تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
مشاهد من سقوط النظام في دمشق.. «الأمر الذي يشبه الحلم»

مشاهد من سقوط النظام في دمشق.. «الأمر الذي يشبه الحلم»

كتابة: تمام صيموعة 8 دقيقة قراءة

الساعة الثانية عشرة ظهرًا من يوم السبت، مشهدٌ غير مألوف بدأ يتكشف على أطراف العاصمة السورية، حين تقدمت قوات الفصائل المعارضة المسلحة القادمة من جنوب البلاد باتجاه الغوطة الغربية، إحدى البوابات الرئيسية للعاصمة دمشق، وسط تراجع مفاجئ وغير منظم لقوات النظام.

الفصائل التي ظلت لسنوات محاصرة في مناطقها، استغلت انشغال النظام بمعركة وجودية للدفاع عن مدينة حمص، القلب الاستراتيجي لسوريا، وزحفت إلى دمشق تحت مظلة «غرفة عمليات الجنوب». نسقت فصائل المعارضة المسلحة تحركاتها في هجوم بدا منظمًا وسريعًا، كاشفًا عن ضعف دفاعات النظام في محيط العاصمة.

مع حلول منتصف الليل، أُسدِل الستار على مشهد درامي. القوات الحكومية التي طالما أحكمت قبضتها الأمنية على دمشق انسحبت من الحواجز والنقاط الرئيسية، تاركة المدينة أمام مصير مفتوح. الانسحاب لم يكن مجرد خطوة تكتيكية؛ بل بدا وكأنه إعلان غير مباشر عن سقوط العاصمة، إيذانًا بنهاية فصل من الحرب وبداية آخر لا تزال ملامحه غامضة.

عند الساعة الرابعة فجرًا، بدأت مجموعات من سكان الجنوب السوري تتدفق إلى العاصمة دمشق. كان كرم منذر، مهندس من مدينة السويداء، من بين أوائل الذين وصلوا. كرم، المطلوب أمنيًا للنظام منذ سنوات، قال لـ«مدى مصر» وهو يدخل دمشق للمرة الأولى منذ أكثر من عقد: «وأنا بانتظار سقوط النظام والدخول إلى دمشق، لم أستطع النوم طيلة يوم أمس. عامًا كاملًا وأنا أبعد عن دمشق 100 كيلومتر فقط، الآن يمكنني أخيرًا زيارة جامعتي وساحة العاصمة التي اشتقت إليها كثيرًا».

وصول الوافدين من الجنوب إلى دمشق لم يكن مجرد حدث شخصي. كان يعكس لحظة جماعية تحمل رمزية خاصة، فالعاصمة التي كانت مغلقة أمامهم لأسباب أمنية أو سياسية فتحت أبوابها. 

يوضح كرم أن وصوله إلى العاصمة لم يكن فقط للاحتفال بانتهاء حقبة الأسد، بل أيضًا للبحث عن قريب له قضى ثلاث سنوات في سجن صيدنايا، المكان الذي لطالما ارتبط بسمعة «المسلخ البشري»، حيث اختفى فيه آلاف المعتقلين السياسيين.

عند ساعات الصباح الأولى، وصلت قوات الفصائل القادمة من الشمال إلى قلب العاصمة دمشق. وبينما كانت الشوارع المحيطة بساحة العباسيين تستقبل المعتقلين الخارجين من السجون، بقي البناء الأحمر، داخل أحد أكبر سجون النظام «سجن صيدنايا»، صامدًا في وجه محاولات التحرير. المبنى، الذي اشتهر بكونه مقر احتجاز أشد معارضي النظام، لا يزال يُمثّل لغزًا أمنيًا بسبب الأبواب المخفية والأقفال الإلكترونية التي يصعب اختراقها دون تعريض حياة المعتقلين للخطر.

استطاع كرم لقاء أحد أقربائه المعتقلين. بعد سنوات من الانتظار، أوصلته سيارات الفصائل إلى ساحة العباسيين، حيث وجد قريبه الذي خرج للتو من جحيم الاعتقال. يقول كرم: «كان لقاؤنا أشبه بحلم. لم أتعرف عليه من شدة التغير الذي طرأ عليه. العيون منهكة، والوجوه أشبه بظلال لأشخاص كانوا يعيشون بيننا يومًا ما».

تحدثت مصادر من قوات الفصائل المسلحة لـ«مدى مصر» عن التحديات التي تواجههم في تحرير باقي المعتقلين داخل البناء الأحمر. الأبواب الإلكترونية الموصدة والممرات المخفية التي أنشأها النظام تجعل الوصول إلى المحتجزين مهمة معقدة. «النظام صمم هذا المكان كحصن لا يمكن اختراقه بسهولة، وما زلنا نحاول إيجاد طريقة آمنة لإخراج من تبقى هناك»، يقول أحد المقاتلين، مضيفًا أن التعامل مع الأقفال إلكترونيًا بدا مستحيلًا بسبب نقص المعدات المناسبة، واستخدام القوة النارية يُهدد حياة المحتجزين. 

لاحقًا، أعلن الدفاع المدني السوري «الخوذ البيضاء»، أمس، انتهاء أعمال البحث في سجن صيدنايا في سوريا دون العثور عن سراديب وزنازين سرية، فيما قدم طلبًا عقب ذلك للأمم المتحدة للحصول على خرائط بمواقع السجون السورية من الرئيس بشار الأسد الذي فرّ مع دخول الفصائل المسلحة دمشق وإعلانها إسقاط حكمه، حسبما قال مدير «الخوذ البيضاء»، رائد الصالح، في منشور على إكس.

صور الخارجين من السجن ترسم مشهدًا للواقع داخل هذه المعتقلات. الأجساد هزيلة، والعلامات على وجوههم تحكي عن سنوات من التعذيب القاسي. يقول أحد الأطباء الذين تطوعوا لعلاجهم في الميدان: «حالتهم الصحية كارثية، وبعضهم يعاني من انهيار نفسي وعقلي جراء ما تعرضوا له».

أحد الخارجين، لم يستطع الحديث سوى ببضع كلمات مبعثرة، فيما لا تزال علامات الذعر والخوف تسيطر عليه. شاب آخر، بالكاد في العشرينيات من عمره، يقول وهو يبكي: «لا أعرف كيف أعود إلى الحياة، كل شيء يبدو غريبًا».

مع انتشار خبر سقوط النظام، بدأت دمشق تستيقظ على مشهد آخر غير مألوف. خرج الناس من منازلهم ببطء ووجل، وكأنهم يعيدون اكتشاف مدينتهم التي طالما كانت تحت حصار الخوف والرقابة الأمنية. الشوارع، التي كانت دائمًا تعج بالحواجز والنقاط العسكرية، أصبحت فجأة خالية من أي مظاهر السلطة.
مئات العناصر من الجيش، الذين تركهم ضباطهم المسؤولون دون توجيهات، فرّوا متخلين عن بدلاتهم العسكرية التي طالما كانت رمزًا للهيمنة. شوهدت هذه البدلات مرمية على جوانب الطرقات، إلى جانب أحذية عسكرية استبدلت بأخرى رياضية ومدنية، تُساعد الجنود على الركض وإخفاء هوياتهم. تلك البدلات، التي كانت تخيف السكان وتُثير فيهم الرهبة طوال العقود الماضية، أصبحت فجأة عبئًا على من يرتديها.

على الجانب الآخر، ومع انسحاب قوات النظام، بدأت الحياة تدبّ في شوارع دمشق ببطء. السكان الذين اعتادوا على التحرك بحذر تحت أعين أجهزة الأمن، وجدوا أنفسهم يتحركون بحرية في مدينة بلا حواجز ولا نقاط تفتيش. «لم أصدق أنني أستطيع السير بحرية في هذه الشوارع دون أن يوقفني أحد. الأمر يشبه الحلم»، يقول أحد السكان لـ«مدى مصر».

مشاعر مختلطة كانت تعمّ العاصمة بين الفرح بزوال الخوف والقلق من المجهول القادم، كان سكان دمشق يحاولون التكيف مع واقع جديد يتشكل أمام أعينهم. وبقدر ما كان سقوط النظام إيذانًا بنهاية مرحلة، فإنه فتح الباب على أسئلة كثيرة حول مستقبل المدينة وأهلها.

مع انتصاف النهار يوم سقوط النظام في دمشق، انكشفت ملامح مرحلة جديدة من الفوضى. بعد انسحاب قوات النظام وإخلاء جميع مواقعه الأمنية والعسكرية، بدأت حالة من الانفلات تتفشى في شوارع العاصمة. السكان وبعض مقاتلي الفصائل اندفعوا إلى اقتحام المباني الحكومية والأفرع الحزبية.

المشاهد التي خيّمت على المدينة كانت مزيجًا من الغضب والثأر. المباني التي لطالما كانت رموزًا لهيمنة النظام وذراعه الأمنية أصبحت هدفًا للحشود. اقتحم الناس المكاتب، حطموا الأثاث، سرقوا المحتويات، وكأنهم يعيدون كتابة العلاقة التي جمعتهم بهذه المؤسسات لسنوات طويلة. يقول أحد شهود العيان لـ«مدى مصر»: «ما حدث ليس سرقة بقدر ما هو انتقام. الناس لا تشعر بأن هذه المباني ملك لهم. كانت دائمًا تابعة للنظام، وكل ما فيها كان مسخرًا لخدمته».

المكاتب الحكومية والأفرع الحزبية، التي كانت يومًا معاقل السلطة، تحولت إلى مساحات مفتوحة للغضب الشعبي. الأوراق الرسمية مبعثرة على الأرض، الصور التي تحمل وجه الأسد ممزقة أو محروقة، والمكاتب تُنهب من كل ما يمكن حمله. لم تكن هناك جهة بعينها تقود هذه الفوضى؛ كان الأمر عشوائيًا، وكأن الجميع يحاولون محو آثار حقبة مضت.

الفوضى التي عمّت المدينة لم تكن موجهة أو مخططة. في غياب أي جهة مسؤولة عن إدارة ما بعد السقوط، بدا المشهد وكأن المدينة تفرّغ غضبها دفعة واحدة. السكان الذين عانوا لعقود من الهيمنة الأمنية والحزبية كانوا يتصرفون وكأنهم يحاولون استعادة شيء مسلوب، حتى لو كان ذلك على حساب تخريب المؤسسات التي قد تكون جزءًا من مستقبلهم.

لكن هذه الحالة، التي عبرت عن الغضب الشعبي، تركت المدينة أمام واقع صعب. المباني المحطمة والمكاتب المنهوبة ليست سوى البداية لمشهد أكثر تعقيدًا، حيث ستحتاج دمشق إلى إعادة ترتيب أولوياتها واستعادة توازنها بعد سنوات من القمع ونظام حكم هشّم كل مؤسساتها.

في لحظة من الفوضى والصدمة، اجتاحت جيوش الفصائل المسلحة العاصمة دمشق، معلنةً النهاية غير الرسمية لنظام الأسد. لم يكن مجرد دخول عسكري عادي، بل كان مصحوبًا بكاميرات وسائل الإعلام الإقليمية والدولية التي كانت تتوافد على المدينة وكأنها تخطو على أرض غريبة. كان وجود هذه الوسائل الإعلامية في قلب دمشق حدثًا جللًا. في وقتٍ مضى، كان التعامل مع الصحفيين الأجانب أو حتى الإعلام المحلي تحت إشراف النظام يعد بمثابة جريمة قد تنتهي بحياة الشخص في سجون الأسد.

في هذه اللحظة المفصلية، توقفت سيارات البث التليفزيوني في ساحات العاصمة، وبدأت القنوات الإخبارية تنقل الأحداث مباشرة من أحيائها. شوارع كانت مليئة بالخوف والرقابة أصبحت الآن مرتعًا للكاميرات والميكروفونات. الكاميرات التي كانت تصوّب نحو الناس، كانت تذكيرًا حقيقيًا بكم كان الخوف يطوقهم لسنوات. الشارع الذي لم يكن ليشهد قط تحركات كهذه أصبح مسرحًا لحدث تاريخي.

«لقد أصبحنا في دائرة الضوء فجأة. لم أكن أصدق ما أراه أمامي. كانت الكاميرات تتوجّه نحونا بشكل عفوي، وكأننا شخصيات في فيلم»، يقول أحد السكان الذي تلعثم لسانه حين اكتشف الكاميرات تسجل لحظاته في الشارع.

في نفس الوقت، وعلى منصات وسائل التواصل الاجتماعي، بدأ العديد من الصحفيين الذين عملوا في دمشق على مدى السنوات الماضية بالكشف عن هوياتهم الحقيقية، بعدما كانوا يخفونها طوال هذه المدة. كان الخوف من المراقبة يجعل الكثير منهم يختبئون خلف أسماء مستعارة أو حسابات مجهولة. وحتى كاتب هذا التقرير، الذي كان يخشى التعرّض للاعتقال أو التصفية، قرر أخيرًا الكشف عن هويته، مدفوعًا بفيض من المشاعر بعد أن سقط النظام الذي كان يفرض حصارًا على الإعلام والصحافة.

في اليوم التالي لسقوط النظام في دمشق، استفاق السكان على واقع جديد وسط وضع خدمي كارثي. الحواجز الأمنية اختفت، لكن الكهرباء والمياه كانت مقطوعة في العديد من الأحياء، ما دفع الفصائل إلى إرسال وفود لطمأنة السكان مع وعد بتحسين الأوضاع تدريجيًا. على مجموعات «الواتساب»، انتشرت دعوات لإزالة صور وأعلام النظام من المدارس والمباني الرسمية، في خطوة رمزية تمثل التحرر من القمع. اقتصاديًا، انخفض الدولار إلى 17 ألف ليرة سورية، ما أعطى بعض الأمل، لكن الحذر سيطر على الأسواق. رغم كل التحديات، كان الأمل في استعادة الحياة الطبيعية يلوح في الأفق، مستلهمًا من تجربة حلب التي شهدت تحسنًا تدريجيًا بعد التحرير.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن