تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
لِمَ الهوس بكوبريك؟

لِمَ الهوس بكوبريك؟

بمناسبة البرنامج الاحتفائي لسينما زاوية بأفلام ستانلي كوبريك.

كتابة: أحمد أبو الفضل 13 دقيقة قراءة
ستانلي كوبريك

هناك مخرجون لا يمكنك النظر لعملهم الفني والسينمائي، إلا مع أخذ السياق التاريخي في الحسبان، لأن ما قدموه مهد الطريق لأشكال أكثر تطورًا ونضجًا، وأصبح النظر إلى سبقهم التاريخي دربًا من دروب الدراسة والتأريخ، وربما النوستالجيا. في حالة ستانلي كوبريك (1928-1999) فالأمر مختلف قليلًا، فالسياق التاريخي لا يهم. فما قدمه في أفلامه -حتى هذه اللحظة- هو ناضج ومتطور، وقد يكون غير مسبوق، وقد يكون الأنضج والأكثر تطورًا على الإطلاق.

أفلام ملحمية، إنجازات تقنية وفنية، تنوع ما بين أفلام الحرب والكوميديا والخيال العلمي والحقب التاريخية، ظهور إعلامي نادر وشخصية منغلقة، إتقان وسبق وفلسفة وغموض، أفلام فنية للغاية، ولكنها تُعرض في السينمات وتنجح بدرجات متفاوتة، كل ذلك يكفل لأي مهتم بالسينما أن يقف قليلًا ويفكر ويتأمل، وقد يصبح الأمر هوسًا بالفعل بسهولة.

ذهبت إلى السينما ذات مرة لأشاهد فيلمًا لا أذكره الآن. كانت سينما نايل سيتي في حفل صباحي، القاعة فارغة تمامًا. كنت حينها مراهقًا سينمائيًا مجتهدًا أشاهد في اليوم فيلمين وثلاثة أفلام كشيء عادي يحدث كل يوم. كانت أنوار القاعة مضاءة، والتكييف البارد يزيد من عزلتي عن كل العالم. كنت أتهرب من المستشفى في سنوات الامتياز كطبيب متصابي متسيب يترك المستشفى ليذهب إلى السينما. كنت أفكر قبيل بدء الفقرة الإعلانية، في أكثر الأفلام التي أود مشاهدتها في السينما، وكان «أوديسا الفضاء» لكوبريك هو أكثر فيلم أود أن أشاهده على الشاشة الكبيرة. تاهت الفكرة قليلًا وسط ملل الانتظار، أظلمت القاعة أنوارها لتبدأ الفقرة الإعلانية، هكذا تكلم زاردشت! نعم، انطلقت موسيقى Also sprach Zarathustra من سماعات السينما وأنا غير مصدق، بكيت من المفاجأة وغمرتني مشاعر قوية للغاية وأنا أدرك بالتدريج أنني أشاهد إعلان شويبس الذي استخدم تلك الموسيقى الملحمية ببراءة تامة، لهذه الدرجة كوبريك موجود في كل شيء تشاهده اليوم، حتى إعلانات شويبس، والأفلام بطبيعة الحال، الفيديو كليب، المسلسلات، ألعاب الفيديو، في كل شيء يمكن أن تراه عينيك على شاشة، يمكنك أن تربط بينه وبين كوبريك بشكل أو بآخر في كثير من الأحيان.

من فيلم «أوديسا الفضاء»

وبما أنني عضو في نادي المعجبين بكوبريك، والمهووسين به أحيانًا، يصبح تناول سينما كوبريك في مقال واحد أمرًا عسيرًا بعض الشيء، وسط مئات وآلاف الكتب والمقالات التي كتبت وتكتب عنه. وسط هذا الإرث الغني من الموضوعات والتقنيات والأساليب والتأثيرات التي تصلح جميعًا كمدخل للكتابة عن أفلامه، وربما كان المدخل الأفضل لي هو الاشتباك مع أسلوبه السينمائي، والأدوات التي أعتقد أنها تميزه عن غيره، وكيف أدين لأفلامه بفهم بعض مكامن الجمال في السينما، وقدرتها على التعبير عن الأفكار والمشاعر والأسئلة.

السينمائيون مدينون لكوبريك بفهم الإيقاع والحركة

عادة ما ترتبط كلمة الإيقاع بالموسيقى، وفي السينما بالمونتاج. ولأن الصورة السينمائية جاءت بعد الصورة التشكيلية الثابتة، لم تنتبه السينما في البداية بشكل واضح لتأثير وجماليات الصورة المتحركة، ليس من خلال علاقتها بالدراما، ولكن بجمالياتها هي نفسها، وإيقاعها هي ذاتها كتقنية خالصة قبل أن تصبح حتى أداة للتعبير عن شيء.

الأمر له علاقة بتطور السينما كتقنية. الكاميرات الثقيلة لم تكن تسمح بأي حركة تقريبًا، وحتى عندما تحركت الكاميرا، لم تكن حركة سهلة، ولم تكن حركة واعية بذاتها وإمكانياتها الجمالية والتعبيرية، ولم يمتلك الإنسان قدرة  كبيرة على التحكم في هذه الحركة وتثبيتها وتطويعها. وغلب على المخرجين استخدام تلك الحركة بشكل وظيفي لمتابعة حدث أو الانتقال من مكان لآخر أو الاقتراب أو الابتعاد من ممثل لتحقيق تأثير درامي مرتبط بما يجري على الشاشة. ولو افترضنا أن حركة الكاميرا هي الفرشاة التي يرسم بها صانع الفيلم، فلم يكن بمقدور صانع الفيلم أن يحركها كما يشاء، وظلت حركة الكاميرا تتطور بالتدريج، إلى أن وصلت ربما إلى أوج ذلك التطور في نهاية السبعينيات مع اختراع الستيدي كام (جهاز تثبيت ميكانيكي يُستخدم لتثبيت حركة الكاميرا ومنعها من الاهتزاز لتحقيق لقطات متحركة ناعمة وطويلة بسهولة دون الحاجة إلى قضبان أو عجلات). ما فعله كوبريك هو أنه اكتشف أو أعاد اكتشاف تلك القدرات الكامنة لحركة الكاميرا في أفلامه، وصولًا إلى النموذج الأبرز وربما الأكثر نضجًا عندما وظف استخدام الستيدي كام في فيلم The Shining.

الاستيدي كام في The Shining

اختراع الستيدي كام مكّن صانع الفيلم أن يختار الحركة السينمائية ويتحكم فيها كما يشاء، أن يطوع الكاميرا لتصعد وتهبط وتنساب وتهتز وتثبت وتدور كيفما يريد. ومن هنا جاء الإدراك الثاني، أن للصورة المتحركة إيقاعًا خاصًا بها، كالطبول في الموسيقى والأوزان في الشعر، في داخل كل لقطة لا تحتوي على أي مونتاج، إيقاعًا خاصًا بها، هو حصيلة حركة العناصر داخل الكادر، حركة الكاميرا والصوت المصاحب لتلك الصورة المتحركة. 

إذا سألت أحدًا عن مخترع الستيدي كام، فهناك احتمالية لا بأس بها أن تكون الإجابة ستانلي كوبريك، وهي إجابة خاطئة وصحيحة في نفس الوقت.

الإجابة خاطئة لأن جاريت بروان اخترع الستيدي كام في 1974، ولم يكن فيلم كوبريك هو الأول الذي استخدم هذا الاختراع، سبقه إلى ذلك فيلما Bound for Glory  وRocky عام 1976. لكن ما فعله كوبريك هو اكتشاف الاختراع سينمائيًا، هو استخدامه بالفعل لأقصى احتمالاته الفنية السينمائية ولفت الانتباه إليه، ومن هنا جاء الخلط بين مخترع الستيدي كام والأب الروحي الحقيقي لها في السينما.

أو كما يقول جاريت بروان مخترع الستيدي كام بنفسه عن فيلم The Shining: «هذا هو الفيلم الذي تعلمت فيه حرفتي بالفعل».

في فيلم The Shining، نشاهد اللقطة الشهيرة للطفل يسير في ردهة الفندق، وتنساب الكاميرا معه، الباترن المميز على السجادة على الأرض يتآكل عند مقدمة الشاشة، والطفل ينساب ويتحرك داخل الممرات والمشاهِد ينساب معه في تجربة غامرة غير مسبوقة في السينما، هذا الإيقاع لم نكن لنعرفه لولا اختراع الستيدي كام، الأمر بهذه البساطة.

The shining

هذه اللقطة لا يمكن أن تحكيها لشخص آخر أو أن تضع صورة شارحة لها في مجلة أو مطبوعة سينمائية، ولا يمكن تبريرها «دراميًا» بالنظر إلى السيناريو فقط، ربما يمكنك الآن أن تعبر عنها في مقال فيديو على يوتيوب. لكن لسنوات طوال، وحتى الآن، قدّر الجمهور والنقاد الصورة الثابتة بكل الطرق، ولا يكاد أحد ينظر إلى اللقطة المتحركة السينمائية كعمل فني قائم بذاته داخل نسيج الفيلم.

يمكن تتبع تلك البصمة المتعلقة بحركة الكاميرا الناتجة عن استخدام الستيدي كام في أفلام كوبريك حتى التي سبقت شايننج، كما في لقطة الخندق الشهيرة في فيلم Paths of Glory التي يسير فيها كيرك دوجلاس في الخندق من منظور مشابه، ويظهر فيها بشكل واضح محاولة كوبريك لخلق تلك الحركة بالكاميرا بقدر ما كانت تسمح به التقنية في ذلك الوقت، واضطراره إلى القطع ما بين منظور كيرك دوجلاس ومنظور الجنود، لكن اللقطات ذاتها حملت الحمض النووي لصورة كوبريك السينمائية.

الاستماع إلى الصورة ومشاهدة الموسيقى

تخيل أنك تجلس في فرح، تستمع إلى مهرجان شعبي، لكن الحاضرين يرقصون سلو برومانسية. يا لها من غرابة، فالأذن والعين تتوقان دائمًا بشكل فطري إلى تحقيق انسجام منطقي وإيقاعي بين الحاستين، ذلك التوافق البصري السمعي، ظل يتطور في السينما بالتدريج. مرة أخرى، كانت التقنية عائقًا نحو تحقيق ذلك، فالسينما بدأت صامتة، وكانت إمكانيات المزامنة بين الصوت والصورة قاصرة وضعيفة. وحتى عندما بدأت السينما الناطقة، لم تكن الموسيقى التصويرية قد نضجت في صورتها التي نعرفها الآن. يظهر الأمر جليًا، على سبيل المثال، في الأفلام المصرية الأبيض والأسود التي كانت تستعين بتراكات موسيقى أجنبية في الأفلام، لكنك لا تكاد تذكر أي موسيقى منها بشكل خاص، كأنها ملء لفراغ ما، أو استخدام بسيط جدًا يشير إلى الحالة المزاجية للمشهد، مفاجأة، حزن، رومانسية، سعادة.. إلخ. ومن الأفلام المصرية أيضًا، يمكنك أن تميز في فيلم «المومياء» الاستخدام الغريب للموسيقى، تلك الموسيقى الجنائزية البطيئة الغريبة التي «تنسجم» في إيقاعها مع ما نشاهده من حركات الكاميرا والممثلين وتكوينات الصورة على الشاشة، لتخلق تأثيرًا مشابهًا للتأثير الذي قد تصادفه بكثرة في أفلام كوبريك، كأنه نوع من التنويم المغناطيسي.

إذا أردت أن تبحث عن المثال الأوضح على الإطلاق من أفلام كوبريك، فهو من فيلم «أوديسا الفضاء». الفيلم بالكامل تقريبًا مبني على إتقان الإيقاع بين الصورة والصوت (موسيقى ومؤثرات وجو عام وصمت) والاتساق بين ما تسمع وما ترى، موسيقى الدانوب الأزرق، كيف «يراها» كوبريك؟ أجسام فضائية تدور وتنساب في فضاء واسع، لا يبدو إنجازًا معقدًا لكن فكر قليلًا.. لم يكن ذلك مألوفًا في السينما على الإطلاق أن تشاهد مشهدًا بالكامل هو عبارة عن مقطوعة كلاسيكية، تشاهد عليها مركبات فضائية تدور، فقط، لا أفكار، لا فلسفة، لا دراما، لا شيء سوى ذلك الاتساق البصري السمعي (بالتأكيد يحمل المشهد بعدًا فلسفيًا له علاقة بتصوير الفيلم لإعجاز الآلة والتعبير عن تطور الإنسان لهذه الدرجة وعلاقة الموسيقى و«شياكتها» وطابعها الملكي لنقل ذلك الشعور بالتقدم والسموّ، لكن المقصد هنا هو أن نقل كل تلك المعاني أو الأفكار والمشاعر الذي عادة ما يتم من خلال الحوار أو الدراما، هو قائم هنا فقط على ذلك الاتساق السمعي البصري).

ولا يقتصر فهم كوبريك للإيقاع على تناغم الصوت والصورة فقط، وإنما يمتد -بشكل أعمق وأقل ظهورًا- إلى إدراكه لإيقاع اللقطة الواحدة، كما في مشهد المبارزة الشهير من فيلم Barry Lyndon وفي باقي الفيلم بشكل عام. في البداية، تعتقد أن اللقطات ثابتة من بطء حركة المكونات والممثلين داخلها، لكن بالتدريج تتحرك «اللوحة التشكيلية» ويتغير المنظور مع حركة الزووم المستخدمة بكثرة في الفيلم، وتبدأ في سماع صوت لتلك اللوحة التشكيلية، على موسيقى هاندل الإيقاعية، وأصوات العصافير والنهر والطبيعة، كأنه كونشيرتو متصاعد رويدًا رويدًا.

وبالعودة إلى مشهد «أوديسا الفضاء» الافتتاحي، ذلك التناغم بين شروق الشمس من فوق كوكب الأرض، مع موسيقى ريتشارد شتراوس، هكذا تكلم زارادشت، ذلك التصور لذلك المشهد هو الأول من نوعه، والأجمل حتى الآن، من شخص لم يصعد إلى الفضاء من قبل، ولم يشاهد محاكاة ثلاثية الأبعاد لهذا المشهد، لم يشاهد فيلمًا عن هذه الصورة، كوبريك هو الشخص الذي تصور وأعاد تركيب هذه الصورة لنشاهدها ونسمعها.

يتضح ذلك التناغم الإيقاعي السمعي البصري في كل أفلام كوبريك تقريبًا. وقد يكون مثال فيلم The Shining هنا هو أحد أوضح الأمثلة، لأنه اعتمد فيه على المؤثرات الصوتية وليس الموسيقى. في أحد اللقطات يسير الطفل الصغير بعربته على أرض صلبة يغطيها بعض قطع السجاد، وكلما مر الطفل على قطعة من السجاد أو الأرض الصلبة، يتغير شريط الصوت ليعبر عن السطح الذي يمر عليه، ليس الهدف هنا هو تحقيق «الواقعية»، ولكن تحقيق ذلك الانسجام المشابه للتنويم المغناطيسي، أن تستمتع بـ«السينما» من خلال ذلك التناغم البصري الصوتي، الكاميرا العائمة على ارتفاع بوصة واحدة من الأرض، تتابع طفل على دراجة في فندق معزول، وأصوات السجاد والأرض الصلبة المتقطعة تصدر ذلك الصوت الرتيب.

في فيلم Eyes Wide Shut كذلك، في مشهد الطائفة الشهير، ذوي المعاطف السوداء والأقنعة، لا يمكنك أن تتخيل المشهد دون الصوت الرتيب لدقات عصيهم، مجددًا، السينما كتنويم مغناطيسي، كتوافق سمعي وبصري، كلغة قائمة بذاتها ودراما دون نص أو حوار.

Eyes Wide Shut

إن الحديث عن فهم كوبريك للإيقاع والحركة ليس مجرد تقدير لحيلة أو تقنية برع فيها وأتقنها، وإنما هو مدخل لفهم الكيفية التي كان يعوّل كوبريك على التواصل بها مع الجمهور.

لا يوجد فيلم واحد لكوبريك لا يحتمل أن يحتوي على كم لا بأس به من الخطابات، أفلام مناهضة للحرب وأفلام فلسفية وخيال علمي وأفلام عن الحب والزواج، وكلها موضوعات يمكن أن تنزلق فيها بسهولة إلى الخطابة والجمل الصالحة للاقتباس وغيرها من الأشياء التي أفسدت العديد من الأفلام.

كان رهان كوبريك هو على مخاطبة اللاوعي، قد تبدو هذه عبارة مبتذلة قليلًا، لكنها -في اعتقادي- حقيقية ولها ما يبررها من أفلامه، أو كما يصف كوبريك بنفسه «إذا كان يمكنك أن تفكر فيها، أو أن تكتبها، فيمكن أن تصبح فيلمًا».

لعل هذا يفسر كيف تمكن كوبريك من صناعة أفلام ذات مواضيع مركبة ومفتوحة لكل ذلك النقاش والتأويل، وهي لا تحوي في داخلها إلا على القليل من الحوار، كأحد أبرز مظاهر التعبير عن الأفكار شيوعًا في الأفلام، وفي الحياة بشكل عام.

لكن خصوصية السينما لدى كوبريك هي قدرته على التعبير عن تلك الأفكار والفلسفة بالصور والأصوات، كتنويم مغناطيسي ينفذ إلى لاوعي المشاهد، لا ليخبره بالفكرة أو يناقشه فيها، بل «ليعبر» عنها ويصل بها إليه. 

لعل لهذا السبب فإن أفلام كوبريك من أكثر الأفلام التي «يا تحبها يا تكرهها»، لأن تلك اللعبة (لعبة النفاذ إلى اللاوعي) إذا نجحت فإنك ستخوض تجربة سينمائية غير مسبوقة، وإذا فشلت، فسيصبح الفيلم مستغلقًا مملًا. هذه اللعبة أيضًا هي التي ساهمت في كثير من الأحيان في حالة الهوس المحيطة بأفلام كوبريك، لأنها -حتى هذه اللحظة- تحمل تجربة مشاهدة فريدة قد لا تجدها في أفلام أخرى.

في محاضرات المونتاج في معهد السينما، جرت العادة على تعريف الإيقاع للقطة الواحدة وتحديد زمنها المناسب، بأنه الوقت اللازم لتوصيل معلومة معينة أو شعور معين، وهو تعريف شديد الصلة بالتصور الكلاسيكي للسينما كسيناريو ودراما قادمة من المسرح، لكن في حالة أفلام كوبريك، الذي يحدد طول اللقطة هو ما يعتقد كوبريك أنه مناسب للنفاذ إلى لاوعي المشاهد، إلى خلق ذلك التنويم المغناطيسي الذي يمكّنه من إنشاء هذه العلاقة بين المشاهد والفيلم.

لذلك فالأفلام ليست مشغولة على الإطلاق بالشرح. وبتبسيط مخلّ، يمكن القول إن الشرح والوضوح يعنيان التعامل مع ما ترى على مستوى واعي ومباشر ينتقص من لعبة اللاوعي، وهو ليس الهدف المنشود من الأفلام هنا. حتى أن آرثر سي كلارك، الذي شارك كوبريك كتابة النص لفيلم «أوديسا الفضاء» قال: «إذا فهمت الفيلم من المرة الأولى، فهذا يعني أننا فشلنا»، ليس لأن الغموض هو الهدف، ولكن لأن الوضوح الخطابي إن جاز التعبير قد يصلح لمقال أو كتاب، لكنه ليس نوع السينما التي يدور حولها فيلم مثل «أوديسا الفضاء».

بالتأكيد لا ينطبق ذلك الأسلوب على كل أفلام كوبريك، فيلم مثل «دكتور سترانجيلوف» على سبيل المثال لا يحمل الكثير من ذلك الأسلوب، ومختلف عن الأمثلة التي ذكرناها. فيلم كوميديا قاتمة عن الحرب الباردة وقدرة الإنسان على إفناء نفسه، الدعابات الذكية التي يحملها الفيلم أكثر مباشرةً في علاقتها بموضوع الفيلم عن كل الأمثلة السابقة، لكن هذه الكوميديا القاتمة في حد ذاتها ساهمت في أسطورة كوبريك وزيادة الهوس به، إذ كيف يمكن لنفس الشخص أن يصنع كل هذه الأفلام المتنوعة من حيث الموضوع والنوع والأسلوب، ويتقنها جميعًا.

مخاطرة النسخ والتأثر

هناك مقولة شهيرة يمكنك أن تسمعها في أروقة معاهد ومدارس السينما، إن أخطر شيء هو أن تحاول أن تحاكي ما فعله كوبريك، أن تحاول تقليده. السبب الواضح هو أن هناك الكثير ممن حاولوا فعل ذلك من قبل، وفشلوا في الأغلب. هذا بخلاف سؤال الأصالة وتعمد النسخ، لكن السبب الحقيقي، في رأيي مختلف تمامًا.

هل الصورة في أفلام كوبولا سيئة أو غير سينمائية؟ بالعكس، بل هي سينمائية للغاية، وكثيرون يعتبرون فيلم الأب الروحي هو ذروة تطور ونضوج السينما الكلاسيكية، لكن الصورة السينمائية في الأب الروحي هي أداة للتعبير عن الدراما، وهو أحد أبرز الملامح للسينما الكلاسيكية، أنها سينما مبنية على السرد والدراما، ما يجعلها تنويع على المسرح والرواية، ولكن من خلال الصورة المتحركة.

هل سمعت يومًا عن أحد المهتمين بأفلام كوبريك يتحدث عن جمال السيناريو مثلًا أو تماسكه؟

الأمر بسيط، كوبريك لا يستخدم الصورة ليعبر عن الدراما، الصورة ذاتها هي الدراما، الصورة تحمل الصراع والحبكة والحوار، وهذا ليس تعبيرًا بلاغيًا أو مجازًا حالمًا، بل يمكن ملاحظته في أفلامه، الصورة ليست أداة، الصورة المتحركة هي الشيء ذاته.

أي لقطة «جميلة» أو «سينمائية» من فيلم الأب الروحي لا يمكن فصلها عن سياق الحدث والشخصية بل والحوار أحيانًا، الدراما والصورة معًا صنعا ذلك الفيلم، لكن في أفلام كوبريك، يصبح الأمر مختلفًا، حيث يمكن لتدفق الصور والأصوات ذاته أن يحمل الدراما والمعاني والمشاعر والأفكار، وقد يبدو كلامًا سهل التنفيذ، لكن في الحقيقة لكي يحدث ذلك، فالأمر يتطلب قدرًا هائلًا من الإتقان والإبداع في ابتكار الأشكال والحركات والتكوينات التي يمكنها أن تُحدث ذلك التأثير، أو ما يمكن أن نسميه Wow effect، لأنك تشاهد وتسمع ما لم تختبره حواسك من قبل، بذلك الإيقاع والتناغم  والتكوينات غير المعتادة، وإذا كان تقليديًا أو شعرت بأنك قد شاهدت ذلك من قبل، فلن تنجح تلك الحيلة، وسريعًا ما ستفقد اهتمامك بما تشاهده.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن