تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
من نار المدارس الخاصة إلى جحيم الحكومية

من نار المدارس الخاصة إلى جحيم الحكومية

كتابة: ندى عرفات 8 دقيقة قراءة
فصل دراسي بمدرسة حكومية في الجيزة 2013 تصوير: رويترز

تعيش هبة إسماعيل، ربة منزل، منذ شهور، وسط إحساس بالذنب والقلق على مستقبل طفلها وصحته النفسية، بعدما اضطرت إلى نقله من مدرسته الخاصة إلى أخرى تجريبية حكومية، إثر توقف عمل زوجها جرّاء وباء كورونا، وعجزهما عن تحمل تكاليف المدرسة الخاصة. 

نقلت إسماعيل ابنها عليّ الدين، سبع سنوات، مضطرة، قبل أن تضطر مرة أخرى إلى الاكتفاء بالدروس ومنع ابنها من الذهاب للمدرسة عقب تجربة مريرة كما وصفتْ. «لو معايا فلوس مش هتردد لحظة، هرجعه مدرسته القديمة»، تقول إسماعيل. 

أسرة إسماعيل لم تكن الوحيدة التي اتخذت هذا القرار، في ظل تأثيرات وباء كورونا الاقتصادية. تحدث «مدى مصر» مع الكثير من الأسر، لجأت لخيارات مماثلة بتحويل أبنائها من مدارسهم الخاصة، حيث يتمتعون بجودة تعليم مرتفعة نسبيًا، إلى أخرى حكومية، أو في أفضل الأحوال إلى مدارس أقل كُلفة. 

قرار النقل قاومه والد عليّ الدين وجده، بسبب مخاوفهما من تأثير تغيير الوسط الاجتماعي عليه. لكن في النهاية، كانت مدرسة عليّ الدين عبئًا ماليًا يصل إلى نحو 30 ألف جنيه سنويًا، لم يعد في استطاعة الأسرة تحمله في هذا الوقت.  

قدمت إسماعيل في يوليو الماضي طلبًا لتحويل ابنها من مدرسته إلى أخرى تجريبية، رأت في حداثة عمر المدرسة أملًا في تعليم ذي جودة أفضل. قدمت إسماعيل الطلب عبر منصة خصصتها وزارة التربية والتعليم لتلقي طلبات تحويلات الطلاب، المفترض أن يأتي الرد عليها خلال 45 يومًا على الأكثر. لكن تجربة إسماعيل وغيرها ممَن تحدثوا إلى «مدى مصر»، أكدت أن طلبات التحويل المقدمة عبر المنصة لا يأتي عليها رد أبدًا. استمرت إسماعيل في الدخول إلى الموقع لمتابعة الطلب، لكن الرسالة الوحيدة التي ظهرت كانت «جارٍ فحص الطلب». بعد نحو ضعف المدة المحددة للرد على الطلب، قررت الأسرة في أكتوبر الماضي، زيارة الإدارة التعليمية لمعرفة مصير الطلب، لتفاجأ بعدم وجود أماكن شاغرة بالمدرسة.

بعد زيارات متعددة للإدارة التعليمية للبحث عن بديل، نصح أحد الموظفين الأسرة بتقديم «تبرع» للمدرسة. وفقًا لوالد عليّ الدين، قدمت إدارة المدرسة له قائمة تضم طلبات واحتياجات المدرسة، ضمت «بروجكتور»، وآلة تصوير، وغيرهما، لاختيار إحداها ليتبرع بها. وبالفعل تم قبول عليّ الدين بالمدرسة بعدما اشترى والده آلة طباعة للمدرسة تكلفتها نحو أربعة آلاف جنيه. هذا المبلغ بالإضافة إلى رسوم الدراسة التي تبلغ 2300 جنيه، لا يقارن بمصاريف مدرسة عليّ الدين القديمة، لذا بدا قرار التحويل هو الأفضل. 

ولكن، لم يكن الواقع كذلك. تشرح إسماعيل لـ«مدى مصر» أنه بالتزامن مع الشهر الثاني من العام الدراسي، بدأت إدارة المدرسة في منح إجازات للطلاب، مرة بحجة الطقس، حتى وإن لم يصدر قرار وزاري بذلك، ومرة بحجة إصلاحات في المدرسة، قبل أن تبدأ الإدارة في تخفيض مدة اليوم الدراسي، وضم أكثر من فصل في فصل واحد، والسماح للأطفال بالبقاء في الحديقة اليوم بأكمله، فضلًا عن عدم وجود مدرسين متخصصين بالمواد. «عندهم موظفة شؤون الطلبة بتدرّس عربي، لحد ما يجيبوا مدرس عربي»، تقول إسماعيل.  

انخفاض عدد المدرسين، وارتفاع كثافة الفصول ليست حالة فردية في مدرسة عليّ الدين. ومع تجاهل وزارة التربية والتعليم لهذه المشاكل، اتجهت إدارات المدارس للبحث عن حلول فردية، إما بتخفيض وقت اليوم الدراسي وتقسيم الطلاب على فترات أو تخفيض أيام الحضور للمدارس بإعلان إجازات غير رسمية لأسباب متعددة.

كنوعٍ من التعويض، قررت إسماعيل إلحاق ابنها في الصيف بدروس اللغات الألمانية والإنجليزية التي درسها بمدرسته القديمة على أمل أن تستقر أمور الأسرة المادية مرة أخرى فيعود عليّ الدين إلى مدرسته الأساسية. 

ولكن بعد أشهر قليلة، من الذهاب للمدرسة الجديدة، تغيرت طباع عليّ الدين، ليصبح أكثر عنفًا في المنزل، يستخدم ألفاظًا غير معتادة، كما بدأ في الانخراط في صراعات داخل المدرسة. مع الوقت، اكتشفت إسماعيل أن تغير طباع ابنها كان نتيجة تنمر زملاؤه عليه، وحتى المدرسين.  

بعد عودة عليّ الدين مرة إلى المنزل مصاب إثر تكالب زملاؤه عليه في المدرسة وضربه، اضطرت إسماعيل للذهاب إلى المدرسة لفهم الموقف، لتدرك بُعدًا آخر من الأزمة، بخلاف غياب الرقابة التام، «مفيش حد أشتكي له أصلًا. بروح أدور على  المدير ألاقيه اخد إذن ومشي. ولو اشتكيت لمدرس بيقول إنه فيه 50 طفل في الفصل غير ابني وإنه ميقدرش يركز معاه لوحده». 

لاحظ عليّ الدين الفرق بين المدرستين، افتقد زملاءه، واللغة الألمانية، كما تدنت قدرته على التواصل مع أقاربه وأصدقائه من المدرسة القديمة، بسبب تحدثهم باللغة الإنجليزية، ما يدفعه للعراك الدائم معهم بسبب عدم قدرته على التعبير عن نفسه أو عن مشاعره لهم، وفقًا لوالدته. 

عندما وصل الضرر إلى هذه المرحلة، منعت إسماعيل ابنها من الذهاب للمدرسة، ليكتفي بالدروس الخصوصية. «خايفة ييجي يوم يلومني إني معلمتوش كويس زي بقية عيلته وزمايله في المدرسة القديمة»، تقول إسماعيل. 

مثل إسماعيل، كثير من الأسر اتخذت قرار التحويل مضطرة، لكن أسر أخرى اتخذت قرارًا واعي مدفوعًا بفقد الثقة، ويقين بعدم جدوى العملية التعليمية في مصر، حتى في مدارس تكلف هذه الأسر عشرات الآلاف من الجنيهات كل عام، دون عائد يذكر، سوى الوضع الاجتماعي، حسبما قالوا.  

حوّلت ولاء عثمان ابنها من مدرسته الخاصة بعد خمس سنوات من التحاقه بها، إلى أخرى حكومية، بعدما أدركت أنه لا فارق في جودة التعليم تقريبًا، وإنما فقط في الوضع الاجتماعي والأنشطة والحفلات و«المنظرة» حسبما وصفت. فخلال السنوات الخمس، لم ينقطع ابنها عن الدروس الخارجية لأن المدرسة وحدها لا تكفي.

«لقيت نفسي بصرف على الدروس والمدارس، والدروس سعرها أغلى من أي مكان تاني عشان إحنا في التجمع» وضعت عثمان المميزات والعيوب على الميزان: المدارس الخاصة بها 40 طفلًا في الفصل، تعليم متدنٍ، نفس المناهج التعليمية الحكومية. وفي المقابل المدارس الحكومية نفس الوضع. ربما عدد أطفال أكبر في الفصل، لكن بمقابل مادي أقل. بنظرة سريعة وحسبة لم تستغرق وقتًا كانت كفة التعليم الخاص هي الخاسرة. 

لم تكن المشكلة في التكلفة المادية، لكنها كانت في الجدوى، حسبما قالت عثمان. لذا، أعادت تدوير نقود مدارس أولادها الأربعة بشكل مختلف، كالاشتراك في النادي مثلًا، أو ادخار الأموال لإدخال أطفالها جامعات دولية أو جامعات خارج مصر، أو ثانوية أجنبية، ما قد يؤهلهم لفرص أفضل في الحصول على عمل.

«حصلت حركة تنقلات ضخمة في المدارس خلال السنتين اللي فاتوا. اللي في مدارس دولية حولوا مدارس خاصة. وبتوع المدارس المصرية حولوا تجريبي. واللي كانوا في تجريبي حولوا حكومي عادي. واللي كانوا في حكومي حولوا تعليم أزهري»، تقول واحدة من القائمات على إحدى مجموعات المدارس الخاصة في مصر على فيسبوك.

يؤكد على ذلك العديد من المدرسين والأسر الذين تحدثوا مع «مدى مصر»، بمن فيهم عبد الحميد نعمان، مدير مدرسة خاصة بالقاهرة، الذي أشار إلى أن نسبة التحويل من مدرسته إلى أخرى حكومية وصلت إلى 30% خلال وباء كورونا، مقارنة بالأعوام السابقة. 

وجود المدارس الخاصة في مصر بدأ متمركزًا في العاصمة، ورويدًا امتد إلى معظم محافظات مصر. وعلى مدار العقدين الماضيين، استمر التعليم خارج المدارس الحكومية في الانتشار، ليس فقط بين الأسر مرتفعة الدخل، وإنما بين الأسر متوسطة الدخل أيضًا، التي يلجأ بعضهم إلى القروض، أو الاقتصاد في نفقات أخرى لصالح إلحاق أبنائهم بمدارس مكلفة، بعدما تهالكت منظومة التعليم الحكومي عبر عقود.

وفقًا للنشرة الدورية لوزارة التربية والتعليم، كانت أعداد المدارس الخاصة في جميع المراحل التعليمية، من العام الدراسي 2007/2006 نحو خمسة آلاف مدرسة. أما هذا العام فقد وصلت إلى نحو عشرة آلاف مدرسة. 

يرتاد المدارس الحكومية نحو 22 مليون و500 ألف طالب، في جميع مراحل التعليم الأساسي، و2 مليون و557 ألف طالب في المدارس الخاصة، خلال العام الدراسي الحالي، بحسب إحصائيات وزارة التربية والتعليم. وبحسب تقديرات الوزارة، ارتفع متوسط كثافة الطلاب في المدارس الحكومية من حوالي 46 طالبًا في الفصل عام 2015 إلى 55 طالبًا في العام الدراسي الحالي للمرحلة الابتدائية.

اتجاه الأسر للتعليم الخاص لم يكن فقط مظهرًا اجتماعيًا مهمًا، لكنه كان محاولة للأسر أن تنجو بأطفالها من فصول يتراص فيها أحيانًا 100 طفل، في مساحات محدودة، وجودة تعليم متدنٍ، وعنف مدرسي، وغياب الحد الأدنى من النظافة، وفقًا لمدير مركز الحق في التعليم، عبد الحفيظ طايل. 

لكن، بعد سنوات من ازدهار ركب الالتحاق بالمدارس الأعلى، اصطدمت الأسر متوسطة الدخل بما وصفوه بـ«جشع المدارس الخاصة» خلال العامين الماضيين، خاصة مع المعاناة التي طالت العديد من الأسر من أزمات مالية خانقة جرّاء التداعيات الاقتصادية لكورونا، فمنهم من فقد وظيفته، أو خُفض مرتبه، أو خسر تجارته. 

لم تكن حقيقة اتجاه المدارس الخاصة للبحث عن الربح فقط غائبة عن أسر طلابها، ولكن كان بعض الأهالي على استعداد لمزيد من التحمل في سبيل «الاستثمار» في مستقبل أبنائهم، حسبما قالوا. ولكن تعطيل الدراسة وتحويلها إلى التعليم عن بُعد كشف عن قصور جودة التعليم الخاص، وعدم قدرة المدرسين والطلاب على أسلوب التعليم الجديد.

«أنا كنت باخد قرض علشان أقدر أدفع المصاريف. لما كل ده حصل لقيت إني بتداين على الفاضي. أنا مبخدش أي خدمة في المقابل»، تقول مروة كامل، ولية أمر طالب في المرحلة الابتدائية، كمبرر لاتخاذ قرار وصفته بالصعب، بتحويل ابنها من مدرسته الخاصة، إلى مدرسة حكومية تجريبية.

استمرت إدارات المدارس في السعي نحو تعظيم الربح، ورفضوا كل طلبات الأهالي بخفض قيمة المصاريف أو حتى المصاريف النثرية الأخرى، كخدمة أتوبيس المدرسة أو الأنشطة والحفلات المدرسية التي لم يُنفذ أيًا منها، بينما أصرت المدارس أن تُحصلها كاملة، دون اعتبار للضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها الأهالي أو لظروف التعليم الجديدة. بررت حينها إدارات المدارس رفضها بضرورة صرف مرتبات العاملين، بالرغم من قيامهم بتسريح عدد ضخم من المدرسين والإداريين والعمال لعدم الحاجة. 

قرارات الأسر المتواترة لم تكن بمعزل عن أعين المدارس الخاصة. ولكن، بدلًا من محاولة التماشي مع الأوضاع الجديدة، اتبع بعض المدارس أسلوبًا جديدًا في محاولة إقناع الأهالي بالإبقاء على أبنائهم في مدارسهم الخاصة. 

ولية أمر طالب سابق في مدرسة خاصة، تعثرت في سداد مصروفات أقساط العام الدراسي الماضي، قالت لـ«مدى مصر» إنها حاولت مرارًا مع إدارة المدرسة سحب ملف ابنها لتقديمه لمدرسة حكومية، لكن الإدارة رفضت قبل سداد كامل المصروفات. ظل ملف الطفل معلقًا لأكثر من خمسة أشهر، قبل أن تتمكن من سحبه بعدما تبرع أولياء أمور زملاء ابنها بجمع المبلغ وسداده للمدرسة. 

موجة التحويلات من المدارس، اعتبرها طايل، نتيجة لنجاح الحكومات المتتالية في تحويل التعليم من حق إلى سلعة، حسبما قال لـ«مدى مصر»: «اللي معاه هو اللي هيشتري السلعة ويتعلم، واللي مش معاه خلاص»، وهو ما اتضح أن كثير من الأسر المصرية لم تعد تتحمله خلال فترة كورونا. لذا تخلوا عن التعليم الأفضل نسبيًا واتجهوا للمدارس الحكومية، فقط من أجل البقاء في سجلات المدرسة، دون الحضور طوال العام الدراسي. 

«الطلاب بيكتفوا بالدروس، عشان ياخدوا المحتوى الدراسي، وبيروحوا المدرسة في الامتحانات فقط عشان يتجنبوا تضييع الوقت والبهدلة اللي هتحصلهم هناك»، يقول طايل.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#بودكاست

يعني إيه الـUSAID يقف في مصر؟

نلقي نظرة سريعة على بعض آثار القرارات التنفيذية التي أخذها ترامب لتقليص المعونة الأمريكية على مصر

عثمان الشرنوبي و فرح فنجري 1 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن