تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
ما وراء تصفية «الحديد والصلب».. حقائق عن السوق المصري

ما وراء تصفية «الحديد والصلب».. حقائق عن السوق المصري

كتابة: بيسان كساب 8 دقيقة قراءة

«العامل المشترك بين شركة الحديد والصلب وبقية شركات الحديد المصرية كلها هو الطاقة المعطلة من الإنتاج»، يقول متهكمًا مسؤول سابق رفيع المستوى في الشركة، التي تستعد على الأرجح لمغادرة السوق المصري بعد 67 سنة من افتتاحها، بناء على قرار تصفيتها الصادر قبل شهر تقريبًا

يشير محدثنا، الذي طلب عدم ذكر اسمه، لتلك المفارقة التي تقوم على الفارق الكبير بين الإنتاج الفعلي لشركات الحديد والصلب في السوق المصري وقدراتها الإنتاجية، أي حجم ما كان يمكن أن تنتجه تلك الشركات لو أنتجت بطاقتها القصوى. 

في عام 2019/2020 المالي، بلغ إنتاج شركة الحديد والصلب المصرية 107.662 ألف طن، مقابل 1.2 مليون طن تقريبًا تمثل إجمالي الطاقة الإنتاجية سنويًا للشركة، أي أن الإنتاج تجاوز بالكاد 10% من الطاقة الإنتاجية، بسبب تعطل الإنتاج في الأفران المستمرة في العمل، وتوقف العمل في أفران أخرى بسبب تقادمها. 

و«بشكل عام يعمل سوق الحديد والصلب عمومًا بنسبة لا تتعدى 60% من طاقته الإنتاجية بسبب ضعف الطلب المحلي في مقابل القدرة على الإنتاج» كما قال لـ«مدى مصر» محمد حنفي، رئيس غرفة الصناعات المعدنية باتحاد الصناعات، مستبعدًا بالتالي أن تؤدي أي خطة تطوير يدافع عنها معارضو قرار تصفية الشركة إلى أن تنتج الشركة بكامل طاقتها الإنتاجية، لأن صناعة الحديد والصلب كلها لا تنتج بكامل طاقتها الإنتاجية بسبب تشبع السوق المحلي. 

قد يشير ذلك لأول وهلة إلى أن السوق مشبع بالإنتاج للحد الذي يفترض معه خروج لاعب أو أكثر من السوق، وهو بالتالي ما يدعم حجج داعمي قرار تصفية الشركة. لكن، نفس هذا السوق المشبع بالإنتاج يستورد بمعدل أربعة أمثال صادراته. 

كيف نفسر إذن هذا «الجوع» الكبير للواردات مقابل «تخمة» الإنتاج هذه؟ 

تمثل الواردات من المنتجات نصف النهائية، أو ما يعرف أساسًا بـ«البيليت»، أكبر مكون في قائمة واردات مصر من منتجات الحديد والصلب، تبعًا لبيانات موقع Trade Map، المتخصص في إحصائيات التجارة العالمية. وبلغت قيمة واردات مصر من هذه المنتجات أكثر من مليار دولار عام 2019 على سبيل المثال، لتمثل بذلك نحو ثلث واردات مصر من منتجات الحديد والصلب، وأكثر بما يقارب 40% من كل صادرات مصر من كل أصناف منتجات الحديد والصلب. 

يمثل ذلك جوهر أزمة سوق الحديد والصلب في مصر، الذي يحتاج لإنتاج منتجات محلية من الحديد استيراد كميات كبيرة من المنتجات «الوسيطة» أو «نصف المصنعة». 

هذا العبء الضخم من واردات المنتجات نصف المصنعة يرتبط بطبيعة صناعة الحديد والصلب المصرية التي لا تضم إلا أربع شركات «متكاملة»: الحديد والصلب المصرية، والسويس للصلب، وبشاي للصلب، وعز الدخيلة، من أصل 34 شركة تعمل في هذا السوق.

الشركات المتكاملة هي التي تنتج الحديد من المواد الخام المستخرجة من الأرض، وصولًا للمنتج النهائي، وهو ما يعني إنها تمر بكل مراحل الإنتاج، من ضمنها شركة الحديد والصلب.

أما الشركات نصف المتكاملة، فهي التي يبدأ عملها من منتصف حلقات الإنتاج، أي أنها لا تعتمد في عملها على المواد الخام المستخرجة من الأرض، وإنما على الخردة (منتجات حديدية قديمة متهالكة) التي يجري إعادة إنتاجها للوصول إلى منتجات نهائية، عبر مرحلة وسيطة هي مرحلة تصنيع البيليت. ويضم السوق المصري ثمانية شركات نصف متكاملة. وبدأت صناعة الحديد والصلب في مصر في أربعينيات القرن الماضي كصناعة نصف متكاملة قائمة على التصنيع باستخدام الخردة في شركات الدلتا والأهلية والنحاس.  

أما العدد الأكبر من الشركات في مصر، فهي شركات الدرفلة، وهي التي يقوم عملها على شراء البيليت وتشكيله فقط، غالبًا في صورة حديد التسليح. عملية الدرفلة هي أقرب للتشكيل النهائي للمنتجات نصف النهائية لتتحول لمنتجات تامة الصنع. وبذلك، ينصب عمل هذه الشركات على الحلقة الأخيرة فقط من الإنتاج. ويضم السوق المصري حاليًا 22 شركة درفلة. 

وبسبب هذه الهيمنة الكبيرة للشركات التي تعمل على حلقة واحدة من حلقات الإنتاج، تزداد أعباء استيراد البيليت، «لأن بقية الشركات المتكاملة تنتج البيليت، لكن لا تتيح بيعه في السوق إلا نادرًا لأنها تستخدمه كحلقة في إنتاج منتجاتها النهائية، وعلى رأسها حديد التسليح» كما قال المسؤول السابق في شركة الحديد والصلب. ويعني هذا أن زيادة الإنتاج المحلي، سواء ارتبط بالسوق المحلي أو بالتصدير، ستعني على الدوام المزيد من واردات البيليت بالذات التي تحتاجها شركات الدرفلة. 

ولكن «الحديد والصلب» -استثناءً- لديها القدرة على توريد البيليت. «تمثل شركة الحديد والصلب المصرية حتى الآن أهم مصدر محلي للبيليت يمكن الاعتماد عليه من قبل شركات الدرفلة» تبعًا للمصدر الذي قال إن «كثير من خطط التطوير السابقة للشركة كانت تقوم على التركيز على صناعة البيليت بشكل مرحلي ووقف المنتجات كاملة التصنيع بشكل مرحلي، لأن إنتاج البيليت في حد ذاته قادر على تحقيق أرباح كبيرة للشركة في ظل الحاجة الماسة إليه من قبل شركات الدرفلة». 

وبما أن «الحديد والصلب» هي المصدر المحلي شبه الوحيد للبيليت، فلا يمكن بطبيعة الحال اعتباره جزءًا من أزمة «تخمة الإنتاج» تلك، «خاصة وأن التخمة أًصلًا تتركز في منتجات حديد التسليح التي لا تنتجها شركة الحديد والصلب»، كما قال المسؤول السابق في الشركة، موضحًا أن «الشركة تمتلك وحدة صغيرة لإنتاج حديد التسليح متوقفة منذ عشرة سنوات تقريبًا». 

جاءت تخمة الإنتاج التي تعاني منها صناعة الحديد والصلب، وبالذات في منتجات حديد التسليح، على خلفية فترة سابقة من الجوع قبل ثلاثين سنة تقريبًا. 

تبعًا لغرفة الصناعات المعدنية، فقد شهد قطاع الصلب في بداية التسعينات «نموًا مطردًا متناسبًا مع التطورات الاقتصادية وخطط التنمية وزيادة إنشاءات البنية الأساسية في كافة المرافق والتي تعتمد على حديد التسليح، حيث وصل الاستيراد من حديد التسليح خلال فترة الثمانينيات وأوائل التسعينيات إلى حوالي 1.5 مليون طن في السنة. لذلك اتجه العديد من المستثمرين إلى اقتحام صناعة الصلب بدءًا من مشروعات الدرفلة باستخدام عروق مستوردة، ثم التطور بإضافة وحدات صهر وشركات لإنتاج العروق وإنتاج ودرفلة المسطحات سواء للسوق المحلي أو للتصدير». 

تزامن دخول القطاع الخاص هذا لصناعة الصلب، مطلع التسعينيات، مع تنامي مساهمة شركات القطاع الخاص في إجمالي الإنتاج المحلي الإجمالي والعمالة في ظل الاتفاقية الموقعة مع صندوق النقد الدولي. وشهدت هذه الفترة تقديم الدعم للشركات الخاصة، «في شكل إعفاءات ضريبية، وحوافز الاستثمار، وتخصيص الأراضي بمعدلات أدنى من أسعار السوق، وعمليات دعم سخية في مجال الطاقة»،  بحسب عمرو عادلي، الأستاذ المساعد للاقتصاد في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، في تقرير له على موقع كارنيجي/ الشرق الأوسط. 

وبعبارة أخرى، «فقد شهدنا خلال ثلاثين عامًا تقريبًا اندفاعًا كبيرًا في الاستثمار في قطاع الحديد، وهو ما انتهى إلى ما انتهينا إليه الآن من كساد واضح في حديد التسليح بالذات، يجبر الشركات في أحيان كثيرة على البيع بسعر التكلفة»، كما يعقب المسؤول السابق في شركة الحديد والصلب. 

وبالرغم من الكساد هذا، في العام 2016 اشترى جهاز الخدمة الوطنية التابع لوزارة الدفاع 40% من أسهم شركة السويس للصلب، إحدى الشركات المتكاملة الأربعة في مصر، وسدد أكثر من خمسة مليارات جنيه في شكل قروض مستحقة للبنوك، ورفع إجمالي رأسمال الشركة إلى 13.9 مليار جنيه، من ضمنها ملياري جنيه استثمارات جديدة، ما سمح له برفع ملكيته في الشركة إلى 82%. 

وفي مذكرة بحثية لعملائها، حصل «مدى مصر» على نسخة منها، تقول «إن كي سي»، وهي الذراع الإفريقية لمؤسسة البحوث والتحليلات الاقتصادية الدولية البارزة أوكسفورد ايكونوميكس، إن جهاز الخدمة الوطنية رفع إنتاج الشركة بعدما استحوذ عليها، وهو ما تسبب في تعقيد أزمة فائض الإنتاج أكثر فأكثر. 

لكن، في كل الأحوال، فـ«الجيش لا يخضع لديناميكيات السوق التي تخضع لها بقية اللاعبين في السوق، كما يتضح من المؤشرات المتوفرة، ربما من حيث تكلفة الطاقة أو النقل أو غيرها، وهو ما يرجح ألا يكون متحملًا لأي ضغوط على مستوى الأرباح كتلك التي تتعرض لها بقية اللاعبين في السوق [بسبب تخمة الإنتاج]» كما قال لـ«مدى مصر» محلل اقتصادي في المركز المصري للدراسات الاقتصادية، طلب عدم ذكر اسمه، وهو ما قد يفسر من وجهة نظره؛ لماذا قرر الجيش الدخول إلى سوق متخم بالإنتاج، ما يهدد الربحية عمومًا. 

ولم يعقب وزير قطاع الأعمال، هشام توفيق، على سؤال من «مدى مصر» في الندوة الإلكترونية للمركز المصري للدراسات الاقتصادية، حول الكيفية التي تستطيع القوات المسلحة الاستمرار في السوق دون متاعب، فيما يتعلق بتخمة الإنتاج، في الوقت الذي قد تدعم تلك التخمة مبررات خروج «الحديد والصلب المصرية» من السوق، لكن المحلل في المركز المصري الذي تحدث إليه «مدى مصر»، يرى أن «ما ينطبق على القوات المسلحة من عدم الخضوع لعدد من ديناميكيات السوق الحر لا ينطبق على [شركة] الحديد والصلب [المصرية]، التي يرى الوزير ضرورة خضوعها الكامل لشروط هذا السوق». 

وفي ظل الاكتفاء المحلي من المنتج المصري، تمثل الصادرات أهم قناة كان يفترض أن تستوعب الطاقة الإنتاجية لقطاع الحديد والصلب، خاصة بعد قرار تحرير سعر الجنيه في نهاية عام 2016، بما كان يتضمنه ذلك من توقعات بتعافي كبير للصادرات، بسبب انخفاض سعر الجنيه المصري، وبالتالي انخفاض سعر المنتجات المصرية في الأسواق العالمية. 

لكن البيانات المتوفرة عن السوق تشير إلى ثبات نسبي في حجم الصادرات من الحديد والصلب بعد قرار تحرير سعر الجنيه في نوفمبر 2016، وأن التحسن الذي شهدته عام 2018 سرعان ما انحسر في العام التالي. 

وترى عالية المهدي، رئيس مجلس إدارة جمعية الحديد والصلب المصرية، أن الصادرات المصرية من الحديد والصلب تواجه تحديات تتعلق بضعف تنافسية المنتجات المصرية في السوق العالمي لعدة أسباب، على رأسها ارتفاع تكلفة الطاقة بشدة قياسًا للمنتجات المنافسة. 

وتقول جمعية الحديد والصلب على موقعها الرسمي إن «أسعار توريد الكهرباء لمصانع الحديد والصلب هي الأعلى مقارنة بدول المنطقة المنتجة للصلب. حيث يبلغ سعر توريد الكيلو وات/ساعة في مصر نحو 6 سنت/يورو ، بينما 2.4 سنت/يورو بالاتحاد الأوروبي في منتصف عام 2020 [و] يتم محاسبة صناعة الحديد والصلب في مصر بسعر 4.5 دولار أمريكي للمليون وحدة حرارية بريطانية، وهو ما يمثل أكثر من ضعف سعر توريده للصناعة في كل من أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، والبالغ 1.4 و1.8 دولار أمريكي للمليون وحدة حرارية بريطانية على التوالي»

كما تشير المهدي إلى ضعف النمو العالمي كعائق أمام نمو الصادرات المصرية من منتجات الحديد والصلب المصرية، بما يعنيه من تأثير على الطلب على الحديد والصلب عالميًا. 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن