مشّاء يكتب صوت المكان
هذا النص ضمن العدد 09# من «مُنتهى الأدب»
في كتاب «صوت المكان.. سيرًا على الأقدام في جغرافية مصر»، نحن مع رحلة عظيمة في المكان والجغرافيا مع تاريخ المكان، مع أصله وتكوينه، وما أنتجه من حكايات. نقرأ ما يحدث فيه الآن، أو عبر السنوات السابقة من تغيرات أنتجتها البيئة، أو السياسة الغاشمة التي لا تفهم معنى التراث الطبيعي أو الإنساني.
المؤلف هو عاطف معتمد، أستاذ الجغرافيا في كلية الآداب جامعة القاهرة، والحاصل على الدكتوراه من جامعة سان بطرسبرج الروسية، وعلى جائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاجتماعية لعام 2009.
من مؤلفاته «ما بعد الشيوعية.. الدين والثورة والقومية في زمن التحولات» و«الصراع الروسي الشيشاني في ضوء الرؤية الجغرافية لنزاعات القوقاز» وغيرها، ومن ترجماته «التصحر.. التهديد والمجابهة» تأليف آلان جرينجي و«النظام العالمي.. قديمه وحديثه» لنعوم تشومسكي وغيرهما.
تبدأ هذه الرحلة، بذكر رحلات اكتشاف الإنسان عبر التاريخ لأرض جديدة وعالم آخر، ومَن تحدثوا عنها شفاهيًا، أو كتبوا عن رحلاتهم مثل حرخوف، رجل الإدارة والحكم في أسوان في عهد القدماء المصريين 2280 ق. م، الذي لا تزال نصوص رحلته العجيبة منقوشة على جدران المقابر في البر الغربي لأسوان. كيف تطورت الكتابة حتى عصرنا فصار التدوين صوتيًا أو في فيديوهات، وكيف كان الحراك والدينامية يفتحان عيون المسافر على مشاهد مثيرة للاهتمام. أنواع السفر ما بين دبلوماسي وتجاري وأعمال، وبينها سفر نخبوي للمتعة الذاتية، ونوع آخر يقدم الجغرافيا لعوام الناس، وكيف يسعى معتمد في كتابه إلى مزج الفلسفة بالأدب سعيًا لتقريب الجغرافيا للقارئ العام، فلا تزال مصر أرضًا مجهولة لأهلها، قبل أن تكون كذلك للأغراب والأجانب، وكيف يمزج في السرد بين الحقائق والحكايات كأنه مقالات قصصية وأدب رحلة وذكريات سفر وجغرافيا اجتماعية معًا. باختصار بعد قراءتي يمكن أن تردد المقولة الرائعة؛ كيف تسمع ما تراه وترى ما تقرأ عنه.
يعنوّن معتمد الفصل الأول من رحلته/ كتابه بـ«شط إسكندرية» الذي يُحيل القارئ إلى أغنية فيروز الجميلة؛ شط إسكندرية.. يا شط الهوا.. رحنا إسكندرية ورمانا الهوى. شعرت أنه سيأخذني إلى آلام تحولات المدينة القاسية التي كتبت عنها، والذي سيتكرر حين يتحدث، في فصل الرحلة الثاني، عن الصحراء الغربية والساحل الشمالي؛ المكانين اللذين قطعتهما مشيًا بين المحطات، خلال أيام كتابتي لـ«لا أحد ينام في الإسكندرية»، حيث عشت بين بعض مناطقهما، لكن ربما كانت الأشجان عامل جذب أيضًا. نتعرف على كيف كشفت مشاهد الإسكندرية لمعتمد شخصية المدينة، كما فعل جمال حمدان في «شخصية مصر»، واكتشاف عالم الآثار الإنجليزي، سيريل فوكس، لشخصية بريطانيا. ونتأمل معه كيف تتأثر الأمم بروح المكان وأثر بيئته عليها، وكيف كانت الإسكندرية مدينة عالمية أو كوزموبوليتانية قبل 1952 وما جرى لها، وكيف تفقد حاليًا هوياتها العمرانية لصالح مباني «مُتريفة»، فيصبح البحث عن الإسكندرية الكوزموبوليتانية محض سراب.
يتجول في شرق الإسكندرية، ويحكي لنا عن بير مسعود، ونشأته جغرافيًا وبيئيًا، فهو المكان شبه مقدس عند البعض الذي يجلب السعادة والفأل الحسن وتحول إلى مكب نفايات للاستهلاك اليومي للسائحين أو الزوار، هكذا انتهى بير مسعود، المذكور في خرائط الجغرافيا قديمًا منذ 1933، بين مسجد سيدي بشر وكازينو ميامي، ولم تستطع مصلحة المساحة تجاهله أثناء الاحتلال الإنجليزي فجاء في خرائطها.
وخلال الرحلة، ننتقل إلى مسجد سيدي بشر الذي يذكِّره بما شاهده ويعرفه في رحلته عبر الساحل إلى حدود ليبيا، من مسميات لمدن أو أماكن مثل سيدي كرير وسيدي عبد الرحمن وصولًا لسيدي براني. مثل سان استيفانو في الإسكندرية، فـ«سان» هي المقابل المسيحي لسيدي، وكيف كان استيفانو أول شهيد في المسيحية في العصر الروماني. مسجد سيدي بشر وموقعه فوق تل يكشف البحر بشكل طبيعي، بينما اصطنعت مساجد أخرى لها طابقًا سفليًا وسلالم يصعد عليها المصلون للصلاة مثل مسجد القائد إبراهيم غربًا أو مسجد المندرة شرقًا. سيدي بشر تأتي أهميته من توسطه للساحل مشرفًا على البحر اللازوردي، فوق آخر تلال باقية في المدينة. يمكن اعتبار التل الذي أُقيم عليه المسجد درسًا جغرافيًا للأطفال، فحين تصعد التل الصغير وتدخل المسجد تستقبل القِبلة التي جاء منها اسم الوجه القبلي، ومن خلفك البحر أو الوجه البحري، الذي استلهمه النحات العظيم محمود مختار حين شيد تمثال سعد زغلول في محطة الرمل، فوضع امرأتين جميلتين تعبِّران عن أن مصر كلها مع الزعيم. واحدة تطل على البحر بزي الفلاحات، وواحدة تطل على الجنوب بزي نساء الصعيد. وهذه رؤية حقيقية للتمثال، أضيف إليها أنا طلة سعد زغلول علي البحر المتوسط، ويده التي تشير إليه. البحر الذي جاءت منه النقلة الحضارية الكبرى لمصر في العصر الحديث، والذي تطل عليه مصر بألف كيلومتر، والذي حين حولنا وجهنا عنه إلي الجزيرة العربية منذ السبعينيات، جاءت إلينا الوهابية وغيرها مما تنفض المملكة العربية السعودية يدها منه الآن، فصرنا إلى ما نحن فيه.
يتسكع معتمد في المدينة ليمر على شوارع صارت تحمل اسم محمد نجيب وجمال عبد الناصر وغيره، ولا أثر لأسماء قديمة كوزموبوليتانية. أتذكر مشهدًا في روايتي «طيور العنبر» وشخصية «العربي» الشاب الذي كان يعمل مع يونانية اسمها كاتينا، رحلت مع غيرها بعد سياسة عبد الناصر لإخراج الجاليات الأجنبية، وكيف وجد عملًا في البلدية أو مجلس الحي، فأوكل إليه تغيير لافتات الشوارع بلافتات جديدة، وكيف كان الجو صيفًا، لكنه أحس كأن في الدنيا مطرًا، ليكتشف أن دموعه تترقرق مع كل لافتة يخلعها ليضع اسمًا جديدًا.
سأحاول الابتعاد عن أشجاني وأعود إلى الكتاب، وفيه يصل معتمد إلى السكة الحديد، ليجد مدينة أخرى يسميها «دلتاوية»، ويقصد الريفية طبعًا، في تخطيطها وعشوائية بنائها. بين الاثنين ميدان فيكتوريا وشارع الجلاء أو جميلة بوحريد، حتى يصل إلى عزبة محسن، والتي صارت غابة خرسانية بعد أن اشتري الأراضي المهاجرون من الريف إلى المدينة، طبعًا لم يحدث هذا كله بعيدًا عن فساد الأحياء ومسؤوليها. تستمر رحلة معتمد حيث مكتبة الإسكندرية، وشارع سوتر الذي يوضح لك كيف جاء اسمه من أول حاكم بطلمي، وهو بطليموس الأول، الذي حمل اسم سوتر، أي المنقذ. لينتقل إلى الحضرة أو الحدرة، ثم الإبراهيمية والشاطبي. وقفة عند مقابر الشاطبي التي تعكس الروح الكوزموبوليتانية، وما فيها من جنسيات أو مذاهب كالأرثوذوكس والبروتستانت والكاثوليك، وكثيرًا ما ذهبت إلى هذه المقابر التي قفزت إلي روايتي «الإسكندرية في غيمة»، ومن موتاها كفافيس وغيره، هذه هي روح الإسكندرية العالمية.
ينتقل معتمد إلى النصب التذكاري لسعد زغلول، وكيف كان محله مسلتين من عهدي تحتمس الثالث ورمسيس الثاني، تم إهداء واحدة إلى إنجلترا في عهد اسماعيل المتورط في الديون، وموجودة الآن في لندن، والثانية أُهديت للولايات المتحدة وموجودة في نيويورك. ويصل إلى المنشية التي جاء اسمها من المعماري الذي خططها فرانشيسكو منشيني، وفيها تمثال محمد علي، وهو الأول في العالم الإسلامي لحرمة التصوير، والذي أنجزه الفرنسي جاكمار. تستطيع أن تجد الكثير عن ذلك، في كتابات حارس الإسكندرية، الدكتور محمد عوض، لكن عاطف معتمد يعتمد في رحلته على جولات متعددة، وكتابه ليس أكاديميًا، بل يقدم تجليات العقل والروح من أثر المشاهدة، ومن ثم ستجد الكثير من المعلومات الموجزة تصل إلى عقل القارئ وروحه بسرعة.
هكذا تمشي مع معتمد في أماكن ومبانٍ مثل جامعة سنجور وفندق ميرامار وقلعة قايتباي ومسجد البوصيري صاحب بردة البوصيري في مدح الرسول الكريم، لينتقل إلي الفصل الثاني كأنه تعليق على ما جرى، فيأتي عنوانه «الحق في المكان»، تخرج الرحلة من الإسكندرية إلى الساحل الشمالي الغربي الممتد حتى السلوم، وما حدث فيه عبر الثلاثين عامًا السابقة، وتراجع العجمي والساحل تحت الضغط الشعبوي عليه، وكيف أصبح حتى العلمين يُسمي بـ«الساحل الطيب»، بينما في الغرب من العلمين «الساحل الشرير» بسبب الطبقة الجديدة من الأثرياء التي شغلته. هكذا ضاع الحق في البحر بالقرى السياحية المغلقة على سكانها، وما بُمي في العلمين من أبراج شاهقة محرمة على غير أهلها. فصارت لدينا أماكن محرمة، ومن ثم يأتي معتمد بمصطلح «الجغرافيا المحرمة»، وكأن الإقطاع قد عاد بصورة أخرى، فقد كانت قصور الإقطاعيين محرمة على أهل الريف.
وخلال الرحلة، يحكي عن سيدي عبد الرحمن الذي جاء من ليبيا تاجرًا في طريقه للحج، فغدر به بعض رفاقه من قبيلته وقتلوه طمعًا في ماله، ثم قطعوا رأسه ودفنوها بين رمال التين والزيتون وحقول البطيخ. وكان أن رأوا يومًا بطيخة ضخمة فأخذوها إلى الباشا المصري العثماني في قصره بالقاهرة وقدموها له هدية، وما إن فتحوا الرداء الذي به البطيخة حتى ظهرت رأس عبد الرحمن، وسال منها الدم ولطّخ ثوب الباشا فأمر بقتلهم، وأُطلق عليه عبد الرحمن أبو بطيخة، وبنوا له ضريحًا وصارت له كرامات كثيرة عند البدو، لكن كراماته تراجعت بعد تجديد الضريح.
تنتقل رحلة الكتاب جنوبًا إلى بلاد النوبة وأسوان، ويجمع معتمد مشاهده عبر سنوات 2008-2022، ويقدم معلومات مدهشة مثل تسمية الخرائط لهضبة من الحجر الجيري هناك بـ«سن الكداب»، فكان معتمد يُسلي نفسه بالسؤال: هل حملت الهضبة اسم رجل كذاب كان يعيش عليها، ويتخيله مهرجًا ضاحكًا. لكنه وجد سبب التسمية في فقرة أحد أبحاث عالم الجيولوجيا المصري، البهي عيسوي، الذي كشف أن أصل الحكاية يرجع لقرون سابقة، حين كانت قوافل التجار بين مصر والسودان، يقتلها الظمأ والجوع من طول الرحلة التي تمر بواحات قليلة مثل كركر ودنقل، والتي يقع بينها أكثر من سن من المرتفعات، ومع كل سن يتصورون أنهم سينتهون من المشقة، فتهل أخرى، فأطلق الاسم عليها حتى لا ينخدع المسافرون بأول سن، وعليهم الاستمرار في شد الهمة، والاقتصاد في الطعام والشراب، فرحلتهم لا تزال طويلة.
في طريق عودته يتحدث عن توشكي ومشروعها، الذي بدأ عام 1998، ورؤيته لنجاح المشروع الذي عليه خلاف كبير، خاصة أن بحيرات توشكي الآن دون استغلال، ما شجع أثيوبيا على مشروع سد النهضة كما يقول البعض. يتحدث عن أماكن اختفت من الجغرافيا ودخلت التاريخ واندثرت، مثل منطقة «كُرُسْكو» التي كانت في منتصف النوبة المصرية قبل السد العالي. يشرح الاسم باللغة النوبية فهو يعني المجرور والكاسح، فـ«كور» تعني بلغة النوبة الصاعد، و«سيكو» تعني الهابط، والمعنى العام حالة صعود وهبوط القوارب، وخلال رحلته يشرح معاني أسماء الأماكن فجزيرة هيصا ليست كما يوحي اسمها بالرقص والطرب، لكن اسمها الحقيقي «هيسا» على الخرائط القديمة وتعني السكينة والاستلهام. أما فيلي فلقد تحولت إلى فِيَلَة، منطقة الشلال التي اندثرت، اسمها العلمي الجندل «كاتاراكت»، أي العائق الصخري الذي يعترض قلب النهر، وأسوان هجاء عربي لاسم مصري قديم هو «سين» أو «سيني»، وتعني السوق وتجارة العاج الذي هو سن الفيل. هكذا أنت مع التاريخ والجغرافيا معًا ودائمًا.
تستمر الرحلة ويتجه شمالًا، تحت عنوان «هل نسمع صوتًا للأقاليم؟»، ويعتمد معتمد على زيارات متفرقة لمدن مثل الأقصر والفيوم وغيرهما، بين سنوات 1995-2023، وحوادث تاريخية مثل وصول جيوفاني باتيستا بلزوني، لاعب السيرك الإيطالي، إلى مصر في عهد محمد على، الذي سرق آثار مثل النصف الأعلى لتمثال رمسيس الثاني من معبد الرمسيوم في البر الغربي بالأقصر، ونقله إلى لندن فصار درة التاج في المتحف البريطاني، وكيف تأسست مدارس غربية علمية لدراسة الآثار وليست مصرية، فاحتكرت مفاتيح العلم، وصار التهريب، ثم بعد ذلك تأجير قطع من الآثار المصرية للسفر حول العالم، تحقق منها هذه الدول أرباحًا هائلة، يقول معتمد إن قوص التي تراها ريفية الطابع كانت قبل ألف سنة أعظم مدينة مصرية بعد الفسطاط، ويتحدث عن عمارة قوص التراثية في مسجد العمري والكنيسة الإنجيلية، وتاريخ المدينة عبر العصور، ومنها ينتقل إلى قنا ومعالمها مثل مسجد عبد الرحيم القناوي، مغربي الأصل، وكذلك دندرة ومعبد حتحور الذي سُرقت قبته، أو دائرة البروج السماوية، التي صارت في متحف اللوفر الفرنسي، ثم نقلت إلى المكتبة الملكية. تستمر الرحلة في مدن مثل بلدة البلاص أو المحروسة كما أسماها أهلها فيما بعد، التي كانت قد اشتهرت قبل ظهور الأوعية المعدنية والبلاستيكية، بالأوعية الفخارية، ومن هنا جاء اسمها القديم. كما ينتقل إلي الكرنك، واصفًا الطرق والوديان المؤدية إلى البلدة، فتشعر كأنك تمشي فيها، وبعدها تصل الرحلة إلى المنيا، ويتحدث معتمد عن موقعها بين مناطق الجذب السياحي، الأقصر وأسوان جنوبًا والجيزة شمالًا، وهذا الموقع جعلها ضحية، كالابن الأوسط الذي لا يتمتع بهيبة وجلال الابن الأكبر، ولا برفاهية ودلال الابن الأصغر.
في فصل بعنوان «تسكع هادف»، تصل الرحلة إلى مصر العتيقة، أو القديمة، والسيدة عائشة ومجرى العيون والمقطم وفم الخليج والكورنيش يتحدث عن التجديد الذي يحدث في مناطق مثل تل العقارب، أو الكومباوندات الجديدة مثل «أب تاون كايرو» بالمقطم، وكيف تم ترحيل سكانها عنها من أجل البناء الجديد، فافتقدت الأماكن برحيلهم شيئًا من روحها. ثم ينتقل إلى مصر الصغرى، ويقصد بها سيناء.
كيف تمثل سيناء نموذجًا مُصغرًا لجغرافية مصر، فكل البيئات الجيوليوجية في مصر تجدها في سيناء في أصغر مساحة ممكنة، فهي تجمع بين البحرين الأحمر والمتوسط، وتضم الجبل والهضبة والسهل الرملي، وتجمع الحضر والبدو والريف. هي مدرسة الجغرافيا في مصر لا ينقصها غير نهر متدفق، لكن قبل ألفي سنة كان النيل يصل إلى شمال سيناء، متدفقًا من رأس الدلتا مارًا بشرقها الصحراوي، ليصب في شمال غربها في مصب عظيم، يصل بالمياه إلى البحر المتوسط. كان اسم هذا الفرع كما أسماه اليونان «بالوظة» أو بيلوز، وتعني باليونانية الطين اللزج، ومن هنا جاء الاسم العربي سهل الطينة. سيناء هي التصغير الاستراتيجي لكل ماضي مصر العسكري من الهكسوس حتى إسرائيل. كيف كانت أرض الفيروز والنحاس. الفيروز كان يسمى في اللغة القديمة «مفكات» وأرض النحاس «بيا» لأكثر من ألف وخمسمائة سنة. وبحيرة البردويل التي جاء اسمها من الملك الصليبي في القرن الحادي عشر، بلدوين ثم حُرف إلى بردويل، وهذا الملك استهدف سيناء ليحتل القاهرة. وفي وسط سيناء، يمر درب الحج المصري الموازي لطريق حربي شيده صلاح الدين الأيوبي في كفاحه ضد الصليبيين، يعبر درب الحج صحراء السويس قادمًا من القاهرة إلى سيناء ثم يجتاز العقبة إلى المدينة المنورة ومكة المكرمة.
في نهاية الرحلة ينهي معتمد كتابه الرائع بقصائد وقصص وروايات ولوحات فنية، تظهر الجغرافيا مدسوسة بها، مثل قصيدة روديارد كبلنج الفائز بنوبل التي تسمي «الفاظي واظي» التي يمجد فيها المهارات القتالية لشعب البجا في مناهضة الإنجليز أثناء الثورة المهدية 1881-1899 وجاءت القصيدة على لسان جندي إنجليزي. الفاظي واظي ليس اسمًا ولا صفة، لكنها كلمة صارت تعني «ما هو نافر على غير نظام» وربما يكون اسمًا أطلقه الإنجليز على تصفيف الشعر المجعد لأهل البجا وشظف العيش، وصار علامة على البسالة.
تنتهي من الكتاب وقد اتسعت روحك بحجم الفضاء، وعرفت الكثير من المعلومات التاريخية والجغرافية تصل إليك بمتعة فائقة. عشرون عامًا من التجوال بين يديك، كتبها معتمد كرحلة فارقة علمًا ولغة، تحمل دفء المشاعر مع دقتها، والمعرفة فلا يمر سطر دون معلومة تعكس عظمة البحث والباحث.
تقارير ذات صلة
عن معاني المخيم الفلسطيني
هذا النص ضمن «رُحنا وشُفنا» #21 «مُنتهى الأدب»
إيران البعيدة والمسكوت عنها
هذا النص ضمن «تقليب» #21 من «مُنتهى الأدب»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن