اليوم السابع من ديسمبر، عيناي معلقتان بشاشة التلفاز والعواجل الحمراء المتتالية. تقدمت الفصائل، تراجعت الفصائل، ما الذي يحدث؟ أين كنّا وأين صرنا؟
أصبحنا في ليلة الثامن من ديسمبر، والأخبار تتوالى عن استيلاء الفصائل على المدينة، أتنقّل بين قنوات العربية والجزيرة والعربي، وبين تويتر وفيسبوك وتيليجرام. كل شيء يبدو غير قابل للتصديق، أهل المدينة بالكامل في بيوتهم، «زتّ الدبوس بالشارع بتسمع رنته».
سيطرة الفصائل على حماة لم تكن سهلة، واستمرت المواجهات لأسبوع، كيف سيكون وضعنا إذن نحن في حمص؟ أفكر أنه لا بدّ أن يستمر الأمر لشهر على الأقل، لا سيما مع اتساع المدينة وأريافها، ولا سيما مع حساسية المدينة وطوائفها. ترسل لي صديقتي تطبيقًا على الجوال يبين مدى تقدم الفصائل، أفشل في استخدامه، أصابعي ترجف فعليًا. أعود للأخبار، تتوالى الأخبار عن تحرير الريف الشمالي وجزء من الشرقي، ثم أطراف مدينتنا. أصوات الطيران الحربي لا تتوقف، كذلك أصوات القصف وأصوات الرصاص، تلى ذلك هدوء، يقطعه أصوات رصاص متقطع.
تعلن صفحات تيليجرام أن المدينة أصبحت خالية من النظام، الساعة الثانية عشر ليلًا وعشر دقائق، تبدأ الجوامع بالتكبير، والرجال بالتكبير، والنساء بإطلاق الزغاريد.
الآن فقط أصدق.
المدينة حرة أخيرًا.
نحن الآن في اليوم التاسع من ديسمبر، اليوم الثاني لسقوط النظام، الساعة الثانية عصرًا. أقف عند دوار الساعة الشهير واحتفل مع الناس لليوم الثاني على التوالي. أنظر حولي فأرى مقاتلين يحملون سلاحًا لا أعرف اسمًا له سوى أنها «بارودة». نبتسم للمقاتلين ونرفع لهم إشارة النصر، يبتسمون لنا بدورهم ويرفعون إشارة النصر لنا. قليل منهم ملثمون لكن أكثرهم يظهرون وجوههم. تتعلق عيون الناس بهم ويعانقهم الرجال ويقولون لهم «الله ينصركم، كنا بانتظاركم». تمرّ سيارة فيها مقاتلين، فأرفع بدوري إشارة النصر لهم. تقف السيارة التي لها نمرة حلب ويسألني أحد المقاتلين أنا والناس الذين بجواري إن كنا سعداء بقدومهم، نجيبه بالإيجاب مع ابتسامة عريضة، يبتسم لنا بدوره ويقول لنا إذا لسنا راغبين بهم سيعودون فورا من حيث أتوا.

يبدو كل شيء مثاليًا زيادة عن اللزوم، لكن هل هو كذلك حقًا؟
أنظر لساعة المدينة الجديدة، الساعة معطلة، ومزينة بعلم الثورة. تقول إحدى السيدات لامرأة أخرى تهتف ضد بشار الأسد: «هسسسس، سيعتقلونك، سيسمعونك» ثم تنفجر بالضحك حدّ البكاء. الخوف الذي لا يمكن وصفه، الخوف والرعب الصرفين. يقول منشور ساخر على فيسبوك: «تخيّلوا أن ما نعيشه كذبة وسيعتقلوننا جميعًا». المعتقلات، واحدة من أسرار الخوف العميق. كنت دائما مستعدة للموت في مقابل أن أدخل إحدى المعتقلات، ومثلي الكثيرين.
أمشي قليلًا، وابتعد عن مركز الاحتفالات. تخطر في بالي المراكز الأمنية في المدينة، التي سقطت جميعها بيد المقاتلين، أقربها إلي الآن مركز أمن الدولة. أقترب من مركز أمن الدولة، تسري رعشة في جسدي، وتغالبني رغبة في البكاء. ذات يوم، دخلت أمي إليه حيث استدعيت للتحقيق، وخرجت منه بعد أن أمضت يومًا كاملًا في غرفة معزولة قبل أن يحققوا معها لساعتين، والسبب كان أن قريبها مطلوب للأمن. أمام البوابة، يجلس مقاتل يرتدي الزي العسكري بعينين ودودتين، أسأله إن كان بإمكاني أن أدخل، فتبتسم عيناه قبل فمه، ويقول «والله يا أختي ممنوع، لكن جربي حظك واسألي من في الداخل». أدخل المبنى الجهنمي وأنا أرتجف، بعد عدة أمتار، أجد سيارة عسكرية فيها ثلاثة مقاتلين، يسألونني بدورهم ما الذي أريده. أتمعن في وجوههم جيدًا، أتمعن في عيونهم بالذات، وأبحث عن الشر الذي كنت أراه في عيون من يقفون مكانهم. أقول لهم أريد أن أقوم بجولة، لكنهم يعتذرون مني بلباقة ويقولون لي: «صدقيني لا تريدين أن تري ما بالداخل». أترك المكان البغيض وأمشي، لا أبالي كثيرا برفضهم، الآن في هذه اللحظة، لست مستعدة بعد للدخول.

أمشي في طريقي عائدة للبيت، تغالبني الدموع. أسمع الأناشيد الثورية الصادحة من السيارات، وأرى أعلام الثورة وقد تزينت بها المحلات. أنظر أمامي فأرى صورة هائلة لبشار الأسد وقد وضعها الناس على الأرض كي يدوسها المارّة، دست عليها أنا أيضًا، وبداخلي شيء يرتجف، التفت حولي لأرى من رآني، كانوا كثرًا الذين رأوني. هل انكسر الخوف حقا؟ هل انكسر خوفُ أكثر من 50 عامًا؟
أتابع طريقي إلى البيت وأنا أنظر إلى اللاشيء الآن، وأفكّر بكل ما جرى، الاحتفالات، المقاتلون، المعتقلات، المراكز الأمنية، الحرية، ا ل ح ر ي ة. أسمع من ينادي اسمي في الطريق، أظن أني أتخيل، أسمع النداء مجددًا، التفت، فأرى شابًا يافعًا نحيلًا أسمر، يسألني إن تذكرته؟ لم أتذكره، أكذب وأقول تذكرتك كي لا أجرحه. يقول لي إنه عائد من إدلب، ويبارك لي بالاستقلال، يقول لي سنلتقي قريبًا، وأعده بذلك. كثير من الناس المهجّرين في مناطق الشمال السوري يتدفقون للمدينة، أراقب الناس كيف يتعانقون فرحًا، وكيف يسلمون على بعضهم حتى من دون أن يعرفوا بعضهم. الكل سعيد، ومترقب، وأيضًًا، خائف.
تقارير ذات صلة
ياسين الحاج صالح عن الجسد الكبير والصغير: كيف سيكون مستقبل سوريا؟
الجسد في التجربة السورية ليس مجرد كيان بيولوجي
التجربة الكردية على المحك.. «قسد» يخسر جولات أمام الشرع والقوى الخارجية
كيف تهاوت المحادثات بين «قسد» ودمشق نحو الاقتتال؟
ترامب يلتقي ابن سلمان للاتفاق على صفقات الأزمات
تلعب الرياض دورًا دبلوماسيًا مهمًا في كل أزمات المنطقة
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن