تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
معرض رنا النمر الأخير: حديقة هي مكتبة.. ومدارات من صور وأقمار

معرض رنا النمر الأخير: حديقة هي مكتبة.. ومدارات من صور وأقمار

كتابة: إيمان إبراهيم 7 دقيقة قراءة

تحوت إله القمر، وقرينته الأنثى ماعت إلهة العدل. يُسيّر تحوت مدارات القمر فيخلق نظامًا زمنيًا لحساب وعدّ الأيام. نسترشد، حتى اليوم، بتقويم القمر كطقس روحاني نتحاور فيه مباشرة مع الطبيعة. تزيّن رأس ماعت ريشة الحقيقة، بحكمتها، تزِن القلب في مقابل هذه الريشة، فتقرر سلامته من عطبه. يدها ممسكة بمفتاح الحياة الدنيا، تتحكم بعدالة في مسارات الحياة الأخرى.  

بحميمية، يقترن تحوت وماعت في الوظائف والمهام، في الحفاظ على النظام الكوني وضمان سريانه. أصلٌ وأصل، لكل منهما وجود مستقل في ذاته. يتحقق تماثل تحوت وماعت عند إقرار كل منهما بفردانية الآخر.

في معرضها الأخير «انجرامات على تقويم قمري»، نرتحل مع رنا النمر عبر الزمان والمكان، لنبحث في الأصل والريادة والنسخ والترديد ومسائل أخرى فلسفية، نُحقق ونتأمل في جماليات معاصرة. 

مجموعة من سبع صور مطبوعة بتقنية الحفر على الزنك. في الخلفية، مكعب شهب الرباعيات وأمامه رف خشبي عليه خمس طبعات للواجهات الخمس للمكعب، كل واجهة تعبر عن شكل من أشكال شبكات التواصل والاتصال.
شهب الرباعيات، هو مكعب مثبت على عامود دوار. لكل واجهة من واجهاته الخمس، باستثناء الواجهة المثبتة على العامود، حُفرت موتيفة أو شكل يعبر عن شبكة للتفاعل والاتصال.

ولدت رنا، في منتصف السبعينيات، بمدينة هانوفر الألمانية، لأم وأب مصريين. انشغلت الأسرة الصغيرة بالدراسة الجادة والعمل أثناء استمتاع رنا بطفولة مميزة. بعد فترة بدت كافية للتأثر بمحاسن الثقافة الأوروبية، عادت رنا الي العاصمة الصاخبة، والتحقت بإحدى المدارس الألمانية في القاهرة. ظرفٌ استثنائي يُفسر أسباب استعادتها لسرديات أدبية وبصرية من تاريخ ألمانيا في الفن والعمارة، في هذا المعرض. داخل أحد أقدم صروح المراكز الثقافية الأجنبية في مصر (أقيم المعرض في معهد جوتة من منتصف فبراير حتى نهاية أبريل الماضي)، تتأرجح الأعمال متأثرة بأزمنة سالفة، وتستحضر أحداث وشخصيات بعينها، وتقحم معهم المُعاصر في سياق نقدي. 

***

في قفزة زمنية للوراء، تتلاقى، تحت مظلة جمالية واحدة، علاقات الصداقة والأبوة مع ظرف الحرب وأثره النفسي الرهيب. جايجر الأب والابن، فنانان ألمانيان، احترفا الرسم وناهضا الحرب. استُدعي جايجر الابن، الرسام التجريدي والمعماري عام 1940، ولكن بوساطة من والده أُسندت له مهام غير قتالية، فسجل سنوات الحرب الضارية بالرسم والخواطر اليومية. عُرف بلوحاته نقية الشكل والموضوع، إذ عكف على دراسة اللون وعلاقته بالأشكال الهندسية البسيطة. كان أحد مؤسسي جماعة «Zen 49» الألمانية، التي اعتبرت تاريخيًا موجة لفنون ما بعد الحرب. 

تشتبك رنا، مع جايجر الابن، عند فترة محددة قضاها في دراسة اللون الأحمر. ففي العمل «سمكة»، وهو تجهيز بالفيديو والصور، أرجعت اهتمامه الحصري باللون الأحمر بما صاغته في نصها بـ«أطياف الغيوم الحمراء فوق ساحات القتال». ترى رنا ساحة المعركة في تصوّر جايجر ككتلة من أجساد الجنود المتلاحمة، غائمة ومصبوغة بدرجات ضبابية حمراء. تشتعل مع احتدام القتال ويرتفع لهيبها إلى السماء. ولما كان جايجر حاضرًا في هذا المشهد، تتبعت رنا تصوراته ومثلتها بـ«البذور» و«الأجنة» التي، بصورة ما، تمتلك قدرات خارقة تمكنها من العبور بين الأبنية والجدران. 

كثير من الأبواب المفتوحة والمغلقة، بعضها ملموس والبعض الآخر مُسقط بفعل ضوء الشمس أو .البروجكتور وظلالهما. في مساحة المعرض نقف في حيز أعمال ونرى من خلال الأبواب أعمالًا أخرى
فيديو فيش أو سمكة

وكما تحاورت رنا مع جايجر في العمل السابق، حاكت إحدى «ضُرف» دولاب خشبي استخدمه الألماني إدجار إنده كسطح للوحاته. في عملها «العيد ميلاد العاشر» باستخدام الصورة المطبوعة. ثبتتها على لوح خشبي وأسندته مائلًا في إحدى زوايا غرف المعرض. المثير في هذا العمل أن لوحات إنده، هي تصورات مزجت نقيضين. مشاعر العجز والخوف والترقب التي عاشها محاصر في بيته خلال سنوات ما بين الحربين العالميتين، وطمأنينة الطبيعة المسالمة في مناظر الرسام الألماني الشهير، دانييل تشودويكي. أعاد تقديم العمل أربع لوحات لإنده، هي نفس اللوحات التي أهداها لابنه عندما أتم عشر سنوات.

لقطة لجزء من الحجرة الكبيرة بالمعرض، يظهر فيها على اليمين فيديو «مكتبة الألعاب النارية» في شاشة مثبتة على منضدة خشبية هي جزء من أثاث المعرض الذي تم اختياره بعناية. على اليسار عمل «العيد ميلاد العاشر»، وهو عبارة عن صورة لباب دولاب مثبت على لوح خشبي كبير، مسنود على الباب المغلق بين حجرتي المعرض.

عمل رنا هنا فكري خالص، تمثل في اقتفاء أثر ذاكرة كل هؤلاء، وأعاد تقديم ترابطهم التاريخي في سياق معاصر. تجتاز مشاعر التضييق والظلم التي عاشها إنده حدود الزمن، فتسكُن في جسم العمل الجديد، متناغمة مع صوت رنا، يرددا سويًا نداءات الحرية.

***

«أحيانا بيبات الكتاب مفتوح خلال الليل، فيسمح بكدا لمضمون صفحاته لانتقاله لناس تانية ممكن يكونوا أصحاب أو أغراب، معندهمش منفذ للكتب». مقطع من فيديو بعنوان «مكتبة الألعاب النارية»، رنا النمر، 2022.

***

صوت رنا يأتي من العمل المعنون بـ«مكتبة الألعاب النارية». هنا، نصعد بجانب رنا على متن واحدة من رحلاتها. تتوقف عند تجهيز نفذته عام 2014 بعنوان «أصبح معروفًا أن كينج مريوط فيها مكتبة»، ومعها أدوات ومعارف جديدة. العمل الجديد، وهو فيديو مدته عشر دقائق، يعيد إحياء محادثة أرشيفية من العمل القديم، تداخل فيها وصف الكتب والشجر مع وصف أطوار تشييد البيت الذي احتضنهم. نستمع لحديث أستاذ الاقتصاد السياسي، محمد دويدار، تتقاطع معه بصريًا لقطات نابضة بالحياة، تزهو بألوان جسد البيت وحديقته وأرفف مكتبة مكتظة. تظهر لقطة ليد ممسكة بكتاب في تجسيد لفعل القراءة، وتعيد الظهور مرة أخرى كرسم يتداخل مع صور ضوئية في إيقاعات ملونة. 

لقطة ثابتة من فيديو «مكتبة الألعاب النارية»

تشتبك رنا مع الرسم والصورة والتصورات المتعددة للأرشيف في هذا العمل بإلقاء تركيبات شعرية وهمهمات، فتصيغ في جمل متناثرة، خلال بضع دقائق من العرض، حساسيتها الفنية نحو النبات والجماد، مما أثاره، ما هو خارج وداخل حدود البيت، في روحها. 

***

 «كان همي وأنا بعمل الجنينة، ميبقاش بس الدور الأول له جنينة، الدور التاني كمان يكون له جنينة، عن طريق ترك الأشجار ترتفع. جنينة من نوع خاص، لأن الأشجار فوق بيكون فيها زهور أكثر من تحت». مقطع من فيديو «مكتبة الألعاب النارية»، رنا النمر، 2022.

***

يتصل العمل السابق بالعمل الافتتاحي للمعرض وعنوانه «المكتبة العمودية لخيال الظل»، عند نقطة محورية متمثلة في شجرة «الفاير ستيكس» (صبار أم اللبن)، والتي ظهرت تتمايل في لقطات طبيعية على شاشة العرض في «مكتبة الأعمال النارية». تمثلت ظلال أغصانها الطويلة وأوراقها الشريطية في هذا العمل باستخدام كولاج قصاصات الورق. تنمو هذه الشجرة عموديًا في الطبيعة، وكذلك داخل عمل رنا. بوجودها في العملين الأول والأخير، يُغلق المسار الأفقي لتجول الزائر في مساحة العرض، وتتحدد إحداثية غرضها داخل الخريطة الذهنية للأعمال. 

تفاصيل من عمل «مكتبة الظل العامودية» في الحجرة الصغيرة بمساحة المعرض. في الخلفية جزء من ستارة مطبوعة بتقنية السيانوتايب التي استخدمت ضوء الشمس وشجرة الفايرستيكس لطباعتها. في المقدمة أطراف للبوسترات المنسوخة من كولاج المكتبة العامودية، مبرومة ومتاحة للجمهور حيث يمكن للمهتمين أن يأخذوا نسخة مجانية.

«الخواطر المحبوسة» و«الكلمات المقيدة»، هي موصوفات ومقاربات رنا في نص «المكتبة العمودية لخيال الظل» عن معالجتها الفنية لجماليات هذه الشجرة. تعتقد رنا في دور عمليّة النسخ على تحرير المضامين والأفكار. سُمح للزوار أن يأخذوا نسخة فوتوكوبي ملونة ومعدة سلفًا من العمل، حيث جمع في تركيب خشبي يشبه الصندوق عددًا من النسخ ملفوفة طوليًا وجاهزة للحمل والتنقل. تُربك رنا الزائر بهذا التفاعل المباشر وتداعب توقعاته، وتثير الموضع المحتمل لاجتياز هالة ممنوع اللمس التقليدية لصالات العرض الفني. قد تدعو أيضًا من خلال هذا التفاعل لتناقل الخواطر المحبوسة والكلمات المقيدة.

 في فصل الخريف، تنمو في نهايات أغصان شجرة الفاير ستيكس عناقيد من الأزهار الصفراء الصغيرة جدًا. تُصبَغ الأغصان الخضراء الطويلة عند اشتعالها بدرجات صفراء وبرتقالية مائلة للأحمرار. فتتماثل جماليًا مع شرارات الإضاءة متعددة الألوان عند إطلاق الألعاب النارية.

جاء معرض رنا، صحبة قراءات ومناقشات وورشة عمل، عملت على خلق مناخ استثنائي بين عروض الفن المعاصر في مدينة القاهرة. شارك في ورشة الحفر على الخشب والطباعة منه عدد فاق توقع ميسروها من المهتمين المبتدئين، والمحترفين الذين أشادوا بإضافات جديدة لخبراتهم السابقة، بجانب الاستمتاع بتجربة حسية وتفاعلية،  استمرت يومًا رمضانيًا كاملًا انتهى مع ساعة الإفطار. أحببت التسكع حول طاولات العمل، وتأملت تجارب المشاركات والمشاركين الحية والمباشرة في مواجهة الخامة (الخشب).

«قراءات البستان» من تحضير رنا النمر ولينا عطالله ونور الصافوري، جزء من برنامج الفعاليات المصاحبة لمعرض «انجرامات على تقويم قمري».

***

ترسم رنا مسارًا ذهنيًا كالخريطة للتجول داخل المعرض عبر نصوص أعماله الثمانية. كسيّر ذاتية، كشفت النصوص عن تاريخ كل عمل وسياق تنفيذه، وموقعه مما يحيطه أثناء العرض، وكذلك موقعه داخل ممارسة رنا الفنية.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#فن بصري

هكذا نتخيل المدينة في «بساريا»

رُحنا وشُفنا معرض «العقل كمدينة» الذي ينظمه جاليري بساريا للفنون، ويقدّم أعمال ستة فنانين اجتمعوا في برنامج إقامة الجاليري الفنية لستة أسابيع من إدارة القيّمة الفنية فريدة يوسف.  العقل كمدينة…

هاني المصطفى 2 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن