على ضفة الطوفان
كُتب هذا النص ضمن فترة التدريب والدراسة الخاصة في«الأكاديمية البديلة للصحافة العربية». وهي برنامج زمالة مُكثف مدته عام، يشجع على الإبداع والتفكير النقدي في الصحافة وتشرف عليه شبكة «فبراير».
«حاليًا فش مستقبل»، يقول محمد حجاجلة (22 عامًا) من قرية الولجة في قضاء القدس. مثل من يصرّح بأمر مسلم به، يكمل: «الوضع مش متوقع. بتعرفش شو بده يجي قدام، إحنا بنستنى بالمفاجأت. أنا ما بعرف إذا راح أكمل يومي صح أو لا».
يعيش حجاجلة مع والديّه وأخيه، الذي بدأ للتو دراسته الجامعية، ويعمل في مجال التشطيب الداخلي، وتقطيع (بناء) الشقق بالطوب، بعيدًا عن شهادة الدبلوم الحاصل عليها في التصنيع الغذائي من جامعة فلسطين التقنية «خضوري» في العروب شمالي الخليل. يقول: «صعب الواحد يلاقي شغل هالايام.. هذا الشغل متعب بس فش شغل وفش مصاري. ومع الحرب في عمّال كثير.. إذا مش عاجبك روّح». وهو ليس وحده؛ حيث سجّل التقرير السنوي لمسح القوى العاملة الفلسطينية لعام 2024 ارتفاع نسبة البطالة في الضفة الغربية إلى 31.4%، في حين لا يكسب حجاجلة اليوم سوى ثلث ما كان يحصده قبل حرب الإبادة على غزة.
منذ السابع من أكتوبر 2023، حظر الاحتلال بشكل شبه كامل دخول نحو 115 ألف عامل فلسطيني مسجّل من الضفة الغربية إلى الأراضي المحتلة عام 1948، يُضاف إليهم ما بين 60 و100 ألف عامل غير مسجّل كانوا يعبرون بشكل غير رسمي، وفق الاتحاد العام لعمال فلسطين. بضربة واحدة، جُرِّد نحو 200 ألف عائل من مصدر دخله الرئيسي، وتعمّق تجويف اقتصاد يعاني أصلًا هشاشةً بنيويةً مزمنة، معتمدًا بشكل بالغ على الاحتلال في التجارة والعمالة والبنية التحتية، بحسب تقرير «الاسكوا» 2023 حول السياسات والممارسات الإسرائيلية.
ورغم ذلك، يطمح حجاجلة إلى وظيفة «جيدة» يمكن أن يؤمّن من خلالها مستقبله، أو يفتح مشروعه الخاص. «الشاب يحتاج لخمسة آلاف شيكل شهريًا (1350 دولارًا) ليتمكن من إعالة عائلة صغيرة، إلا أن الرواتب قليلة وهناك غلاء في الأسعار. لا يوجد توازن بين الراتب والمصاريف. لو إحنا محررين ممكن يكون عنا غير أحلام، لأنه الاحتلال هو سبب كل اشي بصيرلنا كمجتمع».
ــــــــ
في يوليو 2023، اقتحم الاحتلال مدينة جنين من عدة محاور، وحاصر المخيم ليومين، فقتل 12 وأصيب أكثر من مئة جريح، وخسر يوسف* (27 عامًا) منزله. كان يوسف، خريج القانون عام 2019، أنهى للتو سنتي التدريب، ونجح في امتحان مزاولة المهنة. لم يبقَ سوى أن يؤدي قسم المحاماة أمام نقيب المحامين. لم يؤدِّه حتى اليوم.
دمّر الاحتلال خلال الاقتحام شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي كافة، وأتلف 90% من الشوارع، وألحق أضرارًا بـ80% من المنازل ما بين هدم وحرق وتخريب، وأجبر مئات العائلات على إخلاء بيوتها قسرًا، ولم تسلم من الضرر ثلاثة مستشفيات ومسجد وكنيسة، بحسب تقرير وكالة الأناضول.
في أكتوبر من العام ذاته، توفي والد يوسف. وفي مارس 2024، استشهد أخوه (24 عامًا) متأثرًا بإصابته عندما استهدفت مسيّرة سيارة كان يستقلها قرب المخيم.
تضاعفت المسؤولية على عاتقه؛ إذ إن إخوته أصغر منه سنًا، والمحاماة التي أعدّ نفسه لها لا تعده بشيء. «المحامين مش لاقيين شغل»، يقول يوسف. بلغ عدد المحامين المزاولين للمهنة في الضفة الغربية سبعة آلاف و936 محاميًا عام 2023، وفق الجهاز المركزي للإحصاء، وهو الرقم الذي وصفته نقابة المحامين بأنه يتجاوز الاحتياج الفعلي للمجتمع الفلسطيني بشكل كبير، «ما يعني أن هناك أزمة جديّة تعصف بسوق العمل».
يشير حجاجلة إلى سؤال بات يسمعه كثيرًا، «الشاب صار يقلك ليش أدرس ومفيش وظائف؟» لكن هذا العزوف لم يُستبدل بتعلّم مهني أو حرفة، بل بالركض وراء أي مصدر للدخل السريع؛ المهم أن تكفي أجرة نهاية اليوم للدخان والأكل والشرب. «الاحتلال خلى الناس يبطلوا يدرسوا»، يقول حجاجلة.
هذا التحول يُوثّقه الواقع أيضًا؛ فرغم تمسّك الفلسطينيين تاريخيًا بالتعليم وسيلةً للبقاء والمقاومة، شهد العامان الأخيران عزوفًا ملحوظًا عن التعليم العالي، بحسب مسؤولة وحدة الخريجين في جامعة بيرزيت، هديل حجاز. فقد باتت الجامعة عبئًا اقتصاديًا ثقيلًا على الأسر الفقيرة والمتوسطة، في ظل ارتفاع نسب البطالة بين حاملي الشهادات الجامعية.
ـــــــ
لا يمل أبي من حكي قصة رسم صديقه الفنان الفلسطيني، عدنان الزبيدي، حين شرع برسم لوحة «الانتفاضة» عام 1984، إحياءً للذكرى الـ50 لثورة 1936 «الثورة الكبرى». رسم الزبيدي حشدًا من الفلسطينيين الغاضبين المندفعين إلى الإمام، وفوقهم حصان هائج، أتٍ من بعدٍ مجهول، ممزقًا له، متجهًا نحونا، نحن المتفرجين. يتحدث أبي عن «شعور بأن اللوحة غير مكتملة ظل يتملكه. في كل مناسبة وطنية، يخرجها، ينظر لها ويفكر، ثم يعود ليتركها قائلا إن هناك شيئًا ناقصًا». ثم حلت الانتفاضة الفلسطينية الأولى «انتفاضة الحجارة»، في 8 ديسمبر 1987، عاد الزبيدي للعمل على لوحته منذ بداية 1988 حتى 1991، إذ أضاف طفلًا ملثمًا يحمل حجرًا، ويمتطي ذاك الحصان. هذه اللوحة صارت تطبع بشكل سري كبطاقات بريدية وبوسترات كبيرة وتوزع مجانًا على الناس في دعوة لهم للانضمام للانتفاضة. يضيف أبي: «كأنه كان يعرف أن شيئا ما سيحدث، كأنه كان يعرف أن شيئًا ما يجب أن يحدث».
هبّت الانتفاضة الأولى في كل مدن وقرى ومخيّمات فلسطين بعد أن أشعل فتيلها في جباليا في غزة لقيام سائق شاحنة إسرائيلي بدهس مجموعة من العمّال الفلسطينيّين على حاجز «إيرز»، الذي يعزل قطاع غزة عن بقية الأراضي الفلسطينية منذ 1948. هدأت الانتفاضة في 1991، وتوقفت نهائيًا مع توقيع اتفاقية أوسلو.
في تلك الحقبة، وُلد يوسف وحجاجلة، في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الثالثة، بعد سنوات قليلة من وعود أوسلو بدولة فلسطينية -على أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة- لم تكتمل، وفي خضمّ مقاومة مستمرة تعطّل تطبيع الوضع القائم. كانت حقبة شهدت، بوصف الأكاديمي الراحل، فضل النقيب، تنازلاتٍ جمّة من النخب الفلسطينية في سياق تغيّر المشهد العالمي وانهيار الاتحاد السوفيتي وتبلور الهيمنة الأمريكية. أفضى ذلك إلى اقتصاد هشّ، لا اقتصاد دولة؛ «اقتصاد رسّخ تبعيتنا كنظام ريعي معتمد على الآخر، وفي حالتنا على الاحتلال الإسرائيلي»، بحسب الأكاديمي والباحث، طارق دعنا، الذي يرى أن هذه الحالة ستفرض على جيلها التيه، وعلى كل جيل فلسطيني يأتي من بعده.
عاش من وُلدوا في تلك السنوات طفولة غارقة في تغطيات انتفاضة الأقصى بين 2000 و2005، بعد استشهاد الطفل الغزي، محمد الدرة، على شاشات تلفاز رمادي بحجم صندوق صغيرة، بدقة رديئة تجعل كل شيء يبدو كلوحة بازل بألوان حادة يطغى عليها لون البزات العسكرية وسيارات الجيب والجينز والدخان. على الأرض، تعاظمت الاقتحامات والاعتقالات والحواجز وأوامر منع التجول، وعاش معظم هذا الجيل واقع الحصار في جنين ورام الله وبيت لحم والخليل وغيرها، واضطرّوا في أحيان كثيرة إلى حمل أغراض تفوق أجسادهم حجمًا، والتنقل بها سيرًا بين حاجزين.
انعكس ذلك فيما ألعابهم؛ حيث ترددت في طفولتهم هتافات «حطوا طوبة على طوبة.. وإسرائيل مشطوبة» و«خيبر خيبر يا يهود»، و«لا إله إلا الله.. والشهيد حبيب الله»، والتي يهتفون بها خلال لعبة «حمل الشهيد»، وهي محاكاةٌ لطقوس التشييع، إذ يتقمّص فيها أحد الأطفال دور الشهيد، فيما يحمله رفاقه على أكتافهم، يمشون به ويهزونه يمنة ويسرة محاكاةً لحركة النعش.
بالتوازي مع ذلك ، شهدت غزة في 2004 معركة «أيام الغضب» لصدّ اجتياح الاحتلال الصهيوني لشمالي القطاع، ومحاولة القضاء على المقاومة ووقف صواريخها. دفعت هذه المعركة، التي شكلت قفزة نوعية في العمل المقاوم، وفي نهاية المطاف اضطرت سلطات الاحتلال إلى الانسحاب الكامل من القطاع صيف 2005، وإخلاء المستوطنات ومعسكرات الجيش في القطاع، بالإضافة إلى إخلاء أربع مستوطنات أخرى في شمال الضفة الغربية ضمن ما أسمته الحكومة الإسرائيلية بـ«خطة فك الارتباط أحادية الجانب».
ومع استمرار العمل المقاوم، اختبر هذا الجيل الانقسام الفلسطيني الذي تبلور مع فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية عام 2006، وتحوّل السلطة إلى حكومتين: واحدة في الضفة وأخرى في غزة. وفي 2007، فرض الاحتلال حصارًا خانقًا على القطاع ذي الكثافة السكانية العالية، والذي يشكل اللاجئون معظم سكانه، وأحكم قبضته على المحروقات والغذاء والسلع مقيدًا حرية الصيد في البحر. وتلا ذلك العدوان على غزة بين 2008 و2009، وسلسلة من الحروب اللاحقة، عرف خلالها أبناء الضفة لأول مرة أن الاحتلال يقتل أطفالًا مثلهم.
ـــــــــــ
اليوم، يعمل يوسف في صميم واقع المواطنين من أبناء مخيم جنين؛ إذ يوثق مع المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان الانتهاكات التي يتعرض لها الفلسطينيون شمالي الضفة، وخاصة في طولكرم وجنين، لكنه يشعر أن عبء هذا العمل بات ثقيلًا على نحو مختلف؛ فبينما يعود بقية الباحثين بعد العمل إلى بيوتهم، اضطر هو لمغادرة بيته الذي دمّره الاجتياح. «أنا لما أوثق الشغلة، بوخذها أما من شاهد عيان أو من الضحية، فمرات بشعر أنه أنا ضحية بوخذ من ضحية». وفي أحد الأيام، وجد يوسف نفسه مضطرًا لتوثيق قصف أخيه الشهيد، كما وثق حكايات أصدقائه في المخيم، وشهد أكثر، لكنه يصرّ: «طبيعة شغلي مش سهل، بس بحبه، لإني بكون قريب من الناس.. بشعر بالناس».
«لو إحنا محررين، ممكن يكون عنا غير أحلام. الاحتلال هو سبب كل إشي بصيرلنا كمجتمع»، يقول حجاجلة بهدوء من يعرف الجواب قبل السؤال. «الصعب تشوف حالك تحت ناس حاكمينك بأرضك. حتى إذا بدك تطلع مشوار مش ضامن توصل، بسبب حاجز أو جندي مش حابب يمرّقك». فكّر بالسفر، لكن فقط إن أتيحت له فرص عمل أفضل. «عشان مستقبل عائلتي، مش عشان مستقبلي لحالي. إذا صحتلي فرصة بالوطن، ليش أطلع». ولذات الأسباب يخشى تكوين عائلة. «فش حدا ما بحبش يسوّي عيلة، بس الواحد بخاف ما يقدر يأمن مستقبلها. هي غريزة، بس الواحد بفكر بعقلانية أكثر».
ما يُقلقه أكثر هو التفكّك الذي يراه في النسيج الاجتماعي، ويتجلى في غرق الشباب في تجارة الأسلحة والمخدرات. يرجع ذلك إلى سياسة ممنهجة «بدهم شعب ما الوش وعي، ما بشوف شو بصير حواليه. بفكر انه إذا دخن بنفصل عن العالم وبرتاح، بس أنت ما بتهرب من واقعك، هذا بس لحظيًا، بعدين راح ترجع للحياة». يختبر ذلك في قريته الولجة المهددة بالمصادرة، إذ ُحسّ بتآكل الرابطة الشعبية «كان إذا صار إشي في أي بلد، الكل يتضامن. هالفترة كأنه عادي، بستشهد واحد، والثاني ولا كأنه في البلد. زمان كنا نروح نوقف إذا الجيش بدّه يهدم بيت. اليوم إذا بس أنت ماشي، ممكن يقلك الجندي بصفيك إذا قربت.. وممكن يصفيك بلا ما يقلك».
يوسف يعرف هذا التفكّك من داخله. قبل نحو شهرين، اضطر للذهاب إلى رام الله للاستفسار عن قطع السلطة الفلسطينية معاش أخيه الشهيد، أمر بات عليه التعامل معه عبر بيروقراطية جديدة بعد أن حوّلت السلطة مسؤولية مخصصات الأسرى والشهداء لجهات خاصة. في الطريق، أوقفه جيش الاحتلال على حاجز دير شرف، وحقّق معه حول أسباب وجوده، وأبلغه بأنه ممنوع من الوجود خارج جنين. لم يكن هذا التأخير محتملًا لبقية الركاب. «شعرت بأنهم ينظرون إليّ بنظرة.. ما بعرف كيف أوصفها، نظرة دونية. كأنهم يقولون: هذا ابن المخيم، شو جابه على رام الله، عطّل اشغالنا، دمّرنا وأخّرنا.. أي بمعنى قرف يقرفه».
شيء من الحرج لامسه حين رأى السائق ينظر في المرآة، ليسارع يوسف في مد يده في جيبه ويعطيه الأجرة، «قدّرت إنه ممكن يقول: هذا ممكن يُعتقل بدون ما يدفع أجرتي. ممكن أن يعطل علي النقلة. فناولته المصاري وهو يفكّر، قبل أن يقول أي شيء».
يُرجع يوسف هذه النظرة إلى الاحتلال: «الجيش الإسرائيلي بتقديري هو معني أنه يفصل واقع المخيم عن المدينة. بده يوصل للناس اللي عقولهم صغيرة وراح يصدقوا هذا الحكي، أنه الاحتلال بحب أنكم تعيشو، بحب التجارة ترجع، بس هذا المخيم وأهله هم سبب الدمار والهلاك».
كذلك يرى حجاجلة أن هذا الانغماس في الذات هو ما يريده الاحتلال تحديدًا؛ أن يزرع في الناس وهم النجاة الفردية، أنك إن أغلقت باب بيتك لن تُؤذى. «بتحس مخدرين، صرنا همّنا كيف نوفّر أكلنا بس. سامحيني، صرنا زي الدواب، أكلي نومي بس. بس مهو فش مهرب. لو بتسدّ ع حالك، ممكن يجوك بدون ما تعمل إشي. أنت عايش تحت احتلال وفي اضطهاد عليك وعلى الجميع، فليش أنت تنسى هاي الأمور».
لكن بينما قد تُغرق الإنسان همومه الشخصية حتى يكاد ينسى أنه محتل، الاحتلال لا ينساه. يقول حجاجلة: «الأخبار عنا، قد ما تحاول تبعد عنها بتقدرش. لأنه خلص إشي بيتعلق فيك؛ ناس، أهلك، صحابك، حد بتعرفه، ناس من بلدك مرتبط فيهم. فش حد بقدر يهرب من الواقع اللي بصير بغزة. بنحكي مع بعض أخبار مع قهر، بتشوف شغلات بتقشعر بدنك، بني آدم بأرضك مش قادر تسويله اشي، بس بتتفرج ع أخوك بيموت».
بالنسبة له فإن حلمه بسيط في صياغته، عميق في معناه «نخلص من الاحتلال. بالنسبة إلي الحياة الطبيعية اللي لازم يعيشها الفلسطيني لأنه يقدر يروح وين ما بده وقت ما بده، بالأرض الفلسطينية الكاملة طبعًا».
يُحبّ حجاجلة قريته الولجة، ويسرد موقعها وتاريخها بالتفصيل، «من وأنا صغير عشان بحب الحيوانات، بحب الزراعة». يصمت قليلًا ثم يضيف: «بحب الأرض». لكن التفكير في المستقبل يبقيه قلقًا «الواحد بفكر بالمستقبل، لانه الماضي بقدرش يغيره. أنت بدك تأمن مستقبلك لقدام، أنت بتعرفش شو جاييك، فلازم يكون عندك أكثر من خطة ماشي فيها».
أما يوسف، فيبدأ كل يوم بالماضي «لازم كل يوم اتصبح ع صورة أبوي، صورة أخوي، إلي ذكريات كبيرة يعني، مع المخيم، مع أصدقائي، مع المربع اللي أنا ربيت فيه، بفقداني لأقاربي أو صحابي».
يخنق الواقع الهش الشباب الفلسطيني، لكنهم مع ذلك لا يستطيعون الفكاك من الأمل، فتجدهم مستمرين دون مساءلة بممارساتهم اليومية البسيطة التي يمكن أن تمثل رموزًا للمقاومة والصمود إذا ما أمعنت النظر فيها، فحجاجلة على سبيل المثال، لم يتوقف يومًا عن المشاركة في أي عمل تطوعي يتناسب مع وقته، «بالفترة هاي؛ بالصيف، في مخيمات كشاف، وفي أشياء تطوعية، فالبرنامج بكون غير، ما بكون في روتين ليومي. بحب التطوع من وأنا صغير، بشارك بأي اشي»، على الرغم من أن فرصة التطوع حتى لم تعد كما كانت بالنسبة له، «في الأول لما ما يكون في عليك مسؤولية عيلة، بكون عندك وقت فراغ، بتطلع بأي اشي، بس يصير عليك مسؤوليات، بتصير تحسب هان وغاد، بدك تنسق أمورك بين التطوع وإنك تأمن حياة العيلة اللي أنت مسؤول عنها أو المسؤوليات اللي عليك، إنك تدبر أمورك، يعني فرص التطوع بتقل، بس بنضل بنحاول نكون مساهمين بالمجتمع، لأنك بتعزز دور الشباب وحبهم للأرض والبلد».
فيما يقوم يوسف بعمل ملعب كرة قدم، تحت العمارة التي نزح إليها، لكسر روتين جيرانه النازحين أيضًا، ويُفرّغ طاقتهم. يُجبرهم على اللعب كل جمعة -كبارًا وأطفالًا- رغم إصابة قدمه بكسر لا يزال يؤلمه، بعد أن لحق به جيب عسكري أمام بيته.
.أسأله: «كيف بتلعب وأنت مصاب؟»
يجيب: «يعني مش 100% بس بحاول. بكابر ع حالي يعني».
- اسم مستعار
تقارير ذات صلة
القانون في خدمة القتل: الكنيست يصمم عقوبة إعدام تستهدف الفلسطينيين فقط
فشلت إسرائيل سابقًا في إقرار هذا القانون لـ3 عقود
بعد مهرجان افتتاح «المعبر»: فقط 12 فلسطينيًا عادوا إلى غزة
ضجيج بلا طحين
دون تفاصيل.. إسرائيل توافق على فتح «محدود» لمعبر رفح
إعادة فتح وشيك للمعبر
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن