ما خفي أعظم
#جو عام
يمنح الفن الجيد خلودًا لما يشتبك معه، يعبّر عن القلق المعاصر ويحيله لمعنى يعبر الزمن. وفي هذا الديتوكس يعود إبراهيم عبد المجيد، مُستعينًا بقراءة التاريخ والخيال معًا، للحظة يتخيل فيها نشأة الفن، ويكتب سردية تربط بين أسباب هذه النشأة واكتشاف قدرة الفن على منح الخلود، وهي قدرة وظفته في مهام غير جميلة مثل تخليد الطغاة قديمًا بالتفخيم والمبالغة والتعظيم.. لنترك أنفسنا قليلًا لخيال عبد المجيد، ونعيد الفن لأصله بالقراءة.
#قراءة
من أين جاءت الفنون؟ هل كان الإنسان القديم منذ ثلاثين ألف سنة لديه الوقت ليخلو بنفسه ويرسم باستمتاع شيئًا جميلًا؟ لم تكن حياة الإنسان القديم سهلة. الطبيعة حوله غادرة. إذا وُجد في أماكن الجليد لا يستقر الجليد طول العام، ويسيل هادرًا كاسحًا كل شيء، والإنسان أضعف الموجودات. إذا كان في منطقة نهرية لا تستقر الأنهار، ويحدث أن تفيض أيضًا كاسحة كل شيء. وطبعًا إذا كان قريبًا من البراكين يا ويله، فضلًا عن التغيّر الذي يحدث في المكان، فتظهر جُزر وتختفي أراض، وتتمدد الأنهار والبحار أو تنحسر وهكذا.
الإنسان نفسه لم يكن مُستقرًا. عرف الصيد قبل معرفته بالزراعة والاستقرار. ومع الصيد تنقل بين الغابات والجبال، لا يدفعه حب الصيد، لكن حب الحياة التي لا تستمر إلا بالطعام. حتى بعد أن تطورت أدوات صيده وصارت نبالًا ورماحًا، وليست مجرد حجارة، لم يكن يستقر. كان يمشي في الغابات والصحاري يبحث عن صيد، ويبيت ليلته في أي مغارة خوفًا من الوحوش نفسها. يأتي الليل فتأتي معه المخاوف من الظلام وما حوله، فتكون المغارة ملاذًا له، وسعيد الحظ مَن كان يعثر عليها أو يجدها في طريقه. حتى وقت قريب تُكتشف مغارات بها رسوم ونقوش مضت عليها آلاف السنين. كان مع الليل ينام، وفي النوم يحلم أحلامًا سببها الخوف أو الأمل. وجد أن من الجميل إمساك هذه الأحلام فيرسمها كنوع من السحر الذي لم يكن يعرف عنه شيئًا. شعور عادي جدًا وهو أنك تبعد خصومك عنك حين ترسمهم. وفيما بعد تطورت إلى إمساك شيء من أثرهم، أو ما نسميه في السحر «هات حتة من أتره» بمعنى أثره. الساحر يطلب ممَن يذهب إليه أن يأتي له بشيء مِن أثر مَن يريد أن يفك سحره أو يسحره فلا فرق. قد تكون هذه القطعة قماشية مثلًا بعد أن عرف الإنسان القماش. كان الفن -الرسم- قبل السحر نوعًا من الأثر، وأي دراسة لما خلّفه الإنسان القديم في الكهوف والمغارات ستربك دارسها لأن الكثير من هذه الرسوم غير مفهوم، وليس من الضروري أن يكون لها معنىً واضحًا. كل ما تميزت به هو التلقائية التي أظهرت تكوينات فنية سبقت السيريالية والتكعيبية اللتين هما أغرب المدارس الفنية. لم يكن ذلك تسلية فيرسمه خارج الكهوف لكن كان خوفًا وأحلامًا، وما أشكال الحيوانات المشوهة إلا أملًا في ابتعادها عنه، ويظل لهذا كله علاقة بالسحر، فالإنسان هنا يبعد عنه أعداءه أو يتقي شرهم، ومن هنا جاءت الأديان. من السحر والأحلام وصل الإنسان البدائي إلى أنه حين يعبد طائرًا جميلًا سيساعده، وحين يعبد تمساحًا قاتلًا سيبعد عنه شره، واذا عبد جبل النار أو النار سيفوز بالنجاة، وهكذا صارت الفنون البدائية هي الصفحات الأولى لظهور الأديان.
***
خرجت الفنون من المغارات إلى الحياة بعد أن شاعت الأديان وحياة الاستقرار، فبُنيت المعابد. وظل الآلهة يحملون أشكالًا أسطورية هي التي أعطاها الإنسان لهم في مرحلة التشخيص الطفولية في العقل البشري قبل أن يصل إلى التجريد بالديانات التوحيدية. الفن -الرسم والنحت- لصيق بالأديان، للإله جسم إنسان مثلًا ، لكن الرأس رأس كبش، مثل خنوم، إله الفخار في مصر القديمة، خالق البشر من طين صلصال، أو رأس طائر كما في حالة حورس الذي له رأس صقر، أو في حالة العجل أبيس الذي كان يحمل في جبهته قرص الشمس. بُنيت المعابد وتعددت الديانات بحرية، تعدد غير قائم على الفكر، بل المشاعر تجاه الإله الذي ابتدعه الإنسان. لم نعرف في التاريخ القديم كله حروبًا قامت بسبب الدين. حين احتل اليونانيون مصر مثلًا ظهرت آلهة جديدة تجمع بين الآلهة المصرية واليونانية مثل سيرابيس الذي جمع بين أوزوريس والعجل أبيس، لكن أعطوه وجه زيوس اليوناني. ومع التوحيد اختلف الأمر، أصحاب الديانات القديمة قاوموا التوحيد واضطهدوا أهله، وبعد أن استقرت الديانات التوحيدية صار النزاع بينها، وتطور حتى وصل إلى نزاع بين المذاهب الدينية. الحروب الصليبية مثلًا كانت بين أوروبا المسيحية والعرب المسلمين. لكن في أوروبا نفسها قامت حروب بين الكاثوليك والبروتستانت، وفي العالم الإسلامي بين السنّة والشيعة. ليس هذا عيبًا في التوحيد، لكن عيبًا في رجاله ومعتنقيه.
ليس هذا موضوعي هنا. نعود إلى الفن فنقول بُنيت المعابد القديمة، وهنا ظهر البناة من الفنانين. تستطيع أن تقول المهندسين بلغة العصر إذا أردت، لكنهم الفنانون. انتقل الفن من الرسم الناتج من الخوف والأحلام إلى العمارة والبناء. أول مظاهر المعابد القديمة أن تكون عابرة للزمن. بناء قوي في فراغ كبير وليس بين البيوت، الذهاب إليه رحلة على الأقدام أو الخيل مما يعني إرادة. المسلات مثلًا في مصر والأهرامات ترتفع إلى السماء. تنتهي مثلثة عند نقطة تجعل رحلة صعود الروح سهلة إلى يوم البعث، أو الخروج إلى النهار. صارت المعابد من أحجار تصمد للزمن، يمر عليها وتبقي هي. أخذت أشكال العمارة أيضًا من الاعتقاد. صارت المعابد ومقابر الحكام، ودون الدخول في التفاصيل المعمارية الكثيرة جدًا، رمزًا لتحدي الزمن. حتى تماثيل الملوك المصريين القدامى تراها عريضة المنكبين قوية الصدر شامخة الرأس تطل إلى بعيد كأنها تتجاوز الزمن، فهم آلهة أو أبناء آلهة. على العكس من التماثيل والرسوم اليونانية والرومانية، فالآلهة هناك ليست بعيدة عن الناس في حروبهم ومؤامراتهم وقصص حبهم، لذلك تجد صورهم وتماثيلهم تحمل أجسادًا ووجوهًا بشرية. لكن السؤال هل كان الحكام الذين فعلوا ذلك ليخلدوا عبر الزمان عادلين؟ حقًا في مصر القديمة لم نسمع بحاكم قام بمذبحة لشعبه حتي يتولي الحكم. فضلًا عن الفكر السائد أن الحاكم إله أو من نسل الآلهة فعبادته قبل طاعته، وهو الفكر الذي أنتجته الطبيعة المصرية التي كان النيل هو صانع وجودها، ومن ثم كان الحكم مركزيًا، هكذا هي المجتمعات النهرية في كل الدنيا، فلا بد من دولة وحاكم يسيطر على النهر، ولكن هذا لم يمنع الظلم. وتستطيع أن تعود إلى حكاية الفلاح الفصيح كدليل على ذلك، أو بعض الثورات القليلة. المهم أن هؤلاء الحكام بحثوا عن الخلود في التاريخ فوجدوه في عمارة المعابد، وما نُقش على جدرانها وأعمدتها وسقوفها من رسوم وحكايات. صار الفن طريقهم للخلود. ومشي هذا في كل الأمم. في بلادنا تستطيع أن تأخذ جولة بالقاهرة القديمة لترى الأبواب التي كانت تحيط بها، والتي أقامها حكام يريدون بهذه الأسوار حمايتها، فسترى أنها زاخرة بالنقوش والفن. أبواب مثل زويلة أو الفتوح. ويمكن أن ترى المساجد التي تحمل أسماء أمراء وحكام، مثل جوامع عمرو بن العاص أو الحاكم بأمر الله أو الأقمر أو قلاوون أو ابن طولون أو المؤيد شيخ أو الظاهر برقوق أو محمد علي بالقلعة وغيرها كثير. كذلك الأسبلة مثل سبيل عبد الرحمن كتخدا، أو المدارس مثل المدرسة الكاملية، أو القصور مثل بشتاك أو الوكالات مثل الغوري. هل حين تقف في مكان منها تتذكر ما ارتكبه أي مَن بناة هذه التحف الفنية من آثام، وهل عاش سليمًا وترك الحكم بإرادته، أم قُتل من حاكم جديد بني بدوره مسجدًا أو سبيلًا أو مدرسة؟ تفتنك العمارة بتكويناتها من قباب وأشكالها الكروية أو المخروطية وزينتها بالأحرف والألوان، والأعمدة التي تحمل البناء والأقواس الممتدة بينها، والمشربيات والسواتر في القصور، وغير ذلك مثل الشرفات على أبواب وأسوار المدينة التي كان يقصد الدفاع منها عن تلك المدينة، وهي غير شرفات البيوت التي تخفيها عن المُشاهد المشربيات الخشبية، أو تشكيلات جمالية مثل المقرنصات، وغير ذلك كثير من عناصر الجمال في العمارة الإسلامية ليس أقلها الخط الذي تُنقَش به الأحاديث أو الآيات القرآنية. ودون تفصيل في هذه العمارة التي بدأت مع العصر الأموي وتطورت بما دخل عليها من تأثيرات فارسية أو عثمانية فما الذي كان يبغيه منشؤها المشغولين بالحكم. هل كانت تعود على الناس وقتها بالخير؟ هل تعرف عدد الناس الذين ماتوا بالطاعون أو الجوع أو الأوبئة في مصر مثلًا في عصور هؤلاء البناة. كادت مصر تتلاشى منذ دخلها العرب، وتتابعت عليها الأمم حتى وصلت السخرية في الحكايات أن سيف الدين قطز، وهو في الأصل ابن أمير من خوارزمشاه لكن بعد هزيمتهم أمام المغول بيع في الأسواق ليصل إلى دمشق، ولما كبر قال لمالكه إنه رأى نفسه في حلم يأتي إلى مصر ويحكمها، فسمح له مالكه أن يسافر إلى مصر وجاء وحكمها. وطبعًا الأمر كان غير ذلك؛ قطز كان قد كبر وصار مقاتلًا وبيع للملك الصالح نجم الدين أيوب، ووفد إلى مصر مملوكًا وحكاية طويلة حتى صار قائدًا للجيوش في مصر وحاكمًا. سواء كانت الحكاية حقيقية أم خرافة فهي تصور إلى أي حد كان المصريون مقهورين.
***
لم ينفرد المسلمون بذلك في مصر أو غيرها من البلاد التي احتلوها من الأندلس حتى حدود الهند. أعني بناء المساجد والقصور وغيرها مما يعبر التاريخ حاملًا اسم مَن بناه. الأمر نفسه حدث مع كل الحضارات الأخرى. اليونان وآثارهم حولك في مصر والعالم، والرومان كذلك. هل تعرف ما يُقال إن عمود السواري في الإسكندرية مثلًا أُقيم تخليدًا لدقلديانوس، الإمبراطور الروماني الذي أباد من المصريين ثمانين ألف في كل البلاد والذي كان طبعًا معاديًا للمسيحية التي جاءت إلى مصر، فأذاق المصريين سوء القتل والعذاب وعرف عصره بعصر الشهداء، ثم كُتب أن عمود السواري مُهدى إليه من الشعب المصري، هو الذي اعتبر الأقباط تاريخ توليه حكم روما سنة 284 ميلادية بداية للتاريخ القبطي حتى لا ينسون ما فعله. وليس اليونانيون والرومان فقط، فكل الآثار في أوروبا من معابد قديمة أو كنائس فيما بعد وغيرها جاءت من أزمنة وحكام لم يكن فيهم العادل إلا نسبة ضعيفة جدًا. كان زمن الحروب والغارات علي الدول المجاورة وتوسيع مساحة الدولة، وحين يحدث الاستقرار يأتي الفن طريقًا للخلود. هذا الفن الذي خرجت منه الأديان القديمة صار يرسم حكاياتها في بلاد تسمح بالتشخيص مثل أوروبا، فصارت الكنائس حافلة برسوم الخلق وقصص الإنجيل والتوراة التي بالمناسبة هي نفسها قصص القرآن فيما بعد، لكن شيوخنا وحكامنا لا يسمحون لنا بالتشخيص الفني وخاصة في بلاد المذهب السُنِّي. لم يتخل الحكام عن الفنانين لتخليدهم في الآثار أو بها، لكن على طول التاريخ الصراع قائم من الحكام الذين اختاروا رجال الدين ظهيرًا لهم، والمفكرين أو الشعراء الذين هم أيضًا ينتمون إلى طائفة المبدعين كالفنانين. هؤلاء الحكام الباحثون عن الخلود في الزمن قرروا ألا يتحرك العالم بعدهم فصاروا أعداء لكل فكر جديد. لم يكونوا وحدهم. كان يؤازرهم دائمًا كهنة أو شيوخ. تذكر حكاية الرومان مثلًا بسانت كاترين في الإسكندرية في بداية ظهور المسيحية، حين اعتنقتها الفتاة كاترين فربطوا جسدها إلى الخيل من يديها وقدميها وجرت الخيل فتمزقت أعضاؤها، ودُفن كل جزء في مكان. فيما بعد اعتنقت هيلانة أم قسطنطين الأكبر المسيحية واقنعت نجلها الإمبراطور اليوناني بهذه الديانة، ورأت في رؤيا أماكن جسد كاترين فجُمعت ودفنت في سيناء وأقيم لها الدير بعد ذلك في عصر الإمبراطور جاستينيان. كما فعل ذلك الأب كيرلس رئيس أساقفة الإسكندرية بهيباتيا الفيلسوفة وعالمة الرياضيات في مكتبة الاسكندرية التي ذاع صيتها فرأى فيها خطرًا على الدين الجديد، المسيحية، فحملها الدهماء إلى الكنيسة وخلعوا عنها ثيابها ونحت الأساقفة لحمها بقطع من المحار وامتلأت الكنيسة بدمها ورجموها بالحجارة ولم يُعثر لها على أثر. تستطيع أن تقرأ عنها الكثير من الحقيقة والخرافة لكن قتلها حقيقي، وبعدها هدم البابا كيرلس معبد سيرابيس بآلهته القديمة، وشهدت المدينة أكبر خروج منها من المفكرين والفلاسفة. استقر الأمر للدين الذين كان مضطهدًا من قبل كما يقول ول ديورانت في موسوعته «قصة الحضارة» في كتاب «عصر الإيمان».
***
جاءت العصور الوسطى الأوربية حاملة معها السجون والقتل لكل مخالف للفكر القديم مثل نيكولاس كوبرنيكوس الذي قال بدوران الأرض حول الشمس وخاف من نشر أبحاثه حيًا ونُشرت مع وفاته، وجاليليو جاليلي الذي تبنى أفكار كوبرنيكوس، لكنه تعرض للمحاكمة والسجن الذي خُفف إلى الإقامة الجبرية والتوقف عن الأبحاث. ومثل جيوردانو برونو رجل الدين والفيلسوف الذي اعتنق فكر كوبرنيكوس وجاليليو وحُرق حيًا في ميدان روما على يد رجال الدين والحاكم الذين كانوا في اتحاد. وحتى لو كان ما قيل بعد ذلك من أن حرقه لخلافات مذهبية دينية وليس بسبب العلم فليس هناك فرق.
أما العصور الإسلامية التي أيضًا كانت موازية للعصور الوسطى تاريخيًا، فقد شهدت عشرات الحالات لقتل المفكرين أو الشعراء أو حبسهم أو نفيهم.
يمكن أن تقرأ «موسوعة العذاب» للمفكر العراقي عبود الشالجي، وأتحداك أن تكمل قراءتها من فرط الأحداث التي فاقت الخيال في القتل والتعذيب، للحكام في بعضهم، ومن الحكام بناة المساجد التاريخية للكتّاب والشعراء والمتصوفة. يكفي أن تقرأ كيف رُبط ابن المقفع، مترجم «كليلة ودمنة»، في مقعد وقُطعت أجزاء من جسده، وأُلقيت في التنور أمامه، حتى يرى نفسه يحترق، أو تعرف ما حدث مع الحسين بن منصور الحلاج أو السهروردي، أو الشاعر بشار بن برد، أو المعتزلي الجعد بن درهم الذي ضحى به والي الكوفة في أول أيام عيد الأضحى ليكون أضحيته قائلًا فوق المنبر في المسجد: «أيها الناس ضحُّوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍّ بالجعد بن درهم؛ إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا» ثم نزل فذبحه في أصل المنبر.
وحتى لا يختلط الأمر على مَن لا يعرف الفكر المعتزلي فالمقصود بـ«لم يتخذ الله إبراهيم خليلًا»، هو أن الصداقة لم تكن بين جسدين، لكن كانت اصطفاءً من الله، فالله لا يمكن أن يكون مجسدًا. والأمر نفسه في «لم يُكلم موسى»، فالمعنى أُوحي إليه، لكن لم يكن هناك صوت يمكن أن يسمعه أحد لنفس السبب. المعتزلة ينزهون الله عن التجسد، ولم يفهمهم أعداؤهم من الحكام أو الشيوخ الأشاعرة. لن أطيل حتى لا أسبب لكم قلقًا، فما يهمني هو أن هؤلاء القتلة وغزاة البلاد المختلفة كانوا يبحثون عن الخلود بغزواتهم. ربما، بل لا بد، ولكن لأنهم يعرفون أنه سيأتي غيرهم يفعلون ما فعلوه، جعلوا العمارة في المعابد القديمة والمساجد والكنائس طريقًا للخلود. كيف وهم يستخدمون الفن، يعادون المبدعين والشعراء والصوفية مثلًا وهي تجليات روحية شأنها شأن الفن، ومعاداة العلم والفكر وهي تجليات العقل. الأمويون الذين بدأوا في بناء المساجد العظيمة ارتكب خلفاؤهم آثامًا كبيرة بقتل المخالفين في الرأي. الأمر نفسه بالنسبة للعباسيين. صار هذا طريقًا للحكم وظهيرهم الدائم رجال الدين. كنت دائمًا مقتنعًا بالتفسيرات القديمة لارتفاع المسلات والأهرام في الفضاء ولا زلت، وكيف تنتهي بمثلث ضيق يتيح انطلاق الأرواح إلى السماء حيث يوم الحساب، أو إشارة إلي الإله الذي سننتهي جميعًا إليه. لكني أيضًا اقتنعتُ بما كتبه الكاتب جمال أبو الحسن في كتابه الصادر منذ أسابيع بعنوان «300،000 عام من الخوف» من أن ذلك يعكس التراتبية في السلطة. فالقاعدة العريضة هي الشعب وتقل شيئًا فشيئًا في الارتفاع لقلة أعداد الطبقات الأكثر رفاهية، وتقترب دائمًا من النقطة الأخيرة التي لا يشغلها غير الحاكم الأوحد. التراتبية التي جعلت كل مسؤول حتى الآن في بلادنا يقول عن أي مشروع طبقًا لتعليمات فلان الذي هو فوقه في السلطة، بُني كذا وكذا. التراتبية التي وصلت لرؤيتي عام 2003 في زيارة لمنطقة عمود السواري دورة مياه عليها لوحة مكتوب فيها «في عهد حسني مبارك رئيس الجمهورية، والمحافظ عبد السلام المحجوب، تم إنشاء دورة المياه» ولا أعرف إذا كانت اللوحة الحجرية ظلت موجودة بعد ثورة يناير أم لا، فلم أذهب إلى هناك بعد هذه الزيارة.
***
التراتبية تفسير يبدو سياسيًا واجتماعيًا مقنعًا إلى درجة كبيرة خاصة حين تنظر حولك وترى أن جمال عبد الناصر مثلًا حين قرر بناء برج القاهرة نكاية في أمريكا التي يُقال إنها أعطته ستة ملايين جنيه ليبتعد عن مؤازرته لحرب التحرير الجزائرية فبني بها البرج، وهو الذي في عهده شهدت مصر أكبر عدد من المعتقلين من المفكرين والأدباء والفنانين. ارتفاع البرج كان خازوقًا لأمريكا كما قالوا عنه، لكنه تجسيد للسلطة التي تجلس فوق القمة. يقفز إليّ الأمر الآن وأنا أسمع عن بناء أكبر برج، وأكبر مسجد، وأكبر كنيسة، في وقت ضاقت فيه الحريات بينما الدنيا واسعة في مصر.
#وسلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن