في كل مرة يُثار فيها الحديث عن الخبز المدعم، وما يؤثر فيه من قمح ودقيق وعوامل أخرى، نسمع كثيرًا عن استخراج الدقيق ونسبه المختلفة.
آخر هذه المناسبات جاءت بعدما أعلن الرئيس عبدالفتاح السيسي في أغسطس الماضي عن نية حكومته رفع أسعار الخبز المدعم، والذي يستفيد منه نحو 72 مليون مواطن، للمرة الأولى منذ نحو 33 عامًا. «جه الوقت أن رغيف العيش أبو 5 قروش يزيد ثمنه»، بحسب تعبيره.
وبينما لم تعلن الحكومة حتى الآن عن قيمة الزيادة في سعر رغيف الخبز أو موعد تطبيقها، تنوعت التكهنات والاقتراحات في ما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة لتطبيق هذه الزيادة. وجاء إعلان السيسي مدفوعًا بزيادة بند دعم الخبز في الموازنة العامة، ليصل إلى 45 مليار جنيه. وفي الوقت الحالي، تبلغ تكلفة إنتاج رغيف الخبز 65 قرشًا، يتحمل المواطن خمسة قروش منهم، بينما يغطي الدعم الباقي.
وخلال الأشهر الماضية، تردد الحديث مرارًا عما يسمى «استخراج الدقيق». شعبة المخابز في الاتحاد العام للغرف التجارية أرسلت إلى وزارة التموين مقترحها لسيناريو رفع سعر الخبز المدعم، والذي تضمن رفع سعر الرغيف من خمسة إلى 25 قرشًا، وخفض حصة الفرد من خمسة أرغفة إلى ثلاثة فقط. وفي المقابل، يُرفع وزنه من 90 إلى 150 جرامًا، ويُستبدل الدقيق المستخدم حاليًا «استخراج 82%» إلى دقيق «استخراج 76%»، وهو «الدقيق الفاخر المستخدم فى المخابز السياحى» بحسب وصف المقترح.
ما هو إذًا استخراج القمح؟ وأي فارق يصنعه في الخبز؟ وهل يعني خفض نسبة الاستخراج تحسينًا حقيقيًا في جودة الخبز؟

يصنع الخبز عادة من دقيق القمح لاحتوائه على بروتين الجلوتين، وهو البروتين الرئيسي في القمح. يشكل الجلوتين شبكة قابلة للانتفاخ تشبه شبكة العنكبوت. هذه المادة وكما اشتق اسمها من «Glue» أو الصمغ، فهي مادة مرنة تؤمن تمدد شبكة الجلوتين بدرجة كافية تحت تأثير ضغط غازات التخمر خلال مرحلة الخبيز لترفع الفجوة بين وجهي القمح دون أن تتمزق، وهو ما نطلق عليه «النفش».
يعلو نبات القمح سنابل طويلة، تحتوي كل منها على عدة حبوب تطحن لاستخراج الدقيق منها. تتكون حبة القمح من ثلاثة أجزاء رئيسية: طبقة الغلاف الخارجية (النُخالة أو الردّة) وتمثل حوالي 14.5% من حجم حبة القمح، والجنين الذي يمثل 2.5% من حبوب القمح، والإندوسبرم الذي يحتوي على النشا والبروتين، وهو الجزء الأكبر في حبة القمح ويمثل 83% من حجمها.
بشكل مبسط جدًا، تشبه حبة القمح فاكهة المانجو، حيث يكون لحم المانجو النسبة الأكبر من حجمها. لاستخراج الدقيق، سيتوجب على «المطاحن» تقشير المانجو وفصل القشرة عن اللحم، وكذلك إبعاد البذور. العصير الأصفر الصافي في هذه الحالة هو ما يمثل الدقيق الأبيض المستخرج من القمح. هذا هو ما يُعرف باستخراج الدقيق: استخلاص الدقيق من حبة القمح.

هذا هو الغرض من عملية طحن القمح: فصل أكبر قدر من النخالة والجنين عن الإندوسبيرم، ثم تنعيم الإندوسبيرم، ليتحول إلى دقيق. تطورت عملية الطحن اليدوي للحبوب باستخدام «الهون» والمدقات إلى مطاحن يدوية، ثم انتشرت المطاحن الآلية التي تطورت باستمرار.
في شكلها الحالي، تبدأ عملية الطحن بتفريغ حبوب القمح في أحواض مخروطية الشكل تُغطى بشبك معدني لحجز الشوائب، ثم تسحب الحبوب لتنظيفها على مرحلتين أساسيتين؛ الأولى يصفى فيها القمح من الشوائب الواضحة الخفيفة والثقيلة، ثم يشطف القمح وتُطرد الشوائب العالقة. يأتي بعد ذلك «الترطيب»، حين تضاف مياه إلى القمح، والتي تسمح بنمو حجم القشرة، ليتم نخلها وتباع كـ«ردة» بشكل منفصل كعلف للحيوانات. بينما تطحن الحبوب نفسها بعدها بحوالي ثلاثة أيام، لتتحول إلى دقيق، بنسب استخراج تختلف وفقًا للاستخدام.
لإنتاج الدقيق الأبيض المتجانس المستخدم في المنازل ومعظم المخابز السياحية، على سبيل المثال، تنتج المطاحن الدقيق من الجزء الداخلي الأبيض (الإندوسبيرم) وتتخلص من باقي مكونات الحبة. إتمام تلك العملية الدقيقة بكفاءة مطلقة يعني استخراج 83% تقريبًا دقيق من حبوب القمح (أي إجمالي الإندوسبرم بالنسبة لحجم الحبة).
هذه هي الحالة المثالية لكنها مستحيلة بشكل عملي حتى بالنسبة لأكثر المطاحن تقدمًا وأعلاها تكلفة. ما يحدث عند محاولة استخراج الإندوسبرم هو أن يختلط به بعض المكونات الأخرى مثل الردّة أو الجنين. لهذا، حين تسعى المطاحن إلى التخلص من الردّة أو الجنين بشكل كامل، تضطر للتضحية معها ببعض الإندوسبرم كذلك. وبالتالي تنخفض النسبة الإجمالية لما نحصل عليه من دقيق بالنسبة إلى كمية القمح التي تدخل فيها.
للتحايل على ما يختلط من الردة والجنين، تستخدم المطاحن آلات ومناخل تخفض نسبة الاستخراج لتصل إلى 72%، ما يعني كذلك التخلص من جزء من الإندوسبرم نفسه. هذا هو ما يوصف بالدقيق الفاخر: دقيق تخلص من كل ما يعتبره الخطاب العام «شوائب»، لنحصل عليه في صورته «الأنقى»، دقيق شديد البياض. لكن هذا ليس حقيقيًا. وبالتالي، فإن الحديث عن خفض نسبة «استخراج الدقيق» في العيش المدعوم بدعوى «تحسين جودته» يعتبر في أحسن الحالات تجاهلًا للواقع.
بدأ دعم الخبز من قبل الحكومة في مصر من 1941 خلال الحرب العالمية الثانية. منذ ذلك الحين،ارتفع سعر الخبز ثلاث مرات فقط. دُفعت الحكومة المنهكة اقتصاديًا من حرب 1973 لمحاولة خفض مستوى الإنفاق العام. لكن آلاف المتظاهرين خرجوا اعتراضًا على خطة تقشفية للحكومة ترفع الدعم عن بعض السلع من بينها الخبز، ما اضطر الرئيس الأسبق أنور السادات للتراجع عن القرار بعد يومين. ارتفع لاحقًا سعر الخبز من نصف قرش إلى قرش في 1980.
استمر دعم الخبز بأنواعه يتغذى على ميزانية الدولة، حتى عمل خليفة السادات، الرئيس الأسبق حسني مبارك، على زيادة سعر الخبز البلدي، والشامي، والفينو من قرش واحد إلى قرشين للرغيف في عام 1984، ثم مرة أخرى عام 1988 إلى خمسة قروش. في الوقت نفسه، خفض وزن الرغيف من 160 جرامًا في عام 1984 إلى 130 جرام في عام 1991. وفي عام 1992، أُلغي دعم الفينو، تبعه إلغاء دعم العيش الشامي في 1996، وتُرك فقط دعم الخبز البلدي، كأحد المقدسات التي قاومت أي تغييرات في سعره أو نقصه باعتراضات واحتجاجات. وظل سعر الخبز ثابتًا حتى الآن، رغم تغير وزنه أكثر من مرة، ليصل إلى 90 جرامًا في النهاية.

برنامج الدعم هذا جعل مصر أكبر مستورد للقمح في العالم. تنتج مصر 8-9 ملايين طن قمح سنويًا، وتستهلك 18 مليون طن تذهب للخبز بشكل أساسي.
هناك نوعان أساسيان لرغيف الخبز المدعم، وفقًا لرئيس الشعبة العامة للمخابز بغرفة القاهرة التجارية، عبد الله غراب. أولهما وأكثرهما انتشارًا اسمه «ماو». في هذا النوع، يوضع الخبز داخل الطاولات على «ردة» لمنع التصاقه بها قبل إدخاله الفرن. ويصنع هذا الخبز في معظم المحافظات، ما عدا بعض المحافظات الساحلية مثل الإسكندرية والدقهلية وكفر الشيخ ومدن القنال.
أما النوع الآخر اسمه «مجري» ويصنع في المحافظات التي لا يتواجد بها «الماو». يختلف هذا الخبز عن الآخر بأن لباباته (الجزء الداخلي للخبز) أصغر، كما يوضع تحته في الطوالات قبل دخول الفرن دقيق أبيض، بدلًا من الردة. اختلاف أنواع الخبز يرجع لذوق المستهلك، بحسب غراب. ووحدت وزارة التموين، العام الماضي، أوزان وأقطار كل انواع العيش المدعم.
وفقًا لمواصفات رغيف العيش الحالية التي وضعتها وزارة التموين، يصنع الخبز حاليًا من دقيق استخراج 82%، ما يعني وجود نسبة من جنين القمح والقشرة الخارجية لصعوبة فصلهما عن الإندوسبرم دون زيادة في التكاليف. يعني هذا أن «كل 100 كيلو قمح بيخرّج 82 كيلو دقيق»، كما يشرح وليد دياب، رئيس شعبة المطاحن السابق. الـ18% المتبقية فتكون من الردّة بشكل أساسي.
المقترحات الحالية لتحسين جودة الرغيف تعني إذًا خفضت نسبة استخراج الدقيق من القمح إلى 76%، وهو ما يعني استخراج كمية دقيق أقل من نفس كمية القمح، بمعايير المخابز، وفقًا لأشرف أبو شادي، خباز بالقاهرة.
لكن هذا المقترح قد يتسبب في عدة مشاكل أخرى. أولًا، يتنافى هذا مع الهدف من تخفيض الدعم على الخبز، لأنه سيرفع استهلاك القمح 6% أكثر لإنتاج نفس الكمية لأن كمية الدقيق التي تُنتج من كل طن قمح ستنخفض. بحسب دياب، يعني هذا زيادة إجمالية تصل إلى حوالي ثلاثة مليار جنيه سنويًا لإنتاج نفس كمية الخبز المنتجة حاليًا.
وبعيدًا عن رفع تكلفة إنتاج الخبز المدعم، فإن هذا الدقيق «الفاخر» الذي تطمح له شعبة المخابز لا يعني سوى تحسن شكلي فقط في شكل الرغيف، لكنه أقل فائدة غذائية من الدقيق الحالي.
كانت صناعة الخبز تقليدًا منزليًا، حتى بعد انتشار إنشاء أسواق الخبز في عهد العثمانيين. ومنذ القرن السادس عشر كان لدى الخبازين ما يعادل نقابتهم الخاصة. ومع ذلك، استمر خبز الخبز في المنزل حتى القرن الماضي.
مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ارتبط العيش اﻷبيض بالطبقات اﻷكثر ثراءً وشكّل العيش اﻷبيض مكونًا أساسيًا في خيالات الصعود الطبقي، كما في غيرها من الدول، «التاريخ الفرنسي كله بشكل ما هو قصة 90% من السكان يأكلون عيشًا داكنًا من الذرة أو الشعير أو الشوفان، يسعون إلى تقليد البرجوازية والارستقراطية عبر الارتقاء إلى قمح [أكثر] وأبيض [أكثر]» بحسب وصف ستيفن كابلان، أستاذ التاريخ اﻷوروبي بجامعة كورنل. ورفع التطور التكنولوجي الذي شهده القرن التاسع عشر من جودة الطحن بشكل عام. وأتاح هذا للطبقات اﻷكثر فقرًا التمتع بما يتمتع به اﻷغنياء، على اﻷقل بين حين وآخر.
لكن العيش الأبيض أو فاتح اللون لا يعني بالضرورة جودة أحسن. على العكس، وكما يشرح دياب، تُفقد عملية طحن الدقيق بالضرورة القمح جزءًا من قيمته الغذائية. فضلًا عن أن انخفاض نسبة الاستخراج يعني الاستغناء عن مكونات أكثر في حبة القمح خلال الطحن، وذلك بعد إزالة القشرة المحتوية على الألياف والحديد والكالسيوم وجنين القمح الذي يحتوي على فيتامين «هـ» و«ب» يتبقى الدقيق الأبيض، وهو الذي يحتوي على الجلوتين وتقريبًا كل النشا الموجود في الحبَّة، ما يفقده معظم عناصره الغذائية، ويرفع فرص الإصابة بالسمنة، دون فوائد صحية تذكر تقريبًا.
وفي المقابل، كلما احتفظنا بجزء من حبة القمح، كلما أضيفت معادن وفيتامينات أكثر. لذا تتجه دول أخرى لإضافة معادن وفيتامينات إلى الخبز الأبيض لتعويض الفاقد، وهو ما لا تفعله وزارة التموين المصرية، وفقًا لغراب.
تقارير ذات صلة
«الكشري».. الثمن الخفي للسيادة الغذائية المسلوبة
وجبة تعكس علاقة مصر بأرضها وسكانها وواقع الاستعمار الاقتصادي الذي أعاد تشكيل مائدتنا
ماذا تفعل الدولة بين مطرقة التضخم وسندان انخفاض النقد الأجنبي؟
تظل مرونة سعر الصرف هدفًا مستمرًا للحكومة في محاولة للحفاظ على الاستثمارات الأجنبية
الخبز: «دوبلير» الطعام وقت الأزمة
قللت الحكومة، في الفترة ما بين عامي 2014 و2020 وزن رغيف الخبز المُدعم بما يقارب الثلث
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن