بعد مهرجان افتتاح «المعبر»: فقط 12 فلسطينيًا عادوا إلى غزة
بحلول الساعة الثالثة فجر أمس، حملت ستة ميكروباصات تابعة للهلال الأحمر المصري 42 فلسطينيًا جميعهم نساء وأطفال من داخل مقر مركز شباب اتحاد سيناء الرياضي في مدينة العريش إلى معبر رفح البري، الذي يبعد نحو 30 كيلومترًا عن المدينة، بحسب مصدر من الهلال الأحمر المصري، استعدادًا لدخول قطاع غزة بعد أشهرٍ طويلة قضوها في محافظة شمال سيناء التي حضروا إليها لتلقي العلاج بعد اندلاع حرب السابع من أكتوبر.
تحولت رحلة السفر التي يُفترض ألا تستغرق أكثر من ساعات معدودة إلى جحيم من الانتظار الطويل والخوف، بعدما سُمح لـ12 شخصًا فقط بالعبور إلى الجانب الآخر من معبر رفح، ليجدوا الجيش الإسرائيلي في استقبالهم بقيود حديدية للأيادي وأقنعة لتغطية أعينهم. أما الـ30 الآخرين فقد قضوا ليلتهم داخل الصالة المصرية، ولم ينتقلوا إلى الجانب الآخر حتى هذه اللحظة.
أمس، الإثنين، كان اليوم الأول لتشغيل معبر رفح البري بعد أكثر من عامٍ ونصف من الإغلاق المستمر عقب احتلال الجيش الإسرائيلي لمدينة رفح الفلسطينية، تحولت فيها صالة المعبر إلى نقطة ارتكاز عسكرية. تابع الفلسطينيون الأخبار المتداولة عن فتح المعبر بفرح مشوب بالقلق والخوف، فبينما ينتظر الآلاف داخل غزة للخروج سواء للعلاج أو لقاء الأقارب أو إكمال سنوات الدراسة، يتشوق آخرون في الخارج إلى العودة لمدنهم.
لكن المشاهد التي نشرها الجيش الإسرائيلي لنقاط التفتيش التي أقامها تحت مسمى «ممر ريجافيم» على بعد كيلومترات معدودة من المعبر بهدف فحص كل من يدخل ويخرج من القطاع أحبطت حالة التفاؤل لدى جميع الفلسطينيين. بعضهم شبهها على شبكات التواصل الاجتماعي ببوابة السجون.
تحدث «مدى مصر» إلى ثلاث سيدات ممن عبرن إلى غزة، وقريب لأحد المنتظرين في الصالة المصرية، إلى جانب مصادر من الهلال الأحمر المصري والفلسطيني والمسؤول الإعلامي لمكتب الاتحاد الأوروبي بالقدس لفهم أجواء اليوم الأول من افتتاح المعبر. بحسب الشهادات والمصادر المختلفة، فإن ما حدث لا يتجاوز كونه افتتاحًا رمزيًا لم يسفر سوى عن عودة عدد قليل من الأشخاص إلى غزة.
الجيش الإسرائيلي أعلن أمس أن نقطة «ريجافيم» ستشهد عملية تحقق من هويات الفلسطينيين المغادرين، عبر غرف تحكم خارج المعبر، مزودة بأجهزة تعرف على الوجوه تقارنها بقائمة الأسماء. عند المطابقة تُفتح البوابة للعبور، فيما سيتولى أفراد السلطة الفلسطينية وبعثة الاتحاد الأوروبي المتمركزين عند المعبر تفتيش المغادرين من القطاع. وبالمقابل، سيخضع القادمون إلى غزة لعملية تفتيش أمنية داخل النقطة.
هذا التفتيش للداخلين إلى القطاع كان عملية استمرت ساعات من الإذلال والمهانة. من بين المسافرات إلى غزة، صباح الرقب، التي أنهت أوراق الدخول في الصالة المصرية، واستقلت حافلة من بين ست حافلات حملت جميع المسافرين من الصالة المصرية إلى نظيرتها الفلسطينية.
يخضع المسافرون للتفتيش في الصالة الفلسطينية. تقول الرقب لـ«مدى مصر» إنه جرى تفتيشها بشكل دقيق داخل الجانب الفلسطيني من المعبر قبل أن يتم إرجاع خمس حافلات إلى الجانب المصري، والسماح لحافلة واحدة بدخول غزة عقب ختم الأوراق، والتي حملتهم إلى خارج المعبر.
بحسب لمياء أربيّع، فإن أفراد بعثة الاتحاد الأوروبي الموجودة في الصالة الفلسطينية من المعبر فتشوا جميع السيدات والأطفال بشكل دقيق، وصادروا كل شيء «أدوية وعطور وكريمات حتى زجاجة الماء قاموا بمصادرتها بدعوى حظر دخول السوائل».
من جانبه، نفى مسؤول الإعلام في مكتب الاتحاد الأوروبي بالقدس، شادي عثمان، ضلوع بعثة الاتحاد الأوربي داخل المعبر في أي دور لتسليم الفلسطينيين القادمين إلى غزة للجيش الإسرائيلي داخل نقطة التفتيش، مؤكدًا لـ«مدى مصر» أن عمل البعثة ينحصر فقط داخل معبر رفح لمراقبة وصول المسافرين إلى المعبر وخروجهم منه، موضحًا أن الهدف الأساسي من وجودهم هو مراقبة تنفيذ اتفاقية المعابر الموقعة بين السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية عام 2005.
كما شدد أنهم ليس لهم أي دور تنفيذي في عمل المعبر ولا بملف كشوفات المسافرين المتبادلة بين الجانبين المصري والإسرائيلي.
بعد مغادرة المعبر، وفي الطريق، جرى توقيف المسافرين من قبل مسلحين سلموهم إلى نقطة التفتيش الإسرائيلية، ليبدأ فصل طويل من الإهانة والإذلال، بحسب تعبيرها.
بمجرد الوصول، قام الجنود الإسرائيليون «بمصادرة كل أغراضنا الشخصية حتى الطعام ولعب الأطفال، ومن ثم تقييد أيدينا وتغطية أعيننا وبدأوا في التحقيق معنا والتهديد بالاعتقال»، تقول الرقب، لافتة إلى أن جنود الاحتلال هددوها بالتعذيب أمام طفلها، قبل أن يُسمحوا لهما بالمرور بعد ساعات، لكن دون أي مقتنيات شخصية.
في نفس الحافلة، كانت توجد لمياء أربيّع برفقة طفليها. تقول لـ«مدى مصر» إنه بمجرد وصول الحافلة عند محور «موراج» بين رفح وخان يونس، ظهرت مجموعة فلسطينية مسلحة عرفت نفسها بأنها «منظمة مكافحة الإرهاب»، وهي المجموعة المسلحة التي كان يقودها ياسر أبو شباب قبل مقتله في ديسمبر، والتي تعمل بالتنسيق مع إسرائيل حتى الآن، حيث «قاموا بتفتيشنا وأخذوا بطاقاتنا الشخصية وأوراق السفر والهواتف التي كانت بحوزتنا وسلموها لجنود الاحتلال».
بعدها، بحسب أربيّع، سلمهم المسلحون إلى الجيش الإسرائيلي، الذي أخضع الجميع إلى لتحقيقات استمرت ساعات طويلة، فيما احتجز ثلاث سيدات لأكثر من ساعتين لاحقًا.
موقع «تايمز أوف إسرائيل» ذكر اليوم أن الفلسطينيين العائدين إلى غزة عبر مصر سوف يمرون أولًا عبر معبر رفح، الذي يديره فريق من ممثلي السلطة الفلسطينية ومراقبين من الاتحاد الأوروبي، ثم يتوجهون إلى نقطة التفتيش الإسرائيلية التي تقع على بعد خمسة كيلومترات شمال شرق المعبر على طريق صلاح الدين، وذلك للخضوع لفحص أمني حتى يتسنى لهم السماح بالدخول إلى المناطق التي تُسيطر عليها حركة حماس.
في شهادتها لما جرى معها عقب الخروج من الصالة الفلسطينية، تقول أم عبدالله لقناة «الغد»: «أخدونا في باص ومن الأمام والخلف سيارات عسكرية وتوجهنا تجاه منطقة 'أبو شباب'»، حيث قام شابان وفتاة بتسليمها إلى جنود الاحتلال، والذين بدورهم وضعوا عصابة على عينها وقيدوا يديها. بحسب شهادتها، خضعت أم عبد الله إلى تحقيق استمر نحو ثلاث ساعات، تضمن سؤالًا وتعليقًا من المحقق «ليش جاية على غزة؟ ليش بدكيش تروحي من غزة؟ هي غزة فيها حياة؟ لازم تقولوا لحماس لا تتخذ الأهالي دروع بشرية».
بعد انتهاء التحقيق، خرجت أم عبدالله من الحاجز الإسرائيلي دون أي شيء سوى الملابس التي ترتديها، وفقًا لروايتها.
على ما يبدو، فإن المعاناة التي تعرض لها الفلسطينيون العائدون إلى غزة تمثل استراتيجية إسرائيلية متعمدة لجعل العودة أصعب كثيرًا من المغادرة، وهو ما توقعته مصادر مختلفة نقل عنها «مدى مصر» الأسبوع الماضي.
«من أصل نحو 150 ألفًا نزحوا من غزة إلى مصر […] نحو 30 ألفًا سجلوا للعودة، لكن الجانب الإسرائيلي يضع شروطًا» لمنع هذا العدد من الرجوع إلى القطاع، بحسب مصدر من حركة «فتح».
موقع «العربية» نقل عن هيئة البث الإسرائيلية الأسبوع الماضي أن «إسرائيل تريد أن يكون عدد المغادرين أكبر من عدد الداخلين، لكن المصريين يصرون على نسبة متساوية، ويخشون من محاولة هادئة لتشجيع الهجرة من غزة».
وحتى فتح المعبر أمس، وبدء حركة السفر المحدودة، لم تُعلن أي جهة بشكل رسمي أعداد المسافرين المتفق عليها يوميًا، فيما جرى تداول تقارير نقلًا عن مصادر إسرائيلية أن الاتفاق بين القاهرة وتل أبيب يقضي بخروج 150 فلسطينيًا من غزة مقابل دخول 50 كل يوم.
غموض آلية السفر وأعداد المسافرين أسفر عن تضارب في ذكر أعداد المسافرين خاصة في وسائل الإعلام المصرية.
عند الساعة الثامنة من صباح أمس، أعلنت قناة «إكسترا نيوز» المصرية وصول الدفعة الأولى من المسافرين الفلسطينيين من مصر إلى معبر رفح مع نشر مشاهد لأطقم الهلال الأحمر المصري تستقبل المسافرين وتقدم لهم الورود قبل الدخول للصالة المصرية، دون ذكر أي تفاصيل عن عددهم.
لكن المسؤولين ووسائل الإعلام المصرية لم يتفقوا على العدد الكلي للمغادرين. خلال زيارة للمعبر مساء أمس، قال محافظ شمال سيناء، اللواء خالد مجاور، إن المعبر استقبل 50 مريضًا يرافقهم 84 شخصًا من داخل القطاع في طريقهم إلى مصر، كما أن المرحلة الحالية تنص على استقبال 50 حالة يوميًا من المصابين وذوي الأمراض المزمنة.
من جانبها، نقلت قناة «إكسترا نيوز» عن مصدرٍ خاص أن 50 فلسطينيًا غادروا أمس من مصر إلى القطاع، مشيرًا إلى أنه نفس العدد الذي ستستقبله مصر من المسافرين من غزة. أما «القاهرة الإخبارية» نقلت عن مصدرها أن المعبر شهد عبور مئة شخص بواقع 50 من كل تجاه في أول أيام تشغيله.
من جانبها، أعلنت وزارة الداخلية في غزة أن أعداد المغادرين إلى مصر لم تتجاوز ثمانية فلسطينيين من المرضى ومرافقيهم.
وأوضح المتحدث باسم الهلال الأحمر الفلسطيني، رائد النمس، اليوم، في تصريحات لـ«مدى مصر» أن أعداد المغادرين من قطاع غزة لم تتجاوز 16 مريضًا فقط سمح لهم الاحتلال من بين قائمة تضم 45، وجرى نقلهم صباح اليوم إلى معبر رفح.
وبينما لا يزال الغموض يكتنف طريق العودة من مصر إلى القطاع، اكتفت «إكسترا نيوز» بالإعلان عن «وصول الدفعة الثانية من العائدين الفلسطينيين إلى معبر رفح» دون تحديد العدد، فيما قال مصدر من الهلال الأحمر المصري إن 17 فلسطينيًا فقط وصلوا اليوم من مدينة العريش إلى المعبر، لينضموا إلى 30 فلسطينيًا يبيتون في الصالة المصرية منذ أمس.
إحدى هؤلاء أم برفقة أطفالها الثلاثة، والذين لا يزالون على الجانب المصري من المعبر منذ أكثر من 30 ساعة، بعد أن عادت إليه من الصالة الفلسطينية بعد عملية تفتيش جرى خلالها مصادرة أغلب مقتنياتهم من هواتف محمولة وأجهزة كهربائية إلى جانب متعلقات شخصية وسجائر، ولم يسمح لهم سوى بالاحتفاظ بهاتف محمول واحد، بحسب ما قاله شقيقها، والذي يتحفظ «مدى مصر» على نشر اسمه حماية لشقيقته وأطفالها، لافتًا إلى أنها دخلت مصر قبل عام لعلاج طفلتها من مرضٍ في القلب.
حركة حماس بدورها وصفت ما تعرض له العائدين إلى قطاع غزة عبر معبر رفح من قبل الاحتلال بـ«السلوك الفاشي والإرهاب المنظم المندرج في سياق سياسات العقاب الجماعي». وأضافت الحركة، في بيانٍ اليوم، أن الشهادات الميدانية أظهرت تعرض النساء المسافرات إلى «تعصيبُ الأعين، وإخضاعُهنّ لتحقيقاتٍ طويلةٍ بأسئلةٍ لا علاقة لهنّ بها، وتهديدُ بعضهنّ بأطفالهنّ، ومحاولاتُ الابتزاز لإجبار إحداهنّ على التعاون».
وطالبت «حماس» الوسطاء والدول الضامنة لاتفاق وقف إطلاق النار بالتحرك الفوري لوقف هذه «الممارسات الفاشية»، وإلزام الاحتلال بفتح معبر رفح بشكل طبيعي دون قيود، وضمان حرية وسلامة المسافرين دخولًا وخروجًا، وفقًا لما نصّ عليه الاتفاق.
من جانبها، شددت حركة فتح على مواصلة الاحتلال الإسرائيلي «سياسة المماطلة وفرض الشروط التعجيزية فيما يتعلق بآليات العمل على معبر رفح» بحسب تصريحات لمتحدث الحركة، منذر الحايك، واصفًا وضع المعبر حاليًا أنه تحول إلى «ممر» ضيق ومذل للخروج من سجن قطاع غزة الكبير، كما أشار إلى أن السيطرة الإسرائيلية على المعابر تهدف إلى إحكام الحصار وخلق بيئة طاردة للسكان لدفعهم نحو التهجير القسري.
أما اللجنة الوطنية لإدارة غزة المشكلة حديثًا، والتي لا يزال أعضائها في القاهرة، اكتفت ببيانٍ أمس عقب الإعلان عن افتتاح المعبر أكدت فيه أن «تشغيل المعبر يضمن حركة عبور منظمة وآمنة، مع الالتزام بأعلى معايير السلامة والأمن والنظام وصون كرامة المواطنين من القادمين والمغادرين».
«الأمن والسلامة والكرامة» لم يتحقق منها شيء مع هدى أبو عابد، السيدة الخمسينية التي عبرت أمس إلى غزة بعدما صادر الاحتلال ما تحمله من أدوية لعلاج السكر والضغط المصابة بهما، والتي اعتبرت «ممارسات الاحتلال أنها رسالة لأهل غزة في الخارج بأن لا يعودوا ولكن نقول لهم سنعود إلى غزة مهما فعلتم».
أما زياد صيدم، الفلسطيني المقيم في القاهرة والتي وصلها بعد السابع من أكتوبر، تراجع عن فكرة العودة إلى غزة، بعدما شاهد ما مر به العائدون إلى غزة من إذلال ومهانة ومخاطرة. بحسب تعبيره، «بعد ما شاهدنا من الذل والبهدلة للعائدين قررت عدم العودة حتى نحافظ على كرامتنا».
تقارير ذات صلة
كيف اعترفت إسرائيل بصوماليلاند دولة مستقلة؟
تعود الاتصالات بين مسؤولين إسرائيليين وآخرين من صوماليلاند إلى ما لا يقل عن أربع سنوات
«ضاق المخيم»: اللاجئون الفلسطينيون في لبنان بين الحرب والحصار
بينما يتصاعد عدوان الاحتلال يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان خطر الحرب والنزوح في بيئة معقدة
«صحاب الأرض» و«أرض محرمة».. قراءة مقارنة
كلا العملين مقدم للعالم وليس مجرد استهداف محلي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن