«محمد ينجو من الماء» | صفاء ترقي أخاها
يأتي هذا المقال كجزء من معرض وفعاليات «عمر من الريح»، والمُقام في مركز الصورة المعاصرة، من ديسمبر 2020 إلى فبراير 2021. يضمّ المعرض «محمد ينجو من الماء» (2012) من إخراج صفاء فتحي، بجوار أعمال أخرى، تناقش المرض والموت وأبعادهما الذاتية والاجتماعية والسياسية. سيجرى كذلك نقاش مع صفاء فتحي حول فيلمها أونلاين قريبًا. يمكنكم زيارة المعرض حتى نهاية الشهر الجاري.
شاهدتُ فيلم «محمد ينجو من الماء» للمرة الأولى بعد عام ونصف من موت أبي. كان هو بطل تجربتي الأولى أمام جسد فارقته الحياة. صباح يوم موته فتحتُ باب الشقة لموظفة أتت مُسرعة لتخبرنا أن الرجل الذي خرج قبل نصف ساعة من نفس الباب أُصيب بأزمة قلبية نُقل على إثرها إلى المستشفى. نزلتُ وراءها مُسرعًا لأبدأ الأسئلة والمقاربات وإعادة الترتيب منذ اللحظة التي رأيت فيها وجه أبي نائمًا نومته الكبرى، لقد أصبح الموت مرئيًا. المرة الثانية التي شاهدت فيها الفيلم كانت بعد شهرين من موت أمي، هي بطلة تجربتي الثانية مع جسد فارقته الحياة، مع ملامح وجه النائمين نومتهم الكبرى. يومها لم أفتح بابًا لأخرج، بل فتحته للداخلين، هذه المرة أنا مَن ينقل الخبر، أصبح الموت الآن مرئيًا ومألوفًا. قبل أسبوعين قابلتُ الموظفة التي نقلت لي خبر أبي، قلت لها إني في ذلك النهار لم أفتح الباب لها، بل فتحته لعالم جديد تمامًا داهمني فجأة كسقوط آليس في الحفرة. بين المشاهدتين للفيلم أخبرتني الأسئلة والمقاربات وإعادة الترتيب أن الموت نجاة كما يقرّ بذلك العنوان الخبري: محمد ينجو من الماء.
أبي وأمي ماتا بسبب مرضين مختلفين من أمراض القلب التي يخبرنا أحد الأساتذة المتخصصين فيها أنها المسؤولة عن ست وأربعين بالمائة من وفيات المصريين. محمد مات بسبب الفشل الكلوي الذي يحتل المرتبة السابعة في قائمة الأمراض المُزمنة التي تودي بحياة سكان وادينا الخصيب.

بخصوص أبي وأمي ومحمد وغيرهم يخبرنا المؤرخ القديم هيرودوت أن قدماء المصريين كانوا يتمتعون بصحة جيدة نتيجة حرصهم على نظافتهم الشخصية وعلى نظافة محيطهم. لكن المؤرخة المعاصرة ماريان لوبان تتخذ من قائمة الأمراض المُزمنة التي اكتشفها الباحثون الأثريون في مومياوات قدماء المصريين دليلًاعلى فرضيتها بأن متوسط أعمارهم لم يكن يتجاوز الستين عامًا. مات أبي في السابعة والستين، وماتت أمي في الستين، ويبدو من معلومات الفيلم الشحيحة عن حياة محمد، وعن تجربته الفردية مع مرض الفشل الكلوي أن عمره لم يتجاوز الخامسة والأربعين عامًا.
تناولتْ البرديات الطبية التي دوّنها قدماء المصريين علاجات للأمراض المُزمنة وغير المزمنة، قرح المعدة، المغص، الصداع، البول السكري، حساسية الصدر، التبول اللا إرادي، السرطان، السل وغيرها.
في تلك البرديات تتجاور وصفات الأعشاب والتركيبات الكيميائية جنبًا إلى جنب مع التعاويذ والرُّقَى. مزجت صفاء فتحي هي الأخرى بين الطب التجريبي والأسطورة في فيلمها «محمد ينجو من الماء».

تستهله بصوتها وهي تقارب بين حكاية إيزيس وأوزوريس وحكايتها مع أخيها؛ جمعت إيزيس أشلاء أخيها لتُنجب منه حورس وجمعت صفاء أشلاء أخيها لترقيه وهو يحلق في السماء بعيدًا عن الناس، كما تمنى في أحد مشاهد الفيلم. أنجبت إيزيس حورسًا سقيمًا وهزيلًا لم تبقه على قيد الحياة سوى رُقياتها، تلك الرُقى التي تسللت بين الوصفات الدوائية في برديات قدماء المصريين. بعيدًا عن شهادة هيرودوت وفرضية لوبان، محمد وصفاء ليسا أسطورة راكمها الخيال الجمعي، بل حكاية يومية مكررة، صحة المصريين المعاصرين ليست على ما يرام.
بوصف الفيلم رُقية، انحزتُ لمقاربة أخرى أهم من تلك المقاربة الافتتاحية؛ مقاربة صفاء ومحمد أخيها لإيزيس وطفلها حورس، لا أخيها أوزوريس، كما تبنّت صفاء بوضوح. لقد انكمش جسد محمد بسبب فقر الدم والنزيف المتكرر وهشاشة العظام وغيرها من مضاعفات الغسيل الكلوي وأصبح بجسد طفل. حورس تشفيه إيزيس بالرقى أثناء رحلة هروبها به من بطش سِت، قاتل أوزوريس، ومحمد ترقيه صفاء بالفيلم. نجا الاثنان، محمد وحورس؛ محمد نجا من الماء وحورس نجا من الموت.
لم تكن تلك الأسطورة هي الوحيدة في فيلم نجاة محمد.
هناك أسطورة الذباب الأخضر الذي يحوم حول القبور ليجسّد «روح الميت» كما تخبرنا إحدى العاملات في ثاني مشاهد الفيلم، أسطورة الحلم السيء الذي «بيبقى متعلق بين السما والأرض، لو حكيتيه بينزل»، كما يقول محمد لراندا ابنة أخته في مشهد آخر، أسطورة موت الكُلية المزروعة في جسد أحدهم إذا ما مات صاحبها الأصلي كما يخبرنا محمد أيضًا في مشهد ثالث، أسطورة محمود، ابن محمد، الذي يأتي أباه في حلم قابضًا على حفنة من تراب القمر. وأُضيفت لتلك الأساطير أسطورتان، تفنّد صفاء الأولى منهما بالثانية، الأولى هي أسطورة المبيدات الحشرية الإسرائيلية التي يفترض سائق تاكسي كان يقلّ صفاء إلى أخيها في أحد المشاهد بأنها التي أهلكت صحة المصريين. الأسطورة الإضافية الثانية هي ارتفاع حالات الفشل الكلوي في مصر بسبب تلوث ماء النيل التي تفترضها صفاء نفسها منذ بداية الفصل الثاني من الفيلم.
إذا ما كانت «نجاة محمد» هي رُقية صفاء المصوّرة لمحمد، فإن «الماء» الذي نجا منه كان مدخلها المسدود إلى الطب التجريبي الذي جاوره قدماء المصريين مع نصوصهم الشعرية المُعالِجة في بردياتهم. تفترض صفاء أن ماء النيل الذي يتلقى المخلفات الصناعية لشركة السكر والصناعات التكاملية، وغيرها من السموم هو الذي أجهز على كليتي أخيها وقتله في النهاية. تفيض الرؤية فتناقش صفاء أخيها في أحد المشاهد متهمةً السد العالي بأنه مَن أفقد نهر النيل عافيته وتصرّ على لقطة مُمتدة لطبيب يشرب من كوب ماء شهي بين أصابع يده. ماء نهر النيل حاضر بصورته طوال الفيلم.

في المشاهدة الأولى لم أفهم علاقة مرض الفشل الكلوي بماء النيل الملوث، الفشل الكلوي ينتج كإحدى مضاعفات ارتفاع ضغط الدم، مرض البول السكري، أو كأحد مكونات الالتهابات المناعية في الكلى، العيوب الجينية في تكوين الكلية، الحصوات. محمد نفسه يؤكد لصفاء في أحد المشاهد أن الفشل الكلوي لا يتواجد وحده، لا بُد له من مرض رفيق. لكن صفاء تصرّ على أن الفشل الكلوي قد يتواجد وحده كنتيجة مباشرة للماء الملوث الذي نشربه. في المشاهدة الثانية أدركت أن ذلك المدخل العلمي في بردية صفاء ما هو نفسه إلا استسلام لأسطورة؛ الفيلم في كُليته رقية، نص شعري يفترض علاقات.
أمام سلاحي الكاميرا والتجربة الّلذين تشهرهما صفاء في وجهه يضطر طبيب في إحدى وحدات غسيل الكلى للاستسلام هو الآخر ويفترض احتمالية وجود الخيط الذي ربطت به صفاء الفشل الكلوي وتلوث ماء نهر النيل. تكررت لقطات المحاكمات تلك مع محمد نفسه في جلسته بأحد مشاهد الفيلم أمام هيئة مكونة من أختين جالستين على أريكة إلى يساره وابن جالس على كرسي إلى يمينه ينتقدوا رفضه مبدأ زرع كُلية الذي يقرّ الأطباء المعالجون أنه العلاج الحتمي الأخير لحالته.

منذ قررت صفاء تبني انفعالات الشخصية الساخطة تغيّرت نبرة الرقية إذًا، لم يعد الهدف هو الشفاء، بل المرافقة حتى المثوى الأخير. نحن نرافق ضحايا الأمراض المزمنة بعناية، بصبر، وقد نرافق مَن تتدهور حالته منهم بهلع، لكننا نرافقهم. الكاميرات لا زالت تسجل؛ كاميرا صفاء، كاميرا المصور المحترف، كاميرا محمود محمد فتحي، لكنها الآن رقية تلعن الجميع، الفسدة، مخلفات المصانع، نقص الأدوية في الصيدليات بعد ثورة 25 يناير، فشل المنظومة الصحية والاختناقات المرورية. رُقية صفاء لأخيها تهتف بسقوط الطغاة في مشهد طويل قرب نهاية الفيلم تنوعت فيه مظاهرات وهتافات ميدان التحرير، وتهتم باستطرادات طبيب يشرح تقنيات ودوافع وآليات سرقة الأعضاء في دول الخليج.
محمد نفسه ساخط، سخط المريض المهزوم بوضوح أمام مرض فتّاك يُفقده خصوصيته واستقلاله وسلامه، سخط الملوك المترجلين عن عروشهم، سخط المواطن الذي لا يحصل على رعاية صحية لائقة بسبب فساد مؤسسة الحكم. لم تضمّن صفاء وصفات علمية في برديتها، لكنها جاورَت أخاها مع الثورة، ذروة السخط التي لم يتمكن من حضورها. يذكر محمود لها ولنا أمام صديق أبيه الصيدلي فؤاد أنه يتذكر توقعهما للثورة قبل حدوثها، توقعهما معًا عصيانًا مدنيًا يطيح بحُكم حسني مبارك. ربما تسترسل صفاء في الحديث مع الصيدلي عن الحال السياسي المأزوم وكأنها تسترسل مع أخيها الذي غاب في السماء. خرجت الرقية عن خصوصيتها الأسرية لتصبح «الصورة اللي هاتروح فرنسا» كما يعلّق أحدهم خلف الكاميرا في وحدة الغسيل الكلوي وسط مرضى مجهولين يغسلون دماهم مما لم تعد كُلاهم قادرة على غسله. هذه رُقية مصورة عبَرَت فيها صفاء أمام الكاميرا لتحرك الصراع وتطوره. تنقلت بين ضفتي العدسة بقصدية تعي معناها وتأثيرها، كانت تضبط أبعاد التكوين أمامنا ثم تدخله، تأمر محمود أن يبقى في تكوين آخر بجوار أبيه وهو يراجع موقفه من زرع كلية. رُقية مصورة تتحسن فيها جودة تصوير اللقطات التالية لموت محمد عن جودتها قبله، ربما لتحسن الظروف الإنتاجية.
لقد حكت لنا صفاء الحلم السيء وأنزلته إلى الأرض، وها هي تحكي الآن توابع نزوله، لقد فشلت محاولات شفاء محمد، لنحافظ إذًا على رفقة روحه إلى السماء بعد رحلة وصف نفسه فيها بـ «ميّت ماشي على الأرض». الرقية المصورة هنا كاملة حتى لو رفضها المرقي مرة عندما مسح ما صوره ابنه بهاتفه المحمول لإحدى جلسات الغسيل الكلوي، وحتى لو علق عليها بحزن مرة أخرى أثناء تصويره في لحظة شجن عنيفة داهمته مع غروب الشمس أو موتها حسب توصيفه أثناء جولة نيلية. الرقية لم تختف أمام فرضية صفاء الطبية، فقط تغيّر نصها.
صفاء ترى فيلمًا لا يراه محمود، هي ترى تتابُعًا من المشاهد بينما يرى محمود تلك المشاهد منفصلة، يُسجّلها بهاتفه ويطمئن أباه بأنه لن يتصفحها في المستقبل. ويصرّح لعمته بملاحظته الفارق الواضح بين حضور أبيه جسديًا في الفيلم وحضور أرشيفه المصور بعد موته. محمود يفتقد وجود محمد ولا يفهم صوره المتحركة، أَصاب محمد بمسح تسجيلات ابنه له وهو على جهاز تنظيف الدم، سيرقي محمود أباه بطريقته.

تصميم شريط الصوت نفسه أتى لتأكيد مفارقة الفيلم كرقية للواقع الوثائقي الذي يعكسه، كان الصوت جزءًا من رؤية صفاء لنجاة محمد من الماء؛ نسمع موج النيل متواصلًا في خلفية تتابع من لقطات واسعة ومتوسطة لمركب تسبح في النيل في المشهد الأول، مقطوعتي موريس رافيل وليبو سوميرا العذبتين على البيانو تتبادلا المواقع طوال الفيلم، صوت صفاء أثناء قراءتها رسالتها المفتوحة إلى محمد بعد نجاته. كل ذلك يجعل الفيلم رقية نموذجية متماسكة لا يملك محمد وصفاء ومحمود غيرها، مقاربة شعرية تمتص الفجيعة.
مع وفاة أبي ثم مع وفاة أمي بدأتُ نسج الكثير من المقاربات لكل ما يخصهما ويتعلق بموتهما؛ التوقيت، الوَقْع، الحضور، المكان، السبب والتبعات الإجرائية والعاطفية. توسلت المعنى لخلق ذكرى متماسكة ترتبط بداخلها العلامات والمسارات في تجاور يصنع نسقًا يستوعب قطعية ألم الفقد النهائي.
تغيّر العالم كثيرًا منذ برديات قدماء المصريين الطبية، لكن المقاربات الشعرية لا زالت تتجاور مع الطب التجريبي؛ قبل شهر أخبرتُ مريض بول سكري أن ذلك الشعور القوي بالألم في ساقه التي بُترت حديثًا سيختفي تدريجيًا، ذلك الألم الذي يباغته من هواء غير مرئي حلّ محل ساقه الغائبة سيحتاج المخ والنخاع الشوكي مزيدًا من الوقت كي يتجاهلاه، طالما أنهما لن يتفهماه. أخبرته أن ذلك الألم يسمى علميًا بألم الطرف الشبحي. هدأَتَ حيرة المريض وأعجبته دقة التسمية.
تقارير ذات صلة
محمد رشاد عن «المستعمرة»: أن تحكي حكاية تشبه الناس بطريقة تشبهك
تحاوره ناهد نصر عن الفيلم وحكايته وأبطاله
نادي المنتجين المصريين: أن تسبح خارج البحر
بروفايل للنادي من خلال حوار مع مؤسسه محمد تيمور
سينما صيفي| فقراء في المنيو
بيحاول بسام مرتضى يخلينا نفكر في البني الآدمين
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن