مستهدفات الحكومة في الزراعة 2030.. الحاجة وعكسها
أعد مجلس الوزراء مشروعًا بحثيًا يعكس مستهدفات الحكومة في الاقتصاد خلال ست سنوات حتى 2030، مع انتهاء الفترة الرئاسية الأخيرة للرئيس عبد الفتاح السيسي. الزراعة كان أحد أهم القطاعات التي سلطت وثيقة المشروع الضوء عليها.
تستهدف الحكومة، بحسب الوثيقة، التي أطلع عليها «مدى مصر» أن تساهم الزراعة بجانب الصناعة والاتصالات بنحو 50% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية المدة، مقابل 30.5% حاليًا يخص الزراعة منها نحو 11.5%، ولتحقيق ذلك، تقترح الوثيقة مواصلة استصلاح الأراضي الزراعية لتصل إلى ما لا يقل عن 12 مليون فدان حتى عام 2030، مقارنة بـ9.6 مليون فدان في سنة 2021/2020، آخر بيانات رسمية منشورة.
بعض المتخصصين بقطاع الزراعة اعتبروا أن المستهدفات مبالغ فيها. كما قال الباحث في التنمية الريفية، صقر النور، لـ«مدى مصر»، مشيرًا إلى غياب عدد من العوامل المهمة التي تترافق مع مثل تلك المستهدفات، مثل تجاهل الوثيقة الإشارة إلى من سينفذ هذا التوسع الزراعي، صغار المزارعين أم الشركات الكبيرة.
تقترح الوثيقة نموًا في مساحات الأراضي الزراعية بنحو 25%، في حين نمتْ المساحات المزروعة خلال الست سنوات السابقة لعام 2021/2020 بمقدار 5.4% فقط، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.
استهدفت الحكومة أن تصل المساحة المحصولية (أي ما يُزرع في الفدان الواحد عبر مواسم السنة) إلى 21.5 مليون فدان، مقارنة بنحو 16.6 مليون فدان في 2021/2020، ما يستلزم نموًا قدره 30%، إلا أن المحقق فعليًا خلال الست سنوات السابقة على 2021، كان نمو بـ1% فقط.
وفي حال كان صغار ومتوسطي المزارعين هم الفئة التي ستحوز الأراضي المُستصلحة، بحسب النور، يستلزم ذلك معه تصميم غطاء من الدعم يسمح لهم بالاستمرار أو خطة لشراء المحاصيل بالأسعار التي تنتشل المزارعين من تحت خطوط الخسارة، وتضمن وفرة المحاصيل للسوق المحلية، وهو ما لم تتعرض له الوثيقة.
يُشير النور إلى أن الإجابة تُشكل فارقًا كبيرًا، لأنه رغم توسع المساحات المُنزرعة خلال السنوات الماضية، إلا أننا لم نشهد طفرة في إنتاج الأرز أو القمح وغيره، ولم تتقلص الفجوة الغذائية أو تتحسن مستويات الاكتفاء الذاتي، بل على العكس ارتفع التصدير وتعمقت الأزمة الغذائية محليًا.
يتأكد كلام النور عند النظر إلى معدلات التضخم التراكمية خلال عامين، في عناصر غذائية مثل الخبز والحبوب التي ارتفعت بـ116%، فيما زادت أسعار الخضراوات والفاكهة خلال نفس الفترة بـ132% و%75 على التوالي، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.
هذا التناقض يُفسره النور بأن نسبة كبيرة من الأراضي المُستصلحة تحوزها شركات تستهدف التصدير كأولوية، مقارنة بتوفير الإنتاج للأسواق المحلية، كما شهدنا مؤخرًا في عدد من المحاصيل مثل البصل والسكر، والتي لا توجد مشكلات كبيرة بها في ما يتعلق بمستويات الاكتفاء الذاتي منها، إلا أن المُنتج فضّل التصدير لأن العائد في الأسواق العالمية كان أفضل.
يظهر هذا في حجم الصادرات الزراعية خلال الست سنوات الماضية، والتي ارتفعت بـ27% مُسجلة 3.3 مليار دولار. وبالمقابل ارتفع العجز التجاري الزراعي (الصادرات مقابل الواردات الزراعية) بـ23%، بحسب بيانات التجارة الزراعية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء. الوثيقة من جانبها تُصر على زيادة الصادرات الزراعية إلى مستوى 14 مليار دولار بحلول 2030، أي قفزة بنسبة 325%.
يطرح النور وأستاذ الاقتصاد الزراعي، عبد العظيم الخشن، سؤالًا عن التوسع في الصادرات الزراعية كصورة غير مباشرة لتصدير المياه، في ظل تصنيف مصر كبلد يُعاني من الإجهاد من المياه، والمُرشح أن يتفاقم.
تستهلك الزراعة في مصر ما يقارب 85% من موارد المياه التي تتحصل عليها، ويعد نهر النيل حجر الزاوية لمياه الري بواقع 55.5 مليار متر مكعب، تليه مياه الصرف الزراعي والصحي المُعالج بـ17.1 مليار متر مكعب.
تطرقت الوثيقة لمسألة المياه بشكل عابر، دون تحديد أي مستهدفات واضحة كميًا. فقط اكتفت بالإشارة إلى «توفير المياه اللازمة للاستصلاح عبر معالجة مياه الصرف الزراعي أو تحلية مياه البحر أو المياه الجوفية».
لكن الوثيقة لم تتطرق إلى مسألة العدالة في توزيع هذه المياه اللازمة للاستصلاح. تشير دراسة حديثة بعنوان «عصر مياه الصرف في الدلتا لرى الصحراء في مصر» إلى أن صغار المزارعين في الدلتا يعيدون استخدام مياه الصرف الزراعي غير المعالجة، فيما يُعاد توجيه المياه التي تنتجها مشروعات المعالجة إلى أراضي الصحراء التي تستصلحها كبرى الشركات التي تزرع بغرض التصدير. يحرم هذا صغار المزارعين من موارد المياه المحدودة التي يحتاجونها.
إلى جانب هذا، تستهدف الحكومة تحقيق اكتفاء ذاتي من خمس مواد غذائية أساسية كالتالي:

المحاصيل التي حددتها الحكومة كلها تراجعت معدلات اكتفائنا الذاتي منها، بحسب «التعبئة والإحصاء» خلال الست سنوات الماضية، باستثناء السكر، وهذا ليس استثناءً عشوائيًا. تتحسن معدلات الاكتفاء الذاتي في بعض المحاصيل عندما يكون إنتاجها مرتبط بتصديرها مثل الموالح والفواكه الطازجة والسكر والبطاطس (وهي المحاصيل التي تُمثل الرافعة الأساسية للصادرات الزراعية). أما بخصوص باقي المحاصيل التي حددتها الحكومة في الوثيقة، والتي لا تقوم مصر بتصديرها، تواجه تراجعًا في الاكتفاء الذاتي بها.
تتباين مستهدفات الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الستة بحسب الوثيقة، إلا أن الحكومة بالغت في ما يتعلق بالفول باستهدافها نموًا بـ76%، وهي زيادة غير منطقية، بل طفرة تتطلب فترة زمنية أطول من ست سنوات، بحسب النور.
ويُشير إلى أن الفول يتنافس كمحصول شتوي مع محصولين آخرين استراتيجيين، القمح والبرسيم، ما يعني أن زيادة الفول تعني تراجع القمح أو البرسيم. في ذات الوقت، تسعى الحكومة لزيادة الاكتفاء الذاتي من القمح، وهو ما يعدّ تناقضًا مركزيًا، كما يؤكد النور.
تقارير ذات صلة
«الكشري».. الثمن الخفي للسيادة الغذائية المسلوبة
وجبة تعكس علاقة مصر بأرضها وسكانها وواقع الاستعمار الاقتصادي الذي أعاد تشكيل مائدتنا
ليالي قطاف الياسمين
ذهبنا إلى حقول شبرا بلولة ليلًا وسجّلنا تجربة قطاف الياسمين الشاقة كما هي في الواقع
+%170 زيادة في إيجارات أراضي «الأوقاف» و«الإصلاح الزراعي».. «تعظيم إيرادات الدولة» يهدد صغار المزارعين
هدف الزيادات كان تعظيم العائد من الأصول التي تديرها الدولة
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن