مجموعات المقاومة الجديدة.. لماذا كان العدوان الإسرائيلي الأخير على جنين؟
على مدار 48 ساعة، شن جيش الاحتلال الإسرائيلي عملية عسكرية موسعة على مدينة جنين ومخيمها، شمال الضفة الغربية، حيث تتحصن مجموعات جديدة من المقاومة الفلسطينية المسلحة؛ أبرزها «كتيبة جنين»، التي تعد الشقيقة الكبرى لتلك المجموعات.
أطلق الجيش الإسرائيلي اسم «البيت والحديقة» على العملية، وقال إنها تهدف لاستعادة قدرة الجيش على الحركة بحرية، وضرب البنية التحتية للمقاومة الجديدة، فيما أطلقت المقاومة الفلسطينية على عملية تصديها لعملية الجيش الإسرائيلي اسم «بأس جنين».
شارك في العملية العسكرية التي تعد الأكبر في الضفة الغربية منذ عملية «السور الواقي» عام 2002، نحو ألفي جندي من وحدات وألوية النخبة والمظليين معززين بمعلومات استخباراتية دقيقة ونحو 150 آلية عسكرية؛ بينها جرافات مصفحة ومدرعات وكاسحات ألغام، تغطيها غارات سلاح الجو التي غابت عن سماء الضفة الغربية طوال الـ15 عامًا الماضية. في المقابل، كان في مواجهتهم بضع مئات من المقاتلين المُسلحين برشاشات خفيفة، رافقهم لاحقًا عبوات ناسفة محلية الصنع.
المجموعات المسلحة الجديدة
بدأ ظهور المجموعات المسلحة الجديدة عام 2021، بعد الإعلان عن ولادة «كتيبة جنين» في أعقاب عملية «نفق الحرية» في سبتمبر 2021، حين تمكن ستة أسرى ينتمون لـ«سرايا القدس» (الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي)، و«كتائب شهداء الأقصى» (الجناح العسكري لحركة فتح)، من الفرار من سجن عوفر الإسرائيلي. وأعلنت الكتيبة حينها عن استعدادها لاحتضان الأسرى الفارين وحمايتهم.
واستمدت «كتيبة جنين» التي يشكل مقاتلو «سرايا القدس» عمودها الفقري اسمها من تصريحات للأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، زياد النخالة، في أعقاب عملية هروب الأسرى. في ذلك الوقت، انخرطت المجموعة إلى جانب مقاتلين محسوبين على كتائب الأقصى الجناح العسكري لحركة فتح في عمليات إطلاق نار على الحواجز والمستوطنات في محيط جنين. وارتبط اسم «كتيبة جنين» بمؤسسها، جميل العموري (25 عامًا)، والذي نظم أول مجموعاتها قبل أن تغتاله قوة من المستعربين في يونيو 2021 ومعه ضابطين من الأمن الفلسطيني اشتبكوا مع القوة الإسرائيلية لحظة تنفيذها الاغتيال. يظهر المستعربون عادة بملابس عربية ويندمجون بين الفلسطينيين حتى الوصول إلى هدفهم وتصفيته والانسحاب بسرعة.
في أوائل 2022، لاحظت أجهزة الأمن الإسرائيلي تزايدًا كبيرًا في عمليات إطلاق النار ضد أهداف إسرائيلية في الضفة الغربية وخصوصًا في مدينتي نابلس وجنين ومحيطهما، ونسبت أجهزة أمن الاحتلال تلك العمليات إلى مجموعة مسلحة صغيرة أطلقت على نفسها اسم «كتيبة نابلس»، التي تشكلت على غرار «كتيبة جنين».
في الوقت نفسه، اعتاد الفلسطينيون على بيانات من مجموعات مسلحة تعلن بشكل شبه يومي عن تصديها لاقتحامات الاحتلال بالأسلحة الخفيفة والعبوات محلية الصنع، وعن استهدافها نقاطه وحواجزه العسكرية والتجمعات الاستيطانية المنتشرة في مختلف محافظات الضفة.
ومع صباح 8 فبراير 2022، شرعت قوات الاحتلال، التي كانت حتى آنذاك تتجنب الانخراط في عملية واسعة تؤدي إلى تصعيد مفتوح، بسلسلة اغتيالات بدأتها باغتيال ثلاثة مقاومين هم: أدهم مبروكة، ومحمد الدخيل، وأشرف مبسلط، المحسوبين على حركة فتح. وفي 24 يوليو، اغتالت ثلاثة مقاومين آخرين هم: محمد العزيزي، وعبد الرحمن صبح، ومحمد حرز الله، ثم اغتالت إسلام صبوح وإبراهيم النابلسي في 9 أغسطس، وجميعهم محسوبين على حركة فتح.
وخلال فعاليات تأبين العزيزي وصبح في سبتمبر 2022 بعد مرور 40 يومًا على اغتيالهما، أعلنت مجموعة «عرين الأسود» لأول مرة عن نفسها بعرض عسكري جاب شوارع البلدة القديمة في نابلس، والتي ولدت وتحصنت فيها قبل 15 عامًا مجموعات مسلحة أبرزها «فرسان الليل» التي أسسها عام 2002 القادة في «كتائب شهداء الأقصى» نايف أبو شرخ، وفادي قفيشة، وباسم أبو سرية. وظهرت صورة الأخير بين صورتي العزيزي وصبح في حفل التأبين. طويت صفحة «الفرسان» عام 2007 بعد اغتيال الاحتلال أبرز مقاتليها وتسليم آخرين أنفسهم لأجهزة الأمن الفلسطينية.
وعلى غرار شقيقتها الكبرى «كتيبة جنين»، التي احتمت في عمق مخيم جنين، اتخذت «عرين الأسود» من حارات البلدة القديمة في قلب مدينة نابلس مقرًا لها، حيث ولد وترعرع معظم مقاتليها الذين حظوا بالتفاف شعبي واسع، نظرًا لبعدهم عن الفصائلية، وتمويل أنفسهم وشراء أسلحتهم من مالهم الخاص، وردهم المباشر على اعتداءات الاحتلال أحيانًا، وتجنب مواجهة أبناء جلدتهم في أجهزة السلطة، وإعلان إسرائيل عدوًا لهم، فضلًا عن قربهم من الناس وانخراط بعضهم في أعمال تطوعية، وذلك بحسب ما يرويه أهالي البلدة والمقاتلون أنفسهم.
وبحسب الأهالي أيضًا، يحظى المقاومون باحتضان شعبي والتفاف جماهيري تجلى في التفاعل مع تعليماتهم، حين يطالبون الأهالي بالإضراب أو الانخراط بالمواجهات بتعليمات مثل إغلاق مداخل ومخارج المدينة، أو إشعال الإطارات لتمويه طائرات الاستطلاع والقناصة، فضلًا عن الشعبية المرتفعة لفيديوهات تيك توك ظهر فيها مقاتلو «العرين» ولاقت رواجًا واسعًا.
استمرت سلسلة الاغتيالات، وفي أكتوبر 2022، استهدف الاحتلال القائد في مجموعة «عرين الأسود»، وديع الحَوَح، باستخدام الطائرات بدون طيار، وقبله بيومين اغتال تامر الكيلاني، أحد قيادات المجموعة أيضًا، بعبوة ناسفة تم تفجيرها عن بعد. كان ذلك بعد تعرض مستوطن إسرائيلي لعملية إطلاق النار قرب حاجز حوارة في نابلس، تبنتها «عرين الأسود»، التي لم تكن معروفة لسلطات الاحتلال الإسرائيلي حتى ذلك الوقت.
وفي مارس 2022، دفع الاحتلال بأكثر من نصف جيشه إلى الضفة الغربية في إطار عملية عسكرية أطلقها وحملت اسم «كاسر الأمواج»، وأتت عقب مجموعة عمليات فردية نفذها فلسطينيون في عمق الأراضي المحتلة عام 1948، وأبرزها «عملية النقب» التي نفذها محمد أبو القيعان بتاريخ 22 مارس، وقتل فيها أربعة مستوطنين، و«عملية الخضيرة» التي نفذها الثنائي أيمن وإبراهيم إغبارية بتاريخ 27 مارس، وقتل فيها اثنين من المستوطنين، ثم «عملية تل أبيب» التي نفذها الشاب ضياء حمارشة في 29 من الشهر ذاته وقتل فيها خمسة مستوطنين.
واستمرت العمليات بالرغم من «كاسر الأمواج» في هذا العام، وكان أبرزها عملية التفجير المزدوجة بالقدس في نوفمبر 2022، وعمليات إطلاق نار وقعت في تل أبيب في مارس 2022، ثم شهد المكان عملية أخرى في مارس 2023. ذلك إلى جانب عمليات إطلاق نار استهدفت المستوطنين والجنود في محافظات الضفة الغربية، تبنت معظمها مجموعات عسكرية شبه منظمة أبرزها «كتيبة جنين» و«عرين الأسود» إلى جانب مجموعات أخرى أقل شهرة مثل كتائب «بلاطة» و«طوباس» و«طولكرم».
من جانبه، انخرط أمن السلطة طوال الأشهر الماضية في حملة اعتقالات يومية غير مسبوقة منذ عام الانقسام 2007، وفق مصدر حقوقي فلسطيني، حيث وصلت العام الماضي عدد حالات الاعتقال على خلفية سياسية لـ1200 حالة شملت أطباء وأكاديميين وصحفيين وناشطين من مختلف التنظيمات الفلسطينية. واٌعتقل هؤلاء الشباب وحُقق معهم لمدد تتراوح بين أسابيع وأشهر على خلفية معارضتهم لسياسات السلطة أو لنشاطهم التنظيمي أو حيازة السلاح أو «مرات بيكون معلق علم ولا كاتب بوست على فيسبوك»، بحسب المصدر الحقوقي.
آخر تلك الاعتقالات وقعت يوم الأربعاء 5 يوليو الحالي، حين أقدمت أجهزة أمن السلطة على اعتقال الشاب جميل نصار، أحد كوادر الجهاد الإسلامي في طولكرم، وقبله اعتقلت مقاومين مطاردين من جيش الاحتلال هما: مراد وليد ملايشة، ومحمد وليد براهمة، وذلك خلال توجههما إلى جنين لمساندة المقاتلين في صد العدوان الأخير.
وفي وقت سابق، اعتقلت أجهزة أمن السلطة مصعب اشتية، المنتمي لحركة حماس والمتهم بتمويل «العرين» بمليون دولار، وصديقه عميد طبيلة، وشهدت مدينة نابلس احتجاجات دعت لها «عرين الأسود» على خلفية الحدث، تحولت إلى مواجهات مباشرة بين المتظاهرين والسلطة الفلسطينية، التي تفاجأت بحجم التمرد بسبب اعتقال فرد مرتبط بحماس.
وبحسب مصادر صحفية فلسطينية، تتوسط السلطة أيضًا بين المقاتلين والاحتلال، عبر عرضها على المقاتلين تسليم أنفسهم وسلاحهم مقابل الحصول على مبالغ مالية وعفو من إسرائيل تارة، وإرهابهم بلائحة الاغتيالات الإسرائيلية، وهو التكتيك ذاته الذي سبق واستخدمته لتحييد مقاتلين من الجناح العسكري لفتح إبان وأدها انتفاضة الأقصى. في ذلك الوقت، نجحت السلطة في إقناع من تبقى من أفراد المجموعات المسلحة، التي فقدت قيادتها وأنهكتها ملاحقة قوات الاحتلال، بتسليم أسلحتهم وسجنهم لبضعة أشهر مقابل عفو عام إسرائيلي، ثم إلحاقهم بالأجهزة الأمنية ومؤسسات السلطة.
يقول المختص بالأمن القومي الإسرائيلي، فادي النحاس، إنه «بعد أوسلو تمأسست أجهزة السلطة الأمنية الفلسطينية، لكن اليوم مش قادرة تسيطر خصوصًا في شمال الضفة الغربية».
وتتجنب أجهزة الأمن الفلسطيني، بحسب المصادر السابقة، وبالرغم من الضغط الإسرائيلي، المواجهة المباشرة مع مجموعة «عرين الأسود» وباقي المجموعات نظرًا للالتفاف الشعبي حولها مقابل غياب نفوذ السلطة في شمال الضفة، فضلًا عن انتماء معظم كوادر «العرين» للجناح العسكري لحركة فتح، لكنهم يختلفون مع القيادة السياسية في الحركة، كما أنهم خارج شبكة الاحتواء التي نسجها رئيس السلطة محمود عباس بالامتيازات والرواتب.
ويرى مراقبون أن الضغط المستمر على السلطة لفعل المزيد لمكافحة المجموعات المقاومة يشكل بدوره ضغطًا على بعض كوادر السلطة لتحديد مواقفهم السياسية، بل أحيانًا يدفع تلك الكوادر للالتحاق بالمقاومة، أو مساندتها بشكل مباشر أو غير مباشر.
ويأتي التحول النوعي في شكل المقاومة بالضفة الغربية على يد شباب جمعتهم الصداقة والحارة والسجون أيضًا، ليشكلوا حالة عابرة للفصائل، بضمهم مقاتلين من فتح وحماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية وغيرها من الفصائل، بالإضافة إلى أفراد من الأجهزة الأمنية يرفضون نهج السلطة. وفيما ينتمي معظم مقاتلي «كتيبة جنين» لحركة الجهاد الإسلامي، ينتمي معظم مقاتلي «العرين» إلى حركة فتح.
ولم يشهد معظم هؤلاء الشباب أحداث انتفاضة الأقصى عام 2000، لكنهم شهدوا الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، وما قابلها من عمليات فردية ولحظات تعبئة جماهيرية كالحروب على غزة، وهبة رمضان عام 2021، وغيرها. عاش المقاتلون الجدد مع قصص ومواقف من سبقوهم، والتي يتناقلها الأهالي جيلًا بعد جيل، لذلك تجد النابلسي مثلًا يطلق على نفسه لقب أبو فتحي تيمنًا بقائد «كتائب شهداء الأقصى» في فلسطين نايف أبوشرخ، والكيلاني يطلق على نفسه لقب أبو يامن تيمنًا بيامن فرج، قائد الجناح العسكري للجبهة الشعبية.
التصاعد في وتيرة عمليات المقاومة وظهور المجموعات المسلحة الجديدة أتى عقب هدوء نسبي في الضفة الغربية؛ فرضته منظومة أمنية معقدة اشتركت في إرسائها أجهزة أمن الاحتلال والسلطة الفلسطينية، وخضعت الأخيرة لإعادة هيكلة على يد الجنرال الأمريكي كيث دايتون بعد اتفاق شرم الشيخ 2005 بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون برعاية أردنية مصرية.
وبينما نفذت أجهزة الأمن الإسرائيلي مئات الضربات الأمنية والاغتيالات والاعتقالات النوعية التي أنهكت الأجنحة العسكرية للفصائل، لاحقت أجهزة أمن السلطة ما تبقى من المجموعات المسلحة والأفراد المشتبه بضلوعهم في أنشطة عسكرية أو امتلاكهم أسلحة، لتقبع الضفة الغربية في قبضة أمنية ثنائية تجعل من أي فعل عسكري منظم شبه مستحيل.
الضغط الاستخباري والعملياتي الذي استخدمته أجهزة أمن إسرائيل والسلطة الفلسطينية لإنهاء الانتفاضة الثانية كان هادفًا لتصفية ما تبقى من مجموعات المقاومة في الضفة الغربية، مثل مجموعات «فارس الليل» المنتمية لحركة فتح، والتي تحصنت حتى عام 2007 بالبلدة القديمة في نابلس، نفس مكان «عرين الأسود»، ورفض مقاتلوها تسليم سلاحهم للسلطة الفلسطينية، وحمت مطلوبين من حماس طاردهم أمن الاحتلال والسلطة. دُفنت المجموعة بعد اغتيال ثمانية من قادتها، كان آخرهم الشهيد باسم أبو سرية في أكتوبر 2007، بعدها سلم مقاتلون سلاحهم للسلطة مقابل ضمان الأخيرة عفوًا إسرائيليًا عنهم، فيما تفرق بعضًا آخر مُطاردًا من أمن السلطة وإسرائيل.
ومع وصول عملية السلام إلى أفقٍ مسدود مرة أخرى، وفشل السلطة الفلسطينية في تحقيق أي تقدم في العملية السياسية أو حماية شعبها من اعتداءات جيش الاحتلال ومستوطنيه في الضفة الغربية، تبلورت حالة جديدة من الفعل المقاوم. إذ تصدرت العمليات الفردية منذ عام 2014 المشهد في الضفة الغربية، لتشمل الهجمات ضد الإسرائيليين عمليات طعن ودهس وإلقاء عبوات محلية الصنع، وإطلاق النار باستخدام بنادق محلية الصنع، وهي عمليات كان من الصعب على أجهزة الأمن منعها والتصدي لها كونها عمليات ذاتية يصعب التنبؤ بمكانها أو توقيتها، بوسائل يصعب ملاحقتها والسيطرة عليها.
تنامي قدرات المقاومة الجديدة
رغم كثافة العمليات العسكرية الإسرائيلية المتواصلة في مدن الضفة الغربية ضد المجموعات الجديدة، إلا أن تلك المجموعات أظهرت تطورًا نوعيًا في أدائها ووسائلها القتالية، ويمكن تلخيص التطور في أداء مجموعات المقاومة الجديدة بعدة مؤشرات.
أهم هذه المؤشرات، أولًا الاستمرارية، فرغم عمليات الاعتقال شبه اليومية والاغتيال التي تنفذها نخبة وحدات الجيش الإسرائيلي منذ نحو عامين ضد أفراد وقادة المجموعات المسلحة في الضفة الغربية، ما زالت تلك المجموعات التي يقدر عدد أعضائها بالعشرات مستمرة في عملها المقاوم.
وفي هذا السياق، يقول مدير المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية «مسارات»، هاني المصري، إن ظهور هذه المجموعات يأتي كرد فعل وغضب على انسداد أفق العملية السياسية والواقع الفلسطيني المتردي، ناهيك عن الانتهاكات اليومية من الاحتلال بحق الفلسطينيين.
كذلك يقول مؤسس دائرة سليمان الحلبي للدراسات الاستعمارية، الباحث خالد عودة الله، إن «الاحتلال يعتقد أنه باستخدام التهجير وتجريف البنية التحتية والاستهداف بالطيران يمكنه قطع المقاومة عن حاضنتها الشعبية بمدينة جنين ومخيمها، رغم أن الذين يقاومون اليوم في جنين هم الأطفال الناجين من مجزرة عملية الاجتياح الكبرى لجنين في 2002». وفي سياق العدوان الأخير في جنين، يعتقد عودة أن «العملية متعثرة، لأن جيش الاحتلال لم يدمر قدرات المقاومة، وكل ما استطاع فعله عمليات تخريب وقصف جوي، فشلت في تحييد كوادر المقاومة، التي تعتبر عمليًا هي البنية التحتية للمقاومة».
وحول إمكانية استمرارها، يقول النحاس إن المقاومة ستظل تتجدد بأشكال مختلفة. «وجود الاحتلال كفيل أن يولد مقاومة في أي بقعة في العالم»، كما أن ضعف السلطة الفلسطينية وبالتالي ضعف التنسيق الأمني سيؤدي لتزايد العمليات الفدائية. ويضيف النحاس أن تحول مقاتلي تلك المجموعات إلى أيقونات لدى الشباب الفلسطيني يصب في استمراريتها وتجددها، رغم محاولات إنهاء وجودها والسيطرة عليها.
وثاني مؤشرات التطور في أداء مجموعات المقاومة الجديدة، يكمن في ظهور مجموعات جديدة، فبينما فشل الاحتلال حتى الآن بتصفية أولى المجموعات مثل «كتيبة جنين» و«عرين الأسود»، ظهرت مجموعات جديدة مثل كتائب «طولكرم»، و«جبع»، و«بلاطة»، وغيرها من المجموعات التي توزعت في مناطق مختلفة من الضفة الغربية، فضلًا عن عودة نشاط الأجنحة العسكرية للفصائل الفلسطينية مثل «كتائب شهداء الأقصى» التابعة لفتح، و«كتائب القسام» التابعة لحماس، ما زاد من زخم الاشتباكات وتوزع محاورها في مختلف مدن وقرى ومخيمات الضفة الغربية، الأمر الذي قلل من الضغط على محاور رئيسية مثل نابلس وجنين.
وتمثل ثالث المؤشرات في التنسيق العالي بين مختلف المجموعات، كما يتبين من بياناتهم. على سبيل المثال، عندما يستهدف الجيش الإسرائيلي مجموعة «عرين الأسود» في البلدة القديمة بنابلس، يهب مقاتلو «كتيبة بلاطة» المتحصنين في مخيم بلاطة بنابلس لمساعدتهم، وهو ما يحدث عند استهداف «كتيبة جنين» في مخيم جنين، إذ تهب جارتها «كتيبة جبع» المتحصنة في بلدة جبع القريبة من جنين لمساعدة شقيقتها. وفي بعض الأحيان، انتقل مقاتلو تلك المجموعات بين محافظات الضفة مجتازين عشرات الحواجز والنقاط العسكرية الإسرائيلية المنتشرة بكثافة في الضفة الغربية، لتجد مقاتلي «كتيبة طولكرم» ومقاتلي «عرين الأسود» يشاركون في اشتباكات داخل مخيم جنين، أو العكس.
كما مثل الانتقال من الدفاع إلى الهجوم أحد المؤشرات الهامة، لأن نشاط تلك المجموعات لم يعد مقتصرًا على التصدي لاقتحامات الجيش الإسرائيلي للمناطق التي تنشط فيها تلك المجموعات كما كان الحال في بداية ظهورها، لتنتقل إلى مرحلة الهجوم وتنفيذ عمليات نوعية خارج أماكن تحصنهم والانسحاب بسلام، كما حدث في طولكرم في 30 مايو 2023، عندما نفذت «كتيبة طولكرم» المحسوبة على «كتائب شهداء الأقصى»، عملية فدائية قتلت فيها مستوطن، وانسحبت بسلام. وكذلك من المؤشرات الهامة تطور وسائل المقاومة، حيث أظهر ما يسمى بكمين العبوات في جنين تطورًا نوعيًا ملحوظًا في تصنيع العبوات الناسفة التي باتت تتمتع بقوة تدميرية عالية، واستخدامها بكثافة ضد الأفراد (الجنود الراجلين) والآليات المُصفحة، وهو ما تعتبره أجهزة الأمن الإسرائيلي تطورًا خطيرًا، وخطرًا يهدد الجنود المقتحمين للمناطق التي تنشط فيها المجموعات. وفي هذا السياق، هناك مخاوف لدى أجهزة الأمن الإسرائيلي من وصول تلك العبوات وتفجيرها في عمق المدن المحتلة عام 1948، التي شهدت منذ بداية العام ثمان عمليات فدائية، كان أبرزها عملية إطلاق نارنفذها الشاب خيري علقم داخل مستوطنة «النبي يعقوب» في القدس، في يناير الماضي، والتي قًتل فيها سبعة مستوطنين وجرح ١٢ آخرين. وآخر تلك العمليات كان في 24 يونيو الماضي، حين نفذ الشاب إسحاق العجلوني عملية إطلاق نار قرب حاجز قلنديا العسكري بالقدس، أصاب فيها اثنين من جنود الاحتلال، قبل إعدامه، وفق ما أورده مركز المعلومات الفلسطيني.
وهنا يرى النحاس أنه لأول منذ أعوام تعود القضية الفلسطينية إلى صدارة أولويات أجهزة الأمن الإسرائيلي. «من قبل كان في إيران وحزب الله. هسا في الفلسطينيين». ويردف أن إسرائيل كانت تصف الصراع مع الفلسطينيين على أنه «صراع قابل للإدارة وليس للحل. اليوم غير قادر للإدارة وغير قابل الحل».
ويعد آخر المؤشرات الهامة هو تنامي الخبرة الميدانية لتلك المجموعات، ويظهر ذلك جليًا في إفشال المقاومين عدة عمليات للقوات الإسرائيلية الخاصة إذ يكتشفها المقاتلين باكرًا ما يحول دون اعتقال أو اغتيال المطلوبين. كما أعلن الجيش الإسرائيلي بعد عمليته الأخيرة عن استهداف غرفة تحكم بكاميرات مراقبة تنتشر في المخيم، وأنفاق ومستودعات تحت الأرض، وطائرة مسيرة.
يؤكد عودة أن «تحول المقاومة في الضفة الغربية من اجتهادات فردية إلى شكل مؤسسي، وخاصة منطقة جنين ومخيمها، يجعل الوجود الاستيطاني والعسكري مهدد على الدوام من المقاومة، وهذه المنطقة أحد أهم بؤر الاستيطان».
في الوقت نفسه، يرى المصري أن الاعتقاد بإمكانية خلق مناطق محررة في الضفة الغربية أمرًا سابقًا لأوانه «هذا حرق مراحل. لما بتعمل منطقة محررة بده يكون عندك قوة تدافع عنها». وما زال من المبكر التنبؤ بمستقبل الموجة الجديدة من المقاومة، وفي هذا الإطار يقول المصري: «دون رؤية وقيادة وهدف وتنظيم، تصبح عرضة للاستغلال لحاجتها لمساعدات، أموال وسلاح، وهذا بخليها تفقد جزء من استقلاليتها وطهارتها التي أعطاها الزخم الشعبي، لأنها اجت بعيدة عن الفصائل، وبعيدة عن الوضع الفلسطيني التقليدي».
ووفقًا للمصري، هناك مسألة أخرى تؤثر على مستقبل المجموعة، وهي قلة الخبرة الأمنية: «مثلًا فيديوهات على التيك توك بتظهر تفاصيل حياتهم وبيوتهم وأماكن تواجدهم»، ويضيف المصري أن العلنية الكبيرة تشكل خطرًا على هذه المجموعات.
ويرى المصري أن العمل الفردي أكثر سرية، وبالتالي أكثر جدوى في هذه المرحلة بسبب الفرق الكبير في موازين القوى. «معظم القتلى الإسرائيليين سقطوا في عمليات فردية مش من عمليات المجموعات الجديدة».
شهد العام الماضي وفقا لمركز معلومات فلسطين، تنفيذ أكثر من 12188 عملًا مقاومًا، منها 848 عملية إطلاق نار، أسفرت عن مقتل 31 إسرائيليًا أغلبهم من الجنود، وأصيب 525 آخرين بجروح، وهو الرقم الأعلى منذ 2005. ونقلت وسائل إعلام عبرية، على لسان القيادة الوسطى لجيش الاحتلال قولها إن «قواعد اللعبة تغيرت بعد عملية اقتحام جنين الأخيرة»، التي شهدت استخدام المقاومة عبوات متفجرة شديدة الانفجار.
تقارير ذات صلة
القانون في خدمة القتل: الكنيست يصمم عقوبة إعدام تستهدف الفلسطينيين فقط
فشلت إسرائيل سابقًا في إقرار هذا القانون لـ3 عقود
بعد مهرجان افتتاح «المعبر»: فقط 12 فلسطينيًا عادوا إلى غزة
ضجيج بلا طحين
دون تفاصيل.. إسرائيل توافق على فتح «محدود» لمعبر رفح
إعادة فتح وشيك للمعبر
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن