تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
جدل حول نوايا الحكومة.. خفض الدين أم إخفاؤه؟

جدل حول نوايا الحكومة.. خفض الدين أم إخفاؤه؟

كتابة: بيسان كساب 8 دقيقة قراءة

تقدم عضو اللجنة الاقتصادية في مجلس النواب، محمد فؤاد، قبل أيام بطلب إحاطة في مجلس النواب بشأن عدم التزام الخطاب الحكومي حول خفض الدين العام بأحكام قانون المالية العامة الموحد، وبـ«الأخص فيما يتعلق بمفهوم دين الحكومة العامة واحتساب مؤشرات المالية العامة».

وطالب فؤاد الحكومة بتوضيح أسباب «عدم الالتزام بالتعريف الوارد بقانون المالية العامة الموحد عند الحديث عن خفض الدين العام [...] بما يحسن المؤشرات شكليًا دون خفض العبء السيادي الحقيقي»، مضيفًا أن «استراتيجية المالية العامة [...] وما تضمنته من جداول ومستهدفات كمية قد اعتمدت تعبيرًا معياريًا منقوصًا للدين العام، إذ انحصرت المؤشرات المستخدمة بشكل واضح في دين أجهزة الموازنة العامة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي».

طلب الإحاطة جاء بعد أسابيع من الجدل الذي أثاره إعلان حكومي عن خطة مرتقبة لخفض الدين الحكومي بنسبة غير مسبوقة، تلاه تكرار فكرة من المصرفي وعضو لجنة الاقتصاد الكلي الاستشارية لرئيس مجلس الوزراء، حسن هيكل، يقترح فيها نقل أصول مملوكة الدولة، من بينها قناة السويس، إلى البنك المركزي مقابل تسوية ديون حكومية.

ويعد ملف الدين أحد أبرز الملفات الشائكة التي واجهت الحكومة خصوصًا خلال الأعوام القليلة الماضية، ودفعها إلى اللجوء لما وصفه البعض بـ«ألعاب محاسبية» للتقليل من حجم الدين أو تأثيره.

كان رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي قد أعلن قبل نحو شهر، أن الدولة «تعمل من أجل النزول بالدين كنسبة لم تشهدها الدولة المصرية منذ عرفت الدين قبل 50 عامًا حيث يتم العمل على هذا الملف بقوة، وهناك متابعة لهذا الأمر»، دون أن يوضح كيفية الوصول إلى هذا الهدف، وهو ما أثار جدلًا واسع النطاق حول نية الحكومة لخفض الدين إلى هذا المستوى التاريخي. لكن مدبولي خلال حديثه تساءل: «كيف نرى شكل الدين؟»، مجيبًا أنه منذ عامين كان الدين يُمثل 96% من الناتج المحلي الإجمالي، واليوم يصل إلى 84%. وهو ما يرجح أن رئيس الوزراء كان يعني بذلك دين أجهزة الموازنة العامة، أي الدين الذي تتحمله الموازنة العامة، لا إجمالي الدين العام.

بحسب بيانات وزارة المالية، بلغ دين أجهزة الموازنة العامة في يونيو الماضي 85.6% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما وصل دين الحكومة العامة إلى 95.3% من الناتج المحلي.

بعدها بأيام، أوضح مدبولي، خلال مؤتمر صحفي، أنه كان يقصد بحديثه نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، دون توضيح نطاق هذا الدين، قائلًا: «السنة دي السيناريوهات بتاعتنا بتقول إنها [نسبة الدين] هتنخفض، ولكن احنا بنعمل على مجموعة من الإجراءات زي ما بأكد واللي قلت إن شاء الله الأيام القادمة تشهد الإعلان عنها».

مصدر برلماني على صلة بالحكومة طلب عدم ذكر اسمه قال لـ«مدى مصر»: «ما علمته أن رئيس الوزراء أراد في حديثه فقط إعادة إنتاج بيانات معلنة بالفعل من قبل وثائق حكومية متعددة تلتزم فيها الحكومة بخفض دين أجهزة الموازنة إلى مستوى أقل من 70% خلال خمس سنوات في حديثه عن خفض هذا الدين لمستويات قياسية دون أن يحدد طبيعة هذا الدين، فإذا نجحت الحكومة في الوصول إلى هذا المستوى من دين أجهزة الموازنة فهو أمر فعلًا سيعد ربما الأقل خلال خمس عقود أو نحو ذلك»، مضيفًا «أما رأيي الشخصي، فهو أن إعادة إنتاج هذه الوعود على هذا النحو كان يهدف إلى رفع شعبيته في الوقت الذي يحتمل أن يكون قلقًا من تعديل وزاري مزعوم».

وعلى سبيل المثال، تنص استراتيجية المالية العامة متوسطة الأجل، الصادرة عن وزارة المالية في نهاية ديسمبر الماضي، على خفض دين أجهزة الموازنة إلى 69.9% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2029-2030.

وقبلها بأيام، كان بيان حول لقاء رئيس الجمهورية، عبد الفتاح السيسي، بمدبولي ومحافظ البنك المركزي حسن عبد الله، ووزير المالية أحمد كوجك، نقل عن المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية قوله إن الاجتماع تناول خفض دين أجهزة الموازنة للناتج المحلي و«تحسين مؤشرات دين أجهزة الموازنة وكذلك فاتورة خدمة أعباء الدين»، دون أي إشارة إلى الدين العام.

لكن، وكما أشار فؤاد في طلب الإحاطة الذي تقدم به، تعليقًا على ما وصفها بـ«بعض المقترحات»، فإن «مبادلة الأصول أو الالتزامات داخل نطاق الحكومة العامة لا يترتب عليها من منظور قانون المالية العامة الموحد أي خفض صاف في عبء الدين السيادي طالما ظلت هذه الأصول والديون ضمن نفس النطاق الذي تتحمل عنه الدولة المسؤولية المالية النهائية».

أحد هذه «المقترحات» كانت ما طرحه هيكل للمرة الأولى في يناير 2025، قبل أن يُعاد طرحه مجددًا في وسائل إعلام مختلفة عقب تصريحات رئيس الوزراء، وما تلاها من تكرار هيكل لمقترحه، وبسبب تقرير نشره موقع «القاهرة 24»، الاثنين الماضي، تحدث عما قال إنها ملامح أولية لـ«الخطوة الكبرى لخفض الدين» التي يفترض أن تدرسها الحكومة وتعلن عنها لاحقًا.

وتبعًا لتقرير «القاهرة 24»، يستهدف الحل الحكومي المزمع خفض دين أجهزة الموازنة بقيمة تتراوح بين 600 مليار جنيه إلى تريليون جنيه، بما يعادل نحو 3.4% من الناتج المحلي، وذلك عبر مسارين، أحدهما «قد يكون الأقرب» بحسب وصف التقرير، ويتمثل في «مبادلة الدين مقابل أسهم في شركة ذات كيان قانوني مستقل تنقل لها أصول جيدة قابلة للتطوير، وتحصل الجهات التي تقوم بمبادلة الدين على أسهم وتساهم أيضًا وزارة المالية في رأس مال الشركة».

وأشار التقرير إلى أن الجهات التي ستشارك في إنشاء الشركة تتضمن هيئة قناة السويس، وهيئة التأمينات الاجتماعية، وهيئة التأمين الصحي الشامل، والبنك الأهلي، وبنك مصر. وفي المقابل، ستتضمن الأصول التي ستنقل للشركة، قطعة أرض في الزعفرانة، مع السماح لها باستثمارها والدخول في شراكات استثمارية مع القطاع الخاص المصري أو الأجنبي، كما سيسمح لوزارة المالية ببيع أسهم في الشركة للهيئات المساهمة بها بعد زيادة رأس المال.

وبحسب المصدر البرلماني الحالي، فإن الطرح الذي نشره «القاهرة 24» يعبر عن تطوير لفكرة حسن هيكل التي تضمنت نقل أصول للبنك المركزي -من بينها قناة السويس- مقابل ديون حكومية، وهو تطوير للفكرة من المرجح أن وزير المالية من يقف وراءه، إن صح هذا الطرح، لافتًا إلى أن «الفكرة في صورتها الأولى قد طرحت بالفعل من قبل هيكل في جلسة مغلقة بين رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي، وزير المالية أحمد كوجك، ومحافظ البنك المركزي حسن عبد الله، لكنها واجهت رفضًا قاطعًا من عبد الله».

وكان هيكل قد برر في جلسة بمنتدى الفكر الاقتصادي في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، بحضور أساتذة اقتصاد ومصرفيين بارزين، من بينهم محافظ البنك المركزي الأسبق محمود أبو العيون، ما طرحه بضرورة تحرير الموازنة العامة من أعباء الفوائد لزيادة الإنفاق على الصحة بالذات، قائلًا إن الوقت حان ليتمتع الشعب كله بالتأمين الصحي الشامل، وهو ما ليس ممكنًا -من وجهة نظره- دون اللجوء إلى تلك الفكرة، مضيفًا أن اللجوء لبيع الأصول لا يمكن أن يحل أزمة الفوائد في الموازنة العامة التي تتجاوز كثيرًا أي تقييم محتمل للأصول التي قال إن حصيلة بيعها لا يمكن أن تتجاوز التزامات الفوائد في شهرين في المتوسط. 

في السياق، نصت استراتيجية المالية العامة متوسطة الأجل على أن الحكومة ستوجه نحو 50% على الأقل من عمليات التخارج وبيع الأصول وأى عوائد استثنائية أخرى لتخفيض الدين.

في المقابل، واجه مقترح هيكل حينها انتقادًا عنيفًا، بدعوى أنه مجرد نقل محاسبي لأعباء الدين من ناحية، ولتعارضه الشديد مع ضرورة استقلال السياسة النقدية عن السياسة المالية، فضلًا عن تعارضه مع قانون البنك المركزي نفسه الذي يحدد اختصاصاته، ويجعل البنك المركزي مديونًا للبنوك التي يراقبها -كونه ينقل الدين الحكومي للبنك المركزي-، إلى جانب كونه لا يعالج الأسباب الأصيلة لتضخم الدين العام نفسه، والتي ترتبط بعيوب إدارة السياسة المالية.

وتبعًا للمصدر البرلماني نفسه، فما نشره الموقع يحمل نفس منطق المقترح الذي طرحه هيكل من حيث نقل الأصول الحكومية مقابل شراء ديون، بهدف خفض الديون التي تشملها الموازنة العامة فقط، عبر نقل عبئها إلى خارج الموازنة العامة بأي طريقة، لكنها تبقى ديونًا مستحقة على الدولة بصورة أو أخرى، مضيفًا: «رغم أنه لا يمكن التيقن الكامل من صحة ما نشر، إلا أن ما يستهدفه هذا المقترح من الناحية الكمية (خفض بقيمة 3.4% في دين أجهزة الموازنة الى الناتج المحلي) يتسق بشكل تقريبي مع مستهدف الحكومة في العام المالي الحالي».

وتستهدف الحكومة خفض دين أجهزة الموازنة بنهاية العام المالي الحالي -نهاية يونيو القادم- إلى مستوى 81.8% من الناتج المحلي الإجمالي.

بدوره، اتفق مصدر برلماني سابق مع هذه الرؤية، موضحًا أن ما طرح في هذا السياق، لا يعدو كونه إعادة إنتاج تجربة نقل الاستدانة الجديدة من الوزارات التي تشملها الموازنة العامة إلى الهيئات التي لا تضمها الموازنة العامة، وهي الهيئات الاقتصادية. فقد نجد هيئة تابعة لوزارة مثلًا تستدين بدلًا من الوزارة التي تضمها الموازنة العامة بعكس الهيئة، على أن تستدين تلك الهيئة استنادًا إلى ضمانة تصدرها وزارة المالية نفسها، وهي ضمانات أصبحت تشكل أحد المخاطر على سلامة الوضع المالي للموازنة العامة، لأن وزارة المالية ينبغي عليها تسديد تلك القروض إذا تعثرت الهيئات في تسديدها.

وكان تقرير برلماني نشره «مدى مصر» في أبريل الماضي، تناول ملاحظات الجهاز المركزي للمحاسبات حول الحساب الختامي لموازنة 2023-2024، كشف أن بعض الهيئات خارج الموازنة تعثرت بالفعل، وهو ما اضطر وزارة المالية إلى تسديد مديونيات نيابة عنها.

وأضاف المصدر أن «هذا الطرح الجديد أو غيره من الأفكار الشبيهة ستستفيد منه في المقام الأول وزارة المالية لأنه يصلح صورة الموازنة العامة، والتي يشكل إعدادها على نحو ملائم أهم مسؤوليات الوزارة، ومن شأن تلك الأفكار أن تنقل عبء الإنفاق على الفوائد إلى خارج الموازنة العامة، رغم أنه لا يغير من حقيقة الأعباء على الدولة بشكل أو آخر».

وتبعا لأحدث البيانات المتوافرة حول المعاملات الرئيسية للموازنة العامة، تجاوزت تكلفة الفوائد في الموازنة العامة 96% من إجمالي الإيرادات من يوليو إلى نوفمبر الماضيين، تبعًا لبيانات التقرير المالي الشهري عن ديسمبر الماضي والصادر عن وزارة المالية، والذي أظهر أن تكلفة الفوائد بلغت 1.061 تريليون في الوقت الذي بلغت فيه إجمالي الإيرادات 1.1 تريليون تقريبًا.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن