معاداة السامية: نهج صهيوني يعيد إنتاج نفسه عبر قرن وأكثر – حوار مع خلدون البرغوثي
ننشر هذا النص ضمن فترة التدريب والدراسة الخاصة بـ«الأكاديمية البديلة للصحافة العربية»، حيث نعمل عن قرب مع كُتّاب وكاتبات من المنطقة في تطوير مهاراتهم الصحفية. الأكاديمية هي برنامج زمالة مُكثف مدته عام، يشجع على الإبداع والتفكير النقدي في الصحافة وتشرف عليه «فبراير»: شبكة وسائل الإعلام التقدمية المستقلة الرائدة في الشرق الأوسط: مدى مصر | الجمهورية | معازف | ميغافون | صوت. على مدار عامٍ كاملٍ من القراءة والنقاش والممارسة والعمل في هذه المؤسسات الصحفية، تحاول الأكاديمية تجريب واختبار مساحات جديدة وخلّاقة للسرد والتعبير، والاشتباك مع الكثير من المسلمات في سياقنا العربي، والتدرب على نهج مختلف في طرح الأسئلة والاستقصاء والبحث، ومناقشة علاقة الصحافة بالتاريخ والمكان والتراكمات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.

شهدت السنوات الأخيرة تصاعدًا في تعميم اتهامات معاداة السامية وربطها بمعاداة إسرائيل، حتى باتت سيفًا مسلطًا على رقاب المنتقدين لدولة إسرائيل وسياساتها. نسعى في هذه المقابلة مع الصحفي والباحث في معاداة السامية، خلدون البرغوثي، لتفكيك هذا المصطلح تاريخيًا وعمليًا، بدءًا من السياق الذي ظهر فيه لأول مرة كمفهوم يناهض معاداة اليهود لأنهم يهود، مرورًا بالمراحل التي شهدت توظيف معاداة السامية لخدمة المشروع الصهيوني، انتهاءً بتحول المفهوم لتهمة تلاحق النشطاء الذين ينتقدون إسرائيل بمعزل عن معناه الأول.
قدم البرغوثي رسالة ماجستير عام 2014 بعنوان «استخدام مناهضة السامية كتهمة لمنع انتقاد ممارسات إسرائيل بحق الفلسطينيين 2000-2013»، ويشرف الآن على الانتهاء من كتابه الأول حول معاداة السامية، ليرصد أبرز ما حدث منذ قدم رسالة الماجيستير حتى وقتنا الحالي، له دراسات عديدة أبرزها: التعريف العملي لمناهضة السامية، كاتم صوت منتقدي إسرائيل – 2020، كما قدم استعراض لكتاب «علاقات إسرائيل الدولية: السياقات والأدوات، الاختراقات والإخفاقات».
إلى نص الحوار.
ريهام المقادمة: باتت معاداة السامية هي الكلمة الأكثر انتشارًا مؤخرًا عند التطرق للفلسطينيين ومعاناتهم، وأصبح هناك منهج يستحضر تعبير معاداة السامية أمام كل متضامن، أو ناقد لإسرائيل. حدثنا في البداية عن الكلمة ومتى ظهرت لأول مرة؟
خلدون البرغوثي: في البداية ظهر مصطلح معاداة السامية في السياق العنصري ضد اليهود في أوروبا. الذي أطلق مصطلح Antisemitism أو معاداة السامية في الترجمة العربية هو ويليام (فيلهلم) مار، الأب الروحي لفكرة النازية، وهو صحفي، ويعتبر أول من استخدم مصطلح «مناهضة السامية»، وذلك بدوافع معادية لليهود. فكان يرى أن الثقافة الألمانية والدولة والكنيستين الكاثوليكية والبروتستانتية، كلها خضعت أمام «المحكمة» اليهودية، أي الصحافة اليومية غير الموقرة [التي يسيطر عليها اليهود]، حسب وصفه. كما أنه كان يعرض الساميين، الذين حصرهم في يهود أوروبا فقط، ليس فقط باعتبارهم «عرق» منبوذ، بل خطير ودخيل. صك مار مصطلح «مناهضة السامية» للتعبير عن موقفه العرقي-العنصري تجاه اليهود، كما أنه أنشأ رابطة المناهضين للسامية في برلين عام 1879 لمكافحة الخطر الذي كان يتصور أنهم يشكلونه.
لاحقًا، تم تعميم التعريف واستخدامه لصالح اليهود، وما عانوه من عنصرية في أوروبا وصولًا للهولوكوست. حديثًا بدأت تظهر استخدامات جديدة له. التعريف الذي سبق كلمة معاداة السامية كان Judenhass بمعنى كراهية اليهود، لكن لأسباب تنأى عن استهداف اليهود فقط، وإبعاد كلمة يهود، لجأ إلى استخدام معاداة السامية من باب أن اليهود هم الوحيدون في أوروبا من ذوي الأصول السامية، ودرج هذا التعريف وما زال مستخدمًا حتى الآن منذ عام 1879.
ر.م: بالعودة لظهور المصطلح للتعبير عن حالة الكراهية والعنصرية التي تعرض لها اليهود في أوروبا، ما هي الأسباب التي أدت إلى هذه النتيجة، ما الذي أسس لكل هذه الكراهية التي أنتجت مصطلح معاداة السامية لاحقًا؟
خ.ب: هناك عدة تفسيرات، لكن أهم تفسيرين صدرا عن فيلسوفين يهوديين، حنة أرندت وجان بول سارتر، حيث ذهبت أرندت إلى اعتبار الاضطهاد الذي عاناه اليهود في أوروبا ناتج عن دورهم المالي والاقتصادي في أوروبا الإقطاعية، حيث كانوا هم المسؤولون عن الأموال، وهم الذين أسسوا البنوك، وكانوا الوسيط بين الطبقة الإقطاعية البرجوازية وبين الفلاحين الذين يُستغلون في خدمة البرجوازية. هذا الدور جعلهم منبوذين من خلال طرح أرندت. ومع تتابع الأحداث من الثورة الفرنسية إلى الثورة الصناعية، والتوجه إلى نظام اقتصادي مختلف عن النظام الإقطاعي، قلت أهمية دور اليهود المالية، وبعد أن كانوا مجموعة لها نفوذ وثرية، باتوا دون أي فائدة للأوروبيين، مثلهم مثل الطبقة الأرستقراطية الإقطاعية في فرنسا التي وصل بها الحال إلى المقصلة وقطع الرؤوس للتخلص منها. اليهود مصيرهم كان مشابهًا. تقول أرندت أنه لو كانت هناك طبقة غير اليهود تقوم بنفس الدور المالي الذي قام به اليهود في فترة الإقطاع للاقت المصير نفسه، فاليهودي لم يُستهدف كونه يهودي من وجهة نظر أرندت، بل استُهدف بسبب دوره في المجتمع الأوروبي ككل.
جان بول سارتر ذهب إلى اتجاه آخر، فيقول إن كراهية اليهود متأصلة في النفس البشرية من ناحية نفسية. البشر من غير اليهود يكرهون اليهود لشكلهم، لهيئتهم، لسلوكهم، وهذا الأمر بالنسبة لسارتر وراثي، حيث يتناقل جين كراهية اليهود من جيل لجيل، لكل من هو غير يهودي. يقول سارتر «عندما يثق بك يصرح أنه يكره اليهودي لأنه يهودي، فقط دون أي اعتبارات أخرى».
بعض التفسيرات الحديثة منها ناتان شارانسكي، وهو مهاجر يهودي من الاتحاد السوفييتي أسس حزب «يسرائيل بعالياه» وكان عضو كنيست ووزير، جمع بين التفسيرين، حيث اعتبر أن الدور المالي مع كراهية اليهود أديا إلى الوضع الذي اضطهدوا فيه في أوروبا بشكل عنيف، وصولًا إلى ذروة أشكال الاضطهاد المتمثلة في الهولوكوست في الحرب العالمية الثانية.
ر.م: في 2013 قدمت أطروحتك حول معاداة السامية من خلال رسالة الماجستير، اليوم بعد مرور أكثر من عشر سنوات على الرسالة، تعمل على كتاب باللغة العربية حول معاداة السامية. ما هي أطروحتك وما الذي جد منذ عشر سنوات للآن؟
خ.ب: تتركز رسالتي وكتابي وجهدي البحثي حول الخلط فيما يخص معاداة السامية كممارسة عنصرية ضد اليهود عرقيًا ودينيًا، وهو الأمر المرفوض في الحقيقة. هناك مقولة مقتبسة عن ديفيد بن جوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، وهي مقولة قبل تأسيس إسرائيل، في عام 1943، حين منعت بريطانيا محاولة الحركة الصهيونية جلب سفينة أسلحة إلى فلسطين. حينها قال «أن تكون مناهضًا للصهيونية يعني أنك مناهضًا للسامية». وهذا كان أول خلط بالنسبة لي، بمعنى أنك إن كنت تعادي الفكرة الصهيونية فأنت عنصري ضد اليهود.
ر.م: هناك عدة مؤسسات أخذت على عاتقها العمل على إصدار تعريفات لمعاداة السامية، حدثنا عن أبرز هذه المؤسسات؟ وكيف بدأ هذا الأمر؟
خ.ب: المرحلة الثانية التي تطور فيها المفهوم كانت بعد حرب 1967 واحتلال الأراضي الفلسطينية. فبعد حرب 67 تم توجيه انتقادات شديدة لإسرائيل لاحتلالها أراضٍ عربية من ضمنها الضفة الغربية وغزة والجولان وسيناء، وتوجيه ضغط عليها للانسحاب. بدأت إسرائيل تبحث عن طريقة لقمع من ينتقدها في هذا السياق. أبرز من كتب عن ذلك نورمان فينكلشتاين في كتابه صناعة الهولوكوست، فأشار إلى أنه بدأ التحول بضرورة استخدام التخويف من هولوكوست جديد قد يحدث لليهود في فلسطين عبر استخدام معاداة السامية وربطها بدولة إسرائيل، وربطها ببقاء اليهود.
بعد الانتفاضة الثانية [سبتمبر 2000] تبلورت من وجهة نظر صهيونية فكرة أننا يجب أن نقمع منتقدي إسرائيل على أساس يربط ذلك بمعاداة السامية، وعلى أساس مؤطر ضمن تعريف، توافقت حينها مجموعة من المنظمات الصهيونية والباحثين في الجامعات الإسرائيلية عليه. من أكبر المنظرين لفكرة تعريف معاداة السامية الجديد البروفيسورة دينا بورات، خبيرة في التاريخ اليهودي الحديث. التعاون كان مع مؤسسة تابعة للاتحاد الأوروبي مقرها في فيينا اسمها المركز الأوروبي لمراقبة العنصرية وكراهية الشعوب الأخرى EUMC (تحولت لاحقًا لوكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية). هذه المنظمة تعاونت مع المنظمات الصهيونية وخرجوا بتعريف سُمي بالتعريف العملي لمعاداة السامية. ورقة التعريف العملي لمعاداة السامية هي ورقة كاملة في مقطعها الأول تحوي التعريف الكلاسيكي، حول مشاعر العداء ضد اليهود على أساس عرقي وديني وغيره، لكن يضاف إليها بنود أخرى للتعريف، وهنا تكمن الإشكالية. المفترض أن الهدف من التعريف هو رصد أن ممارسة معينة هي معاداة للسامية أم لا، لذلك وضعت معايير في تعريف (EUMC) قسمت الممارسات إلى قسمين: قسم يتعلق بمعاداة السامية الكلاسيكية، مثل استخدام الشعارات النازية، إنكار الهولوكوست أو حدوثه، التشكيك في عدد ضحايا الهولوكوست. الجزء الثاني، ربط بشكل مباشر بين ما يمكن أن تقوم به ضد إسرائيل، وبين معاداة السامية، مثلًا اعتبار قيام دولة اسرائيل عنصري.
ر.م: تم حذف الورقة الخاصة بالتعريف العملي لمعاداة السامية من موقع EUMC، ماذا حدث بعد ذلك؟ وما هو الوضع القانوني لهذه الورقة؟ هل من الممكن أن نرى دولًا تعتمد التعريف قانونيًا وتحاكم نشطاء أو ترفع قضايا بحق مؤسسات مدافعة عن الحقوق الفلسطينية؟
خ.ب: عام 2014 أزيل التعريف من موقع (EUMC) وكان هناك احتجاج من إسرائيل ومنظمات صهيونية. عام 2016 جاءت منظمة دولية حكومية، بمعنى أنها شريكة للحكومات في العالم، اسمها الرابطة الدولية لإحياء الهولوكوست (IHRA). هذه المنظمة أخذت التعريف بكامله وأجرت تغييرات شكلية وليست جوهرية. منذ عام 2016 تم اعتماد تعريف (IHRA) بدل تعريف (EUMC)، وتم وضع جهد كبير لتعميمه، وجعل دول تتبناه وتعترف به. المنظمات الصهيونية حتى تنأى بنفسها تقول إن التعريف غير ملزم حتى قانونًا، لكن هناك دفع لإدراجه. هناك قائمة بـ 35 دولة منها الولايات المتحدة، فرنسا، ألمانيا، بريطانيا وغيرها، تبنت التعريف واعترفت به. من المؤكد أن هناك خوف كبير من إدراج هذا التعريف في المنظومة القانونية كما تطالب المنظمات الصهيونية. في فرنسا هناك قانون هو الوحيد في العالم، وهو العنصرية ضد دولة. نسمع عن عنصرية ضد جنس، دين، عرق، لون، لكن عنصرية ضد دولة، لا يوجد إلا في فرنسا، ويطبق على إسرائيل، بمعنى أنك إذا دعوت لمقاطعة إسرائيل تحاكم، وحوكم بعض الناشطين وأدينوا.
ر.م: هناك جهود واضحة برزت مؤخرًا، تؤكد أن هناك اهتمام من قبل إسرائيل في الاستفادة قدر الإمكان من اللعب على وتر معاداة السامية وتعميمه غربيًا. ما هي الخطوات العملية التي تتبعها إسرائيل في هذا الاتجاه؟ وهل هناك خطوات مضادة؟
خ.ب: في الحقيقة هناك جهد صهيوني متواصل، آخره كان في يناير 2020، حيث عقد مؤتمر دولي في القدس للمنتدى الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست، حضره زعماء دول، أبرزهم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، والرئيس الفرنسي، ايمانويل ماكرون، هؤلاء جاءوا إلى القدس للمشاركة في هذا المؤتمر. الرئيس الإسرائيلي السابق حينها، رؤوفين ريفلين، ألقى كلمة الافتتاح ودعا هذه الدول لتبني تعريف (IHRA) لمعاداة السامية وإدراجه في منظومتهم، وبالتالي هناك جهد كبير لتعميم هذا التعريف.
أكاديميًا يوجد نقاش، في المجالات الصهيونية وفي المجالات المضادة لإسرائيل كقوة احتلال. في الولايات المتحدة التي تبنت التعريف، توجد محاولات، فمثلًا في ولاية كاليفورنيا التي أقرت التعريف وتبنته ضمن قانون (HR35) من أجل قمع النشاطات المؤيدة لفلسطين والحقوق الفلسطينية، نص قرار في كونجرس ولاية كاليفورنيا يدعو إلى وقف تمويل جامعة كاليفورنيا من الحكومة الأمريكية، إذا خالفت الجامعة بنود هذا القانون. رئيس جامعة كاليفورنيا في حينها، خبير في الدستور الأمريكي، خاصة في التعديل المتعلق بالحرية في التعبير عن الرأي، قال للكونجرس «لن أتعامل مع هذا القانون ولن أطبقه في الجامعة لأنه مخالف للدستور الأمريكي، ويقمع حرية التعبير». برز أيضًا جدل كبير خاضه البرلمان البريطاني، من خلال حزب العمال ورئيسه المؤيد للحقوق الفلسطينية والمعادي للصهيونية، جيرمي كوربن. اضطر الحزب في ظل الاتهامات الصهيونية له بأنه معادٍ للسامية إلى إجراء تصويت على تبني التعريف وإدراجه كتعريف معتمد لدى الحزب، ونجح الصهيونيون في فرض ذلك. وفي الانتخابات التالية لزعامة الحزب نُحي جيرمي كوربن وجيئ برئيس جديد للحزب يصف نفسه بأنه من مؤيدي إسرائيل.
ر.م: سمعنا مؤخرًا عن فصل صحفيين فلسطينيين وعرب يعملون في منصات إعلامية أوروبية، البعض منهم اتُهم بمعاداة السامية، وهذه أحداث تتكرر من حين لآخر، ولكن كأننا نشهد تصاعدًا في حدة ما يواجهه هؤلاء الصحفيين، كيف ترى ذلك، كصحفي وباحث في معاداة السامية؟
خ.ب: بالمجمل نادرون هم الصحفيون الذين ينتقدون إسرائيل. اليوم، حتى لو كان هناك رجل عمره 100 عام وثبتت علاقته بالحزب النازي ودوره في الهولوكوست، يحاكم ويسجن. الرجوع بالتاريخ للوراء فيما يتعلق بمعاداة السامية نهج. أن يكون هناك صحفي فلسطيني يعمل في مؤسسة أجنبية فهذا أمر مهم بالنسبة لإسرائيل، فهي تخشى من تأثيره على المُخَرج الصحفي، لذلك يُنبش في تاريخه، خاصة إن كان الصحفي ناشط. إذ وجد أي تصريح يفسر ضد إسرائيل، يستغل ويستخدم ضد الصحفيين من أجل القضاء عليهم في هذا المجال. صهيونيًا، هناك مؤسسة أمريكية اسمها CAMERA «كاميرا» أو لجنة رصد التغطية الصحفية المتعلقة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي عالمية، تقريبًا لها فروع في كل دولة، أبرزها في بريطانيا، كل يوم يحدّثون المعلومات، ويرصدون ما يصدر عن وسائل الإعلام والوكالات، ويراسلونها (ويدعون أنهم يصححون معلومات)، حتى إذا وردت مثلًا كلمات مثل المستوطنات غير الشرعية، يردون على الوكالة ويطالبونها بعدم الحديث بهذا المصطلح، حيث أنه مصطلح خاطئ. وكثيرًا ما تنشر الخبر الأصلي للوكالة وكيف أصبحت صياغته بعد تدخل الوكالة وتعديلها المعلومة لصالح إسرائيل. كلها جهود عميقة ومنظمة، وتهدف لقمع كل من ينتقد إسرائيل.
ر.م: اليوم نرى أصواتًا يهودية تؤيد حقوق الفلسطينيين، وفي نفس الوقت ندرك جيدًا أن إسرائيل على مدار سنوات كانت تروج لنفسها بأنها دولة لكل اليهود. حدثنا أكثر عن اليهود الذين تصنفهم إسرائيل بأنهم كارهو أنفسهم؟
خ.ب: إسرائيل قد تكون الدولة الوحيدة التي تحاول أن تجعل هويتها هوية عرقية دينية، هناك دراسة قرأتها تقول إن 59% من يهود بريطانيا قد يقولون عن أنفسهم صهاينة أو غير صهاينة، بمعنى أن النسبة الأخرى ضد الفكرة. هناك من يرفض أن يكون صهيوني، وقد يكون معادي للصهيونية. فكيف تطرح إسرائيل نفسها دولة كل هؤلاء؟ لنذهب مثلًا إلى «ناطوري كارتا».. اليهود المتدينين الذين يرفضون الفكرة الصهيونية كلها، ويعتبرون أنهم يريدون أن يكونوا مواطنين فلسطينيين يهود في دولة فلسطين، ويعتبرون أن قيام دولة إسرائيل من وجهة نظر دينية يهودية كفر، لأنها تعجيل لما يسمى قدر الله، وأن دولة اليهود ستقوم في وقتها.
لكن من الضروري التوضيح أن اليهود المؤيدين للحقوق الفلسطينية داخل المجتمع الإسرائيلي نسبتهم ضئيلة جدًا، وتأثيرهم أيضًا. في الماضي كان هناك بعض الأحزاب أو الحركات مثلًا «السلام الآن»، كتلة السلام كلها ذابت. حتى الأحزاب اليسارية الصهيونية التقليدية، حزب العمل، حركة ميريتس، كلها تذوب وأحيانًا تنجح في انتخابات الكنيست بصعوبة. اليوم 80 عضو كنيست محسوبين على اليمين، بفروعه: اليمين العلماني مثل الليكود، اليمين الحريدي مثل شاس ويهيدوت هدوراه، الحريديم أو المصطلح الجديد حردليم بمعنى الحريدية القومية، بمعنى أنهم على أساس قومي استيطاني، مثل نفتالي بينيت، رئيس وزراء إسرائيل الحالي، وحتى ايتمار بن غفيروهو، ناشط سياسي يميني متطرف.
ر.م: كصحفي فلسطيني مختص في الشأن الإسرائيلي، كيف ترى معاداة السامية كمفهوم في الإعلام الإسرائيلي، وماذا عن الفلسطينيين في الأراضي المحتلة والاتهامات التي يواجهونها على خلفية انتقاد إسرائيل؟
خ.ب: معاداة السامية قضية موجودة ويُخاض فيها، ويكتب عنها مقالات، تحديدًا في جانب الدراسات والأبحاث أكثر من التقارير الصحفية. إسرائيل توجه خطاب معاداة السامية للغرب، لاستمالتهم، ولا توجه هذا الخطاب للعرب، بمن فيهم الفلسطينيون في الأراضي المحتلة. فاتهام الفلسطيني، سواء في الأراضي المحتلة سنة 48 أو 67، يكون إما بالتحريض أو الإرهاب. معركة معاداة السامية في المجمل خارج الحدود. المعركة في فلسطين أقرب ما تكون أمنية عسكرية وجودية. فأن تأتي إسرائيل لتخاطب فلسطيني بأنه معادٍ للسامية، سخرية. وكما قال مهدي حسن «إن لم تكن صهيونيًا فأنت معادٍ للسامية»، ولكن الفلسطيني ضحية الصهيونية يعادي الصهيونية فهل هو بشكل تلقائي معادٍ للسامية؟ معادلة غير صالحة وتبعث على السخرية.
ر.م: تحدثنا عن الجهود الإسرائيلية المنظمة والمكثفة لتمرير فكرة معاداة السامية بعيدًا عن مفهومها الكلاسيكي، وبما يخدم المصلحة الإسرائيلية. ماذا عن الجهود العربية، والفلسطينية تحديدًا، هل هناك مسار ما يتبع لمواجهة كل هذه الهيمنة؟
خ.ب: الاهتمام الفلسطيني والعربي في قضية استخدام معاداة السامية لقمع من ينتقد إسرائيل متأخر جدًا. الاهتمام الإعلامي في الموضوع ربما يكون عمره ثلاث سنوات. الاهتمام الدبلوماسي ضئيل جدًا، وقد يُحصر في مجموعة من الذين يدركون ذلك، مثل السفير الفلسطيني، حسام زملط، الذي يتقن الرد على هذه الادعاءات. الناشطون الفلسطينيون والعرب والمؤيدون للحقوق الفلسطينية من غير العرب والمسلمين في الغرب، يدركون ويعيشون قضية معاداة السامية في من ينتقد إسرائيل، ويخوضون ربما هذه المعركة بشكل يومي. هناك معارك يتم خوضها إعلاميًا وقضائيًا لأن المجال يتيح ذلك. الجهد العربي الغربي المؤيد للحقوق الفلسطينية لم يرقَ للمستوى الصهيوني وعمقه وتنظيمه وقدرته على التأثير. في المجمل، الساحة الغربية لمعركة من يؤيد إسرائيل ويدافع عنها، ومن ينتقد إسرائيل كقوة احتلال ويُتهم بمعاداة السامية، معركة حامية، لكن لا تزال القدرة الصهيونية على التأثير أكبر من القدرة الفلسطينية. الصوت المؤيد للفلسطينيين يتصاعد، لكن التأثير الفعلي لم يرقَ إلى المطلوب حتى الآن.
تقارير ذات صلة
«ضاق المخيم»: اللاجئون الفلسطينيون في لبنان بين الحرب والحصار
بينما يتصاعد عدوان الاحتلال يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان خطر الحرب والنزوح في بيئة معقدة
تحرك الغرب للاعتراف بدولة فلسطينية.. هل لذلك أهمية؟
عبّرت أصوات فلسطينية عديدة عن مشكلات مختلفة في تعهد الاعتراف بالدولة
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن