دون تفاصيل.. إسرائيل توافق على فتح «محدود» لمعبر رفح
أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، اليوم، موافقته على إعادة فتح معبر رفح «بشكل محدود» للمسافرين الفلسطينيين، على أن يقتصر العبور على «المشاة فقط» بعد إخضاعهم لتفتيش إسرائيلي كامل، فيما لم يعط تفاصيل إضافية عن آليات التنفيذ.
وكان مكتب نتنياهو وضع شرطًا لإعادة فتح المعبر وهو تسليم جثمان آخر سجين إسرائيلي لدى «حماس» في القطاع، ران جفيلي، قبل أن يعلن استرداد الرفات في وقت لاحق من اليوم.
بالمقابل، لا يزال الفلسطينيون في القطاع يجهلون الموعد الفعلي لفتح المعبر، وما إذا كان بإمكانهم التسجيل للسفر عبره.
ثلاثة مصادر مطلعة على المحادثات بشأن تشغيل المعبر قالت لـ«مدى مصر» إن الولايات المتحدة تمارس ضغوطًا كبيرة على الجانب الإسرائيلي لضمان فتح المعبر خلال الأسابيع المقبلة. وحال تحقق ذلك، سيكسر ذلك أطول إغلاق متواصل للمنفذ الوحيد الذي يربط القطاع بمصر منذ نحو 20 عامًا، بما يسمح بسفر بعض المرضى والجرحى في القطاع من بين أكثر من عشرة آلاف فلسطيني بحاجة ماسة إلى العلاج.
وترجح المصادر أنه حتى في حال فتح المعبر خلال الأيام المقبلة، فلن تتجاوز الخطوة إعادة تشغيل جزئية، في ظل إصرار إسرائيل على الاحتفاظ بالسيطرة الكاملة على الترتيبات الأمنية في المعبر.
عاد معبر رفح -وهو منفذ الخروج والدخول الوحيد لمليوني فلسطيني في القطاع- إلى صدارة الأولويات بعد تدشين الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، الأسبوع الماضي، «مجلس السلام»، وهو الكيان الذي يرأسه وسيشرف على المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة. وبالتزامن مع التدشين الأمريكي، أعلن رئيس اللجنة الفلسطينية الانتقالية لإدارة غزة المدعومة من الولايات المتحدة، علي شعث، للمرة الأولى، عن إعادة فتح المعبر «بالاتجاهين» خلال الأسبوع المقبل.
وكان من المقرر إعادة فتح المعبر، الذي أغلق منذ اجتياح الجيش الإسرائيلي للمدينة الفلسطينية الواقعة أقصى جنوب شرقي القطاع في مايو 2024، ضمن المرحلة الأولى من الاتفاق الذي أُطلق في شهر أكتوبر الماضي، إلى جانب فتح خمسة معابر أخرى، للسماح بدخول كميات كبيرة من المساعدات الإنسانية للاستجابة للاحتياجات الهائلة لسكان القطاع بعد عامين من حرب الإبادة.
لكن بينما تحاول الولايات المتحدة الدفع بالمرحلة الثانية من الاتفاق، والتي أعلنتها بشكل أحادي في الأسبوع السابق لمنتدى دافوس، يوضح قيادي في حركة فتح لـ«مدى مصر» أن «ما نعلمه أن الولايات المتحدة قالت إنه في حال تسليم الجثة أو عدم تسليمها، سيتم فتح معبر رفح نهاية الأسبوع»، في حين يشير مسؤول مصري رسمي مطلع على المفاوضات تحدث إلى «مدى مصر» إلى ضغوط مارستها الولايات المتحدة على إسرائيل للوصول إلى اتفاق بشأن المعبر، متوقعًا فتح المعبر الخميس المقبل.
وعلى الرغم من أن إعادة فتح المعبر كان ضمن أجندة الاجتماع الذي جمع نتنياهو بكل من المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي، ستيف ويتكوف، وصهر ترامب، جارد كوشنر، في تل أبيب، السبت الماضي، ضمن بنود أخرى للمخطط الأمريكي لغزة، بحسب التقارير، إلا أن تفاصيل ما جرى مناقشته في الاجتماع، وآليات التشغيل والجهات المسؤولة عن التنفيذ والأجهزة الأمنية المشاركة، تظل جميعها غير واضحة.
قيادي ثان في «فتح» يرجّح أن يكون الإطار الزمني أطول، قائلًا إن الولايات المتحدة وعدت شعث بفتح المعبر خلال أسبوعين.
أصرت إسرائيل في البداية على أن يكون لها السيطرة الأمنية الوحيدة على المعبر، بحسب المسؤول المصري، فيما تمسكت مصر بأن يكون للمسؤولين الفلسطينيين دورًا في تشغيله.
وبحسب مصدر «فتح» الأول في غزة، طالبت مصر «بتواجد مصري على الجانب المصري، وتواجد فلسطيني على الجانب الفلسطيني»، مشيرًا إلى أن الوجود الفلسطيني يمكن أن يخضع لإشراف أوروبي، كما كانت الآلية في 2005 بعد انسحاب إسرائيل من القطاع.
يتفق المصدران على أن الاحتمال الأكبر هو عمل الاتحاد الأوروبي كوسيط بين إسرائيل ومصر في تشغيل المعبر، على الأقل لبعض الوقت، مع إرجاء الدور الفلسطيني. فيما يلفت المسؤول المصري إلى قيود أخرى، منها أن المعبر سيُفتح عدد ساعات محدودة في اليوم، إلى جانب قيود على السماح بالعبور حيث ستخضع الحركة عبره لفحص إسرائيلي كامل.
مصدر «فتح» في غزة ومصدر آخر من الحركة توقعا أن تفرض إسرائيل قيودًا على أعداد الفلسطينيين الذين سيسمح لهم بالعودة إلى القطاع، مقارنة بمن سيُسمح لهم بمغادرته.
«من أصل نحو 150 ألفًا نزحوا من غزة إلى مصر [...] نحو 30 ألفًا سجلوا للعودة، لكن الجانب الإسرائيلي يضع شروطًا» لمنع هذا العدد من الرجوع إلى القطاع، بحسب المصدر الأول من «فتح».
وتصر إسرائيل على أن تكون الأعداد التي تخرج من القطاع أكبر من التي تدخله، وتهدف لممارسة أقصى الضغوط للدفع بتهجير الفلسطينيين، كما يرجح المصدر الثاني.
ولا يزال مئات الفلسطينيين عالقين في العريش، بعدما حالت العمليات العسكرية الإسرائيلية دون عودتهم إلى القطاع، وأعرب عدد منهم سابقًا لـ«مدى مصر» عن رغبتهم في العودة.
وبحسب تقديرات رسمية مصرية، أُجلي أكثر من مئة ألف فلسطيني إلى مصر خلال العدوان الإسرائيلي على غزة.
وبينما يطرح المسؤولون الإسرائيليون فكرة فتح المعبر للخروج فقط، تصر مصر على فتح المعبر في الاتجاهين. وجددت هذه النوايا الإسرائيلية لتقييد الدخول والخروج من غزة المخاوف حول مخطط تهجير الفلسطينيين من القطاع الذي تكرر التصريح به من قبل المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين منذ بدء العدوان الإسرائيلي الأخير في أكتوبر 2023.
ويشير القيادي الأول في «فتح» إلى نية إسرائيل استخدام المعبر بعد فتحه لتهجير الفلسطينيين في القطاع، موضحًا أن نتنياهو لن يقبل بفتح المعبر بالشكل الذي يريده الجانب الفلسطيني وأمريكا بسبب الضغوط الداخلية التي تواجهه مع اقتراب الانتخابات. «أمريكا تعلم أنه يحاول التلاعب بهذا الملف حتى يصل إلى الانتخابات، لأنه يريد فتح المعبر في اتجاه واحد حتى تنجح خطته في التهجير»، يقول المصدر.
ويضيف كذلك أن هناك استعجالًا أمريكيًا في هذا الملف، لكن إسرائيل تصر أن يكون عدد المغادرين أكبر من عدد الداخلين، وتسعى لممارسة أكبر قدر من الضغط من أجل التهجير. «أنا أميل إلى أن معبر رفح سيفتح، لكن وفق آلية بالمفهوم الإسرائيلي، أي مغادرة أكبر عدد ممكن، والتحكم في الحدود سيكون بيد إسرائيل، لأن المناطق أصلًا مناطق حمراء، وسيُمنع عدد كبير من دخول غزة، ولن يُسمح إلا للعشرات، وليس لـ30 ألفًا»، يقول القيادي في «فتح».
وبينما تكررت إشارة ترامب، خلال العام الماضي، لخطته للتهجير القسري للفلسطينيين في غزة وإعادة توطينهم في مصر والأردن ليتيح المجال لتنفيذ مشروع «ريفييرا الشرق الأوسط»، تكرر بالمقابل رفض المسؤولين في مصر والأردن للمقترح، وجاء تأكيد الرئيس عبد الفتاح السيسي الأخير على رفض التهجير السبت الماضي. كما أعلنت السعودية رفضها القاطع لمقترح نتنياهو بإنشاء دولة فلسطينية على الأراضي السعودية.
بحسب القيادي الثاني في «فتح»، فإن الموقف المصري حيال معبر رفح واضح: «فتح المعبر من الاتجاهين وليس من اتجاه واحد كما تريد إسرائيل»، كما يبين أن إسرائيل تريد إدخال المواطنين من مصر إلى غزة فقط عبر «بوابة إسرائيل»، بحيث يجري تفتيشهم ثم إرسالهم إلى معبر رفح.
من جانبه، يؤكد المسؤول الرسمي المصري أن اعتراض القاهرة على السيطرة الإسرائيلية الأمنية الكاملة على المعبر، أفضى إلى ترتيبات أخرى، بحيث يجري تنسيق الوجود على الجانبين على مراحل، فيما يعمل الاتحاد الأوروبي كوسيط بين مصر وإسرائيل في البداية، مضيفًا أن حضور الاتحاد الأوروبي على الجانب الفلسطيني يُعد «اتفاق انتقالي جيد»، كما يشير إلى أن الأهم حاليًا هو تشغيل المعبر بالاتجاهين.
كان معبر رفح قبل غلقه في منتصف 2024 المنفذ الرئيسي لدخول المساعدات الإنسانية وإجلاء المرضى وغير الفلسطينيين خارج القطاع. وكانت تجري حركة الأفراد والبضائع في المعبر تحت إدارة مصرية فلسطينية منذ 2007، قبل أن تبدأ في 2014 ترتيبات جديدة عٌرفت باسم «التنسيقات»، حيث يدفع الأفراد رسومًا مقابل السماح لهم بالمغادرة.
ومع بدء إسرائيل حرب الإبادة على القطاع في 2023، أُغلق المعبر جزئيًا وسمح بالعبور لفئات محدودة فقط، ما أسفر عن حالة من الفوضى، تضاعفت معها رسوم «التنسيق» وانتشرت عمليات الاحتيال على نطاق واسع.
في تلك اللحظة، دخلت شركة «هلا»، التي أسسها رجل الأعمال السيناوي، إبراهيم العرجاني في 2019، إلى ساحة «بيزنس التنسيقات»، مستفيدة من علاقات مالكها الرسمية وشبكة لوجيستية واسعة. كما تولت شركة أخرى مملوكة للعرجاني، هي «أبناء سيناء»، السيطرة على إدخال المساعدات والبضائع عبر معبر رفح مقابل رسوم باهظة، فيما سُمي بـ«بيزنس تنسيق البضائع».
وظل المعبر مفتوحًا بشكل متقطع خلال الأشهر الأولى، قبل أن يغلق بالكامل في مايو 2024 عقب اجتياح إسرائيل لرفح وسيطرتها على الجانب الفلسطيني من المعبر، ليصبح من بعدها معبر كرم أبو سالم المدخل الأساسي للمساعدات الإغاثية القادمة من مصر. أما الإجلاء الطبي للمرضى، والذي كان نادرًا، انتقل إلى معبر «كرم أبو سالم»، وإن كان يجري أحيانًا، خاصة خلال وقف إطلاق النار في يناير 2025، عبر معبر رفح. بحسب وزارة الصحة المصرية، أُجلي أربعة آلاف فلسطيني من غزة عبر المعبر قبل احتلاله.
ويمثل الغزو الإسرائيلي لرفح ودخول قوات الاحتلال إلى محور فيلادلفيا، حيث يقع المعبر، أول وجود عسكري لإسرائيل منذ 20 عامًا في المنطقة التي تخضع لترتيبات أمنية بين مصر وإسرائيل بموجب بروتوكول وُقّع عام 2005 عقب انسحاب إسرائيل من المنطقة آنذاك.
ويمتد «محور فيلادلفيا» -وهو شريط ضيق بمحاذاة الحدود المصرية مع القطاع- من معبر كرم أبو سالم جنوبًا إلى البحر المتوسط شمالًا، ويخضع لترتيبات أمنية منصوص عليها في معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية لعام 1979، إضافة إلى «بروتوكول فيلادلفيا» في 2005، والذي ألحق بالمعاهدة.
وعقب القرار الإسرائيلي الأحادي بالانسحاب من غزة في 2005، تولت السلطات الفلسطينية إدارة الجانب الفلسطيني من المعبر بموجب «اتفاقية المعابر»، والتي نصت على وجود مراقبين من الاتحاد الأوروبي، وعلى موافقة إسرائيل المسبقة على قوائم المسافرين قبل 48 ساعة، غير أن هذا الترتيب تغير في 2007، عندما سيطرت «حماس» على القطاع وأطاحت بالسلطة الفلسطينية.
منذ مايو 2024 وحتى الآن، ورغم وقف إطلاق النار، تظل المنطقة الحدودية منطقة عسكرية مغلقة تخضع لاحتلال القوات الإسرائيلية.
«لا يوجد معلومات، سواء رسمية أو غيره، عن مصير المعبر أو إذا كان سيُفتح»، قال مدير إدارة الكوارث في الهلال الأحمر بغزة، عبد العزيز أبو عيشة لـ«مدى مصر»، اليوم، مضيفًا، «لا يوجد أحد قادر على الوصول إلى المنطقة، فهي خطر كبير».
بالنسبة له، فإن الأولوية هي إيجاد طريقة للمرضى، والذين يزيد عددهم عن 17 ألف مسجلين على قوائم العلاج بالخارج، لمغادرة القطاع والوصول إلى الرعاية الصحية في الخارج «لأن النظام الصحي تقريبًا شبه منهار» داخل غزة.
لكن، بحسب تعبيره، فإن «كل الآليات [لتشغيل المعبر] في ظل الاحتلال فيها مشاكل. لكن إحنا في الوقت الحالي، أي آلية ممكنة لإخراج الكم الهائل من قوائم الانتظار الخاصة بالجرحى والمرضى هتكون مفيدة».
تقارير ذات صلة
كيف اعترفت إسرائيل بصوماليلاند دولة مستقلة؟
تعود الاتصالات بين مسؤولين إسرائيليين وآخرين من صوماليلاند إلى ما لا يقل عن أربع سنوات
«ضاق المخيم»: اللاجئون الفلسطينيون في لبنان بين الحرب والحصار
بينما يتصاعد عدوان الاحتلال يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان خطر الحرب والنزوح في بيئة معقدة
«صحاب الأرض» و«أرض محرمة».. قراءة مقارنة
كلا العملين مقدم للعالم وليس مجرد استهداف محلي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن