تحرك الغرب للاعتراف بدولة فلسطينية.. هل لذلك أهمية؟
«يمكنني أن أؤكد أن بريطانيا ستعترف بدولة فلسطين في الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر المقبل، ما لم تتخذ الحكومة الإسرائيلية خطوات جوهرية لإنهاء الوضع المروّع في غزة، والموافقة على وقف لإطلاق النار، والالتزام بسلام طويل الأمد ومستدام يعيد إحياء فرصة حل الدولتين»، كان هذا تصريح من رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، في 29 يوليو الماضي، عقب ترؤسه اجتماعًا استثنائيًا لمجلس الوزراء.
قبل أيام من تصريح ستارمر، أعلن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، نية بلاده الاعتراف بدولة فلسطين، فيما أصدرت أستراليا وكندا ودول غربية أخرى تصريحات مشابهة، لتنضم إلى غالبية دول الجنوب العالمي التي بادرت بالاعتراف بفلسطين منذ أواخر الثمانينيات.
بالنسبة لكثير من الدول التي تنظر في الاعتراف بدولة فلسطين، يقع القرار في منطقة وسطى؛ ما بين تحول حقيقي في الموقف وخطوة رمزية بحتة، بينما تحاول كل من هذه الدول الموازنة بين اعتبارات سياساتها الداخلية والخارجية. وفي حين قد يرى من هم خارج الأروقة الدبلوماسية الغربية بعض الفائدة العملية للاعتراف بالدولة الفلسطينية، إلا أن هذه الخطوة تُعتبر «متأخرة جدًا وغير كافية» لتغيير الواقع في غزة.
يوضح دبلوماسي بريطاني رفيع المستوى أن تحرك بلاده جاء في الأساس استشعارًا لتحوّل الرأي العام ضد إسرائيل، وهو ما حدث كذلك داخل الحكومة. «كان الانقسام داخل مجلس الوزراء بين من يرى أن الاعتراف هو الصواب لكن لا يجب أن يُشكل تهديدًا لإسرائيل، ومن يرى أنه الصواب ويجب أن يكون تهديدًا لها»، يقول الدبلوماسي لـ«مدى مصر»، لافتًا إلى أن الاستعجال في المضي بهذه الخطوة حرّكه انعقاد مؤتمر حزب العمال في سبتمبر من العام الماضي، مضيفًا: «صور المجاعة لعبت دورًا كبيرًا».
تعهُد ستارمر بالاعتراف بفلسطين لم يرد إلا في جملة ونصف ضمن فقرة من ستة أسطر تضمنت شروطًا عدة، إذا نفذتها إسرائيل، فإن لندن ستتراجع عن الاعتراف. من بين هذه الشروط أن تكون إسرائيل اتخذت بحلول سبتمبر خطوات ملموسة نحو وقف إطلاق النار، وهو الموعد الذي تخطط فيه حاليًا لاقتحام مدينة غزة. «بريطانيا دفعت بالاشتراط إلى الواجهة، وهو ما أثار انتقادات. لكن الاشتراط قد يشكّل حافزًا، كما أن على إسرائيل الالتزام بحزمة الشروط كاملة، لا ببعضها فقط»، يقول الدبلوماسي البريطاني.
ويقرّ الدبلوماسي بأن لندن شعرت بأنها مضطرة إلى التحرك نحو الإعلان بعد أن فعلت باريس، مضيفًا أن «الأمر كان سيبدو سيئًا» لو لم تفعل.
كان ماكرون أعلن في 24 يوليو الماضي، عبر حسابه على منصة إكس، اعترافًا غير مشروط بفلسطين، قائلًا: «وفاءً بالتزامها التاريخي بسلام عادل ودائم في الشرق الأوسط، قررتُ أن تعترف فرنسا بالدولة الفلسطينية. وسأعلن عن ذلك رسميًا في الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر المقبل».
يقول دبلوماسي فرنسي في وزارة أوروبا والشؤون الخارجية في باريس، إن قرار ماكرون جاء مدفوعًا بتدهور الأوضاع الميدانية في كل من غزة والضفة الغربية، مضيفًا أن الرئيس الفرنسي تولّى في الوقت نفسه مهمة حث مزيد من الدول على الاعتراف بفلسطين. ويوضح الدبلوماسي أن خطوة الاعتراف ليست سوى عنصر واحد ضمن رؤية أوسع لحل الأزمة، هدفها التحضير لسيناريو «اليوم التالي» في غزة، بحيث تتولى السلطة الفلسطينية إدارة القطاع فور إعلان وقف إطلاق النار، وينتهي حكم حركة حماس.
استخدام وعد الاعتراف بالدولة كمدخل لطرح تصور «اليوم التالي» موجود كذلك في إعلان نيويورك، الصادر في 29 يوليو الماضي عن مؤتمر قادته مجموعة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة ركّز على قضية فلسطين وتطبيق حل الدولتين.
المؤتمر، الذي ترأسته فرنسا والسعودية، نصّ على أنه «بعد وقف إطلاق النار، يجب على الفور إنشاء لجنة إدارية انتقالية من أجل العمل في قطاع غزة ضمن نطاق السلطة الفلسطينية»، وهي اللجنة التي كرر وزير الخارجية المصري مؤخرًا الإشارة إلى أنها ستتشكل من 15 شخصية تكنوقراط.
غير أن الأسابيع التالية للمؤتمر شهدت إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، عن خطط لفرض السيطرة الأمنية على كامل قطاع غزة، مع إعادة تعريف الجهة التي ستُمنح صلاحيات الإدارة المدنية بعد الحرب، مؤكدًا: «ليست حماس ولا السلطة الفلسطينية. هذه هي خطتنا».
من جانبها، وضعت الدبلوماسية الفرنسية السلطة الفلسطينية في قلب إعلانها، وتبادل ماكرون ورئيس السلطة، محمود عباس، مراسلات في هذا الإطار. في رسالة وجهها عباس إلى ماكرون بتاريخ 9 يونيو الماضي، ووجهها أيضًا إلى ستارمر وولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، جدّد إدانته لهجمات «حماس» في 7 أكتوبر، وتعهد بتوقيع اتفاق سلام مع إسرائيل وتولي السلطة الفلسطينية وحدها إدارة قطاع غزة، «مع وجوب تخلي حماس عن الحكم وتسليم أسلحتها وقدراتها الأمنية إلى قوات الأمن الفلسطينية» وفق مبدأ «دولة واحدة، حكومة واحدة، سلاح واحد». كما تعهّد بتنظيم انتخابات رئاسية خلال عام، وتبني أجندة إصلاح تشمل «الحكم الرشيد، والشفافية المالية، وتمكين النساء والشباب».
كان إعلان نيويورك تضمّن أيضًا الإشارة إلى «نشر بعثة دولية مؤقتة لإرساء الاستقرار، بناءً على طلب السلطة الفلسطينية وبرعاية الأمم المتحدة»، مُرحبًا بـ«استعداد بعض الدول الأعضاء للمساهمة في توفير قوات مسلحة».
من شأن هذه البعثة، التي قال الإعلان إنها يمكن أن تتطور بحسب الحاجة، «أن توفر الحماية للسكان المدنيين الفلسطينيين، وأن تدعم نقل المسؤوليات الأمنية الداخلية للسلطة الفلسطينية، وأن تدعم بناء القدرات لصالح الدولة الفلسطينية وقوات الأمن لديها، وأن توفر الضمانات الأمنية لفلسطين وإسرائيل، بما في ذلك مراقبة وقف إطلاق النار واتفاق السلام في المستقبل، مع مراعاة سيادتهما مراعاة كاملة».
وحول ما يعنيه هذا التحرك من منظور الشعب الفلسطيني، يقول دبلوماسي فلسطيني مقيم في أوروبا، تحدث إلى «مدى مصر» شريطة عدم الكشف عن هويته، إن «الناس في فلسطين، شئنا أم أبينا، يريدون دولتهم الخاصة»، مشيرًا إلى بعض المكاسب البسيطة التي قد يجنيها الفلسطينيون من وعد الاعتراف بالدولة، مثل حرية السفر، والحصول على التأشيرات، وتسجيل المواليد بسهولة، و«غيرها من الجوانب الحياتية التي تسهّلها الدولة. فإذا لم تكن دولتك معترفًا بها أو لم تكن لديك دولة، تصبح حياتك بائسة». ذلك بالإضافة إلى جانب آخر يتمثل في الالتزامات التي يفرضها الاعتراف على الدولة المُعترِفة، بحسب الدبلوماسي الفلسطيني، موضحًا أن «الدول التي تعترف بفلسطين تتحمل التزامات قانونية بموجب القانون الدولي، وهذا سيمكننا من ملاحقة الجرائم الإسرائيلية وانتهاكات القانون الدولي أمام المحاكم الوطنية وكذلك الدولية».
من جانبه، يشرح الباحث في القانون الدولي، عبد الغني سيد، أن هناك مقاربتين للتفكير في مسألة الدولة. الأولى ترى أنه بمجرد توافر العناصر الموضوعية المكوّنة للدولة (أراضٍ محددة وسكان دائمون وحكومة، والقدرة على إقامة علاقات مع الدول الأخرى)، إذن هناك دولة، ويكون اعتراف الدول الأخرى مجرد إعلان بذلك. أما المقاربة الثانية، فترى أن اعتراف الدول الأخرى أمر جوهري ويشكّل عنصرًا تأسيسيًا لوجود الدولة.
«ثلثا دول العالم يعترف بالفعل بفلسطين. حتى مجلس الأمن يتحدث عن فلسطين على حدود 1967، وليس فقط الجمعية العامة»، يقول سيد، مضيفًا: «إسرائيل نفسها تعترف بفلسطين بموجب اتفاقات أوسلو». ومن هذا المنطلق، لا يرى سيد أي أهمية قانونية جوهرية في هذه الإعلانات، لكن الاعتراف الذي تمنحه بعض الدول ذات السيادة يُكسب القضية شرعية إضافية، في سياق لا تتساوى فيه جميع الدول الأعضاء في الجمعية العامة، حيث تتمتع بعض الدول بحقوق ونفوذ أكبر من غيرها، والباقي هو تفاصيل.
فمثلًا «الاعتراف قد يسهّل التحركات الدولية ضد إسرائيل، ويحرمها من حجة أساسية تقول إن فلسطين ليست دولة»، يقول سيد، الذي عمل سابقًا محاميًا في مكتب المدعي العام بالمحكمة الجنائية الدولية وشهد كيف تعمل إسرائيل على تشتيت الإجراءات القانونية الدولية (أو الأممية) ضدها، عن طريق الدفع بالمحاكم (والأمم المتحدة) لإضاعة الكثير من الوقت في إثبات أن فلسطين دولة. «الآن سيُهدر وقت أقل على هذا الحجة»، يضيف.
كما يلفت سيد إلى أن الاعتراف يضع فلسطين في موقع أكثر قوة ضمن إطار اتفاقيات جنيف وتطبيق القانون الإنساني الدولي، إذ سيصنف النزاع الحالي على أنه «نزاع مسلح دولي» بين دولتين، وهو ما يحمّل إسرائيل مسؤوليات أكبر، مقارنة بتصنيف «نزاع مسلح غير دولي» يجري بين دولة وفاعل غير دولتي.
مع ذلك، عبّرت أصوات فلسطينية عديدة عن مشكلات مختلفة في تعهد الاعتراف بالدولة، مثل أنه لا يكفي لإنهاء الحرب على غزة، مقارنة بإجراءات أكثر تأثيرًا كفرض حظر على السلاح أو سحب الاستثمارات، فضلًا عن أن هذه الخطوة تصب في تعزيز السلطة الفلسطينية المثيرة للجدل.
ويقول الدبلوماسي الفلسطيني إنه رغم أن السلطة الفلسطينية سعت منذ 2011 وراء مسار الاعتراف، «هناك شيء استعراضي في الإعلانات الحالية، خصوصًا أنها تأتي استجابة لضغوط داخلية في الأساس»، مؤكدًا أنها «خطوة أسهل بكثير من فرض حظر سلاح أو وقف التجارة. إنه تحرك متأخر جدًا ولا يكفي».
ويختم الدبلوماسي الفلسطيني قائلًا: «الاعتراف من هذه الدول لا يلبي تطلعات شعبنا الوطنية. ما نحتاجه هو صيغة جديدة؛ تفكير جديد يضمن التعويض والعودة ورد الحقوق، ويعالج المعاناة التاريخية، ويكرّم جميع موتانا، ويحاسب المجرمين، ويمنحنا حقوقًا ومساحة تمكننا من التعافي».
تقارير ذات صلة
«ضاق المخيم»: اللاجئون الفلسطينيون في لبنان بين الحرب والحصار
بينما يتصاعد عدوان الاحتلال يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان خطر الحرب والنزوح في بيئة معقدة
«شكرا لأنك تحلم معنا»: المناكفة مع توقعات العالم
الفيلم المعروض في «أيام القاهرة السينمائية»، والفائزة بجائزة أفضل فيلم عربي بمهرجان الجونة السينمائي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن