محمد رمضان: شو بيزنس المعارك أو كيف تستفيد من إرث إبراهيم الأبيض
لا أحد يجيد «التعلية» مثل محمد رمضان
فلنتخيل أنك مشاهد مهتم بدراما العصابات والأكشن، تراجع عناوين أعمال الموسم الرمضاني لتحدد أي مسلسل ستتابع، لديك في القائمة مسلسل لعمرو سعد، آخر لمصطفى شعبان، ثالث لأمير كرارة، والأخير لمحمد رمضان. سيظهر البطل في أي منهم بعضلات مفتولة، وقد يظهر عاري الصدر. بالطبع هناك محبوبة هي نقطة ضعفه ويمارس عليها ذكورته، ونساء أخريات يردن الارتباط بقوته وسيطه.. الكثير من التستوستيرون والضرب، والجمل المقتضبة الاستعراضية.. من ستختار أو من ستكون له الأولوية؟
بنسبة كبيرة ستختار مسلسل محمد رمضان، أو على الأقل ستعطيه أولوية، لأن كاريزمته ستشفع له أو خلطته أو كل تلك التفسيرات التي ترتبط بأي نجاح له في الموسم الرمضاني. والسباق الرمضاني طويل ويسع من الأحداث الممطوطة ألف، ولدينا 30 يومًا وليلة.
لكن لنفكك تلك الخلطة، ونعرف لماذا له الأولوية على كرارة مثلًا الذي سبقه للدراما في دور البلطجي، وعلى عمرو سعد ومصطفى شعبان ومسلسلاته المليئة بإضاءات الليد، ولهذا علينا العودة بالزمن 14 عامًا، وتحديدًا في مايو 2009.

طفرة في تصوير عالم جذاب
«إبراهيم الأبيض كانوا بيقطّعوا بعض بالسكاكين ومحدش جاب سيرته، ولا كلامي غلط؟ بس عشان أحمد السبكي مش عامله، إبراهيم الأبيض كله دم من أوله لآخره وبيعلم الحشيش والبلطجة والإتاوة وبتاع، إشمعنا؟ عشان مروان حامد اللي عامله؟» - المنتج أحمد السبكي معلقا على اتهام «عبده موتة» و«قلب الأسد» بإفساد الذوق العام ونشر البلطجة -البيت بيتك- أكتوبر 2015.
أتفهم الحاج أحمد السبكي، الرجل يرى أنه لم يأت بما لم يأت به الأولون، فقد قدم في فيلميه، حتى ذلك التوقيت لمحمد رمضان (عبدة موتة - قلب الأسد)، نفس ما قدمه «الأبيض»: قصة بطل من منطقة شديدة الفقر لا يجد فرصة للتعليم، وترميه الحياة لطريق البلطجة وتجارة المخدرات، تأتيه الخيانة في بعض الأحيان من أصدقائه المقربين عِشرة العمر، ولديه محبوبة هي نقطة ضعفه، ما الجديد هنا؟ بل إنه حتى في «عبدة موتة» قام بترقية سيد رجب، الذراع الأيمن لعبد الملك زرزور (البطل الضد في إبراهيم الأبيض)، ليصبح الند بالند لعبده موتة وبدوره ملأ الفيلم بالمطاردات بين الشرطة والبطل، وحرص على وجود ميزانية كافية للكثير من المعارك منخفضة التكلفة إنتاجيًا، والكثير من السلاح الأبيض بمختلف أشكاله، فلم شيطنته واتهامه بتشويه الذوق العام؟ ما غيره عملها عادي.
الحاج أحمد محق، لكن ربما اللمحة الصوفية التي أضفاها شريط الصوت في «إبراهيم الأبيض» وقصة الحب الأسطورية خطفتا العين عن التركيز على النقلة التي قام بها الفيلم لنوع أفلام العصابات (البلطجة) في مصر. فالدفعة الإنتاجية التي قامت بها الشركة المنتجة «جود نيوز» هي ما أظهرت جماليات فنية لم تقدم من قبل في تناول ذلك العالم في تقاطعه مع عالم العصابات والجريمة، حتى في أفلام خالد يوسف، التي عرضت في النصف الثاني من العشرية الأولى للألفينيات. هذا السخاء الإنتاجي ظهر باستقدام كل أنواع النجوم حينها من نجوم الشباك مثل أحمد السقا وعمرو واكد وهند صبري، إلى الجراندات مثل محمود عبد العزيز، حتى النجوم الصاعدة حينها محمد ممدوح وسيد رجب وخالد كمال، أو بتوفير كافة الإمكانيات الإنتاجية لتصميم مناطق شعبية كاملة تشبه الحقيقية بمعارك عنيفة دموية ومعدات تصوير متنوعة لعرضها بالشكل المطلوب ونقل جوانب مختلفة منها.
يمكننا أن نرى تلك النقلة التي صنعها الفيلم في مشهدين منه:
المشهد الأول: مشهد المطاردة الذي يمثل البداية الحقيقة لاكتشاف عالم إبراهيم الأبيض وموقعه منه والذي يمتد لخمس دقائق، بين مجموعة من عناصر الشرطة وإبراهيم وعشري، بعد أن أبلغ سيد شيبة عن حيازتهما لمخدرات، ونقل لنا الجو الدرامي لتلك المطاردات سواء بحركة الكاميرا المهتزة والزوايا المختلفة المتراوحة بين لقطات الدرون واللقطات المتوسطة القريبة والمتوسطة الطويلة بالإضافة إلى الموسيقى المصاحبة، والتي تصور حالة الهرب الدائمة لدى تجار المخدرات (الديلرات) من ملاحقات السلطة لهم. هذا المشهد سيجد تماهيًا من طبقات مختلفة تعمل إما ببيع المخدرات أو تشتريها، في بلد ترتفع فيها نسبة استهلاك المخدرات وخاصة الحشيش، وفي نفس الوقت تجرم تداوله قانونًا. أحد مستخدمي تطبيق الساوند كلاود سمى المقطع الموسيقي المصاحب للمشهد تسمية معبرة للغاية «The chase never ends» (المطاردة لا تنتهي).

والمشهد الثاني هو المشهد الذي يذهب فيه إبراهيم الأبيض منفردًا للمنطقة التي يسيطر عليها الزرازير، ليستعيد الكيس الذي سرقه منه سيد شيبة، وهو المشهد المحوري إنتاجيًا ودراميًا، لأنه يؤسس لأسطورة إبراهيم الأبيض التي يعجب بها عبد الملك زرزور، فيعرض عليه العمل لحسابه.
هذا المشهد لم يكن لضرورة درامية تحرك الأحداث، بل كان استعراضيًا، هدفه تصوير ترفيهي يقترب من الواقعية لمعارك تلك الفئة من المجتمع، بالأسلحة البيضاء المفضلة لهم، ولكنها هنا تستعمل بإفراط وبلا تفكير، سواء من إبراهيم أو خصومه، وتصور الإصابات المدمية من الذبح، حتى استهداف الفخذ والمناطق الحساسة والوجه والعينين بالتحديد، ويشارك الجمهور المحيط بالمعركة من الأهالي غير المتورطين إما بالصراخ والعويل أو الأطفال بقذف الزجاج فوق رأس إبراهيم. وكل هذا بتصوير يراوح بين لقطات الدرون الكاشفة واللقطات الواسعة والمتوسطة، ما أعطى إيحاء يشبه إيحاء مشاهدة المباريات القتالية ذات الجمهور، بخصوم واضحين: الزرازير وإبراهيم الأبيض. يقدمهم سرد عشري الصوتي والطفل المنادي «سيد شيبة معاه حكاية».

هذان المشهدان كشفا جمالية معارك تتقاطع مع الواقع، ولا تتواجد فيها الشرطة كسلطة تنفيذية، تضمن الأمان. الانتصار فيها للأذكى والأقوى والأشجع، وحيث كل السبل والوسائل متاحة.
السُبكي سباق
بعد ثورة 25 يناير 2011، ومع سماح الرقابة السينمائية للدولة والرقابة الاجتماعية لبعض المساحات التجريبية تَشجع المنتج أحمد السبكي، لإنتاج أفلام أقل تكلفة من «إبراهيم الأبيض»، لكنها تتناول بدورها عالم البلطجة والجريمة في المناطق الشعبية شديدة الفقر.

ولأن الأفلام قليلة التكلفة تسمح بإطلاق وجوه صاعدة Underdogs، أتت الفرصة الأولى لمحمد رمضان ليصبح بطلًا لـ«عبده موتة». ملامح سمراء، شكل جسماني يجمع بين الضآلة ووجود عضلات بارزة، ونظرة بحلقة كوميدية أيقونية تعبر عن طمع ورغبة، وجسد عاري الصدر في معظم الأحيان.
إن كان إبراهيم الأبيض بترهل جسده أو عَشري بنحافته وضعف صحته بسبب التعاطي، هما التمثيل الواقعي للفئة القابعة تحت خط الفقر، فإن موتة وألماني وفارس الجن هم التمثل المثالي؛ جسد بعضلات قوية دون أن يفقد ميزة السرعة والمرونة لدى الجسد الصغير، صورة كاريكاتورية تشبه الشخصية التخيلية كارل سي جونسون، شخصية لعبة GTA الرئيسية، المنتشرة في تلك الفترة على أجهزة سايبرات ومحلات ألعاب الفيديو المنتشرة آنذاك بالمناطق السكنية للطبقات المتوسطة وتحت المتوسطة.

أيضًا، لم يعتمد رمضان فقط في «عبدة موتة» أو «قلب الأسد» أو «الألماني» على المطاردات أو مشاهد المعارك الدموية بل أضاف جانبًا مسليًا لنزالاته، سواء بحركات قتالية مبالغ فيها مستوحاة من رياضات فنون قتالية مختلفة، أو عبارات التحدي والسخرية التي يستخدمها، وتشبه مبارزات الممارسين للرياضات الشعبية الكلامية، (الـ trash talking) «لو بتخاف ما تجيش من الأرياف»، «مكانك مش هنا، اشتغل شغلتك وإحنا هنمولك»، «تعالى يا كتلة، إنت هتدوسني ولا إيه؟!»، «اشحن القطيع عالتلاجة»، وغيرها من الجمل المميزة، في فترة زامنت انتشار مشاهدة مباريات مصارعة المحترفين، التي كانت تعرضها قناتي «الحلبة» و«المصارع» المحليتان، بتعليق مصري.
ورمضان لن يضع فقط سلاحًا في بنطاله، بل ربما يخرج لك ثعبان يلسعك بجلده، أو تجده قادمًا عليك وهو يحمل شبلًا على كتفه. كان واضحًا من البداية أن رمضان لا يريد فقط أن يمثل شخصيات درامية، لكنه يريد تصميم كاراكتارات مختلفة لها سمات مميزة توفر له الانتشار في الفئات المستهدفة من أفلامه.
ولا ننسى أيضًا أن موجة تلك الأفلام رافقها صعود موسيقى المهرجانات؛ وأبرز المهرجانات، أي أكثرها انتشارا وأعلاها في معدلات الإستماع، كانت تؤدى في مشاهد من الأفلام، أو تصاحبها موسيقيًا. حِرص وإخلاص سُبكي كامل لتقديم منتج ترفيهي يجمع بين القصة الدرامية المأساوية وصعود البطل الأسطوري ومطاردات ومعارك ومهرجانين تلاتة.

من الصاعد سينمائيًا للصاعد دراميًا
ملامح محمد رمضان وجسده المنحول نمّطاه في البداية بأدوار مثل عسكري الأمن المركزي في «رامي الاعتصامي» (2008) وعامل المحل في «احكي يا شهرزاد» (2009)، أو الطفل المتشرد في «هانم بنت باشا» (2009)، وساعداه على أن يصبح الوجه الأول لأفلام البلطجة والعصابات بعد الثورة.
وفرصة النجومية المبكرة الصغيرة تلك فتحت مساحة أخرى لرمضان في نمط شعبوي آخر، وهو الصعيدي المصدوم بالمدينة في فيلم «واحد صعيدي » (2014)، متماهيًا في قوالب كوميدية، مع الذكورية الناظرة للمرأة المتمتعة بحريتها في اختيار نمط حياتها نظرة دونية، فيها رغبة لانتهاك حياتها أو التطفل عليها. ولحسن حظ رمضان لم تبلعه تلك الموجة، لأنها كانت ستحبسه في أدوار من نوعية «القرموطي» الذي قام به الممثل أحمد آدم، وهي أدوار مهما حققت نجاحًا تجاريًا قصير المدى، فيصعب الخروج منها أو تنفيذ غيرها، لأنها تطبع على الممثل، وتصنفه لدى الجمهور. بل أن رمضان استفاد منها عندما حصل على دور البطولة في عمله الدرامي الأول كنجم، كعامل بناء صعيدي، في مسلسل يتناول قضية رأي عام «ابن حلال» (2014)، المتلامس مع قضية مقتل ابنة المطربة المغربية ليلى غفران.

بـ«ابن حلال» دخل رمضان باب الدراما من أوسع أبوابه، لأن في تلك الفترة كانت هذه المسلسلات رهان مضمون الجماهيرية، لأنها تشبع رغبات التلصص على حياة الطبقات العليا، كما أنها تحتوي على قصة البطل البريء الملوث بالظلم، والذي تُحوِّل مجرى حياته حادثة تقع بين أبناء الطبقات العليا، ليتحول إلى شرير ينتزع حقه من الحياة بمخالبه. وهو القالب الذي فقد بريقه بعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، متيحة المساحة لقدر أكبر من التفاصيل للجمهور، وساحبة البساط من تحت أقدام الدراما.
الجديد الذي قدمه «ابن حلال» هو معارك حبيشة بالشارع بالسلاح الأبيض، ووجود ريهام سعيد (مذيعة برنامج صبايا) في شخصية صحفية، ومشهد مثل تثبيت حبيشة لبوكس الشرطة بأمنائه وعساكره وضباطه والاستيلاء على سلاحهم في وضح النهار، وعلى مرأى سكان المنطقة الساكن بها. اقتحم رمضان بهذا المشهد مساحة مسكوت عليها ولم تقدم من قبل للشاشة عن علاقة الشرطة كجهة تنفيذية للقانون بالدولة والبلطجية، وطرح السؤال المحرم حول من يحكم تلك المناطق السكنية. وسواء كان مهموما بالإجابة على ذلك السؤال أو وجود تلك المشاهد فقط للترفيه، فاحتواء عمله عليها يمثل علامة تجعل الجمهور يتذكره بها.
تصوير صراع أفراد مع الشرطة لم يكن شيئًا جديدًا في حد ذاته، لكن اختلافه مثلاً عن مشهد خطف آدم للضابط سيف في مسلسل «آدم» (2011)، أو خطف منصور الحفني للضابط رشدي في فيلم «الجزيرة» (2007)، كان في أن المشهدين الآخرين يحدثان في مناطق مغلقة، بعيدًا عن مرأى العامة، لا يقف فيها البطل ضد السلطة ندا لند، أمام جمهور متفرّج.
من الـ«مستضعف» للـ«مفضل لدى الجمهور»
بعد أن أسس عصابته، وتخلص من ثنائيات إبراهيم وعشري التي لازمته في «عبده موتة» و«الألماني» و«قلب الأسد»، وأصبح بمقدوره السيطرة على محيطه السكني، وتثبيت أفراد الشرطة به، أصبح رمضان جاهزًا لينتقل لمرحلة المفضل في الصراع ذي الحظوظ الأعلى.
في «الأسطورة» (2016) يكون رفاعة الدسوقي تاجر السلاح صاحب ورش صيانة السيارات، بمنطقة السبتية، لديه أخ أصغر سيكمل المسيرة ويحقق الانتقام وينال الأعداء، ولديه خصوم واضحين (عصام النمر وعائلته - ضابط الشرطة كمال مراد - بدر).
محطة «الأسطورة» مثلت خطوة مهمة لترسيخ محمد رمضان والفورمات الناجح له دراميًا، بتركيزه على المعارك كمفتاح أساسي لشد انتباه الجمهور، مستغنيًا عن المطاردات ومخففًا من حدة استعمال السلاح الأبيض مع الحفاظ على الأداء الاستعراضي، رغم تغير زوايا التصوير المناسبة أكثر للدراما التليفزيونية والتي تختلف عن زوايا تصوير أفلام السينما، وبالتأكيد ميزانية أقل للمعارك، وبالاحتفاظ بالعبارات الساخرة والمقللة من شأن المنافسين، بالإضافة إلى الحفاظ على وجود عنصر من الشرطة للصدام معه، وتناول علاقته بعالم تجارة السلاح والبلطجة (الضابط كمال مراد)، وهي الخطوة التي لم تتكرر في أعمال محمد رمضان الدرامية بعد ذلك، لأسباب رقابية أو إنتاجية، أو لعدم اهتمامه بها من الأساس، كطريقة تحقق الواقعية والاقتراب من الجمهور.

بعد «الأسطورة» قدم محمد رمضان شخصيات وقصصًا مختلفة، سيكون من الإجحاف اقتطاعها من مسيرته، لكننا هنا بصدد تحديد العوامل التي تجعل مسلسلاته تحقق نسبة المشاهدات والانتشار الأعلى، والتي تحققت في أعمال من نفس طابع «الأسطورة»، مثل «البرنس» و«جعفر العمدة»، ودائمًا ما أتى فيها رمضان بسمة مميزة مبالغ فيها؛ البذلات الخاصة بشخصيتي رفاعي وناصر الدسوقي، الدقن المحدد بغرابة، الحواجب الغليظة، المشي دائمًا بضهر مشدود بشكل مبالغ فيه، أو «السوبر مان بانش» التي يعطيها الأسطى رمضان البرنس للجميع في كل معاركه، لأنه من حواري لندن! أو الجسم المفتول الذي لا يحتوي على أي ترهلات ولا عوامل للزمن لشخصية لديها 54 عامًا، فهو محمد رمضان في جسد شخصية كذا، وليست الشخصية الدرامية المرسومة في النص.
معارك محمد رمضان جميعها في حارة شعبية، وجميعها تُحضر بسعة جماهيرية مكتملة، وبها عامل الألفة لأن الجمهور جمهور شارع، والكاميرا يجب أن تنقل ردود أفعال الجميع، سواء أفراد مرتبطين بالخصوم أو محيطين بالمشهد دون المشاركة فيه، أو حلفاء للبطل.
**
هكذا تأخذ مسلسلات محمد رمضان الأعلى مشاهدة من معارك حلبات المصارعة جوهرها الرئيسي، هنالك بطل وخصم وجمهور متحمس ومساحة عنف مفتوحة، وبهذا يكون الغرض من نشاط الفرجة عليها هو متابعة معارك ونزالات البطل مع خصومه وأعدائه اللدودين وليس الحبكة الدرامية والقصة.

فلنأخذ جعفر العمدة كمثال. نقطة التحول التي حسمت نِسب المتابعة لصالح المسلسل هي مشهد ضرب جعفر لشخصية كارم فتح الله؛ تلك المعركة التي دارت بينهما على من له السيطرة على الزوجة/ الأخت. في هذه المعركة تم تحديد الخصم المباشر (عيلة فتح الله) والمنافس القادم (أخ أكبر مسجون ينتظر الخروج للإنتقام من جعفر) أي هناك أيضًا تشويق لمباراة أخرى ضخمة بين جعفر/ محمد رمضان وبين خصم منتظر. ولذلك صفق الجمهور وتفاعل مع المعركة، وصفق أيضًا لخروج جعفر العمدة من قضية المخدرات الملفقة ضده والمدبرة من (كارم فتح الله)، ترقبًا لمعركته الكبرى مع شوقي فتح الله.

حتى الخطوط الأساسية المفترضة؛ بحثه عن ابنه المفقود منذ 19عامًا وزواجه من أربع نساء وأزماته النفسية الداخلية، كلها كانت مجرد أحداث مؤدية لصدامه مع شوقي، في نظر نسبة كبيرة من المتابعين، ولم يتم التعامل مع المط وادعاء غباء البطل في إدراك أن سيف هو ابنه إلا بالسخرية المرحة أو التفهم، نظرًا لأن المسلسل 30 حلقة، ومن المفترض أن تكون المعركة في الأيام الأخيرة من رمضان، وكأنه نزال بين مقاتلين أو مصارعين له توقيت محدد، وما يسبقه هو دراما المناوشات.
من ناحيتهم، تعامل ممثلو أبطال الضد في «جعفر العمدة» بذكاء مع ظاهرة مسلسل رمضان- المعارك الشعبية، خاصة لأنها تكررت في كلا من «الأسطورة» حيث أقام بعض المتابعين عزاءًا لرفاعي الدسوقي، وهاجموا الممثل المؤدي لشخصية عصام النمر (محمد عبد الحافظ)، وفي«البرنس» تلقى الممثلون المؤدون لشخصية إخوة رمضان البرنس المتحالفين عليه تهديدات من بعض معجبين المسلسل. لذا، ففي «جعفر العمدة» حلّ مثلًا الممثل أحمد عبد الله، صاحب شخصية كارم فتح الله، ضيفًا على العديد من المواقع والبرامج التليفزيونية ليتحدث عن خصومة عائلته مع عائلة جعفر، وعن مشاهد المعارك بينهما وكيفية تصويرها، وما هو المتوقع للأحداث القادمة، بل وقام بجولة في حي السيدة زينب الحقيقي، وتلقى العديد من الانتقادات والعتاب على ما فعله في جعفر هو وعائلته.
كما ظهر الممثل طارق النهري المؤدي لدور حمادة فتح الله بشخصية المسلسل في إعلان لأحد مكاتب المحاماة الشهيرة «مكتب المحامي أشرف نبيل»، وهو يتحدث عن توكيله للدفاع عن أبنائه.
**
تلك الظاهرة الترفيهية المعتمدة على المبارزات الكلامية والبدنية التي خلقتها العديد من مسلسلات محمد رمضان وأفلامه، خاصة مع انخفاض سقف الرقابة، ملأت مساحة ترفيهية عند جمهور لا يألف أشكال التنافس القتالي المنظمة، لكنه قد يحب الفرجة على العنف الانتقامي، بما تمثل له الحالة مساحة للتفريغ عن الطاقة، والوقوف في صف شخصيات تقدمه في صراعات واضحة وصريحة لها خصوم مباشرين، يتحدثون بجمل حوارية واضحة مسطحة الهدف منها تصعيد الصراع الشخصي والتمهيد له، وكذلك تكون العبارات الخاصة بالبطل، أغاني كثيرة تعزز أنا البطل، وتزيد انتماء جمهوره له.
قد تشك في تلك التنظيرة، لكن جرب أن تضع أغنية «أنا قادر» أو «بركان غضب» للمغني أحمد سعد، على فيديو لنجمك الرياضي أو فريق الكروي المفضل، سيكون من الصعب للغاية أن لا تتحمس وتتماهى مع البطل.
لذلك لا تستغرب لو وجدت أي نجم سُئل عن رغبته في العمل مع محمد رمضان وأجاب بـ«طبعًا». الأمر لا يتعلق بجودة العمل أو فكرته أو حبكته أو النجوم المشاركين، لكن لأن العمل في عمل من تلك النوعية مع محمد رمضان هو بمثابة وجودك على أضخم لوحة إعلانية بالطريق الدائري أو كوبري أكتوبر، أو بإعلان مدفوع يظل يظهر لمستخدمي فيسبوك ويوتيوب طوال رمضان ثلاث مرات في الڤيديو الواحد.
«محمد رمضان مش نمبر وان في السينما، كدة كدة إيراداته متوسطة، محمد رمضان نمبر وان في الدراما، نمبر وان في الأغنية، هو بيحفظ الناس إنه نمبر وان في كل حاجة». -أيمن بهجت قمر، معلقًا على اتهامه بأنه السبب في تردي إيرادات فيلم «آخر ديك في مصر»-أنا والقناع- أبريل 2023.
اللي بيعَلّي أكتر بيكسب
بالطبع هناك معايير تقنية فنية للمتخصصين يمكنها أن تحدد إن كان محمد رمضان ممثلًا جيدًا أم لا، لكن تلك المعايير لن تهم الجمهور العام، لذا بالتبعية فهي لا تهم رمضان، الذي يضع عينه على لقب «النامبر وان»، الحصان الرابح لكل المنتجين، ومن حقه تلقيب نفسه بذلك، لا توجد مادة بالدستور تمنعه. والمعادلة ليست أن تدعي أنك النجم الأفضل في الصناعة الترفيهية بل أن تقنع الجمهور بذلك، وبمجرد تصريحك بذلك فأنت قد قطعت نصف الطريق، لأن الإيجو يكسب. مِن داخلنا نحن لا نحب الدبلوماسية، نحتاجها لنبقي علاقاتنا الاجتماعية جيدة، يحتاجها العاملون بالمجال الفني كي لا يفقدوا علاقاتهم ووظائفهم، لكن ماذا لو استطعت أن تكون أنت مركز الشبكة، ساعتها حين نقول بتبجح أنك النمبر وإن لن تصاب بأذى. قد يتضايق البعض، لكن هذا أيضًا في صالحك، الناس تحب المعارك الجانبية والمناوشات.

حسب منطق الصناعة الترفيهية، كلما كان بإمكانك رفع سقف ما تقدمه عن منافسيك، يكون لك النصيب الأكبر من الكعكة، ولا أحد يجيد «التعلية» على الجميع مثل محمد رمضان. الممثلون يقومون بحركات القتال التقليدية.. إذًا سيقوم هو بحركات مقاتلين محترفين للألعاب القتالية ولدوا بحواري لندن. الموضة راب.. سيغني راب وسيشاركه في أغانيه مغنون من دول مختلفة يحظون بمتابعة ومشاهدة عشرات الملايين في بلادهم، مثل الرابر الجزائري ديديه كانون، الذي قدم معه أغنية «نصابة» من إنتاج روتانا. يقدم مغنو الراب موسيقاهم بكامل ملابسهم على المسرح.. سيقدم هو عروضه عاري الصدر وبصحبة فتيات من مختلف الجنسيات وبملابس قصيرة.

في نفس الوقت لا مشكلة لدى رمضان أن يتخطاه في الأداء والمساحة محمد ممدوح في فيلم «شد أجزاء»، أو أحمد زاهر وروجينا ومحمد علاء وأحمد فهيم ورحاب الجمل في «البرنس»، طالما أن ذلك سيخدم العمل ويعطيه النجاح الذي يريده.
أيمكنكم تذكر من يملك صفات التعلية، ورفع السقف للجمهور، وإعطاء مساحات للمشاركين مع بالعمل؟
بالضبط.. أحمد السقا. تبدو مفارقة غريبة أن تبدأ المقالة بإبراهيم الأبيض وتنتهي بأحمد السقا، لكن كلاهما يستحق بشكل أو بآخر رصيده من الجماهيرية الذي ارتكز على تقديم الترفيه المنتظر للجمهور.
تقارير ذات صلة
«صحاب الأرض» و«أرض محرمة».. قراءة مقارنة
كلا العملين مقدم للعالم وليس مجرد استهداف محلي
«مرحبا دولة»: رحلة البحث عن «الشرطي الموظف» في الدراما
الجانب العبثي من حياة «البوليس»
«الريس بيتفرج».. إعلام ودراما الدولة في انتظار رصاصة الرحمة
ترقب وسيناريوهات غامضة لـ«المتحدة» بعد تصريحات الرئيس
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن