تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
مذكرات مرضي العصبي

مذكرات مرضي العصبي

كتابة: دعاء علي 10 دقيقة قراءة
تصميم مهرة شرارة

تتبع الفنانة البصرية دعاء علي الصوت الحاضر في كتاب دانيال باول شريبر، «مذكرات مرضي العصبي»، حيث نقرأ كلامًا يتردد في الذهن لا في الكُتب، هو ما تنطقه الأعصاب ولا يُسمع، بل هو مكتوم في الرأس/ الأذن، وحوّله شريبر إلى كلمات وسطور وفصول، ومنه انتقت دعاء هذه المختارات لنسمع معها أغرب أصوات «الأذن الوسطى» الصادر في 2011، ونستعيد ما فيه كل سبت. 

مختارات هذا الصوت غير المألوف ترجمها محمد عبد النبي. للتعمق أكثر في التجربة، اقرؤوا حكاية «الأذن الوسطى» في حوار مها مأمون وهيثم الورداني هنا، وخريطة محمد عبد النبي للسمع والعصيان، وصوت إيمان مرسال، وشريط الصوت المُصاحب لحياة ياسر عبد اللطيف، وكيف تفرم الودان وفق نظرية الراحل هاني درويش. 

15

«التلاعب بالبشر»  

«التلاعب بالمعجزات» 

صيحات استغاثة

طيور متحدثة

[....]. يظل لغزًا بالنسبة لي أن البشر الآخرين لا يسمعون صيحات الاستغاثة كما أسمعها أنا. الصوت الذي يتناهى إلى أذني -مئات المرات كل يوم- هو في غاية الوضوح بحيث لا يمكن أن يكون مجرد هلوسة. «صيحات الاستغاثة» الحقيقية دائمًا ما تتبعها على الفور العبارة المحفوظة عن ظهر قلب: «لو أن صيحات الاستغاثة اللعينة تلك تتوقف».

[....] حين بدأ الرب التكبيل بأجساد سماوية [1]، كما أشرت من قبل في صفحة 126، من الفصل التاسع، فإنه لم يستبق فقط الأرواح غير المطهرة التي كانت لا تزال موجودة آنذاك، ولكن استبقى كذلك ما تبقى من «الباحات الأمامية للسماء»[2] أي الأرواح الطاهرة لبشر راحلين [....] تلك الأعصاب ظهرت لسنوات في شكل طيور خلقتها معجزة، وبالتالي تبدي صلة غامضة مع الطبيعة الجوهرية للخلق الإلهي؛ إلى حد أنه يصعب فهمها حتى عليّ أنا. فالأعصاب التي بداخل تلك الطيور هي بقايا (أعصاب منفصلة) لأرواح بشر تم تطهيرها، هذه هي الحقيقة التي تأكدت منها تمام التأكيد نظرًا لملاحظاتي المتكررة آلاف المرات يوميًا وعلى مدى سنوات.  

إنني أتعرف على الأعصاب المنفصلة بدقة من خلال نبرة أصواتها نتيجة سنوات من سماعي إياها؛ أعرف بالضبط أي العبارات العديمة المعنى والمحفوظة عن ظهر قلب التي يمكن لي أن أتوقعها من كل واحدٍ منها، وذلك وفقًا لما إذا كانت قد صدرت من معسكر الرب الأدنى أو من الرب الأعلى [3] (وقد أنتجتها معجزة لهذا أو لذاك). أما خاصيتها كأعصاب بشرية سابقًا فهو أمر تبرهن عليه حقيقة أن جميع الطيور الناشئة عن معجزة ودون استثناء، متى ما أفرغت تمامًا سم الجثث التي تحمله، أي متى ما انتهت من إلقاء العبارات التي تكررها كالدرس المحفوظ، تُعبّر عندئذ بأصوات بشرية عن إحساس حقيقي بالارتياح في حسية- روح [4] جسدي الذي يتقاسمونه، تعبر بكلمات مثل «شخص لعين» أو «لعين بطريقةٍ ما» تلك هي الكلمات الوحيدة التي يبقون قادرين من خلالها على التعبير عن إحساس حقيقي. [...]

لا أستطيع أن أقول كيف أُعدت أعصابها لتتذبذب بهذه الطريقة التي تجعل الأصوات التي ينطقونها، أو بالأحرى يتلعثمون بها، تبدو مثل الكلام البشري، وهي الأصوات التي تتألف منها العبارات المحفوظة عن ظهر قلب. ولكن تأثير هذه الطريقة معروف لي عبر سنوات من التجربة؛ وسمته الأساسية أن أعصاب الطيور الناشئة عن معجزة طالما كانت منشغلة بإلقاء العبارات التي تكررها كالدرس (المحفوظ عن ظهر قلب)، فإنها محصنة ضد كل إحساس كان من الممكن أن تحس به عند دخولها جسدي، لاسيما ضد حسية الروح والانطباعات البصرية، تمامًا كما لو أنها دخلت إليّ معصوبة الأعين أو كأن قدرتها الطبيعية على الإحساس معطلة بطريقة ما. [...]

لقد ذُكر أن الطيور الناشئة عن معجزة لا تفهم معنى الكلمات التي تنطقها؛ ولكن من الواضح أن لديها حساسية خاصة نحو تماثل الأصوات. وبالتالي، فإنها إذا كانت تلقي العبارات المحفوظة، وحدث أن سمعت كلمات لها صوت عباراتها نفسه أو صوت مماثل له، إما في الذبذبات الناتجة عن أعصابي (أفكاري) أو في كلام الأشخاص الآخرين من حولي، عندها يبدو أنها تشعر بالمفاجأة ويخدعها التماثل في الصوت؛ بتعبير آخر تجعلها المفاجأة تنسى بقية عباراتها الميكانيكية فتتحول فجأة إلى إحساسٍ حقيقي [...] 

لقد أصبح إرباك تلك الطيور الناطقة من خلال إلقائي لكلمات ذات أصوات مماثلة عمدًا نوعًا من التسلية التي خففت عني عناء سماع ثرثرة الأصوات غير المحتملة، وإن كان الاستمتاع بهذه التسلية في حد ذاته أمرًا غريبًا. ومهما يبدو هذا مضحكًا فللأمر أيضًا جانبه الجاد. 

إن الربين الأعلى والأدنى، وقد عرفا أيضًا أن الطيور الناشئة بمعجزة تنخدع بالأصوات المماثلة، استخدما هذه الخاصية كوسيلة لخداع بعضهما البعض. كل منهما يرغب في التراجع ودفع الآخر إلى الصدارة؛ فكلما انخدعت الطيور بالأصوات المماثلة، تزداد جاذبية الجزء الذي انبعثت عنه الأصوات من أي من المعسكرين. وبالتالي فإن الرب الأعلى يروق له أن يجعل الأشخاص المحيطين بي يقولون تلك الكلمات التي تنتمي إلى المادة المكتوبة[5] ولأصوات الرب الأدنى والعكس بالعكس، فيما أنا من جانبي، ومن أجل توحيد جميع الأشعة من خلال جاذبية متسقة، أضطر على الدوام لإبطال تلك الجهود. وهنا أيضًا يمكنني تقديم أمثلة عديدة بعدد حبات الرمل على شاطئ البحر.

حتى نورد قليلًا منها: «الضوء الكهربائي» و«السكك الحديدية» جنبًا إلى جنب «القوى الهائلة» و«المقاومة اليائسة» -كما ذُكر في الصفحة 169 من الفصل الثالث عشر، وكلها تنتمي إلى المادة المكتوبة للرب الأدنى. فيجعل الرب الأعلى بالتالي أي محادثة تدور في حضوري -وأيضًا خلال تناول الوجبات على مائدة المدير- تنعطف نحو «السكة الحديدية الكهربائية» وكل شيء يعتبر «هائلًا»، وبمناسبة ودون مناسبة يتحدث أحدهم عن «آمال» مرارًا وتكرارًا إلى حد مدهش بحيث يُستبعَد كل احتمال للمصادفة العرضية. هذا وحده -فضلًا عن الكثير سواه- يشكل برهانًا قاطعًا بالنسبة لي على أن أعصاب البشر الذين يستخدمون تلك الكلمات أُجبرت على القيام بهذا الأمر تحت تأثير الأشعة (المعجزات) -وبالطبع دون معرفتهم؛ بتعبير آخر إنه برهان على واقع ما يُسمى بـ«التلاعب بالبشر» الذي اعتاد الرب الأدنى التحدث بشأنه مراتٍ لا تحصى في السنوات السابقة [...]

16

التفكير القهري.. نتائجه وتجليه

[...] سوف أستطرد الآن بشأن أشكال التفكير القهري المستمر، والتي تغيرت بشكل كبير كذلك [...]. منذ البداية ساد نظام عدم إتمام الجمل، أي أن الذبذبات لا تؤدي إلى إفادات مكتملة أساسًا، بل إلى أفكار غير مكتملة، أو شظايا أفكار، والتي يتوجب على أعصابي أن تكملها لإتمام معناها. إنها طبيعة الأعصاب، فهي إذا ألقيتْ إليها كلمات غير مترابطة أو عبارات افتتاحية فإنها تحاول أن تتمها تلقائيًا فتصير أفكارًا مكتملة مُرضية للعقل الإنساني. 

صار نظام عدم إتمام الجمل مسيطرًا عليّ أكثر فأكثر مع مرور السنوات بقدر ما افتقدت الأرواح لأفكارها الخاصة. فقد ظلت روابط لغوية أو ظروف مفردة تُنطق على أعصابي آلاف المرات على مدى سنوات؛ مما لا ينتج عنه حتمًا إلا شبه جملة، ولكنها تُترك لأعصابي حتى تُكملها على نحوٍ يرضي العقل المفكر. وعلى هذا كنت لسنوات أستمع يوميًا لكلمات مفككة تتكرر مئات المرات على أعصابي دون أي سياق، من قبيل «ولم لا؟»، «لماذا، إذا»، «لماذا، لأنني» «ليكن» «أما بشأنه»؛ ثم أصبحت الأرواح تلقي إلى أعصابي بكلمات تعجُّب بلا أي معنى بالمرة مثل «أوه»، وأخيرًا بشظايا من جمل كانت تامَّة فيما سبق، على سبيل المثال: 

  1. «الآن أنا سوف،» 
  2. «أنت كنت،» 
  3. «أنا سوف،» 
  4. «سيكون،» 
  5. «هذا بالطبع كان،» 
  6. «ينقص الآن،» 

إلخ. 

الغرض من عدم إتمام الجمل يتفق مع توجه الرب نحوي جملةً وتفصيلًا، وهو منع التفسخ في جسدي والذي سينجم بالضرورة عن جاذبيته. وطالما سادت ظروف منسجمة تقريبًا مع نظام الكون [6] فإن حدوث أي توافق لحظي في الإحساس يكفي لجعل الأرواح المعلقة في السماء تقفز إلى داخل فمي، وهكذا تنهي وجودها المستقل؛ وهو الحدث الذي اختبرته بالفعل مرارًا وتكرارًا كما أوضحت في صفحة رقم 86 من الفصل السابع [...] إن تأثير عدم إتمام الجمل يجعل الأرواح تتوقف في منتصف الطريق، وبالتالي يمكنها أن تنسحب قبل أن تضيف إلى حسية الروح في جسدي؛ ولكن حتى هذا لا يحول تمامًا دون حدوث الجاذبية على الدوام؛ إنه يبطؤها وحسب. 

لا بد وأن أعلق الحكم بشأن صحة التعبير الذي اخترته، وهو أن أعصابي تتجاوب مع ذبذبات الأشعة. وما أشعر به شعورًا مباشرًا هو أن الأصوات المتحدثة كأصوات داخلية تتحرك مثل خيوط طويلة داخل رأسي وهناك تتسبب في شعور بالشد المؤلم بسبب سم الجثث الذي تخلفه وراءها. وفي تمييز مضاد لتلك الأصوات الداخلية فإنني أسمع أصوات خارجية، وهي الأصوات التي تتحدث بها الطيور وتأتي إليّ من الخارج، من حناجر الطيور.

ومع ذلك، ففي كلا الحالين لا يمكن لأعصابي أن تتجنب صوت الكلمات المنطوقة؛ فأعصابي تتحفز تلقائيًا وأرغم على التفكير حين أسمع أسئلة أو أفكارًا غير مكتملة. في السنوات السابقة كان على أعصابي ببساطة أن تستمر في التفكير، لتجيب عن الأسئلة، وتكمل الجمل المقطوعة، إلخ. فيما تلا ذلك فقط صرت بالتدريج قادرًا أن أعوِّد أعصابي (الأصلية) على أن تتجاهل الحافز الذي يجبرها على أن تفكر، من خلال تكرار المفردات والعبارات ببساطة وبالتالي أحوّلها إلى أفكار غير مُفكَّر فيها. إذا سمعتُ على سبيل المثال «لماذا، لأنني» أو «ليكن» فإنني أكرر تلك الكلمات لأطول وقت ممكن دون أن أقدم على إكمال المعنى بمحاولة الربط بينها وبين ما كنت أفكر فيه قبلها

على النحو نفسه أجبر أعصابي على ألا تستغرق في التفكير عندما أسمع كلمات «ماذا لو كان فقط»، والتي من شأنها فرض خوف مزيف وغير حاضر على ذهني. [...]

إن انتهاك حرية التفكير الإنساني أو الأصح التفكير في لا شيء، والذي يُشكل جوهر التفكير القهري، صار غير محتمل بدرجة أكبر على مدى السنوات، خاصة بعد أن أخذت سرعة حديث الأصوات في التباطؤ. وكان هذا مرتبطًا بازدياد حسية الروح الخاصة بجسدي -على الرغم من جميع المادة المكتوبة- ومرتبط أيضًا بافتقار شديد للمادة المنطوقة التي في متناول الأشعة، والتي تمكُّنها من اجتياز الفجوة الهائلة التي تفصل النجوم التي تتدلى منها عن جسدي. 

كل مَن لم يختبر بنفسه تلك الظواهر كما اختبرتها أنا لا يمكنه أن يتخيل إلى أي حد تباطأ حديث الأصوات. جملة «ولكن بالطبع» تُنطق و. و. .و. ل. ل.ل.ل. ك. ك. ك. ك. ن. ن. ن. ن. ب. ب. ب. ا.ا.ا. ل.ل. ل.ط. ط ط. ب. ب. ب. ع. ع. ع. وكل حرف يتطلب ربما ثلاثين ثانية ليكتمل.

لا بد وأن يسبب هذا استياءً وضجرًا عصبيين لأي إنسان، أما أنا فيتزايد إبداعي في استخدام الوسائل الدفاعية، لتصيبه بالروع والفزع؛ وربما يوجد مثال مبسط على هذا الإزعاج العصبي في حال القاضي أو المعلم الذي يستمع دائمًا إلى شهادة شاهد بليد العقل أو تلميذ يتأتئ ويتلعثم، وهذا الشاهد أو التلميذ، ورغم جميع المحاولات، لا يمكنه أن يدرك ما الشيء الذي يُسأل عنه أو  يٌنتظر منه أن يقوله.

هوامش

 1-هذا التكبيل الميكانيكي بدأ في شكل مُبسط اسمه «التكبيل بالأشعة» [...] وفقًا لذلك كانت الأرواح تتدلى من مجموعة من الحبال [...]، بطريقة تجعل الحبال تنساب للأسفل على شكل مخروط، فيما كانت أعصاب الأرواح مربوطة حول الحبال من أعلى عندما بات واضحًا أن طريقة التكبيل تلك لا توفر دفاعًا كافيًا ضد جاذبية جسدي وخطورة الاتحاد به، تم استبدالها بطريقة أكثر مقاومة وهي التكبيل بأجسام سماوية.

2- الأرواح المطهرة فقط هي التي يستخدمها الرب -أو بمعنى آخر هي فقط التي لها مكان في الجنة- لأن مصيرها الحتمي هو أن تصبح جزءًا منه وبالتالي تكون منها الباحات الأمامية للسماء.

3- العوالم الخارجية للرب كانت ولا تزال موضع تقسيم غريب: هناك إلهان يسيطران على العالم ويتصارعان فيما بينهما. وهما الرب الأدنى (آريمان) والرب الأعلى (أورمزد). من الصعب فهم هذا التقسيم، لكن ما يمكن التوصل إليه هو أن الرب الأدنى (آريمان) يبدو أنه يشعر بالانجذاب نحو الأمم التي تعود للعرق أسمر البشرة (الساميين) والرب الأعلى يميل للأمم التي تعود للعرق أشقر البشرة (الشعوب الآرية).

4- الامتلاء التدريجي لجسدي بأعصابٍ حسية وشهوانية (أعصاب مؤنثة)، [...]، والتي تبذل قدرةً متزايدة على جذب الأشعة. 

5- هناك كتب أو دفاتر تم فيها على مدى سنوات تسجيل جميع أفكاري، وجميع عباراتي، وجميع ضروراتي، وجميع الأشياء التي تخصني أو التي تحيط بي، وجميع الأشخاص الذين أتواصل معهم، إلخ. لا يمكنني أن أجزم يقينًا بمَن يقوم بعملية التسجيل.

6- الاتصال المنتظم ما بين الرب والأرواح الإنسانية في نظام العالم يتم فقط بعد الموت. وهكذا لا يواجه الرب أي خطورة عند الاقتراب من الجثث لانتزاع أعصابها، [...]، لكي يرفعها إلى ذاته بقوة الأشعة. 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#أدب

فرم الودان

رحلة ساحرة مع الصوت في ميكروباص

هاني درويش 13 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن