معمارية الصمت: الإبادة والداخل الفلسطيني
كُتب هذا النص ضمن فترة التدريب والدراسة الخاصة في«الأكاديمية البديلة للصحافة العربية». وهي برنامج زمالة مُكثف مدته عام، يشجع على الإبداع والتفكير النقدي في الصحافة وتشرف عليه شبكة «فبراير».
«كل الأشياء سقطت من عيني.. لا معنى الآن لكل القيم التي صدقناها سابقًا. يلي انكسر فينا أكبر من هيك، أكبر من الأسئلة يلي تعودنا عليها. الصمت نهش بكل جزء من أرواحنا».
يقين، شابة فلسطينية من منطقة المثلث، شمالي فلسطين، في أواخر العشرينيات من عمرها. تتحدث عن الصمت في وجه إعادة تشكيل العالم، بفعل عدوان إسرائيل على غزة، بدعم قوى العالم، وهي إعادة تشكل بدأت من إسقاط المحرّمات الدولية، وتجاوز حدود الحرب وضوابطها، مما أنتج فظاعة متلفزة وجمهورًا عاجزًا أمام مشاهد موت الأطفال جوعًا، وتدمير المستشفيات، واغتيال الصحافة، وغيرها من المشاهد المروعة.
في كتابه «الفظيع وتمثيله»، يُشير الكاتب السوري ياسين الحاج صالح إلى أن الصمت والعزلة خلال الأزمات الكُبرى ليسا فعلين خاملين ومحايدين، بل مُحملان بجملة من التحوّلات والتأثيرات التي تُعيد تشكيل الفرد والجماعة على حد سواء. يرى الصمت على أنه أحد أشكال الاستجابة الدارجة في مواجهة بشاعة الفظيع، ويصنّفه واحدًا من الُسبل الأربعة المُختلفة للمواجهة، إلى جانب الغضب، والإدانة، والإبداع. فأمام الفظيع، تُصبح اللغة عاجزةً عن حمل التجربة، مما يفقد الكلام جدواه، ويتحوّل الصمت إلى وسيلة لتجنّب الاصطدام المُباشر مع الفظاعة، ويتحول تلقائيًا إلى شكلٍ آخر من أشكال الانسحاب والانكفاء على الذات. الصمت والانعزال يُمثّلان في جوهرهما تسليمًا بالفجيعة وبأثرها المدمّر على النفس والمجتمع، إذ يتكوّن المجتمع والفرد فيه حول الكلام وتبادله، لا حول الصمت والانقطاع. ويترافق هذا الانكسار مع تعطّل التفكير كممارسة بحد ذاتها.
هناك صمت جمهور عاجز أمام مشاهد الموت، وهناك صمت فلسطينيي الشتات، والضفة، والداخل، الحد الفاصل بين كونية فلسطين وخصوصيتها. وهناك صمت الداخل، الذي تمخض عن تاريخ تكونه وواقع بقائه.
ـــــــــــــــــ
خلال العمل على كتابة هذا النص، لم تكن يقين هي الوحيدة التي ذكرت الصمت، فقد تكرر الحديث عنه في معظم المقابلات، ووُصف على أنه «فعل سياسي يضطر الفلسطيني في الداخل للقيام به لينجو». كثيرًا ما اختاروا تحميل هذا الصمت بما يتجاوز معناه البسيط وهو «غياب الكلام». إذ بالنسبة لهم، كان حالة فردية ومُجتمعية تتطلب تفسيرًا لإدراك ما مر على الفلسطيني. يمكن اعتبار الصمت أحد المداخل لفهم ما يعيشه الفلسطيني في هذه اللحظة المفصلية من التاريخ.
تعمل شروق، وهي فلسطينية في أوائل الثلاثينيات، في مستشفى إسرائيلي. تقول: «في كثير تغيرات بشوفها بعلاقتي مع شو بصير حوالي، بس أقسى التحولات يلي عشتها كانت تجاه نفسي، أو بنفع تقول تجاهنا إحنا كمجتمع. فسيبك من السؤال عن شعوري بالانتماء لمجتمع يعيش بشكل عادي وعلى بعد كيلومترات منه بتحصل إبادة. السؤال الحقيقي هو كيف أنا اتغير مع نفسي؟ كيف اتغير انتمائي لذاتي ولقيمي ومبادئي وأنا عم بشاهد أطفال بتموت من الجوع على التلفون؟ كيف بنفع هيك اشي يمرق دون ما نعمل اشي لنوقفه؟»
لا تُعدُّ تجربة الصمت غريبةً عن الفلسطيني، إذ كُتب عنها كثيرًا بوصفها السمة الأبرز التي شكّلت وجوده بعد النكبة. فقد فاضت النصوص الأدبية والمذكرات الفلسطينية بالحديث عنها، بما في ذلك تلك التي كتبها الفلسطينيون الذين بقوا داخل الأراضي المحتلة في نكبة 1948، وتحولوا بعد سنوات لاحقة إلى مواطنين تحت وطأة حكم الدولة الصهيونية الناشئة.
على الرغم من القمع الذي تلا توقيع اتفاقات الهدنة عام 1949، بما شمله من فرض الحكم العسكري على البلدات الفلسطينية، ومحاصرتها بالأسلاك، وتقييد حركة الفلسطينيين برقابة دائمة وتفاوض مُستمر على تصاريح التنقل، وسط تهديد مستمر بالتهجير، فيما رد الفلسطينيون في الداخل على إسرائيل بالصمت كتكتيك للبقاء.
كان الزمن كفيلًا بتحويل صمت الفلسطينيين في الداخل، الذي كان في بادئ الأمر تكتيكًا اضطراريًا، إلى وضعٍ قائم ومستقر لمجتمع حمل في دواخله جدلية النكبة بوصفها تاريخًا ممتدًا وتجربة معاشة، في حين يستقر تحت سلطة الاحتلال كمواطنين لهذه السلطة.
زادت شدة هذا الصمت قبل اللحظات التاريخية والمفصلية في تشكّل الفعل السياسي والشعبي في الداخل. فالهبّات الكبرى -مثل يوم الأرض، وأحداث الروحة، واتفاقية أوسلو، والانتفاضة الأولى- سبقتها جميعًا فترات من الصمت المُطبق، وتلاها أيضًا صمت، ليبقى هو السمة الأبرز التي تُخيّم على مشهد اللا فعل السياسي الجماهيري.
أتى السابع من أكتوبر 2023 بعد ذروة انفجار الغضب الفلسطيني في الداخل جراء السياسات الإسرائيلية، فخلال محاولات الاستيلاء على منازل سُكّان حي الشيخ جراح في مايو 2021، نزل الفلسطينيون إلى الشوارع في الداخل دفاعًا عن بيوتهم وقراهم أمام اعتداءات المستوطنين والشرطة عليهم، الهبة التي أطلق عليها «هبة الكرامة» أو «هبة الوحدة». كانت هذه اللحظة تعبيرًا عن انتمائهم، في إحدى أوضح لحظات لقاء الهوية بالفعل السياسي، أو تجسد فكرة فلسطين التاريخية في الحراك الشعبي المتجاوز للحدود والفئات والانقسامات. وهي اللحظة التي استغلتها إسرائيل لمعاقبة الفلسطينيين بأقسى الأحكام القضائية، التي طالت مئات الشباب، وبلغت 13 سنة سجن، واستهدفت بشكل خاص فئات من خلفيات اقتصادية واجتماعية مُهمشة، كما يشير خالد عنبتاوي في دراسته «هبة في حالة عتبة».
يقول أحمد، وهو عامل صيانة كهربائية في الأربعينيات من عمره، من إحدى البلدات العربية في الشمال، والتي تصدّرت الدفاع عن «الشيخ جراح»: «شو بدك مني؟ طبعًا خايف، شفت بعيني شو صار مع المعتقلين بـ2021، كانوا جيراني، الكل تركهم لحالهم يواجهوا كل هاي السنوات من التعتير (القهر)، أهاليهم باعوا كلشي ليقدروا يدفعوا للمحامين. ما وقف حدا معهم، لا قيادة، ولا مجتمع، ولا حدا، ضلوا لحالهم قدام المحاكم».
عاد الداخل للصمت، في لحظة تجلى فيها كونه مجتمعًا في طور الاقتلاع والتشكل في آن، تارة عن طريق القمع المباشر، وأخرى عن طريق الدمج الاقتصادي الأكثر نعومة.
تقول سوار، وهي طالبة في أوائل العشرينيات تدرس في إحدى الجامعات الإسرائيلية، متحدثةً عن أثر الواقع عليها: «أكيد عندي شو أخسر، كلشي بنيته هون، بدك أعدّلك يعني؟ شغلي، حياتي، علاقات عملتها هون. نفسي أهرب لكن مضطرة أكون هون، بنفعش ما أكمل دراستي ولهيك مضطرة أسكت».
تشير الباحثة همّت زعبي إلى سعي إسرائيل لسياسة «الدمج الاقتصادي» خلال السنوات التالية لانخراط الفلسطينيين في الداخل في الانتفاضة الثانية ضمن أحداث «هبة القدس والأقصى» عام 2000، وذلك بدوافع سياسية تسعى لمواجهة المقاومة واقتصادية مدفوعة بتوجهات السوق والنيوليبرالية، ومستغلة تطلعات الارتقاء الطبقي. وفقًا لتحليل الباحث امطانس شحادة لمعطيات دائرة الإحصاء المركزية حول تقرير العمل لعام 2024 يظهر أن انخراط الفلسطينيين في سوق العمل شهد مسارًا متصاعدًا طوال سنوات ما قبل حرب الإبادة، حيث تشير الأرقام إلى أنه عشية الحرب بلغت نسبة المشاركة في سوق العمل نحو 64.3% بين الرجال، مقابل 36.9% بين النساء.
جلبت أحداث السابع من أكتوبر 2023 على الداخل صفعة حقيقة وقاسية، بحسب وصف شادي، وهو رياضي مُحترف في أوائل الثلاثينيات من عمره، من جنوب البلاد: «يعني آه بروح على الشغل وبضحك بوجهن، فش عندي غير أني أعمل هيك. إحنا بهاي الفترة حرفيًا اكتشفنا مرة جديدة أننا أيتام، بقدروا يخفونا حرفيًا وولا حدا بقدر يعرف عنا اشي، هذا حكم عسكري غير معلن، لهيك لازم تسكت».
ليالي، وهي امرأة في أواخر الأربعينيات تعمل في مرفق خدماتي إسرائيلي، تتحدث عن صمت الفلسطينيين في مكان عملها، فسّره البعض بالخوف والخذلان والإحباط، أو ببساطة، كنوع من السعي للبقاء والامتثال لضغوط اجتماعية وعائلية، خوفًا من خسارة المكانة الاقتصادية الاجتماعية، أو التمسك بالمصلحة الشخصية.
بدورها سهى، وهي امرأة ثلاثينية تعمل في مجال الخدمات النفسية داخل مؤسسة صحية إسرائيلية، تذكر في نهاية الأمر بالوضع المادي لفلسطينيي الداخل، خاصة ممن ينتمون إلى الطبقات العاملة، حيث تطغى هويتهم دائمًا على وضعهم القانوني، ومع ذلك، يظلون في فئة «الداخل». «جد بتفكر أنه ابن الحليصة (حي عربي فقير في حيفا) ما بعرف بأنه فلسطيني بلحظة خروجه من الحارة للمدينة الكبيرة؟ تمام، يمكن جد ما بعرف أنه يسميها عنصرية ويحفر مخنا بنظريات علم الاجتماع، بس الأكيد أنه بعرف من سبب معاناته وليش بتصير، مهو كل النظرات يلي توجه إله بالطريق من وللعيادة بالباص، رح تحكيله مين هون حتى لو بده ينكر وما يشوف».
في النهاية، تذكر شفاء، وهي فنانة على مشارف العشرين، بأنه «فش مقارنة بين يلي بيعيشه أهل غزة ويلي منعيشه إحنا هون، بس الإبادة خربت علاقتنا مع أنفسنا، علاقتنا مع غيرنا ومع المجتمع اللي ساكنين فيه، وعلاقتنا كمجموعات بتنتمي لنفس الشعب».
«ممكن الصمت اللي منعيش فيه هو إجابة لأسئلة مش عارفين نسألها لحالنا في الوقت اللي فيه كلشي بالعالم عم بتغير، وإحنا مش قادرين نستوعب شو يلي عم بصير» تتساءل ليالي، في محاولة إيجاد مقاربة أخرى للصمت.
يمكن أن يكون الصمت تجسيدًا لانهيار اللغة التي استخدمها فلسطينيو الداخل في توصيف واقعهم وصياغة علاقتهم ببعضهم وبالدولة الصهيونية. فاللغة التي كانت تُبنى بها الروابط السياسية والجماهيرية لم تعد قادرة على تفسير معنى العيش تحت سلطة الإسرائيلي.
في مقال نشر في مؤسسة الدراسات الفلسطينية بعنوان «بلاغة الصمت الفلسطيني»، كتب الروائي الراحل إلياس خوري عام 2015 أن الصمت يحمل دلالتين متداخلتين: الأولى، أنه عادةً ما يُرافق نهاية مرحلة سياسية وخطابية فلسطينية، وفي حينه أشار إلى نهاية «اتفاقية أوسلو»، والثانية، أنه يُعبّر عن محاولة للبحث عن طريق جديد ولغة جديدة للسياسة والانتماء.
وهنا يمكن فهم الصمت لا بوصفه نقيضًا للفعل، بل كجزءٍ من علاقته المعقّدة به، فعل قد يكون في طور الميلاد في حركة التاريخ المستمرة.
تقارير ذات صلة
القانون في خدمة القتل: الكنيست يصمم عقوبة إعدام تستهدف الفلسطينيين فقط
فشلت إسرائيل سابقًا في إقرار هذا القانون لـ3 عقود
بعد مهرجان افتتاح «المعبر»: فقط 12 فلسطينيًا عادوا إلى غزة
ضجيج بلا طحين
دون تفاصيل.. إسرائيل توافق على فتح «محدود» لمعبر رفح
إعادة فتح وشيك للمعبر
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن