«ليه مش ببلاش للجميع؟».. ما نعرفه عن أزمة تمويل لقاح «كورونا»
في بث حيّ٬ انطلقت يوم 24 يناير الجاري حملة تلقيح أفراد الأطقم الطبية ضد فيروس كورونا من مستشفى «أبو خليفة» للعزل بمحافظة الإسماعيلية، بحصول طبيب وممرض بالمستشفى على الجرعة اﻷولى من لقاح «سينوفارم» الصيني.
اشتمل البث على مؤتمر صحفي لوزير الصحة هالة زايد، قالت فيه إن عملية تلقيح اﻷطقم الطبية المُتعاملة مع مرضى «كورونا» في المستشفيات الحكومية، والتابعة للجيش والشرطة، ستبدأ في اليوم التالي٬ يتبعها منح اللقاح للأطقم الطبية المتعاملة مع باقي المرضى، ثم بعد ذلك إعطاء اللقاح لكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة والمناعية، يليهم أصحاب الأمراض المزمنة فوق 45 عامًا، وأخيرًا، باقي فئات الشعب.
وبحسب الوزيرة، سيكون اللقاح مجانيًا للأطقم الطبية، أما باقي الفئات، فسوف يُحدد مصيرها عبر نظام تسجيل إلكتروني بالرقم القومي، والذي يقسم المواطنين إلى «قادرين» و«غير قادرين»، مُشيرة إلى أن الأوائل سيدفعون مقابلًا -وصفته بالبسيط- للقاح. ثم أعلنت أن تكلفة الجرعة الواحدة ستكون 100 جنيه على أقصى تقدير.
ولكن المشكلة تكمن في أنه لا توجد موارد مالية مخصصة فعليًا لشراء كميات كبيرة من اللقاحات تسمح بتغطية عدد كبير من المواطنين، وتحديدًا من موازنة الدولة، بحسب مصدر طبي يعمل في أحد القطاعات الطبية الرسمية، بالإضافة إلى مصادر طبية وحكومية أخرى تحدثت خلال الأسابيع القليلة الماضية لـ «مدى مصر».
«رغم الزيادة الكبيرة في مخصصات وزارة الصحة هذا العام، فمن غير الممكن عمليًا الإنفاق على شراء اللقاح من موازنة وزارة الصحة» يقول لـ «مدى مصر» أيمن أبو العلا٬ النائب في البرلمان الحالي وعضو لجنة الصحة في مجلس النواب السابق الذي ساهم في تمرير موازنة الصحة في العام المالي الحالي، موضحًا أن «موازنة الصحة في صورتها الحالية يمكن بالكاد أن تغطي الاحتياجات الأساسية الأخرى المتعلقة بمكافحة تفشّي كورونا من قبيل إصلاح المستشفيات مثلًا».
تبلغ موازنة «الصحة» 93 مليار جنيه تقريبًا في 2020/2021 بزيادة قيمتها حوالي 20 مليار جنيه عما حصل عليه قطاع «الصحة» العام الماضي، وهي زيادة كبيرة نسبيًا تمثّل 28% تقريبًا٬ وإن كانت هذه الزيادة لا تلبي الاستحقاق الدستوري للإنفاق على الصحة والذي ينصّ على أن تكون قيمته 3% من الناتج المحلي الإجمالي.
«في واقع الأمر، فإن موازنة (الصحة) كما ناقشناها تضمنت إجمالي أربعة مليارات جنيه تقريبًا مُخصصة للإنفاق الإضافي المتعلق بمواجهة تفشّي كورونا طلبنا [أعضاء لجنة الصحة] إضافتها إلى الموازنة المقترحة من قِبل وزارة الصحة، ولم يكن من ضمنها أي مخصصات للإنفاق على شراء اللقاح لأن الموازنة أُقرّت في منتصف العام الماضي [2020] قبل أن يبدأ أي حديث جدي عن تصنيع اللقاحات أصلًا، ناهيك عن استيرادها» تبعًا لمحمد مجدي مرشد٬ وهو عضو سابق في لجنة «الصحة» بمجلس النواب السابق.
ويقول مصدر حكومي مُطلع على مشاورات مجلس الوزراء إن «عملية تمويل التلقيح مازلت قيد النقاش»، مضيفًا أن «هناك أفكار مختلفة حول سُبل التمويل».
أحد هذه السُبل هو صندوق «تحيا مصر» الذي دشن حملة لجمع التبرعات لتوفير اللقاح لـ «غير القادرين» تحت شعار«نتشارك من أجل الإنسانية»، والتي أُعلن عنها قبل أيام، وأثمرت -تبعًا للمتحدث باسم الصندوق- عن تبرعات من رجال أعمال بلغت 160 مليون جنيه، فيما قال عماد الدين حسين، رئيس تحرير جريدة «الشروق»، إن أحمد هيكل، رئيس مجموعة «القلعة» مالكة «الشروق»، تبرع بثلاثين مليون جنيه هو الآخر.
الإعلان عن الحملة جاء بعد يوم واحد من الإعلان عن بروتوكول تعاون وقعته «الصحة» و«تحيا مصر» مع مجموعة «هشام طلعت مصطفى» القابضة، يشمل هذا البروتوكول «تبرعات» ضخمة من المجموعة لتغطية تكلفة مليوني جرعة من اللقاح.
وتستند الدولة في تحديد «غير القادرين» إلى بيانات برنامجي «تكافل وكرامة»، تبعًا لتصريحات لوزيرة الصحة. «تكافل وكرامة» هما برنامجان للتحويلات النقدية المشروطة أطلقتهما وزارة التضامن الاجتماعي للمرة الأولى في 2014/2015. ويمثّل «تكافل» مساعدة نقدية تمنح للأُسر الفقيرة التي لا تحوز ممتلكات بشرط أن تضمّ الأسرة أطفالًا (أقل من 18 سنة)، على أن تسجل هذه الأسرة مَن يصل لسن الدراسة في التعليم وتضمن انتظامه في الحضور بنسبة 80% على الأقل. أما «كرامة» فهو استحقاق فردي يستهدف الأفراد المُسنين ممَن يتجاوز عُمرهم 65 سنة، والمعاقين كذلك.
مسؤول مباشر عن برنامجي «تكافل وكرامة» في وزارة التضامن الإجتماعي يقول لـ «مدى مصر» إن وزارته ستمد «الصحة» إليكترونيًا بقواعد بياناتها المُتعلقة بعدد «غير القادرين» على أساس كل مَن يقعوا تحت مظلة حمايتها، موضحًا أن «قاعدة بيانات «تكافل وكرامة» تضمّ 35 مليون فرد لأنها لا تشمل فقط المستفيدين من الدعم النقدي، وإنما كل مَن تقدموا ببياناتهم للحصول على هذا الدعم سواء حصلوا عليه أو لم يحصلوا عليه».
«سيتمتع المستفيدون من (تكافل وكرامة) بأولوية في الحصول على العقار مجانًا على من سواهم ممَن تشملهم قواعد بيانات البرنامجين» حسبما يضيف المصدر الذي طلب عدم ذكر اسمه. ويبلغ المستفيدون، بحسب وزيرة التضامن نيفين القباج، ثلاثة ملايين و400 ألف أسرة بما يُعادل 15 مليون مواطن. ويمثّل المستفيدون من برنامجي «تكافل وكرامة» نصف عدد الفقراء تقريبًا في مصر الذي يتجاوز 29 مليون فرد، تبعًا لنتائج بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك الأخير، الصادر عن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء.
وبالتوازي مع توفير اللقاح مجانًا، هناك مسار غير مجاني مُقترح لدى وزارة الصحة، بحسب مصدر طبي مستقل، من خلال مشاركة القطاع الخاص في توفير اللقاح، كما هو الحال بالنسبة لعمليات اختبارات المسحات. ويضيف المصدر أن الأمر فيه قدر من عدم اليقين لأن «مفهوم أن الحكومة لا تريد أن تخضع لانتقادات كونها لا تقوم بالتكفل بعملية التطعيم كما هو الحال بالنسبة لكل البلدان وكما هو الحال عادة بالنسبة لكل التطعيمات».
«الأمر العاجل هنا هو أن نسأل أنفسنا لماذا قررت الحكومة ألا تتيح اللقاح مجانًا للجميع» يقول علاء غنام، مسؤول الحق في الصحة في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، مضيفًا: «اللقاح لا بد أن يكون مجانًا بالكامل دون جدل».
وأوضح غنام قائلًا لـ «مدى مصر» إن «الفيصل بين أن يُتاح أي لقاح مجانًا من عدمه هو الطبيعة الوبائية كما تقرّ أدبيات منظمة الصحة العالمية. القاعدة الثابتة هو أن يطرح أي لقاح مجانًا للجميع في الأوقات التي يتفشّى فيها وباء ما»، ومع ذلك، «فلأن تنفيذ هذه القاعدة يبدو صعبًا، فالأدبيات الطبية في هذا السياق تعترف بما يُسمى بالتحقق التدريجي وهو الإتاحة التدريجية للقاح بناءً على مدى الاحتياج صحيًا لا ماليًا. أي أن الأولوية هي لمَن يشكّل لهم اللقاح ضرورة عاجلة ككبار السن والفرِق الطبية، على أن يُتاح لاحقًا لبقية الفئات مجانًا أيضًا».
ويرى غنام أن الحديث عن اللقاح كلقاح «اختياري» لا إجباري، ليس إلا «محاولة للبحث عن ثغرة تسمح بألا يُتاح اللقاح مجانًا للجميع» على حد تعبيره.
وبالرغم من تخوفات أعرب عنها بعض العاملين في القطاع الطبي من اللقاح الصيني نظرًا لعدم اكتمال اختبارته بالكامل، أشارت مصادر حكومية، تحدثت لـ «مدى مصر» سابقًا، إلى أن مصر قد تكون مضطرة لشراء اللقاح الصيني في إطار سياق أوسع للتعاملات بينها وبين الصين. وبحسب العاملين في القطاع الطبي، فإن هناك تفضيل في الدوائر الطبية للقاح «سينوفاك» على «سينوفارم»٬ لكن الأمر ليس محسومًا لأن «الصين تريد الترويج لـ«سينوفارم»، وليس «سينوفاك» الذي تمّ بالفعل الاتفاق على استخدامه على نطاق واسع في عدد من الدول».
وكان المصدر الحكومي وآخر أجنبي قد قالا إن الدولة كانت تعتزم الحصول علي 20 مليون جرعة من اللقاح الروسي، ولكنها عدّلت عن التحرك قُدُما في هذا الاتجاه في إطار التفضيل المصري للتعاون مع الصين. وكان مصدر طبي آخر كشف لـ «مدى مصر» عن استلام الحكومة بالفعل شحنة إضافية من «سينوفارم»، بعد الشحنة الأولى التي وصلت في أوائل ديسمبر الماضي، إلى جانب شحنة من لقاح «أكسفورد»، سوف تُسخدم في تطعيم أطباء مستشفيات العزل والصدر والحميات، كمرحلة أولى خلال الأيام المقبلة، مضيفًا أن «الصحة» تبحث آلية إعطاء الأطباء خيارًا للمفاضلة ما بين الحصول على «سينوفارم» و«أكسفورد» البريطاني.
ويقول المصدر الحكومي نفسه إنه لا يوجد تفاوت كبير في الأسعار ما بين لقاحات «سينوفارم» و«سينوفاك» و«أكسفورد»، وأن الأمر يتعلق بالاتفاق والتوريد لأنه لا يمكن للدولة توفير اللقاح بصورة متوالية كما ينبغي إلا إذا قامت بدفع نسبة كبيرة من ثمن اللقاحات التي ترغب في شرائها للشركات المنتجة التي لديها بالفعل طلبيات إنتاج كبيرة جدًا من الدول الغنية ودول العالم الثالث التي قامت بالفعل بتوفير الميزانيات اللازمة للشراء سواء لكفاءة الحكومات المعنية أو لصغر حجم السكان في بعض الدول مما لا يتطلب بالضرورة ميزانية كبيرة لشراء اللقاح.
وحددت مصادر بوزارة الصحة، الأسبوع الماضي، ملامح حملة التطعيم المُرتقبة في ثلاث نقاط؛ أولها أن الوزارة ستبدأ تطعيم الفرق الطبية أواخر الشهر الجارى وهو ما بدأ بالفعل. والثانية: أن التطعيم اختياري وغير إجباري، وأن الفرِق الطبية سوف تُحصر بطريقتين، أولاهما بشكل كتابي من داخل المستشفيات، وأخيرتهما التسجيل في الموقع الإلكتروني. أما النقطة الأخيرة، فتخص الفئات الأوْلى بالتطعيم والتي حددها مسؤولو الوزارة بـ 200 ألف من الفرِق الطبية، و23 مليونًا من أصحاب الأمراض المزمنة. على أن يسمح لباقي الفئات بالتطعيم في حال توفير كميات أكبر من التطعيمات.
تقارير ذات صلة
من نار المدارس الخاصة إلى جحيم الحكومية
لماذا هجر الكثير من أبناء الطبقة الوسطى المدارس الخاصة؟
أزمة سلاسل الإمداد: ماذا يحدث اليوم في سفينة العولمة؟
يعاني قطاع الصناعة في مصر من مشكلات مزمنة في إدارة سلاسل الإمداد والتوريد خاصة مع الأزمة العالمية
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن