تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
مصر تناقش «النقد الدولي» في قرض جديد محتمل

مصر تناقش «النقد الدولي» في قرض جديد محتمل

كتابة: بيسان كساب، دانيال أوكونيل، عايدة سالم 9 دقيقة قراءة

تواصلت مصر مع صندوق النقد الدولي خلال الأشهر القليلة الماضية للنظر في إمكانية الحصول على قرض جديد إذا دعت الضرورة، بحسب مسؤولين حكوميين اثنين، وثالث مسؤول حكومي سابق، ورابع دبلوماسي غربي يعمل في القاهرة، وخامس مسؤول بارز بإحدى المجموعات المالية في مصر، تحدثوا إلى «مدى مصر» خلال الأسبوعين الماضيين بشكل منفصل، بشرط عدم كشف هوياتهم.

أشارت المصادر إلى أن القرار المصري للتقدم رسميًا بطلب الحصول على قرض يتوقف على ما ستجنيه مصر من مصادر الاقتراض الأخرى التي اعتمدت عليها في السنوات الأخيرة، وبالأخص: سوق الديون، وودائع الحلفاء من دول الخليج، وبيع الأصول الذي يتولاه صندوق مصر السيادي.

وعبر هذا القرض، تسعى مصر لتحقيق أهداف متنوعة، أحدها رمزي باعتبار الموافقة عليه تمثل «شهادة ثقة» في الأداء الاقتصادي، طبقًا لوجهة النظر الحكومية، وهدف آخر مادي يتمثل في أموال الصندوق منخفضة الفائدة مقارنة بسوق الديون.

يأتي هذا على خلفية أزمات عدة تواجه الاقتصاد المصري. من ناحية، يُنتظر أن تتزايد احتياجات الحكومة هذا العام للحصول على تمويلات لضمان الوفاء بالتزاماتها، خصوصًا في ظل استمرار ضعف الاستثمارات الخارجية المباشرة، وعدم كفاية عائدات التصدير بشكل عام. ومن ناحية أخرى، هناك تحديات مختلفة تنتظر منابع الديون المعتادة، بعضها بسبب تقلبات اقتصادية يشهدها العالم هذه الأيام، والأخرى بسبب علاقات إقليمية معقدة.

اعتمدت مصر بشكل أساسي على الديون الخارجية بأشكالها المختلفة خلال السنوات الماضية. بحسب آخر تقارير البنك المركزي، بلغ إجمالي حجم الدين الخارجي 137.9 مليار دولار بنهاية يونيو الماضي (بزيادة قدرها 14.4 مليار دولار عن نهاية يونيو 2020). هذه القيمة لا تمثل كل أشكال الديون الخارجية، لأن الأرقام الرسمية المصرية تستبعد بعض الأشكال من حساباتها، مثل السندات المحلية التي يشتريها الأجانب، كما سيتضح لاحقًا.

تنوعت أشكال هذه الديون. بعضها جاء في صورة قروض من مؤسسات إقراض دولية أهمها صندوق النقد الدولي.

حصلت مصر على قرضين من الصندوق خلال الأعوام الستة الماضية. الأول كان في 2016 بقيمة 12 مليار دولار عبر آلية تسهيل الصندوق الممدد. الميزة في هذا النوع هو ارتفاع حجم القرض وطول مدة السداد، والتي قد تصل إلى عشر سنوات، كما أنها لا ترتبط بمشاريع محددة وإنما تدخل إلى الموازنة.

القرض الثاني كان في 2020 بقيمة 5.2 مليار دولار، بعد تفجر أزمة «كورونا»، واستند إلى آلية الاستعداد الائتماني. ويعد هذا النوع قرضًا قصير الأجل ولا تتجاوز مدة السداد المتاحة له خمس سنوات.

هذه المرة، بحسب مسؤول بارز بإحدى أهم المجموعات المالية في مصر، سيستند القرض الجديد في حالة إتمامه إلى نفس الآلية الأخيرة.

اختلفت المصادر حول القيمة المتوقعة للقرض، لكن مَلمحين أساسيين لا يبدو أن هناك خلافًا عليهما.

الملمح الأول هو نوعية القرض. أشار مصدر المجموعة المالية إلى أن الصندوق رفض اقتراحًا مصريًا أن يتم القرض باستخدام نفس الآلية التي حصلت بها مصر على قرض 2016. لكن رفض الصندوق استند إلى أن هذه الآلية تمثل حالة استثنائية ترتبط فقط بالأزمات الكبيرة. النوع الثاني المطروح حاليًا للتفاوض هو، بحسب المصدر نفسه، آلية الاستعداد الائتماني، التي تماثل قرض 2020.

الملمح الثاني هو وجود شروط ملحقة بالقرض سيكون على مصر الالتزام بها. بحسب المسؤول في المجموعة المالية، أعرب الصندوق خلال المفاوضات عن إحباطه من انخفاض الاستثمار الخاص، وعدم استجابة الجانب المصري إلى مطالب الصندوق بتعديل قانون المنافسة.

بعض المصادر أشارت كذلك إلى احتمالية أن يشترط الصندوق إجراءات تقشفية جديدة تتعلق بتقليص الدعم. لكن مصدر المجموعة المالية يعتبر أن مصر لا تحتاج إلى اشتراط هذا من قبل الصندوق لأنها «مَلكية أكثر من الملك فيما يتعلق بالتقشف»، بحسب تعبيره. التوجه المصري لتقليص الدعم مستمر في كل الأحوال.

الشرط الأهم، بحسب إجماع المصادر، هو توقف مصر عن دعم سعر الجنيه في السوق. على الرغم من تحرير سعر الصرف ضمن خطة إعادة الهيكلة الاقتصادية في 2016، حافظ البنك المركزي على استقرار قيمة الجنيه عند حدود 15.7 جنيه للدولار الواحد. لتحقيق هذا الاستقرار، اضطر البنك المركزي كذلك للتدخل بشكل غير مباشر عبر البنوك المحلية المملوكة للدولة للدفع بدولارات في السوق. وبحسب المصادر، فإن نسبة الانخفاض المرتقب في قيمة الجنيه لن تتجاوز 5%.

تخفيض قيمة الجنيه، حسبما يوضح الباحث في الاقتصاد السياسي، وائل جمال، سيشكل تحديًا للحكومة للوصول إلى قيمة تُرضي مطلب الصندوق دون أن يتسبب هذا في أذى كبير لمستويات المعيشة في مصر، والتي تسهم سياسة دعم الجنيه هذه في حمايتها.

في آخر قرض حصلت عليه مصر، منتصف 2020، أشار خبراء الصندوق إلى عدد من المخاطر التي قد تواجه مصر. استند هؤلاء الخبراء في تقييمهم إلى افتراض عودة النشاط الاقتصادي المحلي والدولي لطبيعته بحلول نهاية 2020. «مع هذا، قد تتسبب صدمة أكبر و/أو أطول للنشاط الاقتصادي، وتأخر التعافي، في تفاقم التمويلات العامة، بما يتسبب في احتياجات تمويلية أكبر، ودين عام أكبر، ومخاطر لاستدامة الدين»، بحسب تقرير الخبراء. «الأكثر، قد يتسبب تضييق أكبر في ظروف التمويل الدولية في تجديد الضغط على تدفق رأس المال وتكاليف الاقتراض الحكومي».

ظروف التمويل الدولية هذه يُقصد بها بشكل أساسي سوق السندات، أحد أهم أشكال الديون. تحصل الحكومة على ديون في صورة سندات دين مختلفة تُباع للتجار الأجانب في سوق الديون. الميزة في هذا النوع أنه يأتي دون شروط حول طرق إنفاقها أو مدى التزامها بخطة إصلاح اقتصادي. تاجر الديون يهتم فقط بسعر الفائدة الذي سيحصل عليه مقابل إقراض مصر، وبمدى قدرة مصر على الالتزام بسداد ديونها وفوائدها في مواعيد استحقاقها.

لكن، هناك مخاطر جديدة تهدد جاذبية السندات خلال هذا العام. أولها هو التوجه المرتقب لكبرى اقتصادات العالم، على الأخص الولايات المتحدة، لرفع سعر الفائدة في محاولة لوقف التضخم المستمر. ومع ارتفاع سعر الفائدة الأمريكية، تصبح أدوات الدين هناك أكثر جاذبية. في النهاية، المخاطر التي يتحملها التجار في أدوات الدين العالمية أقل بكثير من مخاطر الاستثمار ذاته في مصر. كما أن عائد الاستثمار في أسواق مثل مصر يتقلص بسبب التضخم العالمي. قد يدفع هذا تجار الديون للابتعاد باستثماراتهم والتوجه إلى أسواق أكثر أمانًا. هذه الأسباب هي التي تدفع وكالة «بلومبرج» لاعتبار مصر -إلى جانب أربع دول أخرى- ضمن الأكثر قابلية لهذه المخاطر.

تتباين طبيعة هذه المخاطر طبقًا لنوع السندات. تستخدم مصر نوعين أساسيين. الأول تُصدره بالجنيه المصري، والثاني بعملات أجنبية (أهمها الدولار طبعًا). في كلا النوعين، يحصل تجار الديون الأجانب على فوائدهم في نهاية الأمر بالعملة الأجنبية. وفي كلا النوعين، تضطر مصر لعرض أسعار فائدة عالية لكي تتمكن من اجتذاب التجار.

سندات الجنيه المصري مهمة للعملة المحلية. التاجر الذي يسعى للاستثمار فيها مضطر للحصول على جنيهات مصرية ليشتري السندات بها. يخلق هذا طلبًا عالميًا على الجنيه، ما يساهم في الحفاظ على قيمته خصوصًا مع فشل الوسائل الأخرى (مثل الاستثمار الأجنبي المباشر أو الصادرات).

وبسبب هذا، توافق مصر على منح فوائد ضخمة على هذه السندات. هذا العام، من المتوقع أن تصل عائدات سندات الجنيه إلى 17% (مرتفعة من 13% العام الماضي)، لتصبح الأكبر في العالم، بحسب توقعات نقلتها وكالة «بلومبرج» في تقرير لها. وبسبب هذه الفائدة الضخمة، ترجح هذه التوقعات أن تحافظ هذه السندات على جاذبيتها في سوق الديون العالمي. لكن هذا النوع من الديون لا يدخل ضمن الحسابات الرسمية للديون الخارجية المصرية.

الوضع يختلف بالنسبة للنوع الثاني من السندات، تلك التي تصدر بالدولار (أي يشتريها التاجر ويحصل على عوائده منها بالدولار مباشرة دون الاضطرار لتغيير العملات). متوسط الفائدة على هذا النوع من الديون يتحدد عالميًا. ومثل النوع الأول، اضطرت مصر لعرض فائدة أعلى من المتوسط العالمي كي تتمكن من اجتذاب تجار الديون إليها.

لكن، بسبب التغيرات الاقتصادية العالمية، لم تعد الفائدة التي تعرضها مصر على هذا النوع من السندات كافية. بحسب تقرير «بلومبرج»، خسر تجار هذا النوع 8% العام الماضي في مصر. يعني هذا، كما يشير جمال، أن مصر سيكون عليها النظر في زيادة نسبة الفائدة للحفاظ على جاذبية سنداتها الدولارية.

البعض الآخر من الديون جاء من دول صديقة (الخليج وعلى رأسها السعودية والإمارات)، حصلت عليها مصر في صورة ودائع قبل سنوات. بلغ إجمالي ودائع الخليج 15 مليار دولار (حوالي 11% من إجمالي الدين الخارجي المصري) بنهاية العام المالي الماضي. 5.3 مليار منها قيمة الوديعة السعودية، و5.7 مليار قيمة الوديعة الإماراتية.

لكن، الأمر لم يعد سهلًا مثلما كان. قبل شهور، طلبت مصر من الإمارات والسعودية ودائع جديدة. بحسب مصدر حكومي، رفضت الإمارات تقديم وديعة جديدة، مكتفية بالوديعة القديمة.

بالنسبة للسعودية، يشير نعمان خالد، المحلل الاقتصادي في «أرقام كابيتال»، إلى أن السعودية طلبت أن تسدد مصر ثلاثة مليارات منها، على أن تعيد السعودية تحويلها لمصر في صورة وديعة جديدة. قامت مصر بالفعل بهذا. وفي أكتوبر الماضي، وافقت السعودية على إيداع الوديعة الجديدة، وتمديد المتبقي كوديعة سابقة قيمتها 2.3 مليار دولار.

المصدر أضاف كذلك أن الزيارة التي بدأها الرئيس عبدالفتاح السيسي اليوم للإمارات ستكون الأولى ضمن عدد من الزيارات يتم ترتيبها لعدد من العواصم الخليجية خلال الأسابيع القادمة، قد تثمر عن اتفاقات تعاون مالي مباشر. لكن، حتى الآن، لا توجد ملامح واضحة لهذه الاتفاقات.

حتى تتضح هذه الملامح، يظل الوضع الراهن كما هو. الوضع الآن هو أن إجمالي الودائع الخليجية انخفض بقيمة 2.2 مليار دولار في نهاية السنة المالية الأخيرة عن السنة التي سبقتها.

وفي المقابل، تحتاج الحكومة بصورة مستمرة لسيولة من الدولارات لتغطية واردات منها ما يتعلق بإمدادات الغذاء الرئيسية مثل الأرز والزيت، وضمان استقرار المخزون الآمن من السلع الغذائية الرئيسية التي ارتفعت أسعار بعضها في السوق الدولية لأسباب متنوعة، من بينها تأثر خطوط الإمداد بفعل الوباء، وتأثر بعض المحاصيل بسبب التغير المناخي.

يشير جمال كذلك إلى أن ما يحل سداده من أقساط وفوائد ديون قصيرة وطويلة الأجل يتجاوز 36 مليار دولار خلال السنة المالية التي تنتهي آخر يونيو 2022، بحسب أرقام البنك المركزي. يمثل هذا نحو ربع إجمالي الدين الخارجي لمصر، كما أنه يقارب فعليًا نحو 90% من إجمالي احتياطي النقد الأجنبي المصري في يونيو 2021.

وبسبب هذه التعقيدات، أصبح اللجوء إلى الصندوق مرة ثالثة في غضون ستة أعوام خيارًا مطروحًا.

من ناحية، ستحصل مصر على قدر من الأموال بسعر فائدة أقل بكثير مما تدفعه في سوق السندات (حوالي 1.5-2% فقط). لكن القرض الجديد يتجاوز قيمته المالية، لأنه يفتح الباب أمام أدوات اقتراض أخرى تحتاجها مصر بشدة. كما لاحظت الباحثة سلمى حسين، في تقريرها عن حالة الدين الخارجي المصري، فإن الصندوق يربط بين قدرة مصر على سداد ديونها، واستمرار قدرتها على الاقتراض من أسواق المال الدولية. ولهذا تعتبر الحكومة أن حصولها على قرض جديد من الصندوق يمثل «شهادة ثقة جديدة» في الاقتصاد المصري تُسهم في تشجيع «الاستثمارات الخارجية في مصر، وأيضًا الاستثمارات في أذون وسندات الخزانة المصرية»، بحسب تعبير مصدر حكومي سابق على تواصل مع دوائر صندوق النقد الدولي في واشنطن.

وفي كل الأحوال، فإن تفاقم الديون الخارجية المصرية بشكل عام على اختلاف مصادرها يمثل خطرًا مستمرًا في حالة حدوث أي أزمات عالمية قد تؤثر على تدفق الديون أو قدرة مصر على الالتزام بسدادها.

عن الكتّاب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن