تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
مجلس الاحتلال

مجلس الاحتلال

كتابة: إحسان صلاح، حازم ثروت، مصطفى حسني، ناجح داود 19 دقيقة قراءة

يوم الاثنين كان «يومًا كبيرًا جدًا، يومًا جميلًا، ربما يكون أحد أعظم أيام الحضارة على الإطلاق»، على حد وصف الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب.

بينما كان يقف على منصة البيت الأبيض إلى جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، لجأ ترامب إلى أسلوبه المعتاد في إطلاق أوصاف مبالغ فيها تجعله محور الاهتمام، يمتدح بها نفسه باعتباره قاضي للتاريخ، ومسيحًا يرتدي بدلة «بريوني» زرقاء فاخرة صُممت لمليونيرات نيويورك، جاء ليقضي -في لحظة واحدة- على كل أخطاء الماضي وغباء البيروقراطية والفساد والمظالم الشخصية.

وفي هذا «اليوم الكبير جدًا»، جاء ترامب ليصنع معجزته الأخيرة: الحرب على غزة. ففي مؤتمر صحفي استمر 40 دقيقة، عرض ترامب ونتنياهو سردًا لنهاية الحرب، امتزجت فيه العبارات الاحتفالية المبهرجة مع التهديدات لحركة حماس إذا رفضت الخطة المقترحة. وقد نشر البيت الأبيض الخطة في 20 نقطة موجزة تفتقر إلى التفاصيل، شملت: شروط تبادل الأسرى، وحوار الأديان، والتنمية الاقتصادية، والحكم الانتقالي، ونزع سلاح «حماس»، وإنشاء هيئة أمنية دولية جديدة، والانسحاب الجزئي للقوات الإسرائيلية، ومطالبة السلطة الفلسطينية بالإصلاح.

ورغم أن ترامب قدم ما يمكن اعتباره منعطفًا حاسمًا في تاريخ فلسطين والشرق الأوسط ككل، فإنه لم يستمد أفكاره من الأساطير اليهودية التي تملأ خطابات نتنياهو عن «اللعنة والنعمة» للترويج لـ«يومه الجديد». بالنسبة لترامب، فأدواته كانت «الماركة الخاصة به» من الدراما الاستعراضية المخربة التي اعتادها في قاعات الاجتماعات، إلى جانب سجل الإمبريالية الأمريكية في المنطقة.

يظهر ذلك جليًا في إشراك اثنين من أبرز مهندسي الصفقة والخطة الأوسع لما بعد الحرب: صهر ترامب، جاريد كوشنر، أحد مصممي «صفقة القرن» الهادفة إلى تحويل غزة لمشروع استثماري، والذي يرأس الآن شركة أسهم خاصة مدعومة بالكامل تقريبًا من صندوق الثروة السيادي السعودي، ورئيس الوزراء البريطاني السابق، توني بلير، الذي أقحم بلاده في غزو العراق واحتلاله بقيادة الولايات المتحدة. 

توني بلير (على اليمين) وجاريد كوشنر (على اليسار) في مؤتمر بالبحرين عام 2019. الصورة من الأناضول عبر «جيتي»

انعكس مزيج هاتين الشخصيتين، اللتين لعبتا دورًا رئيسيًا في صياغة الخطة، في هيكل الحوكمة المقترح لفترة ما بعد الحرب: «مجلس السلام».

«نسميه مجلس السلام. اسم جميل نوعًا ما، مجلس السلام، الذي يرأسه -وليس بناءً على طلبي، صدقوني فأنا مشغول جدًا، ولكن علينا التأكد من نجاح هذا الأمر، فقد طلب مني قادة العالم العربي وإسرائيل وجميع الأطراف المعنية القيام بذلك- لذا سيرأسه سيد يُعرف باسم الرئيس دونالد ج. ترامب، رئيس الولايات المتحدة»، قال ترامب في المؤتمر الصحفي.

الإشارات إلى الرؤساء التنفيذيين ومكاتب الإدارة و«تقديم الخدمات» تتناثر في وثيقة مُسربة توضح الهيكل المؤسسي المقترح للهيئة الانتقالية الدولية في غزة، التي أُطلق عليها في خطة البيت الأبيض اسم «مجلس السلام».

لكن إدراج «مجلس السلام» في اللحظة الأخيرة، إلى جانب تعديلات أخرى، اعتبرته بعض الدول العربية والإسلامية المشاركة في صياغة الخطة «خيانة»، إذ يفصل غزة فعليًا عن الضفة الغربية ليضعها تحت وصاية أجنبية، حسبما قالت مصادر لـ«مدى مصر». وبالنسبة لمصر، فإن خطة ما بعد الحرب المرسومة في المقترح بعيدة كل البعد عن أن تكون متفقًا عليها، وفقًا للمصادر، حيث أعربت القاهرة عن مخاوف كبيرة بشأن الإطار الأمني المطروح وموقعه على الأراضي المصرية.

على مدار الأسبوع، تحدث «مدى مصر» مع مسؤولين مصريين وخليجيين، ودبلوماسيين إقليميين عرب وغربيين، إضافة إلى مصادر من السلطة الفلسطينية وحركة حماس، لفهم ملامح الخطة وفرص تطبيقها وتداعياتها الكبرى على منطقة الشرق الأوسط.

***

لخطة إدارة غزة بعد الحرب سوابق عدة، أبرزها «صفقة القرن» التي طرحها ترامب خلال ولايته الأولى، لكن الفكرة العامة لتطوير العقارات في غزة اكتسبت زخمًا جديدًا عندما عاد ترامب إلى منصبه في بداية هذا العام. 

ففي مؤتمر صحفي مع نتنياهو، فبراير الماضي، قدم ترامب رؤيته لتحويل غزة إلى «ريفييرا الشرق الأوسط»، وأوضح أن الولايات المتحدة ستتولى «السيطرة على قطاع غزة»، وستتحمل مهمة تفكيك القنابل غير المنفجرة وإعادة بناء غزة، لتصبح قبلة للوظائف والسياحة، وشملت تلك الخطة العقارية تهجير الفلسطينيين من غزة. «لا أعتقد أن الناس يجب أن يعودوا إلى غزة. سمعت أن غزة كانت سيئة الحظ بالنسبة لهم. إنهم يعيشون كالجحيم. إنهم يعيشون كما لو كانوا يعيشون في الجحيم. غزة ليست مكانًا مناسبًا للعيش، والسبب الوحيد الذي يجعلهم يريدون العودة، وأنا أومن بذلك بشدة، هو أنه ليس لديهم بديل»، بحسب تعبير ترامب آنذاك.

في المقابل، حاولت مصر اقتراح خطة بديلة، ركزت على إعادة الإعمار بقيادتها وبتمويل من دول الخليج، وتشكيل حكومة فلسطينية تكنوقراطية جديدة، لكنها فشلت في النهاية ولم تحظ بقبول واسع.

بينما كانت مصر تسابق الزمن لإعداد الخطة وتقديمها في قمة طارئة للجامعة العربية، بدا أن ترامب يتراجع عن الخطوة، حيث قال في مقابلة مع قناة «فوكس نيوز»، نهاية فبراير الماضي: «أعتقد أن هذه هي الخطة التي ستنجح حقًا. لكنني لا أفرضها. سأكتفي بالجلوس جانبًا والتوصية بها».

مع ذلك، كانت الخطة تحرز تقدمًا بعيدًا عن الأضواء. ففي يوليو الماضي، نشرت صحيفة «فاينانشال تايمز» تفاصيل مشروع مخطط لغزة ما بعد الحرب يتصور إنعاش اقتصاد القطاع من خلال «ريفييرا ترامب» و«منطقة إيلون ماسك للتصنيع الذكي».

قاد الخطة رجال أعمال إسرائيليون، واستخدمت نماذجًا مالية طورتها «مجموعة بوسطن الاستشارية» لإعادة تصور غزة كمركز تجاري مزدهر. والأهم، لعب «معهد توني بلير» دورًا في الخطة، إذ شارك موظفان من المعهد في مجموعات رسائل ومكالمات هاتفية في أثناء تطوير المشروع، وفق ما صرح به أشخاص مطلعون على العمل لـ«فاينانشال تايمز».

تمت مشاركة وثيقة واحدة عن غزة ما بعد الحرب، كتبها أحد موظفي المعهد، داخل المجموعة للنظر فيها، وتضمنت فكرة إنشاء «ريفييرا غزة» مع جزر اصطناعية قبالة الساحل على غرار دبي، ومبادرات تجارية قائمة على «البلوك تشين» (blockchain)، وميناء لربط غزة بالممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، و«مناطق اقتصادية خاصة» منخفضة الضرائب، وفقًا لـ«فاينانشال تايمز».

وفي نهاية أغسطس الماضي، عاد بلير إلى الواجهة، هذه المرة بنفسه، بلقاء في البيت الأبيض جمعه بكوشنر وترامب، بمشاركة هاتفية من المسؤول الإسرائيلي، رون ديرمر.

ونقل موقع «أكسيوس» عن مصدر مطلع بشكل مباشر على المحادثات، أن كوشنر وبلير «حاولا طرح تصور عن كيفية حكم غزة وتهيئة بيئة تجذب الاستثمار بما يسمح بإعادة الإعمار. وكان الهدف عرض الأفكار على ترامب لمعرفة إن كانت تعجبه ويرغب في الدفع بها قدمًا، بحيث يتمكن ويتكوف وروبيو من استخدامها».

غير أن هاتين الواقعتين المعروفتين لضلوع كوشنر وبلير في خطة ما بعد الحرب منذ بدء الولاية الثانية لترامب لم تكونا نقطة انطلاق مخططهما، فبحسب مسؤول مصري، فإن بداية التعاون بين بلير وكوشنر تعود إلى 2023، حين اجتمعا في أبو ظبي مع ديرمر والمسؤول السابق في السلطة الفلسطينية، محمد دحلان، لبحث ملامح الخطة، وشهد اللقاء بلورة فكرة تشكيل قوة عربية مشتركة لحماية إسرائيل من المقاومة، وهي الفكرة التي طُرحت لاحقًا على مصر والأردن باعتبارها مبادرة أمريكية، وخرجت فعلًا إلى العلن، عندما وجدت طريقها إلى الصحافة، وقُدمت باعتبارها مقترحًا عربيًا أمريكيًا.

أوضح المسؤول المصري لـ«مدى مصر» آنذاك، أن بعض الدول العربية عرضت على الولايات المتحدة في نوفمبر 2023 تولي مسؤولية أمن غزة، واشترطت واشنطن في المقابل تشكيل قوة مشتركة مكونة من مصر والأردن والإمارات والمغرب وإندونيسيا، لتأمين القطاع.

وبموجب هذه الخطة، التي تم تسريبها للصحافة الأمريكية العام الماضي، تضمن الاقتراح الأمريكي أن يقود ضابط عسكري أمريكي كبير القوة، بينما يتولى دبلوماسيون أمريكيون ومسؤولون كبار إدارة الشؤون المحلية، ما يمنح الأمريكيين زمام المبادرة في غزة، إلا أن الخطة لم تحظ سوى بموافقة الإمارات، بحسب المصدر، الذي أضاف أن التردد تجاهها جاء بعد أن عدلت إدارة بايدن رؤيتها لتصبح أقرب إلى نموذج العراق بعد 2003.

وبينما تشير الآثار إلى تورط كوشنر وبلير، أكد مصدر من جامعة الدول العربية في نيويورك دورهما بشكل أوضح، قائلًا: «بالطبع، توني بلير متورط في الأمر. إنه مقرب جدًا من كوشنر. لقد عملا على هذا الأمر مع نتنياهو، وتعمدا جعل [الخطة] غامضة للغاية»، وهو ما يفسر ظهور بصمات خططهما السابقة على البنية المقترحة للسلطة الانتقالية الدولية لغزة.

الآن، تحولت فكرة القوة المشتركة إلى قوة ترسيخ الاستقرار الدولية، فيما يستعد بلير للانضمام إلى مجلس إدارتها.

caption

بحسب الوثيقة المسربة، سيكون للسلطة الانتقالية في غزة هيكلًا ثلاثيًا، يتربع على قمته مجلس الهيئة الدولية الانتقالية لقطاع غزة، أو كما أسماه ترامب «مجلس السلام»، والذي سيقوده رئيس مجلس الإدارة، أو «المسؤول التنفيذي السياسي الكبير». سيُمنح هذا المجلس ورئيسه صلاحيات حصرية في إصدار القرارات الملزمة، والموافقة على التشريعات والتعيينات المهمة، والتوجيه الاستراتيجي.

أشارت الخطة إلى عدة أسماء محتملة لعضوية المجلس، بينهم رجل الأعمال المصري، نجيب ساويرس، والمنسقة الأممية لعملية السلام في الشرق الأوسط، سيجريد كاج، والمستثمر الأمريكي، مارك روان، «وربما» أيضًا المدير التنفيذي لمعهد اتفاقية إبراهام للسلام، أرييه لايتستون.

caption

وسيشرف المجلس بشكل مباشر على عدة هيئات فوق-الفلسطينية الأخرى، أولها «السكرتارية التنفيذية» التي ستتكون من 25 شخصًا يرفعون تقاريرهم إلى رئيس المجلس مباشرة، خمسة من هؤلاء سيعملون كـ«مفوضين» يشرفون وينسقون وينظمون عمل خمسة مجالات حوكمية وهي: الإشراف على الشؤون الإنسانية، والإشراف التشريعي والقانوني، والرقابة الأمنية، والإشراف على التنسيق مع السلطة الفلسطينية، وقيادة هيئة تشجيع الاستثمار والتنمية الاقتصادية بغزة المُنشأة حديثًا.

أما في المستوى الثالث، سيكون هناك من يسميهم المقترح «ذراع توصيل الخدمات»، وهي سلطة تنفيذية فلسطينية، سيرأسها مدير تنفيذي فلسطيني، لن تكون لديها أي سلطة تنفيذية في حد ذاتها، حيث سيشرف المدير التنفيذي الفلسطيني على عدد من الوزارات التكنوقراطية ويرفع تقاريره إلى «السكرتارية التنفيذية» مباشرة، وسيتقدم المدير التنفيذي بكل الترشيحات لشغل المناصب في هذه الوزارات إلى مجلس الهيئة الدولية الانتقالية، الذي سيحتفظ بالقرار النهائي في التعيين والفصل والاستبدال.

وتقترح الخطة أيضًا هيكلًا أمنيًا ثلاثيًا، يتكون مستواه الأول من حرس النخبة الذين سيتولون تأمين أعضاء المجلس أنفسهم، يليهم هيئتان أخريان: الشرطة المدنية، وقوة ترسيخ الاستقرار الدولية.

سيجري تجنيد الشرطة المدنية من السكان بعد «فحصهم بشكل محترف»، وستتولى إنفاذ قوانين غزة الانتقالية، باعتبارها الجهاز الرئيسي لإنفاذ القانون في بيئات غزة الحضرية والبلدية.

أما قوة ترسيخ الاستقرار الدولية، فستكون قوة أمنية متعددة الجنسيات ومفوضة دولية، مهمتها ضمان «السلامة الحدودية، ومنع عودة ظهور الجماعات المسلحة، وحماية العمليات الإنسانية وإعادة الإعمار، ودعم قوات إنفاذ القانون المحلية من خلال التنسيق، وليس الاستبدال».

لكن رئيس مجلس السلام سيحتفظ بمسؤولية إدارة الوضع الأمني للهيئة الانتقالية الدولية، و«التنسيق الاستراتيجي مع إسرائيل، ومصر، والولايات المتحدة، وأصحاب الشأن الدوليين الآخرين حول الاتصال الأمني، ووضع القوات، وإدارة الأزمات»، بالإضافة إلى «العمل كقناة التصعيد الرئيسية في حالة الحوادث عالية الخطورة التي تتخطى النطاق العملياتي للجهات الفاعلة».

ويتضمن المقترح أيضًا أحكامًا متعلقة بإنشاء «وحدة حماية حقوق الملكية»، التي ستكون مهمتها الأساسية «ضمان توثيق أي مغادرة طوعية للسكان من غزة خلال الفترة الانتقالية وحمايتها قانونيًا، وعدم المساس بحق الفرد في العودة أو الاحتفاظ بملكية الممتلكات».

***

وفي حين عمل بلير وكوشنر وترامب ونتنياهو على تشكيل هذا الهيكل، فإن العقبات أمام تنفيذه لا تزال كبيرة. فبعد المؤتمر الصحفي الذي عقده ترامب ونتنياهو، نقلت مصر وقطر المقترح إلى قادة «حماس» في الدوحة، وانضم إليهم لاحقًا وفد تركي.

وبحسب مصدر من مركز بحثي تابع لأجهزة سيادية مصرية، ومسؤول مصري آخر، أبلغت «حماس» المصريين والقطريين في البداية برفضها للخطة، قبل أن تنصحها القاهرة والدوحة بألا ترفض المقترح بشكل كامل، وتفكر في طريقة للتعاطي معه. وأضاف المصدر أن الحركة طلبت من مصر إعادة إحياء خطتها التي تطرح إدارة فلسطينية جماعية لغزة. وفي حال لم يعد ذلك خيارًا ممكنًا، أخبرت «حماس» القاهرة أنها مستعدة لقبول شرط نزع السلاح إذا كان هناك مقترح حقيقي وملموس لإقامة دولة فلسطينية، حسبما قال باحث ثانٍ.

لكن يبدو أن هامش المناورة المتاح أمام حركة حماس لرفض الاقتراح ضئيل.

يقول قيادي في فتح لـ«مدى مصر» إن «الشعب الفلسطيني لا يوجد أمامه فرصة للرفض لأن الخيارات صفرية: إما القبول أو أن يكون هناك دعم كبير لنتنياهو لاستكمال الحرب وتهجير الفلسطينيين من غزة»، ويضيف أن «المقترح يحمل بنودًا غير واضحة ومفخخة، ورغم ذلك حماس ستقبل به رغم مرارة الاتفاق لتتجاوز هذه المرحلة الصعبة، خاصة أنه تم تحييد قطر من خلال مكالمة هاتفية بين نتنياهو مع الشيخ تميم».

وأشار القيادي ذاته إلى الموقف الصعب الذي يضع المقترح «حماس» فيه، فلم يوضح مصير قادة «حماس» أو ضمانات خروجهم، كما أن الحديث عن لجان دولية تحكم غزة أمر غير مطمئن ويثير تساؤلات.

من جهته، يرى سفير مصر السابق لدى الأمم المتحدة، معتز أحمدين، أن الخطة لها هدف واحد فقط «هو ضمان إطلاق سراح الرهائن. عدا ذلك، فلا شيء ملموس، وهي مكتوبة بطريقة تسمح بوضوح لإسرائيل باستخدام أي ذريعة تشاء لاستئناف حربها على غزة. إذا قرأنا هذا النص واستمعنا إلى ما قاله نتنياهو في المؤتمر الصحفي المشترك مع ترامب، فسنجد أنه يقولها بالفعل: سنفعل ذلك بالطريقة السهلة أو بالطريقة الصعبة»، حسبما قال لـ«مدى مصر».

ولم يبد أحمدين متفائلًا بشأن ما إذا كان المقترح يمثل خطوة حقيقية نحو إقامة دولة فلسطينية، قائلًا: «من المهم جدًا ألا نبحث عن مصطلحات بعينها في الخطة خارج سياقها. تعيدنا الإحالات إلى إقامة الدولة إلى فترة السبعينات، لأنها تتحدث عن تقرير المصير. الكلام عن تقرير المصير اندثر منذ اتفاقية أوسلو»، مضيفًا «تقترن الإشارة إلى أفق للدولة الفلسطينية مع كلمة «الطموح»، بمعنى أنه يمكن للفلسطينيين أن يحلموا بها كما يشاؤون».

يتفق المصدر من جامعة الدول العربية مع هذا التقييم، حيث وصف المقترح بالكارثة في أسوأ الأحوال ولا شيء على الإطلاق في أحسنها. «لا يوجد أي شيء جاد فيه. لا شيء يوفر أساسًا يمكن للدول العربية والإسلامية العمل معه. ليس شيئًا يمكن لحماس قبوله. إنه يقدم لإسرائيل كل ما تريد ولا يترك لحماس أي شيء محدد»، يقول المصدر، مضيفًا: «لقد عبر ترامب بشكل واضح أنه لا يهتم إلا بالرهائن. قالها في حديثه أمام الجلسة العامة للأمم المتحدة. لكن لدينا وضعًا كارثيًا على الأرض، وعلينا أن نحاول».

وحتى إذا وافقت حماس على الخطة، قد يكون من الصعب تحقيق مطالب إسرائيل، التي يقول مسؤول مصري إنها «تريد أن يظهر الرهائن في القدس عشية 7 أكتوبر».

يقول مصدر آخر من مركز بحثي تابع لجهة سيادية إن «حماس» أرادت وقتًا قبل أن تقدم ردها النهائي، لكن هناك ضغطًا أمريكيًا للحصول على رد سريع، والقاهرة والدوحة تنقلان هذا الضغط إلى الحركة. «حماس تقول إنه من المستحيل عليها جمع جثث كل الرهائن الإسرائيليين الذي ماتوا في أثناء أسرهم، وكذلك جمع كل الرهائن، في أقل من أسبوع»، يضيف.

وبالتالي، يرى الدبلوماسي الإقليمي أن المقترح قد يكون وسيلة لبدء تنفيذ خطة ما بعد الحرب بالفعل، لكنه لا يضمن بالضرورة إنهاء الحرب على المدى القصير. ويقول الدبلوماسي: «لا أستطيع أن أعتبر نقاط ترامب العشرين خطة لإنهاء الحرب. إنها ليست حتى خطة لفك الارتباط، إنها خطة لتخفيف الضغط».

***

بعد انتهاء الحرب، سواء عبر الطريق «السهلة أو الصعبة»، على حد تعبير نتنياهو، تبقى مسألة شكل الحكم بعد الحرب تواجه عدة إشكاليات، أولها، مسألة شرعيته ومدى قبوله دوليًا وإقليميًا.

وبحسب الوثيقة المُسربة، عند بدء تنفيذ خطة السلطة الانتقالية، سيتم اللجوء إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لإصدار قرار يمنح الهيئة الانتقالية الدولية الأساس القانوني. يقول الدبلوماسي الإقليمي، إن هذا البند جاء بناءً على طلب مصر، وتبنته الدول العربية والإسلامية، موضحًا «هذا البند يُحقق ميزتين: أولًا، يمنع الولايات المتحدة من احتكار القضية تمامًا، وثانيًا، يفتح ثغرة أمام مجلس الأمن لإعادة النظر في تنفيذ الخطة لاحقًا»، مضيفًا: «بالطبع، ليس من مصلحة الولايات المتحدة أن تتدخل روسيا والصين والجزائر في التفاصيل».

مع ذلك، يقول مسؤول مصري إن بعض دول الخليج تطرح خططًا بالفعل لتقديم عروض استثمارية سخية لروسيا والصين في محاولة لتأمين تأييد مجلس الأمن في حال طرح الاقتراح للتصويت.

أحمدين يرى أن انضمام مجلس الأمن سيمنح بعض الدول العربية إمكانية الاعتراض على الخطة، لافتًا إلى أن «مسألة وجود قوات الاستقرار الدولية ليس إلا مُجرد مزحة، فحتى لو وُضعت بموافقة مجلس الأمن، فإنها سترفع تقاريرها في النهاية إلى بلير وترامب. في الواقع، هي تحت وصاية ممثلي ترامب وبلير. ما يمكن لبعض الدول العربية فعله هو التوجّه إلى مجلس الأمن والمطالبة بقرار يُلزم تلك القوات بتقديم تقاريرها إلى مجلس الأمن، وليس إلى ترامب وبلير. كما ينبغي على الدول العربية مُطالبة تلك القوات بتحمُل مسؤولية حماية المدنيين الفلسطينيين، وإلا فقد تبدو كهيئة مصممة لتنفيذ الرغبات الإسرائيلية».

ويضيف أحمدين أن الموقف العربي بشأن الاتفاق غير موحد، «لا نتحدث عن الدول العربية ككل، لأنه لا يمكن تجاهل دور الإمارات في هذا الأمر برُمته، فقد كانت فكرة الإماراتيين عقد هذا الاجتماع على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة»، مضيفًا «من المهم جدًا وضع البيان العربي الإسلامي في الحُسبان، لأنه يعكس قدرًا كبيرًا من عدم الارتياح، وقد اختارت الدول العربية والإسلامية الطريقة الدبلوماسية التقليدية للتعبير عن عدم ارتياحها بالتركيز على النقاط المُحددة التي تتفق معها بدلًا من الحديث عن الخطة ككل»، مشيرًا إلى أن نتنياهو «فعل الشيء نفسه. ركّز على النقاط التي يتفق معها. ومع ذلك، هناك فرق مهم للغاية. ما قاله نتنياهو يحظى بتأييد صريح وعلني وقوي من ترامب، على عكس البيان العربي».

يوم الاثنين الماضي، أصدر وزراء خارجية المملكة العربية السعودية، والأردن، والإمارات العربية المتحدة، وإندونيسيا، وباكستان، وتركيا، وقطر، ومصر، بيانًا مشتركًا رحبوا فيه «بقيادة الرئيس دونالد ترامب وجهوده الصادقة لإنهاء الحرب في غزة»، وثقتهم في قدرته على إيجاد طريق للسلام، وأكدوا استعدادهم للعمل من أجل التوصل إلى اتفاق شامل «يضمن إيصال المساعدات الإنسانية الكافية إلى غزة دون قيود، وعدم تهجير الفلسطينيين، وإطلاق سراح الرهائن، ووضع آلية أمنية تضمن أمن جميع الأطراف، والانسحاب الإسرائيلي الكامل، وإعادة إعمار غزة، وتمهيد الطريق لسلام عادل على أساس حل الدولتين، والذي بموجبه تُدمج غزة بالكامل مع الضفة الغربية في دولة فلسطينية».

منذ صدور البيان، أعربت مصر وقطر وباكستان عن استيائها بشكل علني من اقتراح ترامب، ورغم إشادة رئيس الوزراء الباكستاني به في البداية، فإن وزير الخارجية الباكستاني، محمد دار، صرّح يوم الثلاثاء الماضي بأن الخطة التي أصدرها البيت الأبيض «ليست وثيقتنا».

بالتزامن مع ذلك، صرح كل من وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، ورئيس الوزراء القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، بأن عدة نقاط في الخطة بحاجة إلى مزيد من النقاش. 

وحين سُئل عما إذا كانت مصر ستشارك في خطة ترامب، صرح عبد العاطي، أمس، بنبرة أكثر حدة، بعد إشادة موجزة بها، أن غزة «سوف يديرها الفلسطينيون بشكل طبيعي، ودورنا هو الدعم والمساعدة» وأن «بعض عناصر [المُقترح] بحاجة إلى نقاش موسع [...] وكما يُقال، يكمن الشيطان في التفاصيل».

وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي

مسؤول مصري، ومصدر في جامعة الدول العربية، أكدوا أن المُقترح الصادر الاثنين الماضي ليس وثيقة مختلفة تمامًا، لكن جرى إدخال تعديلات جوهرية على المُقترح بعد اجتماع مسؤولي الدول العربية والإسلامية على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، 24 سبتمبر الماضي.

«عندما وصل نتنياهو إلى نيويورك، أبلغ الولايات المتحدة أنه أطلّع مجلسه الوزاري الأمني المُصغر على الوثيقة، وتلقى تعليقات سلبية. لذا، عمِل مع الفريق الأمريكي، كوشنر وديرمر وبلير، لإجراء تعديلات عليها. أرسل المسودة المُعدلة إلى عناصر اليمين في حكومته، ثم طلب تعديلات إضافية عند لقائه ترامب»، يقول المسؤول المصري، الذي أضاف: «أُبلغت الدول العربية والإسلامية التي حضرت اجتماع نيويورك بوجود تعديلات، ولكن سيتم الإعلان عنها بعد اجتماع ترامب ونتنياهو. ولهذا السبب، هناك شعور بالخيانة، لأن الكثير من جوانب الوثيقة لم تعجبهم من الأصل، لكن مع التغييرات التي أُجريت، أصبحت أكثر تحيزًا مما كانت عليه بالفعل، وسيكون من الصعب جدًا إرسالها إلى حماس. لكن الادعاء بأنها وثيقة مختلفة تمامًا ليس صحيحًا».

يقول المصدر من جامعة الدول العربية إن التعديلات الأكثر جوهرية عزّزت الفصل بين الضفة الغربية وغزة، مُضيفًا أن هذا الفصل «يُعد خطوة كبيرة للوراء، لأنه يعني عمليًا أن غزة لم تعد جزءًا من الأراضي الفلسطينية، وأنها تكون تحت وصاية أجنبية».

«مدى مصر» حصل على مسودة وثيقة ترصد الجولة الأخيرة من التعديلات التي أُجريت على الخطة قبل نشرها. رصدت المسودة أربعة تعديلات جوهرية. أولًا، أُضيف ذكر صريح لبلير، ومجلس السلام، وقوة ترسيخ الاستقرار الدولية إلى الوثيقة. ثانيًا، عُدلت الصياغة المتعلقة بـ«تسليم إسرائيل التدريجي لأراضي غزة التي تحتلها» مع إضافات لتوضيح صياغة الخطة الحالية حول الانسحاب الذي يتم وفقًا «للمعايير والمعالم والأُطر الزمنية المُرتبطة بنزع السلاح والتي سيتم الاتفاق عليها بين جيش الدفاع الإسرائيلي وقوات الأمن الإسرائيلية والضامنين والولايات المتحدة». ثالثًا، استُبدلت الصياغة المُتعلقة بـ«الالتزام بتدمير ووقف بناء البنية التحتية العسكرية الهجومية» إلى «البنية التحتية العسكرية، والإرهابية، والهجومية»، كما أُضيفت الفقرة التالية: «ستنطلق عملية نزع سلاح غزة تحت إشراف مراقبين مستقلين، والتي ستشمل وضع الأسلحة بشكل دائم خارج نطاق الاستخدام من خلال عملية مُتفق عليها لتفكيكها، وبدعم من برنامج إعادة شراء وإعادة إدماج ممول دوليًا، ويتم التحقق منه بالكامل من جانب مراقبين مستقلين». وأخيرًا، حُذف الاعتذار لدولة قطر.

يقول المصدر المصري إنه عندما مارست الولايات المتحدة ضغوطًا من أجل تمرير الاتفاق، استغلت الدوحة والقاهرة «العملية الفوضوية» والتعديلات الجديدة كفرصة لإبلاغ الأمريكيين بضرورة قبول بعض التعديلات التي طرحتها «حماس»، وهو ما وافقت عليه الولايات المتحدة.

ومع ذلك، يبدو أن غالبية الدول العربية، باستثناء قطر ومصر، تؤيد الاتفاق بدرجات متفاوتة. يقول مصدر سياسي قطري إن هناك توقعات بمشاركة باكستان وتركيا وقطر والإمارات في عضوية مجلس السلام المقترح.

في السياق ذاته، قال مسؤول سعودي كبير لـ«مدى مصر» إن الرياض لم تقرر بعد ما إذا كانت ستُشارك في مجلس السلام، إلا أنها بلا شك تدعم الاقتراح ووجهة نظرها قريبة جدًا من وجهة نظر ترامب.

أما القاهرة، فتتحفظ على عدد من النقاط الجوهرية، أبرزها مقر الهيئة الانتقالية الدولية، فبحسب الوثيقة المُسربة، سيشهد العام الأول من الخطة الانتقالية «انتشارًا جزئيًا عبر خلايا تنسيق مُتقدمة (مثل العريش)»، وفي سياق آخر، وبنفس الصياغة، ستدعم خلية العريش «الوصول المُبكر والتواصل مع المسؤولين الإسرائيليين والمصريين».

يؤكد مسؤولان مصريان، وأحد الباحثين، أن مسؤولين أمريكيين طرحوا بالفعل فكرة إنشاء مقر قوات الهيئة في العريش. يقول أحد المسؤوليّن إن «المناقشات لم تُحسم بعد حول مقر الهيئات الحاكمة الجديدة في غزة، خاصة أن الولايات المتحدة وإسرائيل تُصران على أن يكون المقر الأوليّ للقوة على الأراضي المصرية، وتحديدًا في شمال سيناء، بما في ذلك مدينتي العريش ورفح. وفقًا للخطة الجديدة، ستُجري القوة المشتركة دوريات أمنية داخل غزة وتعود إلى مقرها في شمال سيناء، بحُجة عدم وجود مقرات يُمكن لقيادة القوة العمل من خلالها داخل غزة»، مضيفًا أن الولايات المتحدة برّرت إصرارها على العريش بوجود بنية تحتية للمدينة، والتي تشمل مطارًا وميناءً بحريًا كانا البوابة الرئيسية لشحنات المساعدات إلى غزة لسنوات.

لكن مصر اعترضت على هذه الخطة، وفقًا للمسؤول، الذي صرح لـ«مدى مصر» أن القاهرة تعتقد أن تثبيت قوات «جيتا» في العريش قد يفتح الباب أمام انتهاك السيادة المصرية على المدينة والمنطقة الحدودية مع غزة، وأبلغت مصر واشنطن بمخاوفها «المُتعلقة بإدارة الأمن وهيكل القيادة ومدى المشاركة الدولية في هذه القوات». وأضاف المسؤول أنه لم يتم التطرُق إلى قضية قادة المقاومة الفلسطينية ونقلهم إلى الخارج، فلم تحدث أي مناقشات أو تفاهمات جادة وعملية بشأن هذه المسألة، ما يتطلب تنسيقًا على أعلى مستوى، وهو ما لم يحدث بعد.

مصدران مصريان آخران عبرا عن هذا القلق، دون التطرق تحديدًا إلى موقع المقر في العريش. يقول أحدهما: «لم نقرر موقفنا بعد لأن الأمريكيين لم يُعالجوا مخاوفنا بشأن الخطة»، وأن الرفض نابع من الشك تجاه الخطة، وما تثيره من مخاوف من «تدويل» الوضع في شمال سيناء. 

***

بطبيعة الحال، تبقى جميع هذه النقاشات رهينة بموقف حركة حماس ومفاوضات الدوحة الجارية حاليًا، فمن الواضح للجميع أن خطة ترامب -التي انتقدها تقريبًا كل دبلوماسي مصري وفلسطيني وإقليمي تحدث إلى «مدى مصر»، ووصفوها بالغامضة- تتمتع بزخم دولي تصعُب مواجهته، رغم أنها قد لا تؤدي حتى إلى إنهاء الحرب في المدى القريب.

لكن كما يقول مسؤول مصري، فإن «هناك حد أقصى لمدى قدرة نتنياهو على مواصلة القتال. فرغم زعم نتنياهو قدرته على مواصلة القتال على سبع جبهات، إلا أنه في الواقع لا يستطيع ذلك لأن غزة تستنزف قدرات الجيش الإسرائيلي».

وعندما تتوقف الحرب أخيرًا، سيكون توني بلير وجاريد كوشنر في الواجهة، ينتظران، مبتسميّن، ومستعدين لـ«يوم عظيم». لكن القول والفعل أمران مختلفان. حتى الآن، لم يقتنع الجميع بالخطة. وكما قال مسؤول مصري عنها: «هذه كلها خدعة. لا ينبغي لحماس أن تستمع إليهم أو أن تُسلم الرهائن. هذا أمر مقزز».

عن الكتّاب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن