لماذا سقط رمزي في فخ «الدلتا» وأفلتت «كيميا» غريب
كيميا سلطان وفخر صلاح.. معادلات كوميديا رمضان 2026
مع غياب أحمد مكي وهشام ماجد أبرز نجوم كوميديا مواسم رمضان الماضية، وانتظار ظهور أحمد أمين في النصف الثاني من الشهر، انحصرت المنافسة في كوميديا رمضان 2026 بين مسلسلي «هي كيميا» و«فخر الدلتا»، يضيف البعض «كلهم بيحبوا مودي» لياسر جلال، و«السوق الحرة» الذي يدخل في فئة مسلسلات المقاولات، لكن الترقب الحقيقي كان لتجربتي البطولة الأولى لمصطفى غريب وأحمد رمزي.
تخرج الاثنان من معهد فنون مسرحية، لكن طريقهما للشهرة جاء عبر طريقين مختلفين، اعتمد رمزي في نجاحه على صنع فيديوهات قصيرة ساخرة على وسائل التواصل الاجتماعي، حققت بمرور الوقت نجاحًا كبيرًا ومشاهدات بالملايين، فيما بدأت شهرة غريب من الجزء السادس لـ«الكبير قوي» ثم بجزئين لـ«أشغال شقة» وبعض الأدوار السينمائية المساعدة، ليصبح موسم رمضان الحالي الاختبار الأكبر والأول في البطولة لكليهما.
السقوط في «فخ» الفخر

تبدأ مشكلة «فخر الدلتا» من الأسماء، بطل المسلسل «محمد صلاح فخر» في إشارة شديدة المباشرة للشعار الكروي «محمد صلاح فخر العرب»، فنصبح أمام « محمد صلاح فخر الدلتا»، وبذلك يعرف المشاهد من أول لحظة أننا أمام قصة «كفاح» وصعود لشاب قادم من الريف، يقاوم الصعاب ويتمسك بحلمه حتى يحقق النجاح المنتظر في عالم الإعلانات بالقاهرة. المفارقة أن رمزي قدم سابقًا فيديوهات قصيرة تسخر من تلك الأفكار ومن كليشيهات التنمية البشرية والمسلسلات المصرية.
لكن يبدو أن أجواء صنع الدراما في الشركة المتحدة ملتزمة بأجندة رئاسية تطلب أعمالًا تكرس لفكرة الإيجابية والنجاح والتفاؤل لا السخرية، فتظهر القرية في المسلسل كمكان سياحي فولكلوري رومانتيكي على ضفاف النيل، لا تظهر فيه مشكلات نقص الخدمات الأساسية والمصاعب الاقتصادية الكبيرة التي يعاني منها غالبية الشعب ولا سيما سكان الريف، لا يعكر صفو تلك الأجواء سوى وجود المعلم غنام صاحب الأموال -الممثل حجاج عبد العظيم- ومطالبته لفخر بسداد إيصالات الأمانة المتعلقة بجهاز شقيقته.
أما رحلة كفاح فخر في القاهرة فتُقدم على طريقة أفلام الصعود الطبقي في الخمسينيات مع سكان سطح العمارة وأجواء الفنانة زينات صدقي، وذلك في شخصية «الست إحسان» (انتصار) صاحبة الشقة في المسلسل الحريصة على تحصيل الإيجار، ثم الزواج من أحد السكان.
وما يزيد مشكلات المسلسل ضعف خبرة طاقم العمل، فهو العمل الأول لمخرجه ولا توجد أعمال ذات قيمة أو نجاح بارز لكتابه، وهو ما أدى لضعف الأداء التمثيلي لرمزي المستمر في التمثيل بنفس أدائه في الفيديوهات القصيرة، وهو ما يختلف تمامًا عن المسلسلات الاحترافية التي فشل «فخر الدلتا» في الوصول للحد الأدنى منها رغم الإنتاج والعرض على شاشات «المتحدة»، كما افتقر لنجاح الفيديوهات التي كان يقدمها ساخرًا بأنها تكلفت 15 جنيهًا.
عناصر الأمان في رهان المعادلة الكيميائية

البطولة الأولى رهان، نجاحه يقفز بك للاستقرار في الصف الأول، وفشله يحكم عليك بالعودة للأدوار المساعدة والصغيرة ربما للأبد، لأنك لا تستطيع حمل العمل على أكتافك. ومع خطورة الرهان اعتمد مصطفى غريب على عدة عناصر لتقليل المخاطر، فالبطولة ليست مطلقة، يشاركه فيها دياب، المغني الشعبي الناجح بشكل أكبر في مشواره التمثيلي وعلى مدار عدة مواسم رمضانية. أما مخرج العمل إسلام خيري فهو ذو خبرة في الأعمال الكوميدية والدرامية وصاحب تجربة ناجحة في إطلاق سلسلة مواسم «الكبير» باخراجه للجزء الأول من المسلسل، ومؤلف العمل، مهاب طارق، سبق وقدم عدة مسلسلات ناجحة جماهيريًا خلال السنوات الماضية، مثل الاشتراك في تأليف «جعفر العمدة» و«نعمة الافوكاتو»، وفي رمضان الماضي قدم مسلسلين متميزين، وهما «إخواتي»، و«ولاد الشمس».أما تيمة المسلسل فمجربة من قبل كما ذكر المسلسل في فيلم «الكيف» (1985)، الحاضر بنجاحه منذ الثمانينيات وفكرة التناقض بين الشقيقين، الكيميائي وتاجر المخدرات، والتداخل بين العالمين، وفي المسلسل يمزجها المؤلف بفيلم آخر لا يقل نجاحًا للمؤلف محمود أبو زيد والمخرج علي عبد الخالق، وهو «العار» (1982).
من فيلم «الكيف» يأخذ المسلسل تيمة الشقيقين صلاح (يحيى الفخراني) وجمال (محمود عبد العزيز)، وفي المسلسل سلطان (مصطفى غريب) وحجاج (محمد دياب)، والرجل الكبير في عالم المخدرات، البهظ بيه (جميل راتب) في الفيلم، مغازي (سيد رجب) في المسلسل، مع إضافة شخصية تاجرة مخدرات وزوجة لحجاج، وهي عفاف (ميمي جمال). ومن فيلم «العار» تيمة الأب صاحب التاريخ السري في تجارة المخدرات، والزوجة الشعبية السرية المحبة والمخلصة للابن العارف بسر أبيه، روقة (نورا) في الفيلم، ونبيلة (فرح يوسف) في المسلسل.
يبتعد المسلسل عن تعليمات «المتحدة» في تقديم النماذج والأجواء الإيجابية وقيم الأسرة المصرية، ويمزج الكوميديا بالتشويق، معتمدًا على الإيقاع السريع والأحداث المتلاحقة والمفاجآت ومفارقات مثل حضور مصطفى غريب وتناقض وجهه الطفولي مع ملامح دياب الجادة، وعلاقته المستغلة لصديقه الأكثر سذاجة، عماد (ميشيل ميلاد)، والإضحاك من خلال ممثلين وممثلات غير مصنفين كمضحكين في الأساس مثل مريم الجندي (كوثر ) وفرح يوسف (نبيلة)، ومحسن منصور صاحب الملهى الليلي الذي قدم أداءً كاريكاتيريًا للشر بشكل متعمد من منطقة «عادل أدهم». كذلك جذبت جمهورًا واسعًا تناقضات تيمة دخول المواطن العادي لعالم سري ومختلف وخطير المتفرج، الذي يعيش حياة تشبه حياة سلطان بلا جديد يحدث فيها، خاصة لو كانت بشكل كوميدي.
كما يوظف المسلسل تناقضات حجاج المتظاهر بالقوة أمام زوجته الشابة والضعيف أمام زوجته تاجرة المخدرات، وصاحب الشعور بالنقص أمام شهادة شقيقه العلمية. ولا يتورع عن تقديم المفارقات في طقوس العزاء واستعداد زملاء سلطان للعمل مع تجار المخدرات دون أي وازع أخلاقي.
وتميز المسلسل بصريًا في إضاءة المشاهد الليلية للشوارع ومخابئ تصنيع المخدرات، واختيار أماكن التصوير في وسط البلد وبجوار كوبري «تحيا مصر»، والاستفادة من الطرق الجديدة في تنفيذ المطاردات وتصويرها بالمسيرات. لكن استمرار الإيقاع السريع جاء على حساب الفكرة التي يكفي فيلم أو مسلسل من سبع حلقات لإحدى المنصات لتقديمها، فتضخمت لتصبح 15 حلقة رمضانية، بإضافة خطوط كثيرة يمكن الاستغناء عنها، مثل شخصية فضل، خطيب كوثر السابق الهارب من المستشفى النفسي، ووقع المسلسل للأسف في تنميط المريض النفسي وتقديم العلاج بالصدمات الكهربائية بشكل نمطي مستهلك وغير حقيقي، توقف تقديمه منذ زمن طويل بعد اعتراضات وإيضاحات من أطباء ومرضى نفسيين. كذلك الخط الدرامي المرتبط بالحانوتي وشقيقه والبحث عن القطعة الأثرية، الذي بدا كأنه قادم من أفلام إسماعيل ياسين في الشكل وطريقة الإضحاك.
تتوالى الحلقات وندخل في دوائر لا تنتهي من الأحداث، فبعد كل هروب من حالة خطف، هناك حالة جديدة، وبعد القضاء على الحانوتية، يظهرون مرة أخرى، وبعد كل فشل لحفل خطوبة وزفاف سلطان وكوثر، يأتي فشل جديد، أثر ذلك على الاستمتاع بتطور أحداث المسلسل للأمام، وكذلك على جودة الكوميديا فأصبحت أكثر اعتمادًا على «القلشات» والتلاعب بالكلمات وأقل اعتمادًا على ردود أفعال المواقف المبتكرة.
لكن المسلسل لم يخلُ من تفاصيل لطيفة وذكية، بداية من اختيار اسم «سلطان» للبطل، وهو اسم مهرب مخدرات (توفيق الدقن) في مسلسل «سمارة» الإذاعي الذي حقق نجاحًا كبيرًا في الخمسينيات واُعتبر عملًا مؤسسًا في دراما المخدرات، وموسيقى عمرو إسماعيل، والتوزيعات المتنوعة للتيمة الموسيقية باختلاف المواقف الدرامية من تشويق لحزن لكوميديا، واستخدام أغاني عدوية وارتباطها بالمزاج العالي وأجواء الليل، في تحية له بعد رحيله، واستغلال وجود دياب كمطرب شعبي في إعادة أغنية «والله ولعب الهوى سلطان أهل الهوى». وكذلك أداء سيد رجب الساخر والمختلف عن أدوار سابقة مشابهة.
ورغم كل المآخذ نجحت معادلة مصطفى غريب وأثبت قدرته على بطولة مسلسل ناجح، واستمرار حضوره الكوميدي وقدرته أيضًا على أداء مشاهد جادة، لتنجح «الكيميا» وتضيف نجمًا للكوميديا يمكنه أن يختار التركيز على السينما أو المشاركة في السباق الرمضاني السنوي، ويخفق أحمد رمزي، الذي سقط في فخ تسرع في الانتقال من فيديوهات السوشيال ميديا للبطولة في ملعب له قواعد مختلفة .
تقارير ذات صلة
«صحاب الأرض» و«أرض محرمة».. قراءة مقارنة
كلا العملين مقدم للعالم وليس مجرد استهداف محلي
«مرحبا دولة»: رحلة البحث عن «الشرطي الموظف» في الدراما
الجانب العبثي من حياة «البوليس»
«الريس بيتفرج».. إعلام ودراما الدولة في انتظار رصاصة الرحمة
ترقب وسيناريوهات غامضة لـ«المتحدة» بعد تصريحات الرئيس
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن