تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
معنى زياد

معنى زياد

كتابة: مَحمد هُوجْلا-كَلْفَتْ 11 دقيقة قراءة
زياد الرحباني في فيلم «همسات» لمارون بغدادي (1980)

في خمسينية الحرب الأهلية اللبنانية أحيا زياد الرحباني الذكرى بأن رفض إطالة حياته ومات.

العوض بسلامتكن

لم يكن ما فعلته بعد ظهر السبت بدعة، في عالمي الخاص على الأقل، وإن كنت متأكدًا أنه صار تقليدًا يجمعني بآخرين: عزيت يوسف سيداني بائع أشرطة الكاسيت والأسطوانات في الحمرا، وصديقًا مصريًا أحضرت له من ذلك المتجر السحري في الشهر الماضي ألبوم «هدوء نسبي» -مُبرشَمًا في غشائه (بسلوفانته كما نقول في مصر) لم يمس منذ صدوره في 1985 أو في الأرجح صدور طبعة جديدة في سنوات 1990، عقد «إعادة الإعمار» («شجروا كل الكورنيش»)- وأصدقاء وزملاء من لبنان وسوريا وفلسطين (تلك المستعمرة بالطبع، دون أن يعني هذا أن الأولى أو الثانية أو أي جارة لهما حرة)، بعد يوم واحد من تداولنا خبر عودة جورج عبد الله من سجن طال أقل قليلًا من عمري، وهو الشيوعي مسيحي المولد مثل (المرحوم حاليًا) زياد الرحباني، والذي رفع السلاح ضد ساسة صهاينة وغربيين في سبيل لبنان وفلسطين حرتين.

ردوا كلهم دون استثناء بشكل طبيعي دون حاجة إلى توضيح في من أعزيهم. إحدى هؤلاء الصديقات كانت حزينة، وليست وحدها، وكانت قد جادلتني مؤخرًا في مستوى جودة وجمال «مرحبا دولة»، وأرجعَت ذلك -ووافقتها- إلى مسافتينا المختلفتين من السياق اللبناني، ومن ذلك مدى تأثر المسلسل بالعالم الرحباني، الزيادي بالأخص، أو إحالته إليه وتفاعله معه، بدءًا من الموتيفة الموسيقية المأخوذة من «أبو علي»، على نحو موحٍ ومليء بالغمز والمشاغبة والحب.

النعي

ليس هذا النوع من التعزية طقسي الوحيد عند موت شخص كزياد. تشمل طقوسي الاستماع إلى أغان رثائية منها مرثية لرجل دين أجهل من هو، من غناء وتلحين محمد الأمين، رثاء يلمسني في كل مرة وأجد له صدى عند موت كل شخص مطلع واسع المعرفة «للعلوم درَّاس». ومنها ترنيمات أحد أحب ألبومات فيروز إلى قلبي ولطالما حير جيراني من حي قاهري إلى آخر بشأن هويتي الدينية، وهو في النهاية رثاء أم لابنها، لذا يتردد صداه الآن بشدة. الفقيد الأول «تبكيه الجوامع» أو المدارس والكتب، والثاني «طرق أورشليم» أو بيروت «نائحة» عليه. ومنها أغنية أحببتها منذ صدورها في عامي الجامعي الأول -ولا أدري إن كان من الواجب الآن ألا نسمعها وأن نلغي المغني: سأفتقدك. هتوحشني. زمن الكلمات الإنجليزية دقيق شعريًا: المستقبل المستمر- سأكون مفتقدًا لك؛ هتكون واحشني؛ رح كون…؛ سأكون دائمًا في هذه الحالة وعلى هذا الحال.

نعزي أصدقاءنا ومعارفنا بل والأغراب، ونتلقى العزاء عند موت شخص يخصنا ولم يجمعنا به دم ولا حيز ولا اتصال، بل ولا سياق مباشر، أيْ لبنان في هذه الحالة، لبنان منذ مطلع سنوات 1970 تحديدًا. وهكذا توالت التعزيات غير القرابية، وغير المجتمعية إلا بمعنى واسع ومجرد للمجتمع والزمالة، في سنواتي القاهرية: من سِد بارِت إلى رشيد طه، من مايكل جاكسون إلى ليونارد كوهين، من يوسف شاهين -الذي بكيته بحرقة فاجأتني وأعدَت زوجتي الأولى- إلى ماثيو پيري، تعزية امتنت لها كثيرًا الصديقة مُحبة مسلسل «فريندز»، إذْ منحَتها اعترافًا بمشاعر الفقد الشخصي لديها كانت بحاجة إليه دون أن تدري. وعلى غرار تجربة وشوك الموت جربنا وشوك الفقد مع تشومسكي وصنع الله.

«نحن نرقص بين شهيدين

سمعت هذه الجملة للمرة الأولى ليس من درويش وإنما من شخص لا أعرفه وسط جمهور حفلة لكميليا جبران بالتاونهاوس، صاح بها عندما وصلَنا خبر اغتيال عبد العزيز الرنتيسي، وأردت بعد سنوات العودةَ بالزمن لكي أتقدم في الظلام باحثًا وأشد على يد المستمعة التي صرخت وأجهشت. لكنني على أي حال، وكما فهمت الآن فقط، لا أتحدث عن موت ساسة وزعماء، حتى لو كان موتهم ييتمنا، ولا حتى مناضلين بالمعنى العسكري. أتحدث عن أناس مثل أحمد زكي الذي رثيته بقصيدة أردت فيها ضمن ما أردت التعبير عن طوفان المشاعر الذي اجتاحني وكذلك معالجة التناقض الذي مثَّله الرجل. أنا شديد الإعجاب بمراثي صلاح جاهين بما في ذلك «أنغام سبتمبرية»، بل وأحب بيت فؤاد حداد العذب هذا إلى حد الغيظ بسبب مشكلتي الكبيرة مع الشخص المرثي: «فين طلّتك بالدقايق تسبق المواعيد/والابتسامة اللي أحلى من السلام بالإيد»، لكن هذا التعبير عن التناقض هو تحديدًا ما يجعل «زيارة لضريح عبد الناصر»، إضافة إلى الجمال الشديد البليغ، أكثر التعبيرات الأدبية نزاهة عن وقع موت عبد الناصر جنبًا إلى جنب مع جملة لطيفة الزيات الوجيزة الهائلة عن ظلم تيتيم شعب.

حين عُثر على شولاميت فايرستون جثة وحيدة إلى هذا الحد القاسي أتخيل أنني قرأت النعايا كلها وشعرت بأنني صاحب هذا المأتم أو على الأقل كلفت نفسي عناء الذهاب إلى السرادق وشرب القهوة السوداء، لكن أحدًا لم يعزني ولم أعز أحدًا لأسباب كثيرة، منها أننا كنا في 2012، وإن كنت أتخيل أننا محبي ڤالتر بنيامين كنا سنفعل ذلك بلا شك لو بلغنا خبر انتحاره للتو على الحدود الإسبانية، لولا أن الرجل، حتى لمعاصريه، لم يصبح معروفًا شيئًا فشيئًا إلا بعد موته. عندما ماتت فايزة كمال ثم عبد الرحمن الأبنودي، فكرت في خالي مرتين: الأولى فتاة أحلام شبابه والثاني معلمه وملهم أشعار شبابه.

إعلان وراثة

ليس بالضرورة تبادل التعازي؛ كنا نؤبن صباح إلكترونيًّا ونتابع المراسم -الكرنڤالية والاستعادية- بشعور مسكوت عنه هو أن صباح تخصنا، شحرورتنا، وأن جزءًا كبيرًا من الحزن وجلال اللحظة هو انشقاق الزمن فجأة إلى زمنين، بإعلان وفاتها يعلَن متأخرًا عن وفاة الزمن الأول، زمن طفولاتنا وشبابها، وعن نشأة الزمن الجديد، الباقي، أيضًا بأثر رجعي. الميت والزمن يستحقان التحية والاعتراف وادعاء «الوِرْتة». لهذا -وليس لهذا وحده- تضرب هذه اللحظات الضربة تلو الضربة في مشروعية نسب الميت لأهله حصرًا، هو وما ملك وما صنع، هم مُلاك تاريخه وروايته وصائنوه والمدافعون عنه في أروقة المحاكم ضد أي «تشويه»، ويا له من سخف أن يصادر «الورثة الشرعيون» أولئك حقنا في الكلام عن «ابنهم»، الذي حكمنا لمدة عشر سنوات مثلًا إن لم تكن 20 أو 30، أو حتى أثرت تركته علينا جميعًا من موقع سلطانٍ ما.

للميت ورثة كثر، بعضهم لم يولد بعد ربما، والنزاع على الميراث هنا لن تحسمه محاكم ولا يجوز عليه حساب المواريث ولا يؤدي بالضرورة إلى توزيع أنصبة وحرمان؛ امتلاك الميت، التبرؤ منه كليًا وجزئيًا، إعادة امتلاكه، حيواته الجديدة الكثيرة -كما «شريد المنازل»- كلها تفضح مدى ضآلة الإرث القانوني وتواضع الجثة المقدسة قياسًا إلى جسد الأعمال، الذكرى الخالدة، الروح المتناسخة أرواحًا وأشباحًا وأحياء يرزقون. لو لم تكن العبارة قد اقترنت ببشير الجميّل لقلنا إن زياد «حي فينا».

الأرشيف وصنع التاريخ

دخل زياد الرحباني حياتي وحياة آخرين، ووعينا، وأنا وهم لم ندخل المدرسة بعد، عن طريق الشارة الموسيقية لبرنامج في القناة الأولى المصرية (مقدمة «ميس الريم»، كما سنعرف فيما بعد بزمن طويل)، ولكن احتجنا بعض الوقت لكي تضع الحرب اللبنانية أوزارها ويصلنا شغله مع فيروز وجوزيف صقر وسامي حواط وسلمى، ونعي انقسام فيروز إلى حقبتين، فيروزين، بسببه هو، وندخل عالم الإنترنت فنشاهد (أو نستمع إلى) المسرحيات «الشهيرة»، ونستمع إلى البرنامج الإذاعي «الشهير» (استغرق الأمر شوطًا أكبر للوصول إلى البرنامج الأول فنكتشف، بعد الموسيقي، الكاتب والشاعر والإذاعي والكوميديان الكبير، ثم أخيرًا الشيوعي الذي سيصير على المسافة الزمانية والمكانية رفيقًا مثل صبحي الجيز الذي تتضارب بشأنه الروايات (والتخيلات، وهي ليست أقل أهمية من القصة، القصص، «الحقيقية»). إذْ يبدو أننا صرنا أيضًا شيوعيين، بمعنى ما. وزاد كل ذلك قيمةَ زياد وقربه (متفوقًا على مكانة محمد منير لدينا من هذه الناحية)، كفنان «ملتزم» engagé. أيُّ شيوعي عربي آخر بالمناسبة استطاع ويستطيع أن ينفذ إلى هذا الحد حتى إلى أعداء ورافضي الشيوعية؟ في منطقة نجح في القضاء على إمكانات الشيوعية فيها تحالف جبار من قوى الاستعمار والدين والاستقلال الوطني، لمئة عام ونيف.

وكما نتأرجح جميعًا بين العالم القديم الذي يأبى أن يموت والجديد الذي يأبى أن يولد، فإن زياد المتمرد على العائلة، المباري لجيل الآباء في ميدانهم إن لم يكن تفوق عليهم، هو تذكير آخر بأن الأسرة، على عكس توقعات إنجلس وماركس، صمدت وبقيت. يُحَل الحزب الثوري أو يعاد تأسيسه إلى الأبد أو ينشق أو يذوي أو يتقادم، ويغلق المصنع أو يباع أو يعهد بمهامه إلى عمالة أجنبية رخيصة بعيدة، أو يُحيَّد بإبطال شروط عمله كموقع نضالي، وتغلق الجامعة أو تترك نهبًا للشرطة والطلاب الرجعيين أو تفرغ من مضمونها الجذري، أما الأسرة فتبقى موقعًا عصيًا على الكسر، لكل شيء وعكسه بما في ذلك التربية المهنية والحرفية والثقافية والسياسية. هذا ما نراه في فيلم رندة الشهال-صباغ «حروبنا الطائشة» (1995)، حيث تعبر نهلة الشهال، بالمناسبة، في لحظة من الفيلم، عن معنى الهزيمة والفشل ومفرداتهما تعبيرًا فذًا، كما نراه في فيلم بسام مرتضى «أبو زعبل 89» (2024). 

أنا لا أعتبر نفسي شيوعيًا لسبب بسيط؛ أقول إنني لا أعرف من الشيوعية إلا المبادئ العامة وطرفًا من التاريخ ولا أملك إلا كثيرًا من الميل يزيد على حد التعاطف، ولكن بأي حق، وهذا هو الأهم، أسمي نفسي شيوعيًا أو أسمح بأن أُرى كذلك وليست لي أي تجربة شيوعية؟ زياد شيوعي لأنه صاحب تجربة شيوعية، حتى لو كانت لا تعدو في مقام الفكر والفهم والتحليل «يسارية خنفشارية» كما وصفها فواز طرابلسي، صاحب التجربة بدوره والفكر بالمعنى المضبوط لا على طريقة زياد، هذا الذي يمكن تلخيصه بأنه صار مع الوقت مجرد ممانع، «أنتي-إمپريالست» -وهما كلمتان كريمتان، حتى لو بشكل ساخر، أكثر مما يستحق كثيرون من المنعوتين بهما- وعربي غاضب؛ مثقف يكبر في السن ممرورًا بشكل عام، أمرضته الحرب وطريقة «انتهائها» وانهيار العالم في نفس اللحظة في 1989 إلى حد أنه لم يصدق الثورات حين جاءت أخيرًا، كان مهزومًا أكثر من أن يصدِّق. وكان في جعبة التاريخ مزيد من جرعات الهزيمة بقدر لا يصدَّق أيضًا وصولًا إلى الـ2024، العام الذي أجهز على زياد بلا شك. كيف أوصلت الظروف فنانًا ثوريًا إلى هنا؟ أمر من السهل أن يحض على الكفر الذي اشتهرت بمحاولة إعادة تعريفه أغنية لزياد صارت نشيدًا، أغنية لن أنسى وقعها هي وبقية الألبوم المسمى باسمها عليَّ في المعادي 2005. 

كانت تلك اللحظة، عشية الـ2006، هي بداية تعرفي افتراضيًّا، بعد 15 سنة كاملة من «السِّلم» سبقتها 15 من الحرب، على ما جرى قبل ميلادي وفي أثناء نشأتي وخارج مركزية بلدي، الشقيقة الكبرى: أسلمني الهوس وفيتيشية الحرب على الإنترنت إلى كتاب روبرت فيسك الصحفي المجتهد (الوحيد الذي بقي وكان هناك حقًا عند نقطة معينة) ثم لاحقًا إلى كتاب طرابلسي الذي لا يبدأ التاريخ فيه (تاريخ لبنان الحديث) منذ الـ1975، وهكذا تخلصت تلك الحرب لا من فظاعتها (بالعكس) وإنما من عبثيتها وفقدانها للمعنى، وهو ما كان قد هوسني في البداية بشكل مرضي. 

فيما بعد، ستتكفل سينما الحرب اللبنانية بالغة الغزارة والغنى والفنية، إلى جانب الروايات وأعمال الفن المعاصر الذي انفجر في التسعينيات، بإفهامي لماذا لا تكفي الكلمات وحدها لسرد الكارثة. في «نهلة» (فاروق بلوفة، 1979) أول فيلم روائي عن الحرب، واللافت أنه فيلم جزائري، يظهر زياد كموسيقي يقود مغنية ستفقد صوتها، وفي أحد أبكر الوثائقيات الفنية عن الحرب، «همسات» مارون بغدادي (1980)، يتحدث زياد إلى ناديا تويني، في فاصل عزف بيانو، شارحًا لماذا لا يرى المستقبل ولا يشعر إلا بالضياع كالجميع، بل ولا يرى إمكانية حكي قصص في ظل الفوضى المسلحة وغياب الحرية.

وكما أن لتلك الحرب معنى كبير -الحرب التي لم تنتهِ ربما- فإن لزياد معنى كبير -زياد الذي لن ينتهي بالتأكيد- بكل هذا التناقض والصعود والهبوط، مرورًا بانسداد مشروعه المعارض لمشروع الأب والعم.

من فيلم «نهلة» (فاروق بلوفة، 1979)

تسييس الفن، تفنين السياسة

«تطور كل واحد فينا تطورًا حرًا هو شرط تطورنا كلنا تطورًا حرًا».

«البيان الشيوعي»

«للمجتمع شكل أرقى يكون فيه التطور الكامل والحر الخاص بكل فرد هو المبدأ الحاكم».

«رأس المال»

معنى زياد معنى متعدد وناقص ومتناقض، ولا يختلف في ذلك عن أي واحد منا حيًا وميتًا، إلا على مستوى الحجم والموقع. لكن هذا لا يجب أن يثنينا عن تبين ما اتضح من معناه أو معانيه. زياد مساهم كبير في تربيتنا الموسيقية والسياسية والعاطفية بل والجندرية (فهناك تلك الحساسية المغايرة بشأن الرجولة في أغانيه)؛ مساهم كبير في تشكيل ثقافة عربية نقدية ضمن مشروع هوية عربية جامعة إن كان قد فشل على مستوى الدول، فهو أبعد من أن يكون فشل على مستوى النخب والجماهير؛ مساهم كبير في تطوير المحكية/العامية/الدارجة كلغة للتعبير شعرًا ونثرًا وأداءً وشفاهة، وعلى نحو لا يجعلها في حرب ضرورية مع العربية القياسية كلغة قومية ذكورية سلطوية كما عند البعض؛ مساهم كبير في ممارسة جدلية الفن والسياسة وتطوير إمكانات الأغنية السياسية وتفجير سؤال ماذا يعنينا من الفنان؟ أن يكون فنه عالي الجودة وثوريًا ولو كانت مواقفه المعلنة رجعية أم أن يكون تقدميًا في تصريحاته وانحيازاته وسلوكه ولو كان فنه متوسط الجودة أو سطحيًا أو حتى رجعيًا ومنحطًا؟

لكن معنى زياد الكلي يتبين عندما نفكر في توقيت الوفاة. لو كان زياد رحل قبل ربع قرن أو أكثر لما خسرنا شيئًا يذكر من تركته الفنية وإسهامه الثقافي، ولظل بهذا يستحق وصفه بـ«الكبير» كما ردد الإعلام منذ إعلان وفاته، وإن كان أغلب الظن أن الإعلام كان سيتحفظ أكثر مع زياد متوفٍّ في سن أصغر لأن وصف «الكبير» و«القدير» ملتبس عندنا بين العمر وسنوات الخبرة وبين حجم وقيمة المنجَز، وإن صح أيضًا أن مرور الزمن يختبر القيمة ويكشف جديدًا في القديم. (زياد اليوم أيضًا ليس هو زياد مطلع الألفية لأن الأشياء ليست هي نفسها ولا الأشخاص هم أنفسهم بعد انتشار الإنترنت فائق السرعة).

عم نتحدث ونحن نتحدث عن زياد اليوم بعد وفاته؟ ما الذي منحه لنا بوفاته الآن هكذا في وسط فقداننا القدرة على الكلام ناهيك بالكلام معًا أو القدرة على رؤية مستقبل أو فقه معنى لماضٍ؟ معنى زياد إذن لا ينفصم عن معنى وفاته اليوم، بعد كل ما كان وفي كل ما هو كائن، ونحن أمام هذا السؤال الكبير جدًا جدًا: تبدو هذه لحظة استنفاد إمكانات المقاومة الإسلامية، التي كانت ولدت من رحم استنفاد إمكانات المقاومة عبر دولة الاستقلال الوطنية، ولحظة إرهاق عام حاد وقنوط من تكرار فشل وهزيمة الإجابة الثالثة، الثورية الديموقراطية، كما في مصر 1954 و2013، والسودان في 1969 و1989 و2021، وربما في سوريا الآن. نحن بلا أي من هذا تقريبًا أمام احتمالات تفاقم إصابتنا بالجنون الاستعماري، فرادى وجماعات، جماهير ونخبًا. فكيف نحول مسار هذا الجنون؟ ما الذي علينا إبداعه وكيف السبيل إليه؟

في النصف الأول من حياته أبلى زياد بلاءً حسنًا كل الحسن، بلاء يظل ملهمًا لأن هول ما نواجهه اليوم لا يمنع بالمرة أن ما واجهه هو لم يقل هَولًا، والأدلة متوافرة في كل آثاره. وهو حي يرزق في أعماله وسيرته. في المكنسة التي تركها لنا وراح. المكنسة، البزق والبيانو، خشبة المسرح والأثير، العقل الذي هو زينة فعلًا وقادر على الإبداع والتعافي والمقاومة خارج ظل الزعيم وضيق الأيديولوجيا ومجال تأثير المرارة، كل هذه أدوات عمل. فيا عمال العالم، البقية في حياتكم.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن