تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
مسرح البيت وكواليسه

مسرح البيت وكواليسه

خطوة عزيزة #3

كتابة: أحمد رشاد 11 دقيقة قراءة
تصميم مُهرة شرارة

#جو عام

في «خطوة عزيزة» نستضيف القراء في غرف السلسلة التي وضع أساسها ودعا الناس للإقامة بها، هيثم الشاطر وهاني المصطفى للكتابة عن البيوت.

وفي ثالث الحلقات، يستضيفكم أحمد رشاد في بيتهم، حيث اعتاد والده أن يستقبل الضيوف كجمهور لمسرحه الشخصي، يعرض عليهم مواهبه التمثيلية، كأن الحياة عرض مستمر، والضيوف جميعهم قطعوا التذاكر للفرجة، وليس للزيارة أو للأكل.

#خطوة عزيزة

حُبست روح أبي بعد مماته في إطار خشبي معلق على حائط بصالون البيت، أشبه بأفيش لعمل مسرحي لن يمثل قط. ذلك كما حُبست -في حياته- بأحد أدراج مكتبه، تزاحم أوراقًا مكدسة، تأمل في الخروج لتنعم بالضياء، ولكنها لم تكن ترى النور إلا خلسة.

تراكم الغبار على الإطار، فبدا لي أنه تمرد على الزمن، هب في وجهه متوعدًا، فتراجع الأخير عنه، نساه أو غض الطرف متصنعًا السهو، فعمر الغبار أكثر من جيلين وما زال محتلًا مكانه، يكتنز ويسمن، أما أبي فما إن تجاوز الخمسين حتى وجدنا جسده السمين ينحل شيئًا فشيئًا، حتى تلاشى في غضون تسعة أشهر.

يصرح الأطباء أنه صارع مرضًا لعينًا، وشهدنا نحن -أسرته- على ذلك، ولكنني بعد حين اكتشفت أن صراعه لم يكن مع المرض، وإنما مع شيء أخطر بكثير، مما جعلني أتساءل هل تمنى الموت يومًا؟  

ولد أبي في منطقة بحري، في بيت أمام مقام «سيدي العدوي»، كان بيتًا جديدًا كبيرًا، قرر جدي العيش فيه بدلًا من القديم الذي لم يعد يكفي أسرته، جاء المخاض جدتي بمجرد أن استقرت في البيت الجديد المجاور لأحد أولياء الله؛ فاستبشرت بالمولود، وبعد أن أخبرها جدي أنه سجله في مكتب الصحة باسم «محمود»، نظرت إليه امتعاضًا وقالت في تحد: «سميه زي ما تسميه، أنا مش هناديه غير بعدوي»، ومن حينها صار اسم شهرة أبي «عدوي»، وصار الطفل الأثير لأمه، وزاد تعلقها به كلما بدت ملامحه، لتراه كما كانت تقول «زي فلقة القمر»، الشعر ذهبي، والعيون خضراء، والبشرة بيضاء مشربة بالحمرة، فألبسته لبس البنات خوفًا عليه من الحسد.

الصورة العائلية المذكورة لوالد الكاتب في طفولته

وحينما كبر ورأى نفسه طفلًا في الصورة ذات الإطار، يلبس فستانًا وتزين شعره فيونكة، سألها عن السر، لترد عليه بغموض «أعمل إيه يا ابني، العين فلقت الحجر»، لم يفهمها ولم يتساءل، ولكنه انزوى وترك لخياله العنان، فرأى نفسه وقد تحول إلى «طوبة» من تلك التي يلعبون بها «سيجة» أمام منزلهم، وقد التف حولها جميع أصدقائه في دائرة وأياديهم على أكتاف بعضهم البعض، يدورون ناظرين نحوها، مرددين بصوت عال ونغمة مضبوطة عدة مرات: «هيلة هوب.. هيلة هوب.. هيلة هوب» حتى انفلقت.

شب الطفل عن الطوق مدللًا محبوبًا من العائلة، فبجانب وسامته كان خفيف الظل، لم يعان من شيء داخل حدود الأسرة إلا من غيرة وجدها في نظرات وأفعال بعض من أخوته، وحتى هذه كانت تحميه منها أمه. اكتشف في نفسه حب التمثيل مبكرًا، وكان هذا الحب هو الجريمة التي اقترفها، فبات يكفر عنها طيلة حياته.

التحق بإحدى فرق المسرح بالإسكندرية، مارس هوايته بضعة أعوام، شعر بأنه ملك الدنيا، وكأنها ربطة عنق تزين صدره، ابتاعها وبات يرتديها ويخلعها وقتما شاء، لكنها سرعان ما ضاقت على رقبته حتى اختنق. 

بدأ الأمر حينما قرر احتراف التمثيل، تألب عليه الجميع، تساءل أخوه الضابط «يعني لما أروح أخطب أقول لأهل العروسة أخويا بيشتغل إيه؟ أراجوز!»، وتأفف الأخ المهندس صاحب الطباع الجامدة المتظاهر بالجدية طوال الوقت «إيه قلة القيمة والمسخرة دي». سألنا -أنا وأخوتي- أمي عن موقفها إزاء هذا الأمر، فردت بنظرة ثقة لا تخلو من إعجاب بالنفس «ساب التمثيل عشاني»، ثم أتبعت متمهلة لتنعم بلحظات من السعادة تزيد فيها من شوقنا «قالي معروض عليّ فيلم مع ميرفت أمين»، ثم امتعض وجهها فجأة وأتبعت مستنكرة «وقفتله فيها طبعًا.. أمال إيه! يروح يتسرمحلي مع ميرفت أمين وغيرها ويسيبني هنا أضرب أخماس في أسداس» ثم يغيب عقلها لثوان، وحين تفيق تخاطب نفسها بهمس، بعد أن تمصمص شفاهها «قال ميرفت أمين قال!»، ثم تتبعها بنظرة ظفر قبل أن تشيح وجهها عنا.

ولكنها في مرحلة متقدمة من عمرها وقعت بلسانها أمامي مرة، وكأنها تريد أن تنفي تهمة ما عن نفسها «ما ليش دعوة.. أبويا قالي إحنا ما بنجوزش بناتنا لممثلين».

caption
تصوير: من أرشيف الكاتب

كان أبي مسالمًا، فترك التمثيل دون عناد، وساعده على ذلك نشأته المدللة، ربما كان يستغني بهذا التدليل عن أي متعة أخرى، أو ربما شعر في نفسه أنه لن يخسر شيئًا بتركه لهوايته. قبل في وظيفة حكومية بمديرية أمن الإسكندرية، وتزوج في بيت أمه التي لم تكن قادرة على فراقه، وهو البيت الذي نشأت فيه مع أخوتي، والذي حوى الإطار الخشبي، قبل أن ينتقل ليسكن بيتي بعد الزواج.

بمرور الوقت بدأ يشعر بالوحشة، لم يعد شيء في الحياة قادرًا على إسعاده، أو كانت السعادة تأتي كبريق خاطف ثم تولي مسرعة، اجتاحه الألم، وكأن روح الفنان بداخله تركله بقدميها كجنين يكبر ويزداد عنفًا، غير أنه لن يولد أبدًا. كان أوان التراجع قد فات، فقد تعلق في رقبته زوجة وأربعة أبناء، ولم يستطع التضحية بأبنائه في سبيل حلمه القديم، فرضى بأن يتحمل ركلات الجنين بداخله.

بات يعاني صراعًا بين حياته كموظف وروح الفنان في أحشائه، كان الموظف ينتصر في كل الصراعات، ولم يبق للروح سوى التحايل، فباتت تهدهد جسد الموظف كطفل في مهده، حتى ينعس فتسيطر عليه وتلهمه أفعاله.

لم يعتد أبي ارتياد المقاهي، ولم يكن يحب الخروج من البيت كثيرًا، فانتهزت روح الفنان تلك الصفات، فحولت البيت إلى مسرح وأبنائه إلى جمهور. على عكس العروض الليلية في المسارح، كانت عروض أبي اليومية تبدأ في الظهيرة حينما يعود وحيدًا من العمل يتأبط الجريدة ويحمل «كيس نايلون شفاف» ممتلئًا بالبرتقال شتاءً أو بطيخة كبيرة صيفًا، كان يحرص على ألا يتأبطها خوفًا على نفسه من التشبه بالموظفين التقليديين، الذين تزين رؤوسهم صلعة وجسدهم كرش سمين، فبداخله لم يزل يرى نفسه ذلك الشاب الممثل الوسيم، الذي يلفت الأنظار أينما حل. 

يأتي من بعيد متأرجحًا في مشيته تتمايل رأسه ولا يكف عن السلام على الجيران وأصحاب الدكاكين، بإيماءة من رأسه أو تلويحة من يديه، بينما صوت الأطفال يعلو في الشارع، بعضهم يلعب «بلي» سواء كانت «ترونجيلة أو طسة وشبر» أو غيرهما، وآخرون يلعبون «صيادين السمك»، والأكثرية منهمكة في لعب الكرة، كان ينظر إليهم ولا يشاركهم أو يحتك بهم، مكتفيًا بتأملهم بتعبيرات وجه بين السعادة والحسرة.

لم يكن صوت الأطفال في الشارع هو الصوت الوحيد المرافق لوصوله إلى المسرح، وإنما صوت قدميه مترجلًا أو صاعدًا على السلم، كأنه صوت طبلة تعزف أسفل خشبة المسرح وسرعان ما يرافقها صوت صفيره المنغم صاعدًا على السلم ليعلن وصوله، ولكن الأوركسترا تأبى على نفسها الاكتفاء بثلاث آلات فقط، فسرعان ما تتداخل معها آلة رابعة وهي صوت اصطكاك المفاتيح ببعضها بينما يخرجها من جيبه، يبدأ ذلك الاصطكاك عشوائيًا، متلاحقًا سريعًا، وبعد لحظات يستطيع المايسترو ضبط إيقاعه، فيتحول من العشوائية إلى تمهل يشي بأن أصابع العازف تبحث عن نغمة محددة، أو مفتاح وحيد، حتى يجدها فيهدأ الإيقاع رويدًا رويدًا، ثم تلتحم الآلة الخامسة حينما يتسلل صوت دخول المفتاح في طبلة باب البيت إلى آذان الجمهور المنتظر خلفه بفارغ الصبر، وتختم الحركة الأخيرة من السيمفونية ببهجة يشي بها صوت صرير الباب حينما يمتزج بباقي الآلات في تناغم، وبمجرد أن تمتلئ صدور الجمهور بالفرحة، حتى يشير المايسترو للعازفين بيديه، فيهدأ الصوت تدريجيًا، حتى يعم الصمت معلنًا فتح الستار وبدء العرض.

تباينت مواهبه، ففي مرة تجده يدندن على أنغام إحدى أغنياته الأثيرة كـ«فاتت جنبنا» لعبد الحليم. كان يميل إلى تلك الأغاني التي تحكي قصة، وكنا نجلس إلى جواره فيشرح لنا كلماتها ويحكي قصتها، وحينما يقترب جزء من اللحن يحبه، يترك الحديث وينصت ثم يقول لنا «اسمعوا الحتة دي» ويصاحب صوت اللحن بدندنته، ثم يشير بيديه ويلوح في الهواء على نفس الإيقاع، كأنه المايسترو الذي ينظم عمل العازفين.

كان يحلق ذقنه بصفة شبه يومية، ليس بهدف تنعيمها ولكن لممارسة هوايته في إلقاء المونولوجات -التي كان يحفظها من أيام مجده المسرحي- أمام المرآة، وخاصةً المنولوج الذي كان يلقيه «الدكتور أحمد أبو الفضل» أحد أبطال مسرحية «عفاريت مصر الجديدة» لمؤلفها علي سالم، ذلك المونولوج الذي يلقيه مخاطبًا زوجته «سهير»، دكتورة المنطق، ليبرر فيه استقالته من تدريس القانون بالجامعة، وإنشاء معهد لفنون الرقص مع صديقه «عبده الفلكي»، الذي كان صحفيًا واختفى معه في ذلك المكان الذي بات مجهولًا للجميع.

كان أبي يندمج في إلقاء المونولوج شيئًا فشيئًا حتى يعلو صوته ويغلبه الانفعال، خاصة في تلك الجملة التي يقول فيها «كنت مغشوش في نفسي، مغشوش في قوتي، كنت فاكر إني أقدر أستحمل أي حاجة علشان القانون.. لكن لما النور انطفى عرفت نفسي على حقيقتها. كنت ضعيف أوي ما قدرتش استحمل»، ثم يتبعها بجملة يلقيها بصوت خفيض ونبرة يأس «أنا عاوز أعيش في سلام زي أي صرصار»، كان انفعاله حقيقيًا للدرجة التي كان يظن مشاهدوه أنه يخاطب نفسه لا يمثل دورًا في مسرحية، ثم يخرج من حالته في أوقات كثيرة ليكتشف أنه قد جرح ذقنه.

أما عن شاربه فقد اعتاد أن يرفعه ليحتل مكانًا وسطًا تتساوى فيه المساحة الخالية من أطراف أنفه إلى حدود الشارب الشمالية، ومن حدوده الجنوبية إلى أطراف شفته العليا، وكان يصر على هذه الحلاقة لسبب غير مفهوم، رغم أن شاربه الذهبي الكث إذا ترك ليملأ مكانه لصار أوسم بكثير، ولأضفى على وجهه هيبة. هل كان يقصد أن يعبر بشاربه عن مأساته، فلا هو كث مكتمل ولا هو أملس محتضر، وإنما بقايا شارب تسكن بقايا إنسان.

في أحيان كثيرة كان يساعد أمي في شؤون البيت، فيغسل المواعين، وينظف «الفراندا» الطويلة المسورة التي كانت تستغلها أمي في تربية الدجاج، وينظف الحمام، وكان يحلو له ممارسة هواياته في أثناء أدائه تلك المهام، فيعلو صوته بالغناء أو التمثيل، ربما كان العمل الآلي يساعد على تفجير مواهبه، لكن الأرجح أنه كان يقوم به اتقاءً لغضب أمي حتى لا تبكته على كثرة هزله وقلة جديته معنا. 

كان يتفنن في إيقاظنا من النوم للذهاب إلى المدرسة، ويستخدم منولوجات حماسية لينقل لنا هذا الحماس ونستيقظ دون معاناة، يدفع أكرة باب غرفتي التي أشترك فيها مع أخي الكبير بحركة خاطفة لننتبه ويتحرك على أرض الغرفة بخفة ورشاقة بينما يتدلى كرشه ويميل مع حركة جسمه السمين، ثم يقف في الممر الفاصل بين سريري وسرير شقيقي، ويشير بيديه نحوي مرددًا بصوت جهوري حماسي «أكون أو لا أكون»، ثم يخفض صوته قليلًا بينما يقترب مني أكثر فأكثر حتى يلصق فمه بأذني ويكمل بصوت هو بالهمس أشبه «تلك هي المسألة»، ثم يولني ظهره ويتجه نحو سرير أخي ويعيد رفع صوته بعد أن تتلبسه روح هاملت ويرفع رأسه لسماء الغرفة ويديه لأعلى كأنه يناجي إله الفن، ويكمل بعد أن تضاعف حماسه ووصل إلى الذروة «أي الحالتين أمثل للنفس؟ أتحمل الرجم بالمقاليع وتلقي سهام الحظ الأنكد، أم النهوض لمكافحة المصائب»، ثم بإيقاع سريع يتنقل بيني وبين أخي عن يمين وعن شمال، يلكز كتفينا على التوالي مرات عديدة، ويكمل بنفس الإيقاع السريع الذي من شأنه أن يصل بنا إلى ذروة الاستفاقة والانتباه وهو ما كان يرومه منذ أن اقتحم غرفة النوم «ولو كان بحرًا عجاجًا وبعد جهد الصراع إقامة حد دونها، الموت، نوم، ثم لا شيء» يشهق حينها فينتفخ صدره ويفتح ذراعيه عن آخرها وكأنه يتهيأ لاستقبال السوكسية، الذي لم يكن إلا سهام تخرج من أعيننا العابسة، بينما نفركها بقبضة يد مضمومة، تحمل نحوه تأففًا، ولومًا، وضيقًا، وتمنيًا أن يطول الليل ولا يأتي الصباح ولا نضطر للذهاب إلى المدرسة أبدًا.     

كان أبي يعيش حد الكفاف، فلم يعرف بيتنا للإدخار معنى، ومع ذلك لم يكن يتوانى عن مجاراة أمي وتشجيعها على إقامة عزومات كبيرة «للعيلة وعيلة العيلة»، وكان يتأنق في تلك الأيام احتفاءً بالجمهور الذي اكتظ المسرح بهم، يتوافدون مبكرًا رجالًا ونساءً يتجهون ناحية غرفة الصالون حيث يتخذ أبي مكانًا وسطًا، وبينما يمني الضيوف أنفسهم بأكلة شهية، ينتهز أبي تلك الفرصة ليأكل آذان الحاضرين بحكاياته وخفة ظله، لكن دون أن يشبع، ثم يكمل ما بدأ على مائدة الغداء، حيث يرافق صوته صوت اصطكاك الملاعق بالأطباق وكأنها موسيقى تصويرية، وبعدها يستعيد عرش مجده متربعًا على فوتيل غرفة الصالون من جديد، فيكمل العرض بينما يتناولون الفاكهة، إلى أن تحين لحظة غلق الستار، فتجده يتململ في مكانه، والحزن بادٍ عليه يرفض مغادرة الجماهير، يتصارع بداخله كبرياؤه الذي يحذره من التوسل، وفنه الذي لا يجد غضاضة فيه ليبقى الجمهور بأي ثمن حتى وإن تحولت أقدامهم إلى تماثيل شمعية فتشل حركتهم، لكنهم يغادرون داهسين قلبه بأحذيتهم، حينها تخور قواه فلا يستطيع القيام من مكانه لتوديعهم، فيهمس عن يمينه وعن يساره وكأنه يتحدث إلى الفراغ، أو ربما إلى أرواح تهبط عليه من السماء لمواساته. 

أتخيل حينها ظل امرأة عجوز تجلس على مقعد يساره ترتدي جلبابًا أسود وتعقد على رأسها إيشاربًا أشد سوادًا، تنوح وتولول حزنًا على مغادرة الجمهور، بينما امرأة أخرى في منتصف عمرها، بيضاء، بضة، ترتدي جلبابًا أبيض زاهيًا وإيشاربًا أحمر قاني، تجلس إلى يمينه وترتفع من فمها صوت الزغاريد، عرفانًا بجميل أبي في إضحاك جمهوره وإثباتًا لموهبته. 

أفرك عيني غير مصدق، إلا أنني أراهما يساعداه حتى يقوم متأبطهما متكئًا عليهما حتى يصلا به إلى غرفته فيخلد إلى سريره، تغطيانه، وتربتان على ظهره، وتمسحان على رأسه، حتى يستغرق في نوم عميق، يطول أو يقصر ولكنه ينتهى دومًا على حال واحد، أن يستيقظ جسد الموظف وتبقى روح الفنان في مهجعها.

 لقد كان بيتنا مسرحًا صغيرًا، شهد على وأد موهبة عظيمة، وكنا متفرجين في غاية القسوة نمنحه السوكسية مقابل جزء من روحه، التي كان يمنحها بسخاء وكأنه يسعى للتخلص منها قطعة وراء قطعة، حتى أسدل الستار وحيل بيننا وبينه، فبكينا وتوسلنا بالأنبياء والأولياء أن يعاد فتح الستار من جديد، لكن كل توسلاتنا ذهبت سدى. أما هو فربما تنهد من خلف الستار ارتياحًا وأشار بيديه آمرًا أن تغلق الأنوار أيضًا لنفقد الأمل ونعود من حيث أتينا، تاركيه لجمهور آخر ليس من أهل الأرض.

وسلام.

عن الكاتب

أحمد رشاد

شابٌ مصري، ولدَ في أوائلِ الثمانينات، بمحافظةِ الإسكندرية. رسبَ في الثانويةِ العامةِ قبلَ أنْ ينقذَهُ نظامُ التحسين. قِيلَ لهُ أنَّ كليةَ الآدابِ هي كليةِ «الكعب العالي»؛ فانتسبَ لها، غير عابيء…

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن