تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
مصر والقضية الفلسطينية.. هل هناك تغيير؟

مصر والقضية الفلسطينية.. هل هناك تغيير؟

كتابة: إحسان صلاح، عمر سعيد 9 دقيقة قراءة

تمكنت مصر مع شركاء إقليميين ودوليين من التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار بين فصائل المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، بعد عدوان استمر 11 يومًا، شهد إطلاق مئات الصواريخ من القطاع تجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة في مقابل آلاف الغارات الجوية والقذائف من قبل الاحتلال، والتي أدت إلى مقتل أكثر من 250 فلسطينيًا أغلبهم من المدنيين. 

أعلن الطرفان قبولهما بالاتفاق، فيما تم التأكيد على أن التفاوض غير المباشر مستمر لبحث تثبيت الهدنة، بالإضافة إلى بحث مطالب أخرى موجهة للاحتلال بشأن المسجد الأقصى ووقف خطة الإخلاء القسري لحي الشيخ جراح في القدس المحتلة.

بحسب مصدر حكومي مصري متابع للملف على مدى سنوات، منذ أن تدخلت مصر، كان الهدف هو وقف سريع لإطلاق النار، وهو الأمر الذي رفضته كلا من إسرائيل وحركة المقاومة حماس تمامًا في البداية، حين وضع الطرفان شروطًا معقدة، منها مثلا طلب حماس أن تتراجع إسرائيل عن المسار القضائي الذي وضعت على أساسه خطة إخلاء «الشيخ جراح»، ومنها أيضًا طلب إسرائيل تحرير أسرى خارج سياق أي عملية تبادل. ولكن في النهاية، كان الطرفان قد انهكا، خاصة بعد وصول إسرائيل لطريق مسدود بخصوص استهداف قيادات الحركة، فيما كانت حماس تشعر بالفعل بالتقدم بعدما جعلت حالة اللجوء للملاجئ أكثر توسعًا في إسرائيل، وبالتالي جاء قبولها لوقف إطلاق النار مبكرًا بيومين عن إسرائيل.  

التدخل المصري حمل نذر اختلاف في الموقف الرسمي تجاه القضية الفلسطينية، وهو موقف لا ينفصل عن مصالح مصر الخاصة. 

البداية فعليًا جاءت مع تعليق وزير الخارجية المصري سامح شكري، على محاولة الحكومة الإسرائيلية الاستيلاء على منازل فلسطينيين في حي الشيخ جراح بالقدس لنقلها إلى إسرائيليين بموجب قرار قضائي. وهو ما علق عليه شكري أثناء مشاركته في اجتماع وزاري طارئ للجامعة العربية في 11 مايو قائلًا: نجتمع اليوم في ظل أيام مباركة من شهر مبارك، غير أن لنا أخوة في القدس لم تُتاح لهم الفرصة ليستشعروا نفحات الشهر الكريم لأنهم يخوضون معركة وجود دفاعًا عن مقدساتهم وعن بيوتهم في وجه هجمات إسرائيلية جديدة تستهدف حقوقهم في الأرض التي ولدوا عليها.

بعدها، كان إعلان الرئيس عبدالفتاح السيسي يوم 18 مايو قرار مصر تقديم منحة إعادة إعمار لغزة بقيمة نصف مليار دولار.  

 

مقارنة اليوم بالأمس

لم يكن السعي المصري للوصول لاتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل والقطاع الذي يعاني التكدس السكاني ونقص الموارد وانهيار الخدمات امرًا جديدًا على التعامل المصري مع الوضع في غزة، فهذا تحديدًا ما قامت به مصر أثناء هجمات إسرائيلية على غزة في نهاية عام 2008 وبداية 2009 أثناء حكم حسني مبارك، وفي عام 2012 أثناء حكم محمد مرسي، وفي عام يوليو 2014 بعد شهر واحد من وصول السيسي لسدة الحكم.

 ولكن المصدر الحكومي نفسه يقر أن الموقف المصري في التعامل مع العدوان الإسرائيلي هذه المرة «يختلف بالفعل» عن التعامل الرسمي مع عدوان سابق وقع في عام 2014 عندما كانت مصر قد سعت مبكرًا لممارسة الضغط على حماس لانهاء إطلاق الصواريخ من غزة على إسرائيل؛ التي كانت ترى «القاهرة» في حينه أنها مغامرة غير محسوبة وليست مقاومة مشروعة كما هو الحال هذه المرة.

هذه المرة، أبرزت الصحف التابعة للدولة ما يحدث بوصفه مقاومة مشروعة للعدوان الإسرائيلي كما عنونت عدد من الصحف اليومية بإشارات لـ«صواريخ المقاومة الفلسطينية» في وجه «الاحتلال الإسرائيلي.»    

الأسباب بحسب ذات المصدر الحكومي تتعلق بإدراك «القاهرة» أن الرأي العام العالمي بما في ذلك داخل الولايات المتحدة الأمريكية متعاطف اليوم أكثر مع ما يتعرض له الفلسطينيين في غزة، كما أن الحسابات المصرية السياسية سواء على المستوى الإقليمي أو الداخلي مختلفة.

في عام 2014، كان مصدر مصري دبلوماسي سابق قد قال إن العلاقات المصرية الإسرائيلية تشهد مرحلة غير مسبوقة من التقارب، وهو نفس التعبير الذي نقلته مصادر دبلوماسية غربية في القاهرة لسنوات خمس تالية عن نظرائهم من الإسرائيليين. 

نفس المصدر قال إن «القاهرة» فقدت دورها كاللاعب الإقليمي الأبرز فيما يخص التسوية العربية الإسرائيلية عندما قررت اعتبار إسرائيل حليف داعم لا يمكن الاستغناء عنه، وذلك بعد الدور الكبير الذي لعبته الأخيرة مع إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما لدعم الانتقال السياسي في مصر عام 2013. وفتح ذلك الباب لأن تكون الأردن هي الدولة العربية الأكثر تمثيلًا للقضية الفلسطينية، والتي لها في ذات الوقت اتفاقية سلام مع إسرائيل.

وبحسب تصريحات سابقة لمصادر من السلطة الفلسطينية ومن حركتي المقاومة حماس والجهاد، فإن «القاهرة» أثناء إدارة الرئيس الأمريكي التالي دونالد ترامب ذهبت بعيدًا جدًا عن الدور التقليدي لمصر في لعب دور الوسيط الداعم للحق الفلسطيني، وذلك عندما قررت أن تتماهى مع خطة ترامب لإيجاد تسوية نهائية غير عادلة للقضية الفلسطينية، وعندما مارست الضغط على رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وعلى قيادات الفصائل الفلسطينية في هذا الشأن، بل وعندما لم تأخد موقفًا حاسمًا من قرار ترامب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس على عكس «عمان» التي بادرت برفض خطة ترامب للتسوية، وسعت لإقناع ترامب بعدم الإقدام على هذا التحرك.

من جانبه، يقول المصدر الحكومي المصري، إنه لم يكن من المنطقي أن تدخل مصر في مواجهة مع الإدارة الأمريكية الجديدة آنذاك، والتي تعتبر الأكثر دعمًا لإسرائيل، والتي كانت أيضًا داعمة لها، ولم تكن تلومها كل يوم بسبب ملف حقوق الإنسان فيما الحكم في مصر بمرحلة انتقالية. كما أن إدارة ترامب كانت تبدو عازمة على الانخراط في دعم التوصل لاتفاق قانوني ملزم حول سد النهضة بين إثيوبيا وكل من مصر والسودان، وهو ما لم يتحقق على أي حال.

ويقر المصدر الحكومي المصري أن سنوات تقارب مصر مع إسرائيل ارتبطت فعليًا برؤية إقليمية مشتركة حول مواجهة الحركات «الأصولية المسلحة التي كانت تنتشر في المنطقة، ولا سيما في سيناء حيث تمكنت العلاقات المصرية الإسرائيلية القوية من رفع كبير لمستوى التسلح المصري في سيناء لمواجهة التنظيمات المسلحة مثل داعش والقاعدة».

 لكن مع توقيع «اتفاقات أبراهام» التي تشير إلى اتفاق السلام بين دولة الاحتلال والإمارات والبحرين تحت رعاية إدارة ترامب في خريف 2020، اختلفت الأمور وأصبح الدبلوماسيون الغربيون في «القاهرة» يتحدثون عن سعادة إسرائيل بعلاقاتها الجديدة والمعلنة مع «أبوظبي» الحليف القوي السابق لمصر، والذي تفرقت بهما الطرق بدءًا من نهايات 2019 بسبب الخلاف حول إدارة الصراع في ليبيا. 

وبحسب مصدرين مصريين حكوميين غير المصدر الأول، تشعر «القاهرة» أن الإمارات تعمل ضدها على أكثر من محفل. هناك مثلًا موقفها في سد النهضة حيث تجنبت الضغط على إثيوبيا لصالح مصر، واختارت الحفاظ على استثماراتها في البلد الإفريقي. تحرك آخر أثار «القاهرة» هو التنسيق المباشر مع إسرائيل وقبرص واليونان بشأن منتدى غاز شرق المتوسط، دون العودة إلى مصر في هذا الشأن، وذلك بعدما رفض عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، انضمام الإمارات للمنتدى. 

كما أن مصر تعتمد على دور مغاير عن الإمارات التي تقف وراء محمد دحلان، الرجل ذو الطموح السياسي والاتصالات داخل حركتي فتح وحماس، والموصوف إقليميًا أنه رجل المهام الملتبسة لـ«أبوظبي». يأتي ذلك رغم أن «القاهرة» تبقي قنوات اتصال مفتوحة مع دحلان رغم أنها لا تنظر إليه الآن ضمن الحلفاء المحتملين لعباس حال ذهاب الأخير عن رئاسة السلطة الفلسطينية. 

للأسباب السابقة قررت مصر إعادة صياغة علاقاتها مع عدد من الأطراف منها تركيا، حيث بدأت مفاوضات تطبيعية بعد قطيعة بدأت في 2013 مع الإطاحة بحكم الإخوان، ما أثار حفيظة الإمارات التي تنظر إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كونه غريمًا للأبد.  

 ومما يذكر في هذا الشأن، فبحسب المصادر الحكومية الثلاثة، فقد جرى وقف إطلاق النار الأخير بعد اتصالات متعددة مع «الدوحة»، وكذلك مع «أنقرة». 

البعد الآخر والهام لدور مصر النشط فيما يخص الشأن الفلسطيني يتعلق بكونه واحدًا من أهم الموضوعات التي تتعاون فيها «القاهرة» إيجابيًا مع إدارة جو بايدن الأمريكية الجديدة بما يمكن أن يخلق مساحة حوار جيدة بين «القاهرة» و«واشنطن»، وبما يسهم في تجاوز قضايا خلافية مثل حقوق الإنسان والحريات. الوصول لوقف إطلاق النار، بحسب المصادر المصرية الحكومية، مكن «القاهرة» من الحصول على ثناء من بايدن الذي لم يكن يخطط لزيارة القاهرة في أي وقت قريب، ولكنه قرر أن يفعل ذلك بعد تمكن مصر من ضمان وقف إطلاق النار.

أما بعد

الخطة المصرية، بحسب مصادر الحكومية الثلاثة، بدون استعداء كامل للإمارات، وبدون نية عرقلة التعاون مع إسرائيل أو التراجع عن التقدم الذي حدث في العلاقة الثنائية عبر السنوات السبع الماضية، هي السعي باستمرار لعدم خسارة الدور المصري في القضية الفلسطينية.

في سياق هذا الدور، وبحسب المصادر نفسها، تمهد الوفود الأمنية والاتصالات السياسية الجارية الآن لاتفاق أمني، بهدف التأسيس لهدنة طويلة الأمد، وهو الأمر غير المحسوم بسبب الوضع الداخلي في إسرائيل وخطط نتنياهو قبل الانتخابات التشريعية في خريف العام الجاري، وهي الخامسة في أقل من 18 شهرًا.

ويواجه نتنياهو، وهو السياسي الأكثر بقاءً في مقعد رئيس حكومة الاحتلال، إذ يتولى المنصب بشكل متواصل منذ عام 2009، عقبة وجودية مع فشله في الانتخابات الأربع الماضية، في تأمين أغلبية نيابية تسمح بتشكيل الحكومة، كما فشلت المحادثات الائتلافية عدة مرات في ذلك أيضًا. ويعتمد نتنياهو على الانتخابات كرافعة تنقذ مستقبله السياسي، إذ إنه سيواجه خطر المحاسبة القانونية بما يتضمن الحبس في اتهامات موجهة ضده بالفساد المالي والإداري.

التحرك الثاني من مصر في هذا الشأن، بحسب المصادر الحكومية، يرتبط بالتنسيق مع «رباعية ميونخ» (مجموعة عمل من وزراء خارجية مصر والأردن وألمانيا وفرنسا، تم تشكيلها فى فبراير 2020) وكل من السلطة الفلسطينية وإسرائيل لإطلاق مباحثات ربما تبدأ غير مباشرة حول إعادة إطلاق التفاوض على أساس حل الدولتين من حيث توقفت قبل أكثر من عقد.

ويلفت المصدر الحكومي الأول إلى أن التحرك المصري لإعادة الاهتمام الدولي للقضية الفلسطينية بدأ قبل رحيل ترامب عن البيت الأبيض، عندما سعت مع كل من الأردن وفرنسا وألمانيا لخلق منصة دبلوماسية جديدة، عرفت بـ«رباعية ميونيخ»، للنقاش حول القضية الفلسطينية وطرح أفكار لإعادة إحياء العملية السياسية، ما كان تمهيدًا لابداء إدارة بايدن الاهتمام بها مع تجاوز الشهور الأولي في الحكم. 

وبالتوازي مع عودة التفاوض، بحسب المصادر الحكومية الثلاثة، تجري «القاهرة» مناقشات داخلية ومع حماس والسلطة حول ملف إعادة الإعمار، وحتى في حال لم تتمكن «القاهرة» من ضمان إطلاق سريع لعملية سياسية بالتعاون مع الأطراف الإقليمية والدولية، فإنها تسعى إلى أن تكون منسقًا رئيسيًا في هذا الملف، وذلك في سياق اهتمام مصري أوسع مؤخرًا بعمليات إعادة الإعمار سواء في غزة أو العراق أو ليبيا أو سوريا.

 وترى «القاهرة» بحسب المصادر، أن انخراطها في إعادة الإعمار في غزة يمكن أن يطمئن إسرائيل التي لا تريد، بحسب تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي أن تستغل حماس حركة إعادة الإعمار لإعادة بناء قدراتها. ولذا تسعى مصر لتقديم ضمانات أمنية كافية لإسرائيل بحيث لا تعترض على آلية منسقة دولية لإعادة إعمار غزة.

كما تسعى مصر، بحسب المصادر الثلاثة، إلى إقناع حماس والجهاد وباقي الفصائل للتحرك نحو استعادة حوار الفصائل رغم تحفظ حماس الشديد بسبب بقاء عباس في السلطة.  

عن الكتّاب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن