تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
مسيرة التسلل

مسيرة التسلل

#83 | دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

كتابة: مصطفى محيي 5 دقيقة قراءة

يمتلك زميلنا مصطفى محيي، الذي سيصير أكاديميًا صرفًا عما قريب، مهارة التسلل، وهي مهارة لا يفاخر بها كثيرًا، بل يمارسها بشكل هادئ، كأنها ممارسة روتينية أو تحصيل حاصل. لكننا في هذا العدد من ديتوكس، طالبناه بأن يشاركنا بعضًا من مسيرته مع التسلل، هيا إلي المسيرة، لعلها تشجع مَن يقرأها على تحسين حاله:

مارستُ التسلل مرات عديدة؛ تسللتُ من الهندسة إلى الصحافة في 2010، ومن الصحافة السائدة إلى الصحافة البديلة، كما سمّيناها، في 2014، والآن أتسلل مرة أخرى من الصحافة إلى الدراسة الأكاديمية.

يرتبط التسلل الأخير بقبولي في أحد برامج الدكتوراه بجامعة في الولايات المتحدة الأمريكية، في قسم الأنثروبولوجيا أو علم الإنسان.

ولسبب ما، رأى محرر ديتوكس أن الأمر يستحق كتابة دليل للويك إند، ليس بسبب الالتحاق ببرنامج دكتوراه، ولكن بسبب حالة التسلل الدائمة.

caption

التسلل من الهندسة إلى الصحافة جاء بعد سنتين من ممارسة المهنة في مصنع بمدينة العاشر من رمضان. كانت فترة كافية كي أعرف أنها مهنة لا تناسبني، أو للدقة أنا لا أناسبها، وأن العاشر من رمضان مدينة لا يمكنني العيش فيها. وقتها، كنت أمارس بعضًا من العمل الصحفي عبر إصدارات لمجموعات سياسية مختلفة كنت مُنضمًا إليها وقتها. لم أحب فكرة الحياة المزدوجة: واحدة مهنية أكسب منها، وأخرى أمارس فيها ما أحب. بحساب الوقت، اكتشفتُ أني سأقضي ثلاثة أرباع عمري أمارس عملًا لا أحبه، في مقابل ربع وحيد لما أريد. فقررتُ الإفلات من ذلك الازدواج المُهدِر للحياة، وكنتُ محظوظًا كفاية أن انضممتُ سريعًا لـ«المصري اليوم» في 2010، مُجربًا السنوات الأخيرة من الانفتاح النسبي الذي شهدته هذه المهنة مع بداية الألفية.

تاركًا «المصري اليوم»، بدأتُ العمل في «مدى مصر»، في 2014 بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها عبد الفتاح السيسي للمرة الأولى. كنتُ أرى الصحافة السائدة تدخل مُسرعة إلى طريق مسدود منذ 2013. بدا واضحًا أن محاولات التجريب داخل الإطار السائد لم يُعد مُرحب بها، وأن المساحة المُتاحة داخل «المؤسسات» لأصوات متعددة أو ممارسات صحفية نقدية لم تُعد مُحتملة. رأيتُ وقتها أن التسلل هو الحل، في محاولة لخلق هامش يطمح إلى التأثير في المتن عبر طرح أُطر بديلة للعمل، أكثر ديمقراطية ونقدية. بالنسبة لي كان -ولا يزال- ذلك الهامش هو «مدى»، بكل ما فيها من سياقات تأسيس وأشخاص انضموا إليها.

في الانتقال إلى مدى تسلل آخر من سنوات النشاط السياسي المباشر، بين 2005 و2014، إلى ممارسة الصحافة كفعل رئيسي للاشتباك مع ما هو سياسي. منحتني الصحافة، خاصة في السنوات الأخيرة، الفرصة لتدريب نفسي على الاستمتاع بموقع الشاهد الذي يختلف عن المُشاهِد أو المُشارك. هو ذلك المكان ما بين الفعل والمراقبة، وما بين الانغماس والانفصال، وبين الانتماء للحدث والبقاء على مسافة منه. يستمد الصحفيون، أو يمنحهم المجتمع، سلطتهم المُتخيّلة من ذلك الموقع، من القدرة على ادعاء «أني كنتُ هناك».

caption

ليست لدي إجابة يقينية على سؤال أي صحفي كنتُه خلال السنوات الماضية. لكني أعرف أنني أحببتُ ما أعمله، خاصة محاولاتي للاشتباك مع ما يحدث في القاهرة، عمرانها وناسها. مازلتُ أرى أن الصحافة من ألطف المهن التي يمكن أن يعملها أي شخص يهتم بإنتاج المعرفة الآنية، فقط لو توفر له مكان عمل إنساني، وهو الأمر النادر على أي حال. لكنني أعرف أيضًا أن تغيرًا ما بدأ في الحدوث خلال السنوات الأخيرة. وجدتُ نفسي أدخل تدريجيًا في دورات من البطء والتكرار: تكرار الأحداث، تكرار الموضوعات، تكرار المصادر، تكرار الطرح.

يمكنك أن تكتب القصة نفسها بأكثر من طريقة، ستختار زاوية مختلفة، طريقة مبتكرة للسرد، قالب جديد للعرض. لكن لم يكن البطء والتكرار عَرضين لغياب القدرة على تطوير الشكل. بل كانا عرضين لغياب القدرة على التخيّل. المشكلة في السلطوية ليس فقط أنها تنزع القدرة عن الفعل، لكنها تضع حدودًا للخيال، لتجعله فقط على مقاس الخيال السلطوي.

الخيال السلطوي هو خيال نخبة أو جماعة في موقع قوة -قد يحدث أن تكون في موضع الحكم- ترى نفسها القادرة على معرفة الأصلح والأفضل. خيال مجموعة في مهمة مقدسة، لا تُخضع تصوراتها للتفاوض أو المشاركة، ولا تضع إرادتها تحت المُساءلة أو الحساب. هو خيال ينفي الآخرين وخيالاتهم؛ يحتكر الحديث باسمهم، أو ينفي استحقاقهم للحديث من الأصل. قسر خيال غير السلطويين على مقاس نظيره السلطوي يجعل أي طرح بديل ملتزم بما يمكن أن يمرّ عبر شقوق الخيال السلطوي. تظل محاولة المرور عبر المُتاح من شقوق مهمة، لكنها لا تكفي وحدها.

لكن هناك دائمًا إمكانية لتحدي خيال السلطوية داخل حدودها الجغرافية؛ أطلقنا من مدى دعوة للمهتمين بطرح تصورات بديلة لإعادة استخدام المباني والمساحات المُحيطة بميدان التحرير. ونشرنا سيناريو بديل لمبنى المجمع وأرض الحزب «الوطني الديمقراطي». أرى أن مدّ الدعوة على استقامتها لفضاءات تخيلية إضافية سيكون تمرينًا رائعًا في المزنق الحالي. لكنني شعرتُ برغبة في التسلل مجددًا بحثًا عن خيال جديد، وفي مساحات جغرافية أخرى.

أعرف أصدقاء وزملاء لديهم القدرة على الحفاظ على مسارات موازية، تمكّنهم من استلهام خيالات بديلة مقابل سطوة خيال السلطة. لكنني لا أملك مهارة السير في مسارات متوازية. لم أعرف عن نفسي عمومًا القدرة على مباشرة مهام متعددة، كأن أضع قدمًا في الواقع، وأخرى في مساحة حرّة نسبيًا من الخيال. الجغرافيا أيضًا لا تساعدني؛ هُنا يعيش أغلبنا في نفس المزنق، بينما أحتاج إلى مقابلة آخرين من مزانق أخرى، بخيالات مُختلفة، لا يشاركوني نفس التجربة بصدماتها الحتمية، مدركًا أن الأمر لا يخلو من بعض أنانية حلم النجاة الفردية.

caption

لا أبحث في هذا التسلل عن إجابات وإنما عن أسئلة جديدة، ومساحات أكبر للعب، بلا أوهام تجاه المؤسسة الأكاديمية بكل ما تفرضه من قيود وعزلة في بعض الأحيان. للأكاديميا المؤسسية أيضًا حدودها المرسومة وفق ترندات الموضوعات والمفكرين، وقيودها المفروضة بواسطة سياسات توزيع أموال المنح، والديناميات المُرهقة للأقسام والمجتمعات الأكاديمية. لكن يبقى هناك فصل دراسي يحضره أشخاص متنوعون، ومكتبة مفتوحة، ووقت كافٍ للنقاش، وجغرافيا جديدة للاستكشاف وإعادة التدريب على الفضول وطرح الأسئلة.

يولي دارسو الأنثروبولوجيا أهمية للبحث الإثنوجرافي، أو البحث الميداني المعتمد على معايشة تفاصيل المجتمع المطلوب دراسته، مراقبةً ومشاركةً، لفترة زمنية طويلة نسبيًا تسمح بالفهم. يطرح البحث الإثنوجرافي المزيد من الأسئلة على الباحث، موقعه وانحيازاته، وعلاقته بمَن يلتقيهم خلال عمله الميداني، ونوع المعرفة التي ينتجها. يصبح الانشغال بالسؤال أولوية على محاولة القفز نحو الإجابات. كل هذا يجعل من التسلل الأخير مُغريًا.

ربما التسلل هذه المرة ليس هجرًا لمساحة ما، بقدر ما هو مُساءلة لها، محاولة للبحث عن مقاربات ومواقع جديدة للاشتباك مع نفس الواقع المسكون بخيال السلطوية. يغيب الوضوح عما سيأتي بعد ذلك، لكن عليّ الإخلاص لتسللي الجديد ربما تُفتح آفاق لم تظهر من قبل.

و#سلام.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن