الإنسانية والرفيعة على «الحيوانات البشرية». اقترن مع هذا الاستنتاج استنتاجٌ آخر يقول إن القانون الدولي ومؤسساته في خدمة الدول الإمبريالية تطبقه على ما تريد وتخرقه متى أرادت. مع الاعتراف بصحة كل من هذين الاستنتاجين، لكن لا بد من القول إن الغرب لم يحدث أن مارس ازدواجية المعايير أو كسر اتساقه مع ذاته، بل ما نراه منه ليس إلا الاتساق الكامل مع مبادئه ومصالحه في إطار الممارسة الإمبريالية. وما التاريخ الذي يستعرضه أندرسون إلا دليل واضح على هذا. ننشر الترجمة بإذن المجلة.

طرح لوسيان فيفر في عام 1929 أول دراسة منهجية لتطور معاني مصطلح «الحضارة» من مثاله المفرد -يُرجعه فيفر إلى الربع الثالث من القرن الثامن عشر-، إلى واقعه المتعدد -يضعه عند نهاية الحقبة النابليونية. وفي 1944-1945، خصص محاضرته الأخيرة لموضوع «أوروبا: أصل حضارة»، وبعد عام أضاف كلمة «حضارات/ Civilisations» إلى «الاقتصاد والمجتمع/ Économies et Sociétés» في عنوان مجلة «الحوليات». وقبيل وفاته كتب ملاحظة حادة يؤيد فيها رفض أحد زملائه مقولة فاليري الشهيرة بأن هذه الحضارة أدركت الآن أنها ذائقة الموت: «في الواقع، ليست الحضارات بذائقة الموت. فتيار الحضارة لا يتوقف رغم المعيقات والعقبات» [1]. وبعد مرور عقد من الزمان، سوف يذهب فرناند بروديل المذهب نفسه قائلًا: «حين أعلن بول فاليري ҆أيتها الحضارات، نحن نعلم أنك ذائقة الموت҅، كان يبالغ بالتأكيد. فالأزهار والثمار يسقطها تعاقب فصول التاريخ، إلا أن الشجرة تظل وتبقى، أو يستعصي -على الأقل- قتلها» [2].

إلى أي مدى كانت ثقة بروديل -بعدما صار استخدام المصطلح بصيغة المفرد بلا دلالة تُذكر- مبررة؟ يمكننا مقاربة هذا السؤال بالنظر في مجموعة من الأفكار والممارسات حيث كانت «الحضارة» واضحة تاريخيًا، وأعني النظر في القانون الدولي. هناك، يمكننا البدء بملاحظة ما قد يبدو مفارقة. تستحضر الفكرة المعاصرة عن القانون الدولي على الفور فكرة العلاقات بين الدول السيادية. في الغرب، تطورت هذه العلاقات عمومًا إلى شيء يشبه نظامًا رسميًا لأول مرة مع معاهدة ويستفاليا التي أنهت في عام 1648 حرب الثلاثين عامًا في أوروبا. ولعله من المنطقي افتراضنا أن مجموعة من الأفكار المتقدمة بصدد القانون الدولي ظهرت عند نقطة التحول هذه. لكن للوقوف على منشأ القانون الدولي يجب علينا العودة إلى ثلاثينيات القرن السادس عشر. فآنذاك بدأ تاريخها حقًا، مع كتابات اللاهوتي الإسباني فرانسيسكو دي فيتوريا الذي لم تشغله العلاقات بين دول أوروبا، حيث كانت إسبانيا آنذاك أقواها، بل العلاقات بين الأوروبيين من جهة -الإسبان في المقام الأول بطبيعة الحال- وشعوب الأمريكيتين المكتشفة حديثًا من جهة أخرى.

الأسس

تساءل فيتوريا، مستندًا إلى الأفكار الرومانية عن قانون الأمم -ius gentium-، بأي حقٍ تمتلك إسبانيا الجزء الأكبر من نصف الكرة الغربي. أكان ذلك بسبب أن هذه البلاد غير مأهولة، أم أن البابا خصصها لها، أم واجب تحويل عبدة الأوثان إلى المسيحية، بالقوة إن لزم الأمر؟ رفض فيتوريا كل هذه الأسباب لاحتلال العالم الجديد. هل معنى هذا أن الاحتلال مخالف لقانون الأمم؟ لا، لأنه حين وصل الإسبان إلى تلك البلاد، انتهك سكان الأمريكيتين الهمج «حق التواصل» الكوني -ius communicandi-، أحد المبادئ الأساسية لقانون الأمم. ما معنى هذا «التواصل»؟ يعني حرية السفر إلى أي مكان وحرية البيع والشراء في أي مكان: بعبارة أخرى، حرية التجارة وحرية الإقناع، أي تبشير الهنود -حسب تسمية الإسبان- بالحقائق المسيحية. إذا قاوم الهنود هذه الحقوق، صار للإسبان مبرر الدفاع عن أنفسهم بالقوة وبناء التحصينات والاستيلاء على الأراضي وشن الحرب عقابًا لهؤلاء. وإذا ظلوا على ضلالهم، وجب معاملتهم معاملة الخصم الغادر، فتُنهَب ممتلكاتهم ويؤخذون عبيدًا [3]. بذلك، صار الاحتلال شرعيًا بالكامل في نهاية الأمر.

هكذا، وُضعت اللبنة الأولى لما سيُطلق عليه -لقرنين قادمين- قانون الأمم كتبرير للإمبريالية الإسبانية. أتت اللبنة الثانية، الأهم، مع كتابات هوجو جروتيوس في القرن السابع عشر. يُذكر جروتيوس اليوم، ويحظى بالتقدير، بسبب مقالته «قانون الحرب والسلم/ De iure belli ac pacis» المنشورة في عام 1625. لكن دخوله الفعلي إلى حقل القانون الدولي، كما نعرفه اليوم، بدأ بنص سيُعرف لاحقًا بـ «بصدد الغنائم/ De iure praedae»، وقد كتبه قبل مقالته إياها بعشرين عامًا. وضع جروتيوس في تلك الوثيقة مبررًا قانونيًا للاستيلاء على سفينة برتغالية تحمل النحاس والحرير والبورسلين والفضة من قِبل قبطان -أحد أبناء عمومته- من شركة الهند الشرقية الهولندية، وكانت قيمة حمولتها ثلاثة ملايين جلدر، أي ما يقرب من إجمالي إيرادات إنجلترا السنوية -حجم غير مسبوق من النهب أحدثَ ضجة في أوروبا. بيَّنَ جروتيوس في الفصول الخمسة عشرة، التي صدرت لاحقًا بعنوان «حرية البحار/ Mare Liberum»، أن البحار العالية تجب معاملتها معاملة منطقة حرة لكل من الدول والشركات الخاصة المسلحة، وأن فعلة ابن عمه تقع في نطاق حقوقه -ليعطي الإمبريالية التجارية الهولندية مذكرةً قانونية، مثلما فعل فيتوريا مع الإمبريالية التوسعية الإسبانية.

لمّا بدأ جروتيوس كتابة مقالته العامة عن قوانين الحرب والسلم، بعد عقدين، كانت هولندا بدأت تلتفت إلى المستعمرات على الأرض أيضًا، لتستولي في فترة وجيزة على مناطق برازيلية من البرتغال، فبات جروتيوس الآن يجادل بأن للأوروبيين الحق بشن الحرب على أي شعب يرون عاداته بربرية، حتى وإن لم يعتدي ذلك الشعب عليهم، وذلك جزاء لجرائمه بحق الطبيعة. كان هذا حق السيف أو الجزاء/ ius gladii. وكتب: «إن للملوك، ولمن في مكانتهم، الحق في إنزال العقوبات ليس بسبب الضرر الواقع على النفس فحسب، أو على رعاياهم، بل أيضًا على ما لا يقع عليهم، ولكنه يشكِّل، كائنًا من كان مرتكبه، انتهاكات جسيمة لقانون الطبيعة أو الأمم» [4]. بعبارة أخرى، لقد منح جروتيوس رخصة لمهاجمة كل من يقف في طريق التوسع الأوروبي واحتلاله وقتله.

قوانين الحرب والسلم، هوجو جروتيوس، عام 1631

أُضيف إلى حجري زاوية القانون الدولي الحديث -حق التواصل وحق السيف-، مسوغان آخران لاستعمار العالم خارج أوروبا. طرح توماس هوبز حجة من زاوية الديموغرافيا: يوجد الكثير من الناس في الوطن، وعدد قليل خارجه لدرجة أن ليس للمستوطنين الأوروبيين في بلاد الجمع والالتقاط الحق «بإبادة من يجدونه هناك؛ بل إرغامهم على العيش في مساحة صغيرة، وألا يتنقلوا على مساحة شاسعة من الأراضي، فيقتلعون ما يجدونه» [5] -وهو برنامج محميات صريح سوف يُساق إليه السكان الأصليون في أمريكا الشمالية. من الواضح أنه إذا أمكن ببساطة عدُّ الأراضي غير مستعمرة، حتى هذا لن يكون ضروريًا. أضاف جون لوك إلى هذا الرأي المنتشر حجة إضافية مؤداها أنه إذا وجد سكان محليون، لكنهم فشلوا في استغلال الأرض أفضل استغلال، فإن للأوروبيين كل الحق في أخذها منهم، ليحققوا هدف الله منها بزيادة إنتاجية التربة [6]. بذا، اكتملت ذخيرة مسوغات التوسع الإمبراطوري الأوروبي بحلول نهاية القرن السابع عشر؛ فقد كفلت حقوق التواصل والجزاء والاحتلال والإنتاج الاستيلاء على بقية الكوكب.

مقتصر على المتحضر

بحلول القرن الثامن عشر، تصدرت الكتابة عن العلاقات بين الدول داخل أوروبا الكتابات عن قانون الأمم، وظهرت أصوات من عصر التنوير -من بينها ديدرو وسميث وكانط- تشكك في البُعد الأخلاقي لعمليات الاستيلاء الاستعماري على الأراضي خارج أوروبا، وإن لم يطرح أي منها وقفها. واللافت أن أكثر الأطروحات الجديدة تأثيرًا، «قانون الشعوب»، ألفها المفكر السويسري، إيمير دي فاتيل. وفيها، لاحظ فاتيل: «إن الأرض ملك للبشرية جمعاء، وغايتها توفير سبل العيش للناس أجمع: إذا ارتأت كل أمة منذ البداية أن تخصص لنفسها بلدًا شاسعًا، يعيش فيه شعبها على الصيد وصيد الأسماك وجمع الفواكه البرية، فإن عالمنا لن يكون كافيًا للحفاظ على عُشر سكانه الحاليين. ولذلك، نحن لا نخرج عن وجهات نظر الطبيعة بحصرنا الهنود ضمن حدود أضيق» [7].

غلاف كتاب قانون الشعوب، لإيمير دي فاتيل

وفي مواصلته أعمال سابقيه في هذا الصدد، شكل عمل فاتيل نقطة تحول خطابية، نحو نسخة أكثر علمانية من قوانين الطبيعة الإلهية المسوغة للنسخ السابقة من قانون الأمم. لكن الدين لم يختف بأي حال من الأحوال، إنما لم يعد المسوغ الأول لاستعمار بقية العالم. وانتقلت هذه الوظيفة، من الآن فصاعدًا، إلى مصطلح آخر. نُشرت أطروحة فاتيل في عام 1758. وقبلها بعام واحد، أي في عام 1757، ظهر أول استخدام يمكن تتبعه للفظة الحضارة -كانت لا تزال غائبة عن مجلدات «الإنسايكلوبيديا» الصادرة عام 1753- في نص كتبه والد ميرابو. وفي غضون سنوات قليلة، وقدم آدم فيرجسون هذه الفكرة بشكل مستقل في اسكتلندا.

إن نجاح عمل فاتيل، المنشغل في المقام الأول بالعلاقات بين الدول الأوروبية ولكنه يغطي علاقاتها مع بقية العالم، لا ينفصل عن توقيت ظهوره. فقد ظهر في خضم الصراع العالمي الأول، حرب السنوات السبع بين فرنسا وبريطانيا التي دارت رحاها ليس في أوروبا فحسب، بل في أمريكا الشمالية ومنطقة البحر الكاريبي والمحيط الهندي وجنوب شرق آسيا -كانت، بدورها، آخر بروفة على الصراعات الجبارة داخل أوروبا، مع امتداداتها في جميع أنحاء العالم، أطلقتها الثورة الفرنسية. ومع نهايته بانتصار الأنظمة القديمة مجتمعة على نابليون في عام 1815، كان قد وقع ثلاثة تغييرات مهمة طالت ما كان في السابق قانون الأمم. في عام 1789، في معرض نقده غموض الصيغة -ألم يكن قانون الأمم تسمية غير موفقة للقانون بين الأمم؟-، صاغ بنثام مصطلح «القانون الدولي»، وقد ترسخ تدريجيًا في القرن التالي. بحلول ذلك الوقت، أصبحت «الحضارة» الخط الفاصل المعياري بين أوروبا وبقية العالم، وليس الدين المسيحي، على الرغم من أن الأخير ظل سمة هامة من سمات الأولى.

أخيرًا، في العقد الثاني من القرن التاسع عشر، حين افترض فاتيل، تماشيًا مع الاتفاقيات الدبلوماسية في ذلك الوقت، المساواة الاسمية بين الدول ذات السيادة، قدم مؤتمر فيينا للمرة الأولى تسلسلًا هرميًا رسميًا للدول داخل أوروبا، بأن ميز خمس «قوى عظمى» -ما يسمى بالنظام الخماسي أركانه إنجلترا وروسيا والنمسا وبروسيا وفرنسا-، ومنحها امتيازات خاصة وأقرت خريطة القارة وكل دولة أخرى. كان هذا ابتكارًا يهدف إلى تعزيز وحدة حلف الثورة المضادة الذي هزم نابليون واستعاد الأنظمة الملكية في جميع أنحاء أوروبا. لكنه كان ابتكارًا استمر إلى ما بعد فترة الاستعادة نفسها. بحلول ثمانينيات القرن التاسع عشر، قال الفقيه القانوني الاسكتلندي البارز، جيمس لوريمر: «أعتقد إزاء المساواة بين الدول أنه يمكننا القول بثقة إن التاريخ قد رفضها»، دع عنك العقل، لكونها «وهمًا فاق وهم المساواة بين جميع الأفراد» [8].

ومع هذه التغييرات، جاء ظهور القانون الدولي كمهنة، إلى جانب الدبلوماسية التقليدية. وجاءت أولى مساهماته الفارقة من جانب السفير الأمريكي السابق لدى بروسيا، هنري ويتون، الذي تُرجم كتابه «عناصر القانون الدولي»، الصادر عام 1836، على نطاق واسع في الخارج -إلى الفرنسية والألمانية والإيطالية والإسبانية والصينية في ستينيات القرن التاسع عشر-، ووضع المرجعية التعريفية لتخصص القانون الدولي. أوضح ويتون، مستشهدًا بجروتيوس ولايبنيز ومونتسكيو وآخرين، أنه مع استثناءات قليلة «كان القانون العام للأمم دائمًا، ولا يزال، مقتصرًا على الشعوب المتحضرة والمسيحية في أوروبا أو ذات الأصول الأوروبية» –لأن ولادته أتت من «تقدم الحضارة المرتكز على المسيحية» [9]. ومع ظهور معهد القانون الدولي الأول في بروكسل عام 1873، لم يعد الارتباط بالدين مطلوبًا: فقد صارت الحضارة كافية.

هنري ويتون، مؤلف كتاب عناصر القانون الدولي

التصنيفات

كان هذا المعيار هو الذي قسم العالم، في فترة شهدت تدخل الإمبريالية الأوروبية لا في أراضي المعارضين الضعفاء -الصيادين وجامعي الثمار أو الدول المفتقرة إلى أسلحة نارية، كما الحال في الأمريكيتين، التي كانت السبب وراء كتابات فيتوريا وجروتيوس ولوك وفاتيل-، بل في الإمبراطوريات الآسيوية الكبرى وغيرها من الدول المتقدمة، الأقدر على الدفاع عن نفسها. كانت هذه الطفرة التوسعية قد بدأت بالفعل في خلال الحروب النابليونية نفسها، حين استولى البريطانيون على جزء كبير من الهند المغولية والمراثا، واحتل الفرنسيون مصر العثمانية. ولكن بعد عام 1815 تصاعدت هذه الطفرة بوتيرة ملحوظة، لتجلب على الصين حروب الأفيون، وعلى اليابان الاختراق البحري، واحتلال بورما والهند الصينية ومعظم ما يعرف الآن بإندونيسيا، هذا ولم نذكر ساحل شمال إفريقيا بأكمله، والغزوات المتكررة لأفغانستان وغيرها.

كيف يجب تصنيف هذه الدول والتعامل معها؟ أتتمتع بالحقوق نفسها التي تتمتع بها القوى الأوروبية؟ لقد أجاب مؤتمر فيينا عن هذا السؤال ضمنيًا: استبعد الإمبراطورية العثمانية من الانضمام إلى وفاق القوى الذي أقرته أعماله، لينتهي الوفاق بعد حين نهاية حزينة. ولا يزال من الممكن إحالة هذا الاستبعاد إلى مسائل الإيمان. وفي محل الإيمان، ظهرت في العقود اللاحقة عقيدة «معيار الحضارة». فما من دولة يحق لها أن تُعامل على قدم المساواة مع القوى الأوروبية إلا إذا كانت متحضرة في عين أوروبا. وكما ظهر الآن تسلسل هرمي مقبول داخل مجتمع الأمم الأوروبية، كذلك صُنف العالم غير المتحضر أيضًا إلى فئات مختلفة. طرح لوريمر التنظير الأكثر منهجية لهذا المبدأ الجديد، وأصبح سمة مقبولة في الكتابات عن القانون الدولي آنذاك. عجزت ثلاثة أنواع من الدول عن تحقيق معيار الحضارة: دول إجرامية -ما يمكن تسميته اليوم بخارجة عن القانون أو مارقة- مثل كومونة باريس والمجتمعات الإسلامية المتعصبة، وإذا وقعت روسيا فريسة للعدمية، فإنها ستنضم إلى صفوفها؛ ودول «شبه همجية» لم تتحد الأعراف الأوروبية المتحضرة كالنوع الأول، ولكنها لم تعتنقها أيضًا، مثل الصين واليابان؛ ودول إما معدومة الأهلية أو القاصرة، لا يمكن معاملتها معاملة الفاعل المسؤول على الإطلاق، ما يمكن أن نطلق عليه اليوم «الدول العاجزة». لم تشكل أي من هذه الفئات جزءًا من المجتمع الدولي في حد ذاته، والفئتان الأولى والثالثة تستلزم منا القمع المسلح -أوضح لوريمر أن «الشيوعية والعدمية محظورتان بموجب قانون الأمم». ولكن من الممكن الإبقاء على العلاقات الدبلوماسية مع المجموعة الثانية، شبه الهمجية، شريطة أن تكتسب القوى الأوروبية فيها حقوقًا خارج حدودها الإقليمية [10].

كان لوريمر يكتب عشية مؤتمر برلين عام 1884 الذي حسم مصير إفريقيا، مثلما حسم مؤتمر فيينا ذات يوم مصير أوروبا، مع تقسيم واسع للغنائم الاستعمارية بين الدول الأوروبية المجتمعة. ومن بين تلك الدول، حصلت الدولة التي فيها مقر دراسة القانون الدولي الناشئ على أكبر حصة من الغنائم، في شكل شركة خاصة يسيطر عليها ملك بلجيكا. وفي بروكسل، احتفل معهد القانون الدولي بالاستحواذ، وأعلنت مجلته في عام 1895 أنه في ظل حكم ليوبولد وُجِدت «مجموعة كاملة من التشريعات تحمي السكان الأصليين من جميع أشكال الاضطهاد والاستغلال» [11]. تختلف التقديرات حول عدد الوفيات في عهده في الكونغو: بعضها يصل من ثمانية إلى عشرة ملايين قتيل.

مؤتمر برلين

بحلول مطلع القرن العشرين، كانت خمس دول آسيوية -الصين واليابان وبلاد فارس وسيام وتركيا- قد انتقلت من الوضع شبه الهمجي إلى القبول في مؤتمر لاهاي الأول للسلام، المنعقد بدعوة من القيصر الروسي في عام 1899، إلى جانب تسعة عشر دولة أوروبية والولايات المتحدة والمكسيك. أيعني هذا مساواة جديدة في المكانة؟ في مؤتمر لاهاي الثاني لعام 1907، المنعقد هذه المرة بدعوة من ثيودور روزفلت، وُسعت المشاركة لتشمل جمهوريات أمريكا الجنوبية والوسطى ومملكتي إثيوبيا وأفغانستان. وكان الاقتراح الرئيس المعروض على المؤتمر إنشاء محكمة تحكيم دولية. ومن كان ليحوز التمثيل فيها؟ لقد عدت الولايات المتحدة والقوى الأوروبية الكبرى أنه من المسلم به تعيينها أعضاء دائمة فيها، بينما تتناوب الدول الأخرى في مناصب مؤقتة من حولها. لكن لدهشتها وسخطها، هاجمت البرازيل، في شخص المفكر ورجل الدولة المتميز المناهض للعبودية، روي باربوزا، المخطط الأنجلو-ألماني-أمريكي، وأعلنت أنه يدل على «عدالة تتسم طبيعتها بالتمييز القيمي القانوني بين الدول»، ما يضمن أن «القوى العظمى لن تظل بعد ذلك مرهوبة بسبب حجم جيوشها وأساطيلها فحسب. بل سيكون لديها أيضًا امتياز تقرير الحق في القضاء الدولي، من خلال انتحالها لنفسها موقعًا متميزًا في المؤسسات التي ندّعي أننا نعهد إليها بتحقيق العدل بين الأمم» [12].

حشد باربوزا، بتشبثه بمبدأ المساواة القانونية بين جميع الدول ذات السيادة، الدعم مما أسماه أحد المراقبين الأوروبيين «الحكومات الأُخلوقراطية» -المصطلح اليوناني الكلاسيكي لحكم الدهماء- ليشدد على أن المحكمة الدولية المستقبلية يجب أن تمنح تمثيلًا متساويًا، وليس هرميًا، للدول المجتمعة في المؤتمر. وبطبيعة الحال رفضت الدول العظمى التنازل، وباء المؤتمر بالفشل. وقد انكشف عقم هدفها الأسمى المتمثل في المساعدة في تأمين السلام الدولي واضحًا جليًا بعد سبع سنوات، مع اندلاع الحرب العالمية الأولى.

مبدأ الهرمية

في نهاية الحرب، دعت القوى المنتصرة (إنجلترا وفرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة) إلى مؤتمر فرساي لإملاء شروط السلام على ألمانيا، وإعادة رسم خريطة أوروبا الشرقية، وتقسيم الإمبراطورية العثمانية، و–أخيرًا وليس آخر– إنشاء هيئة دولية جديدة مكرسة لـ«الأمن الجماعي»، لضمان إقامة السلام الدائم والعدل بين الدول، في شكل عصبة الأمم. في فرساي، لم تكتفِ الولايات المتحدة باستبعاد روي باربوزا من الوفد البرازيلي فحسب، بل أدمجت مبدأ مونرو -افتراض واشنطن الصريح بالهيمنة على أمريكا اللاتينية- في ميثاق العصبة كأداة للسلام. أُسست محكمة العدل الدولية الدائمة في لاهاي، واستمرت المادة 38 في ميثاقها تستند إلى «المبادئ العامة للقانون المعترف به من قبل الدول المتحضرة». ومن بين مَن صاغوا نظامها الأساسي كان مؤلف كتاب من 600 صفحة يدافع فيه عن السجل الرائع للإدارة البلجيكية في الكونغو.

مؤتمر فرساي

رفض مجلس الشيوخ الأمريكي في نهاية المطاف انضمام أمريكا إلى العصبة، لكن تصميم المنظمة الجديدة عكس بأمانة متطلبات القوى المنتصرة، حيث كان مجلسها التنفيذي -سلف مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة اليوم- خاضعًا لسيطرة القوى الأربع الكبرى الأخرى المنتصرة في الحرب، بريطانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان، التي مُنحت العضوية الدائمة الحصرية فيه، على غرار المخطط الأمريكي في مؤتمر لاهاي عام 1907. وفي مواجهة هذا الفرض الصارخ لنظام هرمي على العصبة، رفضت الأرجنتين المشاركة فيها منذ البداية، وبعد سنوات قليلة انسحبت البرازيل -حين رُفض طلبها بمنح دولة من دول أمريكا اللاتينية مقعدًا دائمًا في المجلس. وبحلول نهاية الثلاثينيات، انسحب منها ما لا يقل عن ثماني دول أخرى في أمريكا اللاتينية، كبيرة وصغيرة. لكن الكتاب الرائد في تلك الفترة حول القانون الدولي، وهو من تأليف لاسا أوبنهايم وهيرش لوترباخت ولا يزال يستخدم على نطاق واسع حتى اليوم، أشار بعين الرضا إلى أن «القوى العظمى قادة أسرة الأمم وأن كل تقدم في قانون الأمم في الماضي كان نتيجة لهيمنتها السياسية»، وقد حصلت هذه الهيمنة أخيرًا، وللمرة الأولى، في مجلس العصبة على «أساس قانوني وصياغة رسمية» [13].

يظل لوترباخت -وإنجازاته في نظر الكثيرين لم يسبقه إليها أي محام دولي في القرن الماضي– مرجع الفقه القانوني الليبرالي في هذا المجال. ولم يكن لديه الوقت للشكوى من أن قوى كالولايات المتحدة أو المملكة المتحدة أساءت التصرف متى شاءت. لكنه تساءل عن السياسة الخارجية الأميركية: «أنواجه حقًا أمثلة على سلوك غير أخلاقي تجعل المواطن العادي يحمر خجلًا؟» لربما كان انفصال بنما عن كولومبيا غير قانوني، ولكن أيمكن وصفه بغير الأخلاقي؟ أم أنها لم تكن سوى «حالة دُعيت فيها دولة ما، في غياب مُشرع دولي، إلى أداء دور المشرع من أجل الصالح الأوسع للمجتمع الدولي. فالمسألة هي أيجب تأخير أو عرقلة أي مشروع نافع وحضاري من قبل دولة صادف أنها تمتلك الإقليم المعني». قصف بريطانيا لكوبنهاجن، عاصمة الدنمارك المحايدة، في عام 1807 وتدمير أسطولها؟ إذا كان «وجود بريطانيا العظمى ذاته على المحك»، فإن هجومًا مفاجئًا كهذا «ما كان ليتعارض مع القانون الدولي أو مع الأخلاق الدولية»، لأنه «من الممكن على نحو مشروع إخضاع القانون والأخلاق لمصلحة المجتمع الدولي» (أي هزيمة فرنسا) [14].

سوف يترك لوترباخت لغيره مهمة إظهار «المعقولية والصراحة» في تعاملات بلاده مع الإنسانية جمعاء، والالتزام بالمبادئ التي من دونها «لن تظل جزءًا من العالم المتحضر». لكنه استطاع «التسليم بثقة أن دراسة السياسة الخارجية للدول الحديثة سوف تظهر أن لا أخلاقية السلوك الدولي أشبه بالأسطورة» -«بالوهم». مثل هذا الحكم لم يكن بالمفرط تفاؤلًا. فقد كان في الفقه القانوني اللازم بعض الثغرات الواجب سدها، إلا أن هذا الأمر ليس مدعاةً إلى التشاؤم: «يجب عدُّ القانون الدولي غير مكتملٍ وفي حالة انتقال إلى المثل الأعلى القابل للتحقق المتمثل في مجتمع حكومات تحت سيادة القانون الملزمة كما تعترف بها وتمارسها المجتمعات المتحضرة داخل حدودها» [15]. تمثل الهدف النهائي والممكن التحقق للقانون الدولي في خلق اتحاد عالمي فوق وطني مكرس للسلام. أما زميل لوترباخت وصاحب المبادئ السامية وأحد الأعمدة الفكرية للعصبة، ألفريد زيمرن، فقد كان أكثر واقعية، إذ اعترف في لحظة عفوية بأن القانون الدولي لم يكن أكثر من مجرد «تسمية مهذبة تناسب المستشاريات»، وتكون فائدته أعظم إذا «زاوج بين القانون والقوة» [16].

الكلمات والسيوف

هكذا كان الوضع في فترة ما بين الحربين. ومن رحم الحرب العالمية الثانية وُلد نظام جديد. فمع تعرض قسم كبير من القارة للخراب، أو الديون، انتهت سيادة أوروبا. وحين تأسست الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو عام 1945، أُبقيَ في مجلس الأمن الجديد على مبدأ الهرمية الموروث من العصبة، ومُنح أعضاء المجلس الدائمون سلطات أوسع من أسلافهم في المجلس التنفيذي القديم، فقد صار لهم الآن حق النقض (الفيتو). ولكن الاحتكار الغربي لهذا الامتياز قد كُسر: فقد أصبح الاتحاد السوفييتي والصين الآن عضوين دائمين، إلى جانب الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا المتراجعتين، ومع تسارع عملية تصفية الاستعمار على مدى العقدين التاليين، أصبحت الجمعية العامة منتدى للقرارات والمطالب المتزايدة المزعجة للقوة المهيمنة وحلفائها.

لاحظ كارل شميت، في كتابه «ناموس الأرض»، بعد سبره المشهد في عام 1950، أنه في القرن التاسع عشر: «كان مفهوم القانون الدولي قانونًا دوليًا أوروبيًا على وجه التحديد. وكان هذا واضحًا في القارة الأوروبية، وخاصة في ألمانيا. ينطبق هذا أيضًا على المفاهيم العالمية والكونية، كـالإنسانية والحضارة والتقدم، التي حددت المفاهيم العامة والنظرية واللغة للدبلوماسيين. ظل المشهد برمته أورومركزيًا حتى النخاع، لأن ҆الإنسانية҅ كانت تعني، قبل كل شيء، الإنسانية الأوروبية، والحضارة بالبديهية حضارة أوروبية لا غير، والتقدم كان التطور الخطي لهذه الحضارة». وتابع شميت بالقول: «لكن بعد عام 1945 لم تعد أوروبا المركز المقدس للأرض»، وتراجع الإيمان «بالحضارة والتقدم إلى مجرد واجهة أيديولوجية». وأعلن قائلًا: «إن النظام الأورومركزي السابق للقانون الدولي اليوم في طريقه إلى الزوال. ومعه يزول ناموس الأرض القديم المولود من حدث تاريخي لا يتكرر، ألا وهو الاكتشاف غير المتوقع لعالم جديد، على غرار اكتشافات القصص الخيالية» [17]. لم يكن القانون الدولي دوليًا بحق. وما زُعم أنه كوني كان مجرد جزئي. ما تحدث باسم الإنسانية كان الإمبراطورية.

لم يعد القانون الدولي بعد عام 1945، برأي شميت، صنيعة أوروبا. لكن أوروبا لم تختف بطبيعة الحال، بل صارت ببساطة تحت جناح آخر امتداداتها الخارجية، الولايات المتحدة، تاركةً السؤال مفتوحًا: إلى أي مدى ظل القانون الدولي منذ عام 1945 صنيعة، ليس أوروبا، بل الغرب وعلى رأسه القوى الفائقة الأمريكية؟ أي إجابة عن هذا السؤال تحيل إلى سؤالٍ آخر. إذا نحّينا جانبًا أصوله التاريخية، فما الطبيعة القانونية للقانون الدولي بصفته هذه؟ كانت الإجابة واضحة لمنظريه الأوائل في أوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر. كان قانون الأمم يرتكز على القانون الطبيعي، أي على مجموعة من الأوامر الإلهية، لا يجوز لأي بشر فانٍ وضعها موضع التساؤل. وبعبارة أخرى، كان الإله المسيحي الضامن لموضوعية مقدماتهم القانونية.

بحلول القرن التاسع عشر، أخذت العلمنة المتزايدة للثقافة الأوروبية تقوض مصداقية هذا الأساس الديني للقانون الدولي. وظهر في محله الادعاء بأن القانون الطبيعي لا يزال صالحًا، إنما لم يعد وصايا إلهية، بل بات تعبيرًا عن طبيعة بشرية كونية، يمكن أن يعترف بها جميع العقلاء. لكن سرعان ما أصبحت هذه الفكرة ضعيفة مع تطور الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع المقارن، إذ أظهرا تنوعًا هائلًا في العادات البشرية والمعتقدات عبر التاريخ والعالم، بما يتناقض مع أي كونية سهلة كهذه. لكن إذا لم يكن بإمكان الإله أو الطبيعة البشرية أن يقدما أي أساس متين للقانون الدولي، فكيف يجب تصوره عندئذٍ؟

لا يمكن البحث عن إجابة عن هذا السؤال إلا في سؤال أسبق: ما طبيعة القانون نفسه؟ هنا، أعطى أعظم مفكر سياسي في القرن السابع عشر -أو ربما في التاريخ-، توماس هوبز، إجابة واضحة في النسخة اللاتينية من تحفته «الليفياثان» الصادر في عام 1668: «Sed Auctoritas Non Veritas Facit Legem» -ليست الحقيقة ما يصنع القانون بل السلطة، أو كما كتب في مكان آخر: «المواثيق بلا السيف ليست إلا كلمات» [18]. سوف تُعرف هذه في وقت لاحق بـ«نظرية الأوامر في القانون». بعد قرنين من الزمان، صدرت هذه النظرية في عمل صديق بنثام الحصيف وأحد أتباعه، جون أوستن، المعجب بهوبز أكثر من أي مفكر آخر. وفي سير على هدي هوبز بأن «كل قانون أمر» تساءل أوستن عن معنى هذا في القانون الدولي. وكان استنتاجه: «ما يسمى قانون الأمم قوامه الآراء أو المشاعر الحالية بين الدول بالعموم، لذلك هو ليس قانونًا بالمعنى الدقيق للكلمة.. [لأن] قانونًا قام على أساس الرأي العام يجلب معه العواقب التالية -أن من سيطبقه ضد أي مخالفة مستقبلية ليس محددًا ولا مخولًا» [19].

الكلمات الحاسمة: بلا طرفٍ محدد ومخول. ما السبب؟ يتابع أوستن: «يترتب على ذلك أن القانون المتفق عليه بين الأمم ليس قانونًا وضعيًا؛ لأن كل قانون وضعي تضعه حكومة معينة لشخص أو أشخاص في حالة خضوع لصاحب السلطة» -ولكن بما أنه في عالم الدول ذات السيادة «لا توجد حكومة عليا في حالة خضوع لأخرى»، فإن قانون الأمم «ليس مسلحًا بعقوبة، ولا يفرض واجبًا، بالمعنى الفعلي لهذين التعبيرين. لأن العقوبة الفعلية شر ملحق بأمر» [20]. وبعبارة أخرى، في غياب أي سلطة محددة قادرة على البت فيه أو تطبيقه، يتوقف القانون الدولي عن كونه قانونًا ويصبح مجرد رأي.

كان هذا، ولا يزال، استنتاجًا صادمًا للمنظور الليبرالي عند الأغلبية الساحقة من الفقهاء القانونيين والمحامين الدوليين اليوم. ما يُنسى غالبًا أن هذا الاستنتاج قد حمله أعظم فلاسفة الليبرالية في القرن التاسع عشر، جون ستيوارت مل نفسه، الذي راجع وأجاز محاضرات أوستن حول الفقه القانوني مرتين. ففي معرض رده على الهجمات على السياسة الخارجية للجمهورية الفرنسية قصيرة الأجل في عام 1849، التي قدمت المساعدة لبولندا المتمردة، كتب مل: «ما قانون الأمم؟ إنه سوء استخدام لمصطلح القانون، إذا جاز لنا إطلاق لفظ القانون عليه. فقانون الأمم ليس إلا أعراف الأمم». وتساءل مل «أكان هذا النوع الوحيد من الأعراف الواجب، في عصر التقدم، ألا يخضع للتحسين؟ أسيظل ثابتًا بينما حوله متغيّر؟». على العكس من ذلك، اختتم مل بمنطقٍ كان ليوافق عليه ماركس: «يمكن لهيئةٍ تشريعية إلغاء القوانين، ولكن لا يوجد مؤتمر للأمم ليُبطل الأعراف الدولية، ولا توجد قوة مشتركة تجعل من قرارات هذا المؤتمر ملزمة. لا تتحسن المبادئ الأخلاقية الدولية إلا عبر سلسلة من انتهاكات القواعد السارية.. [وحيث] لا وجود إلا للعرف، فالطريقة الوحيدة لتغييره هي العمل في تعارضٍ معه» [21].

غير محدد من جهتين

كان مل يكتب بمنطق التضامن الثوري، في وقت كان فيه القانون الدولي أكثر من مجرد عبارة منافقة تحتج بها الحكومات لتبرير ما يناسبها من الأفعال -لم يكن لها بُعد مؤسسي، ولا وجود بعد للمحامين الدوليين. في أوائل الثمانينيات من القرن التاسع عشر، كان لا يزال بوسع سالزبري إخبار البرلمان بصراحة: «القانون الدولي ليس له أي وجود بالمعنى المعروف لمصطلح القانون. بل يعتمد بالعموم على تحيزات مؤلفي الكتب. ولا يمكن لأي محكمة تطبيقه» [22]. لكن بعد قرن من الزمن، انطلقت عملية المأسسة بكامل سرعتها، فظهر ميثاق الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية ومجموعة من المحامين المحترفين وتخصص أكاديمي آخذ في التوسع. منذ الأربعينيات من القرن العشرين فصاعدًا، حاولت أدبيات عدة -هانس كيلسن وهربرت هارت كأكثر الأسماء المتميزة- دحض طروحات أوستن بالإشارة إلى أبعادٍ من القانون، سواء المحلي أو الدولي، لا يمكن وصفها بالأوامر [23]. لكن هذه المحاولات ذهبت أدراج الرياح لعدم تمكن أي كاتب من إظهار أن من شأن هذه الأبعاد أن تعفي من وجود قانون سلطةٍ حاكمة قادرة على تطبيق العقوبات في حالة انتهاكه، لأن هذا التطبيق شرط لازم -وليس حصريًا- لوجوده كقانون. كل ما عدا ذلك، يرى أوستن، مجرد استعارة.

في فترة ما بين الحربين، كان نقيض المفكر الليبرالي، كارل شميت، مَن أشار مرة أخرى إلى استمرار صحة قضية أوستن. وفي سلسلة من عمليات الهدم اللاذعة لادعاءات عصبة الأمم ومحكمتها الدولية، أثبت شميت أن حكم القانون المحايد الذي زعما الالتزام به كان غير محدد حكمًا، مثلما توقعه أوستن. وهو غير محدد من وجهين: من حيث محتواه -كما في التعويضات المفتوحة تمامًا المفروضة على ألمانيا في فرساي، التي يمكن تعديلها من قبل القوى المنتصرة على المهزومين حسبما يناسبها، ما يوقعه في هاوية حقيقية من عدم التحديد [24]؛ ومن حيث تنفيذه غير مخول»، على حد تعبير أوستن-، المعتمدِ ببساطة على قرار السلطات الحاكمة لعصبة الأمم ومحكمتها. ويقدم مبدأ «عدم التدخل» الذي ضمنت به إنجلترا وفرنسا انتصار الفاشية في إسبانيا حالةً نموذجية أخرى على عدم التحديد، في أوضح تمثيلٍ لمقولة تاليران الشهيرة بأن «عدم التدخل مصطلح ميتافيزيقي لا يختلف في معناه عن التدخل».

كارل شميت

يتمثل جوهر القانون الدولي الذي ظهر بعد عام 1918، ولا نزال نعيش تطوره إلى اليوم، في طابعه التمييزي بحسب شميت [25]. فالحروب التي شنتها القوى الليبرالية المهيمنة لم تكن إلا أعمالًا إيثارية بوليسية تلتزم بالقانون الدولي، أما ما شنه غيرها فقد كان أفعالًا إجرامية تنتهك القانون الدولي. وهكذا، أحلت القوى الليبرالية لنفسها ما حرمته على الآخرين. وأشار شميت إلى أن سلوك الولايات المتحدة منذ فترة طويلة في منطقة البحر الكاريبي وأمريكا الوسطى كان من الناحية التاريخية رائدًا في هذا النمط.

الممارسة

لقد شهد العالم الذي نعيش فيه الآن توسعًا وانتشارًا هائلين لما يسمى قانونًا دوليًا، ما يمد تشخيص شميت في اتجاهين. فمن ناحية، تطورت مقولة قانونية تمثل توضيحًا مثاليًا لتوصيف أوستن لقانون الأمم لدرجة ما كان هو نفسه ليحلم بها: فكرة حق لا يقبل، من الناحية الفنية، «التقاضي» -أي، حقٌ لا يتظاهر حتى بوجود قوة تنفيذ وراءه في العالم الحقيقي، ويبقى مجرد طموح نظري- وبعبارة أخرى، رأي خالص وبسيط بمصطلحات أوستن؛ ومع ذلك، فإن هذا ما يصنفه فقهاء القانون بالحق من الناحية الرسمية. ومن ناحية أخرى، تزايد عدد الإجراءات الكيفية التي اتخذتها القوى البارزة، إما باسم القانون الدولي أو في تحدٍ له -أي عدم التحديد بلا حدود. فالعدوان ليس حكرًا على القوة المهيمنة. إذ شُنت حروب الغزو من دون تشاور معها، أو في تواطؤ خفي معها، أو تصادم صريح معها: إنجلترا وفرنسا ضد مصر، والصين ضد فيتنام، وروسيا ضد أوكرانيا؛ دع عنك القوى الأقل أهمية: تركيا ضد قبرص، والعراق ضد إيران، وإسرائيل ضد لبنان. ولا يخلو أي من هذه الإجراءات من الأحكام التاريخية الصارمة. لكن هذا الحكم حكمٌ سياسي بالضرورة، وليس قضائيًا. منذ عام 1945، من النادر أن استندت حروب هذا النوع إلى القانون الدولي في جملة تبريراتها المزعومة (في عام 1956 المحاولات الأنجلو-فرنسية التي لم تنجح في واشنطن). وهذا هو الامتياز الحصري للقوة المهيمنة وأعوانها في أي عملية مشتركة.

وتكفينا هنا بضعة أمثلة. انخرطت الولايات المتحدة في ممارسة الانتهاك المنهجي للأمم المتحدة لحظة تأسيسها، والأخيرة تمثِّل التجسيد الرسمي الأعلى للقانون الدولي ويكرس ميثاقها سيادة وسلامة أعضائها. ففي قاعدة عسكرية في الحصن الإسباني القديم على بعد أميال قليلة من المؤتمر الافتتاحي الذي دشن الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو عام 1945، كان فريق خاص من الاستخبارات العسكرية الأمريكية يعترض كل الاتصالات السلكية واللاسلكية بين المندوبين وبلدانهم؛ وصلت الرسائل التي فُكت شفرتها إلى طاولة إفطار وزير الخارجية الأمريكي، إدوارد ستيتنيوس، في صباح اليوم التالي. وأفاد الضابط المسؤول عن عملية المراقبة على مدار الساعة بأن «الشعور السائد في القاعدة أن نجاح المؤتمر قد يدين بقدر كبير لمساهمتها» [26]. ما معنى النجاح هنا؟ يهلِّل المؤرخ الأمريكي الذي يصف هذا التجسس المنهجي قائلًا: «كان ستيتينيوس يترأس مشروعًا تهيمن عليه أمته وتشكِّله بالفعل»، لأن الأمم المتحدة كانت «منذ البداية مشروعًا أمريكيًا، ابتكرته وزارة الخارجية، بتوجيه من رئيسان خبيران، وتدفعه القوة الأمريكية.. إن أمةً تفتخر بحق بإنجازاتها غير المعدودة» -وآخرها إسقاط القنبلة الذرية على اليابان- «يجب أن يكون هذا الإنجاز الفريد دائمًا على رأس قائمتها اللامعة» [27].

لم تختلف الأمور بعد مرور 60 عامًا. تنص اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1946 على أن «مباني المنظمة مصونة حرمتها وتعفى أملاكها وممتلكاتها أينما وجدت وأيًا كان حائزها من التفتيش والحجز ونزع الملكية ومن أي نوع من أنواع الضغط التنفيذي، إداريًا كان أم قضائيًا أم تشريعيًا». وفي عام 2010، كُشف أن زوجة كلينتون، وزيرة الخارجية آنذاك، أوعزت لوكالة المخابرات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي والخدمة السرية باختراق أنظمة الاتصالات، والاستيلاء على كلمات المرور ومفاتيح التشفير الخاصة بالأمين العام للأمم المتحدة، إلى جانب سفراء جميع الأعضاء الدائمين الأربعة الآخرين، وتأمين البيانات البيومترية وأرقام بطاقات الائتمان وعناوين البريد الإلكتروني وحتى «أرقام برامج المسافر الدائم لكبار مسؤولي الأمم المتحدة، بما في ذلك الوكلاء ورؤساء الوكالات المتخصصة وكبار المستشارين وكبار مساعدي الأمين العام ورؤساء عمليات السلام والبعثات الميدانية السياسية» [28]. وبطبيعة الحال، لم تدفع السيدة كلينتون ولا الدولة الأمريكية أي ثمن لانتهاكهما الصارخ للقانون الدولي الذي يفترض أنه يحمي الأمم المتحدة نفسها، المقر الرسمي لهذا القانون.

وماذا عن العدالة الدولية التي يزعم القانون الدولي التمسك بها؟ إن محكمة جرائم الحرب في طوكيو في الفترة من 1946 إلى 1948، المُعدة من قِبل الولايات المتحدة لمحاكمة القادة العسكريين اليابانيين بتهمة ارتكاب جرائم حرب، استبعدت الإمبراطور شووا من المحاكمة لتسهيل الاحتلال الأمريكي للبلد، وتعاملت مع الأدلة بطريقة تجاهلت الإجراءات القانونية الواجبة حد أن القاضي الهندي في المحكمة لاحظ، في إدانة لاذعة سَطرها في ألف صفحة، أن «محاكمات طوكيو» لم تكن أكثر من مجرد «فرصة أمام المنتصرين للانتقام»، وأعلن ‹وحدها الحرب الخاسرة جريمة» [29]. اعترف القاضي الهولندي في المحكمة صراحةً: «بالطبع، كنا جميعًا على علم بقصف طوكيو ويوكوهاما ومدن كبيرة أخرى وإحراقها. ولمِن المريع أننا ذهبنا إلى هناك بغرض الدفاع عن قوانين الحرب، وأن نرى كل يوم كيف ينتهك الحلفاء هذه القوانين على نحو صارخ» [30] –تَصور شميت التمييزي عن القانون بحذافيره. وكانت الحروب الأميركية المتعاقبة بعد ذلك في شرق آسيا، أولًا في كوريا ثم في فيتنام، مليئة بالفظائع من كل نوع، كما أظهر المؤرخون الأميركيون. وبطبيعة الحال، لم تحاسبها أي محكمة على الإطلاق.

أتغير أي شيء مذّاك؟ في عام 1993، أنشأ مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا لمحاكمة المذنبين بارتكاب جرائم حرب في أثناء تفكك البلاد. حرص المدعي العام الكندي، من خلال عمله الوثيق مع حلف شمال الأطلسي، على التأكد من توجيه لوائح الاتهام القاطعة بالتطهير العرقي إلى الصرب، الأعداء بنظر الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ولكن ليس إلى الكروات، المسلحين من الولايات المتحدة للقيام بعمليات التطهير العرقي؛ وحين شن حلف شمال الأطلسي حربه على صربيا في عام 1999، استبعدت المحكمة أفعاله من تحقيقاتها في جرائم الحرب -قصف السفارة الصينية في بلجراد وغيرها. وكان هذا منطقيًا تمامًا، إذ أوضح المسؤول الصحفي الأمريكي لدى حلف شمال الأطلسي في ذلك الوقت: «إن دول حلف شمال الأطلسي مَن أنشأ المحكمة ويمولها ويدعمها يوميًا» [31]. باختصار، مرة أخرى، استخدمت الولايات المتحدة وحلفاؤها المحاكمات لتجريم خصومهما المهزومين، في حين ظل سلوكهما في منأى عن التدقيق القضائي.

وفي أحدث تكرار للنمط نفسه، حثَّت الولايات المتحدة على إنشاء المحكمة الجنائية الدولية الدائمة التي أُنشِئت في عام 2002، واضطلعت الولايات المتحدة بدور في تصميمها وإعدادها، لكنها توثقت بعد ذلك من أنها نفسها لن تخضع لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية. وحين عُدل مشروع نظامها الأساسي، وأثار غضبًا كبيرًا بين إدارة كلينتون، ليُمكن المحكمة من محاكمة أعضاء حتى من دولة لم تكن من الموقعين عليه، ما يعرض الجنود والطيارين والجلادين وغيرهم من الأمريكيين لخطر الوقوع في نطاق ولايتها، هرعت الولايات المتحدة على الفور إلى توقيع أكثر من مئة اتفاقية ثنائية مع دول توجد فيها قواتها العسكرية أو كانت موجودة فيها، لتعفي بذلك الأفراد الأمريكيين من أي خطر من هذا القبيل. وأخيرًا، وفي مهزلة مكتملة الأركان، أوعز كلينتون في آخر يوم له في البيت الأبيض إلى ممثل الولايات المتحدة بالتوقيع على النظام الأساسي للمحكمة المرتقبة، وهو يعلم تمام العلم أن ليس لهذه البادرة أي فرصة للمرور في الكونجرس. ومن الطبيعي أن المحكمة الجنائية الدولية -وهي التي يعمل بها موظفون مطيعون- رفضت التحقيق في أي تصرفات أمريكية أو أوروبية مهما كانت في العراق أو أفغانستان، وركزت همَّتها بالكامل على البلدان في إفريقيا، وفقا للمبدأ غير المعلن: قانون للأغنياء وآخر للفقراء.

مبنى المحكمة الجنائية الدولية

التمييزات

أما مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الوصي الأسمي على القانون الدولي، فإن سجله يتحدث عن نفسه. أسفر الاحتلال العراقي للكويت في عام 1990 عن فرض عقوبات فورية، وغزو مضاد للعراق بمليون جندي. أما الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية فقد استمر نصف قرن من دون أن يحرك مجلس الأمن ساكنًا. ولمّا لم تتمكن الولايات المتحدة وحلفاؤها من التوصل إلى قرار يسمح لها بمهاجمة يوغوسلافيا في 1998-1999، استخدمت حلف شمال الأطلسي بدلًا من ذلك، في انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر الحروب العدوانية، وعندئذ أخبر الأمين العام للأمم المتحدة، كوفي عنان، المُعين من واشنطن، العالم بهدوء أن تصرفات حلف شمال الأطلسي لربما لم تكن قانونية، إلا أنها كانت مشروعة -وكأن شميت كتب كلماته لتوضيح ما كان يعنيه بعدم التحديد المتأصل في القانون الدولي. وبعد أربع سنوات، حين شنت الولايات المتحدة وبريطانيا هجومهما على العراق، بعد أن اضطرتا إلى تجاوز مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة تحت تهديد استخدام حق النقض (الفيتو) من جانب فرنسا، بارك الأمين العام نفسه العملية مرة أخرى بعد وقوعها، مع التأكد من أن مجلس الأمن أعطى بالإجماع غطاءً بأثر رجعي لبوش وبلير من خلال التصويت على مساعدة الأمم المتحدة لاحتلالهما للعراق بالقرار رقم 1483. يمكن الاستغناء عن القانون الدولي في شن الحرب؛ ولكن لعله من المفيد في بعض الحالات المصادقة على مثل تلك الحروب بعد وقوعها.

أسلحة الدمار الشامل؟ إن معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية أوضح الأمثلة على الطابع التمييزي للنظام العالمي الذي تبلور منذ الحرب الباردة، حيث تحتفظ لخمس قوى بالحق في امتلاك القنابل الهيدروجينية ونشرها، وتحظر امتلاكها على أي دولة أخرى قد تكون بحاجة إليها للدفاع ليس إلا. ومن الناحية الرسمية، فالمعاهدة ليست ملزمة في القانون الدولي، بل اتفاق طوعي يتمتع أي موقع عليه بحرية الانسحاب منه. أما على أرض الواقع، فلا يقتصر الأمر على التعامل مع الانسحاب القانوني من المعاهدة كأنه انتهاكٌ للقانون الدولي، بحيث يُعاقَب عليه بأشد العقوبات، كما في حالة كوريا الشمالية، ولكن حتى الالتزام بالمعاهدة يكون مفتوحًا للتفسير الضيق، وحال لم تُراقب بالشكل الكافي، فإنها عرضة للعقوبات، كما في حالة العقوبات الصارمة على إيران -الجمع بين التمييز وعدم التحديد بكل أناقة. ولكن لا يجوز ذكر أن إسرائيل تجاهلت المعاهدة وامتلكت منذ فترة طويلة وفرة من الأسلحة النووية. تتظاهر القوى المُعاقبة لكوريا الشمالية وإيران بأن الترسانة النووية الإسرائيلية الضخمة غير موجودة، وربما هذا أفضل تعليق على ألاعيب القانون الدولي.

انتصار صيغة المفرد

بطبيعة الحال، تُصنف بيونج يانج وطهران دولتين «مارقتين» أو «منبوذتين» في خطاب التمييز القضائي المعاصر في تكرار لتصنيف الأنظمة الخارجة عن القانون في القرن التاسع عشر [32]. أينبغي لنا أن نرى ذلك أثرًا ضل طريقه من الماضي عن غير قصد، مثل المادة 38 الفقرة (ج) أولًا التي لا تزال موجودة في دستور محكمة العدل الدولية في لاهاي، حسبما أعادت الأمم المتحدة تشكيلها، مواصِلةً إعلان تمسكها بمبادئ القانون الذي يحدد الأمم المتحضرة تحت ظلال جروتيوس؟ سيكون ذلك خطأ. إن «معيار الحضارة» الذي أُعلن بالأمس في بروكسل يتمتع، على العكس من ذلك، بفرصة جديدة للحياة اليوم. نحن مدينون بأول دراسة حديثة لماضيه، معيار «الحضارة» في المجتمع الدولي، لباحث أمريكي موظف في وزارة الخارجية وزعيم كنيسة المورمون، الذي أشار في معرض نقده استخدامَه لتسويغ التجاوزات الاستعمارية في العصور الماضية إلى دوره التحسيني في تثقيف غير الأوروبيين بقواعد أعلى للسلوك الأخلاقي، وأثنى على اثنين من الخلفاء المحتملين له: «معيار جديد لحقوق الإنسان» رائده الأوروبيون، أو بدلًا من ذلك «معيار الحداثة»، وما يجلبه معه من بركات الحضارة في شكل ثقافة عالمية للجميع [33].

صدر ذلك الكتاب في عام 1984. وكان مؤلفه صاحب بصيرة. أما في القرن الجديد، فإن أستاذ كرسي في كلية تحمل اسم معلم وزيرة الخارجية السابقة، كوندوليزا رايس، يعلن في معرض توضيحه «الحاجة إلى شيء مثل معيار جديد للحضارة لإنقاذنا من همجية السيادة البكر»، أن حقوق الإنسان -كما يمارسها الاتحاد الأوروبي في المقام الأول- هي ذلك المعيار؛ والجاني الرئيس ضدها: السلطة الفلسطينية [34]. بالمقابل، يقدم متخصص أمريكي بارز في الإرهاب والأمن السيبراني تحديثًا أوضح للفكرة، مؤداه أن برامج التكييف الهيكلي المفروضة من صندوق النقد الدولي على البلدان المتخلفة تمثل المعادل المعاصر لاتفاقيات الاستسلام المستنيرة القديمة التي ساعدت على جلب العثمانيين وغيرهم إلى مجتمع الدول المقبولة، مواصلةً عملها في «التناغم الحضاري»، الضروري للمجتمع الدولي [35]. وعلى نحو أكثر طموحًا، أعرب عالم إيراني من الدنمارك، أدان الإسلام بأنه شمولية شرقية، عن وصول المعيار العالمي للحضارة بوصفه النجم الهادي لتقدم البشرية نحو عالم أفضل، وهو يكتسب زخمًا كل يوم. ويهتف قائلًا: إننا نعيش «لحظة جروتية» جديدة، حيث ركائز الحضارة العالمية هما «الرأسمالية والليبرالية» [36]. ولم يُقصر المؤرخون في أداء دورهم. فالمؤرخ المعاصر الأبرز والأكثر إنتاجًا في جامعة هارفارد، نيال فيرجسون، مؤلف الأعمال حول بنوك روتشيلد وواربورغ، والحربين العالميتين الأولى والثانية وتاريخ المال، يستعيد صيغة المفرد بثقة لا تشوبها شائبة في كتابه «الحضارة: الغرب والبقية» (2011)، والمكرَّس لشرح أسباب انتصار الأول على الأخير.

كرر بروديل، في كتاباته في مطلع الستينيات، قناعة فيفر بأن فاليري كان على خطأ: «الحضاراتُ واقع طويل الأمد. وليست ҅بذائقة الموت҆ -على الرغم من عبارة فاليري الشهيرة- إذا قيست بحياتنا الفردية. تصيبها حوادث مميتة أقل بكثير مما نعتقد. في عدد من الحالات، تذهب في سبات ليس إلا». جرت العادة أن «ما يهلك منها ليس إلا أزهارها الأجمل، وإنجازاتها الأندر، أما جذورها العميقة فتنجو من العديد من الضربات، والعديد من الشتاءات» [37]. قد يحدث «تضخم للحضارة بصيغة المفرد»، ولكن «من الصبيانية أن نتصور أنّها، بعد انتصارها، تحل محل الحضارات المختلفة التي تمثل الشخصيات الحقيقية الماثلة أمامنا». لكن من اللافت أن استنتاجات بروديل تأرجحت. نجد في إحدى الصفحات يرى أن الحضارة بالمفرد والجمع يتعاونان على نحو مثمر: «يشكِّل الجمع والمفرد حوارًا، يكمل كل منهما الآخر ويميز أحدهما عن الآخر، أحيانًا يكون مرئيًا بالعين المجردة، من دون الحاجة إلى مجهود يُذكر لرؤيته». أما في الصفحة التالية فنراه يُبدي ملاحظة شديدة الاختلاف: «هناك صراع أعمى شرس يجري تحت أسماء مختلفة، وعلى جبهات مختلفة، بين الحضارات والحضارة. وتتمثل المهمة في ترويضها وتوجيهها وفرض إنسانية جديدة عليها. وفي تلك المعركة غير المألوفة يمكن أن تتصدع العديد من الهياكل الثقافية أو جميعها في وقت واحد» [38]. وقد نتساءل، بعد مرور نصف قرن، هل خضعت الحضارة بصيغة المفرد للحضارات بصيغة الجمع، كما كان يأمل؟

إن مشهد القانون الدولي يشي بخلاف ذلك. امتلك بروديل فهمًا مقارنًا واسعًا وعميقًا للحركة المادية والثقافية للتاريخ البشري، ما حباه بحساسية لا مثيل لها إزاء الاختلافات بين الحضارات. ولم تعنيه كثيرًا أبعادها السياسية والأيديولوجية، فقد ما هي ببساطة شديدة بين الحضارة بصيغة المفرد -أي الحضارة الغربية- وبين «الآلة»: التكنولوجيا التي كان يعتقد عن حق أن بالإمكان تكييفها من قِبل أي من حضارات العالم القائمة إلى يومنا هذا. أما فيما يتعلق بسطوة النظام الفكري والمؤسسي في الغرب، دع عنك هيمنته العسكرية، فإنه لم يعرها ذلك الاهتمام.

قوة الرأي

لا شيء من هذا يعني بطبيعة الحال أن القانون الدولي ليس له أي مضمون يمكن وصفه بالكوني لأغراض عملية. ويكفي أن نأخذ في الحسبان حقيقة أنه لا توجد دولة في العالم تستغني عن اللجوء إليه، لأن جميعها يستفيد من اتفاقية واحدة على الأقل مرتبطة به: الحصانة الدبلوماسية لسفاراتها في الخارج، حيث تحترمها الدولة المضيفة بعد إعلانها الحرب على الدولة صاحبة السفارة -وهو ما يمكن تسميته بالحد الأدنى لمضمون القانون الدولي، قياسًا على اختزال هارت للقانون الطبيعي نفسه. وغني عن البيان أن سفارات كل دولة كبرى، ومعظم سفارات الدول الأصغر، تغص بأفراد يعملون بدوام كامل في التجسس، بلا أي مبرر قانوني في القانون الدولي. لا عزاء لمنظري القانون الدولي إزاء تناقضات كهذه.

في الختام: إن القانون الدولي، في أي تقييم واقعي، ليس قانونًا دوليًا بصدق ولا قانونًا حقيقيًا. لكن هذا لا يعني أنه ليس قوة لا يستهان بها. بل هو قوة كبرى. لكن حقيقته كما وصفها أوستن: أسماها رأي بحسب المفردات التي ورثها عن هوبز، ونسميها اليوم أيديولوجيا. بهذا المعنى، أي بصفته قوة أيديولوجية في خدمة القوة المهيمنة وحلفائها، يمثل أداة جبارة بيد السلطة. كان الرأي عند هوبز مفتاح الاستقرار السياسي وعدمه في المملكة. وكما كتب: «تنبع أفعال الناس من آرائهم، وفي حُسن إدارة الآراء يقوم حُسن إدارة أفعال الناس»، وبالتالي «ليس لقوة الأقوياء أساس إلا في رأي الناس واعتقادهم» [39]. كان يعتقد أن الآراء المثيرة للفتنة قد أشعلت شرارة الحرب الأهلية في إنجلترا، ومن أجل غرس الآراء الصحيحة كتب مؤلَّفه «الليفياثان»، وكان يأمل تدريسه في الجامعات التي كانت «ينابيع العقيدة المدنية والأخلاقية»، لإعادة «السكينة العامة» إلى الأرض [40]. ليس علينا مشاطرة هوبز احترامه لقوة الرأي، أو تفضيلاته بين الآراء في عصره، لنعترف بصحة الأهمية التي علقها عليها. قد يلف الغموض القانون الدولي. لكنه ليس عديم الأهمية.

فكيف يجب تصوره إذًا؟ برأي أقوى فقهاء القانون الدوليين اليوم، الباحث الفنلندي مارتي كوسكينيمي، فإن أفضل وصف للقانون الدولي أنه طريقة للهيمنة، بالمعنى الجرامشي. إذ يلاحظ أن ممارسة الهيمنة عند جرامشي تنطوي دائمًا على تصوير مصلحة معينة كقيمة كونية. ومن المؤكد أن هذا ما حاول معيار الحضارة تحقيقه، وتحقق في أوج أيامه، مثلما حققها مفردة «المجتمع الدولي» منذ زمن. والقانون الدولي بهذا المعنى لم يتوقف قط عن كونه أداة للقوة الأوروبية والأمريكية. ولكن لمجرد أنه قدم خطابًا كونيًا ظاهريًا، فقد صار متاحًا للشد والجذب، وتسخيره من أجل مصالح أخرى أوسع وأكثر إنسانية [41]. وحتى في ذروة الغطرسة الإمبراطورية في القرن التاسع عشر، قاومت الأصوات الأريبة معيار الحضارة: «إن الحجة المستخدمة في عصرنا.. لتبرير وتمويه نهب الأجناس الأضعف لم تعد نداء الدين، بل نداء الحضارة: لدى الشعوب الحديثة مهمة حضارية لتحقيقها ولا يمكنها التراجع»، كتب تشارلز سولومون في عام 1889 المحامي المتواضع من بوردو. وفي راديكالية فاقت نظيرتها عند بروديل تابع سولومون قائلًا: «يجري الحديث عن الحضارة وكأنها واحدة مطلقة: مَن يفعل ذلك يخال أنه يستحق المرتبة الأولى فيها. وإذا غيّرنا القول المأثور الشهير لجوزيف دو ميستر قليلًا، فربما نقول: إنني أعرف عن الحضارات، لكنَّني لا أعرف شيئًا عن الحضارة» [42].

ومن ثمّ يرتبط القانون الدولي الحديث، كما لاحظ كوسكينيمي، ارتباطًا جوهريًا بالخلافات، وبما أن استغلاله المعاصر من جانب إرادة القوة المهيمنة اليوم وأتباعها أصبح أوقح من أي وقت مضى، ازداد بالتبعية أعداد جهابذة القانون ممن لا يكتفون بوضعه موضع التساؤل، بل يسعون إلى إلغاء استغلاله الإمبراطوري. وأبرعهم يفعل ذلك من دون إيلاء ادعاءاته سلطةً أكبر مما قد تحمله. رأى أحد فقهاء القانون الفرنسيين البارزين، في ملاحظةٍ ثاقبة، أن القانون الدولي «أدائي». أي أن التصريحات باسمه تسعى إلى خلق ما تذكره، وليس الإشارة إلى أي واقع موجود، مهما كان ما تذكره جديرًا بالثناء [43].

بطبيعة الحال، تنطبق الجدلية نفسها على القانون المحلي، المحتَكم إليه في أوروبا منذ القرن السابع عشر على الأقل للدفاع عن الضعيف ضد القوي الذي صاغه. إلا أن بديهية أوستن ههنا تصنع الفرق. داخل الدول القومية الأوروبية، وُجدت على الدوام سلطة محددة مخولة بتطبيق القانون، ومع انتقال هذه السلطة من التيجان إلى الشعوب، لم يكن من قبيل الصدفة أيضًا أن أتت السلطة الشرعية لتغييره. وفي العلاقات بين الدول، على عكس العلاقات بين المواطنين، لا ينطبق أي من الشرطين. لذلك، لمَّا كانت الهيمنة تعمل في كل من الساحتين الوطنية والدولية، وبحكم تعريفها تجمع بين الإكراه والموافقة دائمًا، فإن الإكراه على المستوى الدولي في معظمه فوق القانون، وأي موافقة محققة تكون حتمًا أضعف وأكثر هشاشة. يفعل القانون الدولي فعله لإخفاء هذه الفجوة. بدأ كوسكينيمي مسيرته المهنية بعرض رائع للقطبين اللذين تحركت بينهما بنية الحجة القانونية الدولية تاريخيًا، في عملٍ حمل عنوان «من التبريرية إلى المدينة الفاضلة»: إما أن القانون الدولي يقدم ذرائع ذليلة لأي إجراءات ترغب الدول في اتخاذها، أو أنه يقدم رؤية أخلاقية سامية عن نفسه، على حد تعبير هوكر، بصفته «صوت التناغم العالمي»، من دون أي علاقة بأي واقع تجريبي. لقد عجز كوسكينيمي عن رؤية التشابك بين الاثنين: ليس إما المدينة الفاضلة أو التبريرية، بل المدينة الفاضلة بصفتها تبريرية: مبدأ المسؤولية عن الحماية بحسب الميثاق لتدمير ليبيا، وحفظ السلام لخنق إيران، وغيرهما.

ومع ذلك، يمكن للمدافعين عن القانون الدولي المجادلة بأن وجوده، على الرغم من إساءة استخدام الدول له في كثير من الأحيان في الممارسة العملية، أفضل على الأقل من غيابه، مستشهدين بمقولة شهيرة لفرانسوا دو لاروشفوكو: النفاق تحيةٌ تجزلها الرذيلة على الفضيلة. بيد أنه يمكن للنقاد الرد بأنه ههنا يجب قلب هذه المقولة. ألا ينبغي لنا بالأحرى أن نقرأ: النفاقُ تقليدُ الرذيلة للفضيلة، ومن الأفضل إخفاء الغايات الشريرة: الممارسة التعسفية للسلطة من قِبل الأقوياء على الضعفاء، أو الملاحقة القضائية الحثيثة أو إثارة الحرب باسم السلام الإنساني؟

هوامش

1 Lucien Febvre, ‘Une Histoire de la civilisation’, Annales, October–December 1950, p. 492, reviewing Joseph Chappey’s Histoire générale de la civilisation d’Occident de 1870 à 1950.

2 Fernand Braudel, Grammaire des civilisations, Paris 1963.

3 Francisco de Vitoria, Relecciones sobre los Indios [1538/9], Madrid 1946, i, 3: 1, 2, 6, 7, 8.

4 Hugo Grotius, De Jure Belli ac Pacis, ii, xl.

5 Thomas Hobbes, Leviathan, Oxford 2012, p. 540.

6 John Locke, Two Treatises of Government ii, § 32–46.

7- فيما يتصل بالبدو: «إن تلك الشعوب (كالجرمان القدماء، وبعض التتار المعاصرين) ساكنة بلادٍ خصبة، ولكنها تحتقر زراعة أراضيها، وتختار بدلًا من ذلك العيش على النهب، لا تفيد نفسها، بل تُضِرُّ جيرانها، وتستحق أن تُستأصَل استئصال الحيوانات المتوحشة والمؤذية»:

vii, § 81. Emer de Vattel, Le Droit des gens, ou Principes de la loi naturelle, xviii, § 209.

8 James Lorimer, The Institutes of the Law of Nations: A Treatise of the Jural Relations of Separate Political Communities, Edinburgh and London 1883, Vol. i, pp. 44, 170.

9 Henry Wheaton, Elements of International Law, London 1836, pp. 16–17, 21.

10 Lorimer, Institutes, pp. 123–33, 155–61.

11 Martti Koskenniemi, The Gentle Civilizer of Nations: The Rise and Fall of International Law 1870–1960, Cambridge 2001, p. 160.

12 - «حتى الآن، كانت الدول، مهما تنوعت في اتساع أراضيها، وثرواتها، وقوتها، تتشارك مقياسًا أخلاقيًا واحدًا، ألا وهو سيادتها الوطنية. عند هذه النقطة يمكن إرساء المساواة القانونية بينها بشكل لا يتزعزع. في هذه القلعة من الحقوق المتساوية للجميع التي لا تنتهك وغير القابلة للتصرف ولا تقبل الجدل، شعرت كل دولة، كبيرة كانت أم صغيرة، بأنها سيدة نفسها حقًا، بل إنها تتمتع بالأمان إزاء غيرها، كما يشعر المواطن الحر بين جدران منزله»:

The Proceedings of the Hague Conferences, Vol. ii, New York 1921, pp. 645, 647.

13 Lassa Oppenheim, International Law (fifth edition), London 1937, pp. 224–25.

نشر أوبنهايم، وهو مهاجر ثري من ولاية هيسن ويشغل كرسيًا في كامبريدج، أول طبعتين من الكتاب (1909 و1912) قبل الحرب العالمية الأولى، وتوفي في عام 1919، بعدما أكمل جل الجزء الثالث (1920). ومع ظهور الطبعة الخامسة عام 1937، لم يعد الكتاب كتابه. أوضح لاوترباخت، محررها، في مقدمته أنه رأى «من المناسب، في مواضع عدة، طرح وجهات نظر تختلف عن تلك المعروضة في الطبعات السابقة». ولا يتضح ذلك مثلما يتضح في حذف بيان أوبنهايم الحازم، الوارد بعد وصفه الأصلي للقوى العظمى، بأن عصبة الأمم «لم تحول هيمنتها السياسية إلى هيمنة قانونية، لأن هذه الهيمنة ليست إلا ثمرة نفوذها السياسي» (الطبعة الثالثة، صـ 200)، وإدراج نقيضه: أن العصبة، على العكس من ذلك، أعطت هيمنتها «أساسًا وتعبيرًا قانونيًا» (الطبعة الخامسة، صـ 225). ولا حاجة بنا إلى النظر في التردد الفيلولوجي، دع عنك الاحتكام إلى الأدلة، في عرض القانون الدولي. في جميع الطبعات اللاحقة للأطروحة، صار لوترباخت مؤلفًا مشاركًا لها.

14 Hersch Lauterpacht, International Law. Collected Papers. Vol ii, The Law of Peace, Cambridge 1975, pp. 72–73, 83.

15 Lauterpacht, International Law. Collected Papers. Vol ii, pp. 28, 73, 75, 19.

كان لوترباخت في شبابه صهيونيًا متحمسًا، لكنه بعد وصوله إلى إنجلترا في عام 1923 تجنب الانخراط المباشر في الأنشطة السياسية من أي نوع بعد من دون أن يتخلى بأي شكل من الأشكال عن قضية إسرائيل -صاغ لها في نهاية المطاف إعلان الاستقلال. أما من الناحية الفكرية، فقد ظل على اهتماماته الأولى. حوالي عام 1927، ألَّف مجموعة من التأملات بصدد «مشكلات توراتية في قانون الحرب»، وفيها ميَّز بين حملات بني إسرائيل التي أمر بها الله وتلك الحملات التي أذِنَ بها الله. لقد أوعز في الأولى بإبادة جميع مَن شنت عليهم الحروب المقدسة -الرجال والنساء والأطفال: «لا تستبقِ منها نسمةً». وقد أجاز في الثاني، من دون أن يشترط بالضرورة، معاملة ألطف. ومهما كانت الفظائع التي ارتكبت في الحرب الأولى، فقد لاحظ لوترباخت أنها كانت «حروبًا دينية ذات نقاء لم يسبق له مثيل في العصور القديمة». إذ عند غزو كنعان، «خرج الإسرائيليون لإخضاع تلك الشعوب وإبادتها تحقيقًا لحكم الله، كما آمنوا، وليس لأسباب شخصية». إن الطابع الأكثر تساهلًا، وإن كان أقل تقنينًا، للحروب بالإذن أعطى صورة مغايرة يمكن تتبع تأثيرها، كما يعتقد لوترباخت، إلى التأثير الحاخامي في المذاهب المسيحية في العصور الوسطى عن الحرب العادلة وغير العادلة. ومع ظهور عصبة الأمم، وجدت هذه الحروب موئلها المناسب في القانون الدولي الحديث: انظر

Hersch Lauterpacht, International Law. Collected Papers. Vol v, Disputes, War and Neutrality, Cambridge 2004, pp. 717–23.

16 Alfred Zimmern, The League of Nations and the Rule of Law (1918–1935), London 1977, pp. 94, 95.

17 Carl Schmitt, Der Nomos der Erde im Völkerrecht des Jus Publicum Europaeum, Berlin 1950, pp. 199–201, 4.

18 Thomas Hobbes, Leviathan (Latin text ), xxvi, Oxford 2012, p. 431; (English text), xvii, p. 254.

19 John Austin, The Province of Jurisprudence Determined, London 1832, p. 148.

20 The Province of Jurisprudence Determined, pp. 208, 148–49.

21 J. S. Mill, Collected Works, Vol. xx, pp. 345–46.

22 Lord Salisbury, Speech in the House of Lords, 25 July 1887.

23 See Hans Kelsen, General Theory of Law and State, Cambridge ma 1945, pp. 30–37, also 62–64, 71–74, 77–83; H. L. A. Hart, The Concept of Law, Oxford 1961, pp. 18–79, and on international law, pp. 208–31; (likewise, Terry Nardin, Law, Morality and the Relations of States, Princeton 1983, pp. 116–86).

كان كيلسن، كما هو متوقع، باحثًا نصوصيًا أحرص من هارت، وكان يتعامل مع أوستن بطريقة أقل ارتجالًا؛ لكن انتقاد هارت لأوستن كان أكثر تأثيرًا.

24 Carl Schmitt, Positionen und Begriffe im Kampf mit Weimar–Genf–Versailles. 1923–1939, Berlin 1988, p. 3.

25 Carl Schmitt, Die Wendung zum diskriminierenden Kriegsbegriff, Berlin 1988, p. 41 et seq.

في نظر شميت، كان ويلسون رائدًا في هذا الابتكار في الحرب العالمية الأولى. ومن بين فقهاء القانون البارزين الذين عدَّهم من مطوريه في فترة ما بين الحربين العالميتين، جورج سيل في فرنسا، ولوترباخت في بريطانيا.

26 Stephen Schlesinger, Act of Creation: The Founding of the United Nations, Boulder 2003, p. 331.

27 Schlesinger, Act of Creation, pp. 174, xiii.

28- أُرسِلت التعليمات ببرقية في يوليو/تموز 2009.

29 Radhabinod Pal, Dissentient Judgement, Tokyo 1999.

30 B. V. A. Röling, The Tokyo Trial and Beyond, Cambridge 1993, p. 87.

31 James Shea, 17 May 1999.

32 بصدد تاريخ هذه المفاهيم ورواجها المعاصر، انظر الدراسة المتميزة لجيري سمبسون:

Gerry Simpson, Great Powers and Outlaw States: Unequal Sovereigns in the International Legal Order, Cambridge 2004, passim.

33 Gerrit Gong, The Standard of ‘Civilization’ in International Society, Oxford 1984, pp. 91–93.

34 Jack Donnelly, ‘Human Rights: A New Standard of Civilization?’, International Affairs, vol. 74, no. 1, 1998, pp. 1–23.

35 David Fidler, ‘A Kinder, Gentler System or Capitulations? International Law, Structural Adjustment Policies and the Standard of Liberal, Globalized Civilization’, Texas International Law Journal, vol. 35, January 2000, pp. 387–414.

36 Mehdi Mozaffari, ‘The Transformationalist Perspective and the Rise of a Global Standard of Civilization’, International Relations of the Asia–Pacific, vol. 1, no. 2, 2001, pp. 259, 262.

37 Fernand Braudel, ‘L’Apport de l’histoire des civilisations’, in Gaston Berger, ed., Encyclopédie française, Vol. xx , Le Monde en devenir, Paris 1959, 12: 10.

38 Braudel, ‘L’Apport de l’histoire des civilisations’, 12: 12–13.

39 Hobbes, Leviathan (English text), xviii, p. 272; Behemoth, p. 16.

40 Hobbes, Leviathan, ‘A Review and Conclusion’, p. 1140.

41 Martti Koskenniemi, ‘International Law and Hegemony: a Reconfiguration’, in The Politics of International Law, Oxford 2011, pp. 221–22 et seq.

42 Charles Salomon, L’Occupation des territoires sans maître: Étude de droit international, Paris 1889, pp. 193, 195.

43 رأى هارت أن الصفة والفكرة من ورائها كانا أجمل مكتشفاته عند جي إل أوستن، الفيلسوف التحليلي الذي كان هارت أبرز دارسيه في أكسفورد.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن