من أجل كسر سلسلة وباء كوفيد-19، نحتاج إلى تطعيم 70% على الأقل من السكان، وفقًا لتقديرات مختلفة. حتى الآن، تم تطعيم حوالي 24% من سكان العالم بشكل كامل، ولكن في البلدان منخفضة الدخل، لا تتجاوز هذه النسبة 3.1% فقط، وفقًا لتقرير «عالمنا» في مشروع بيانات بجامعة أكسفورد.
وصل 25 لقاحًا حول العالم إلى المرحلة الثالثة من التجارب السريرية، والتي تتضمن عيّنة اختبار تضم الآلاف لضمان الفعالية. تَركُز إنتاج اللقاحات بشكل كبير في بعض الدول يجعل من الصعب زيادة كمياتها، في حين أن ما يُنتج من اللقاحات لا يُلبي الطلب عليه، وهو ما تسبب في ما أسماه كيه إم جوباكومار، المستشار القانوني وكبير الباحثين في شبكة العالم الثالث، بـ«مجاعة لقاح مصطنعة».
فيما يلي بعض الأسئلة عن الحواجز العالمية أمام الإنتاج الواسع للقاحات كوفيد-19، والتي ساعدنا جوباكومار ومصادر أخرى في الإجابة عنها.
ما هي أنواع حماية الملكية الفكرية الموجودة في عالم الأدوية؟
«اتفاقية منظمة التجارة العالمية بشأن الجوانب التجارية لحقوق الملكية الفكرية 'تريبس'» والتي دخلت حيز التنفيذ عام 1995، هي اتفاقية شاملة متعددة الأطراف بشأن الملكية الفكرية. تُلزم الاتفاقية جميع الدول الأعضاء بتوفير الحد الأدنى من معايير الحماية وإنفاذ أنواع مختلفة من الملكية الفكرية، مثل العلامات التجارية وحقوق التأليف والنشر وبراءات الاختراع والأسرار التجارية، وما إلى ذلك.
المنتجات الطبية محمية بحقوق ملكية متعددة مثل براءات الاختراع والعلامات التجارية والأسرار التجارية، والتي تمثل المعرفة الكامنة وراء تصنيع اللقاحات والعلاجات الحيوية. يجب أن يتنازل المُنشئ عن كل هذه الحقوق حتى يتمكن المنتج المحلي من تصنيع اللقاح.
تتجاوز الالتزامات المتعلقة بحماية الملكية الفكرية والإنفاذ في الاتفاقيات التجارية اتفاقية تريبس لتشمل عناصر مثل المُدد الطويلة لبراءات الاختراع وكذلك مستوى حصرية البيانات. يشار إلى هذه التدابير الإضافية باسم «تريبس +».
تمثل التراخيص الإجبارية آلية مهمة لحماية المصلحة العامة في اتفاقية تريبس.. كيف تعمل؟
يمنح الترخيص الإجباري الحكومات الحق في تجاوز حواجز الملكية الفكرية، وبالتالي توفير الحرية القانونية للشركات المختلفة لتصنيع دواء ما إذا كانت لديها القدرة على ذلك. على وجه التحديد، يُسمح للحكومات بالسماح لطرف ثالث بالاستفادة من الاختراعات المحمية ببراءات اختراع. تمثل التراخيص الإجبارية أحد أوجه المرونة التي تتضمنها اتفاقية تريبس.
توفر «تريبس» الحرية لأعضاء منظمة التجارة العالمية في تقرير أسباب منح التراخيص الإجبارية. لجأت العديد من الحكومات في الماضي إلى التراخيص الإجبارية لضمان توافر الأدوية والقدرة على تحمل تكلفتها، خاصة تلك الأدوية المتعلقة بفيروس نقص المناعة البشرية (المتسبب في مرض الإيدز) والسُل. واستخدمت دول مثل الهند نقص الأدوية ذات الأسعار المعقولة كأساس لإصدار التراخيص الإجبارية.
ومع ذلك، فإن كل من شركات الأدوية متعددة الجنسيات والبلدان المتقدمة تضغط على البلدان النامية لكي لا تصدر تراخيص إجبارية. على سبيل المثال، لم يتم إصدار التراخيص الإجبارية من قبل العديد من البلدان النامية أثناء الوباء.
علاوة على ذلك، فإن إصدار التراخيص الإجبارية ينطوي على العديد من الإجراءات على المستوى الوطني. وعندما يتعلق الأمر باللقاحات، لا يمكن للتراخيص الإجبارية لبراءات الاختراع وحدها أن تسهل توافر اللقاح، لأن الموافقة على التسويق تتطلب الحصول على المعرفة الموجودة لدى المنشئ، والمحمية باعتبارها سرًا تجاريًا. في الوقت الحالي، لا توجد آلية ترخيص إجباري في قوانين الأسرار التجارية في معظم البلدان. وهذا هو سبب وجود حاجة لتجاوز الفهم السائد بشأن مرونة اتفاقية تريبس، من أجل توفير الوصول إلى المنتجات الصحية أثناء الجائحة.
يعد نقل التكنولوجيا أمرًا أساسيًا بشكل خاص لإنتاج اللقاح محليًا، على عكس التنازل عن حقوق الملكية الفكرية، لأن اللقاحات تختلف عن الأدوية الكيميائية العادية. كيف ذلك؟
كما ذكرنا أعلاه، حتى لو لم تكن هناك براءة اختراع، عندما يتعلق الأمر بعملية تصنيع لقاح عام، فهناك عبء إثبات السلامة والفعالية. قد يكون للاختلاف في عملية تصنيع اللقاح آثارًا على الفعالية. تتم حماية عملية تصنيع لقاح المُنشئ باعتبارها سرًا تجاريًا. لذلك، حتى لو تجاوزنا قيد براءات الاختراع، لا يزال أمامنا تحدي الأسرار التجارية.
يختلف إنتاج اللقاحات الدولية محليًا عن الأدوية العادية. في حالة اللقاحات، هناك عبء إضافي لإثبات السلامة والفعالية. ستصر الهيئات التشريعية على أن يثبت مُنتِج لقاح مكافئ فعالية اللقاح الذي قام بتصنيعه لأنه منتج بيولوجي، ويُستخدم في تصنيعه كائنات حية. بالنسبة للعقاقير الكيميائية العادية -على عكس اللقاحات- لا يُسأل المصنعون المحليون عما إذا كانوا قد اتبعوا عملية تصنيع المنشئ أم لا.
يتم إثبات فعالية اللقاح من خلال التجارب السريرية. لذلك، حتى إذا تم التنازل عن براءة الاختراع، عليك التفاوض بشأن حواجز الأسرار التجارية، أو إجراء التجارب السريرية الخاصة بك بطريقة أخرى. ومن ثم، فإن الشركة التي تمتلك قدرات تكنولوجية لا يمكنها نسخ تقنية اللقاح ما لم يكن لديها الموارد اللازمة لإجراء التجارب السريرية.
هناك نقص في الوضوح بشأن المرونة المذكورة في اتفاقية تريبس فيما يتعلق بالأسرار التجارية وإمكانية مشاركة الأسرار التجارية المتعلقة بتصنيع اللقاح مع شركة لا تمتلك اسمًا تجاريًا من أجل المصلحة العامة.
أليست المشكلة أيضًا أن الجامعات، مثل معهد جين في أكسفورد، التي تقوم بترخيص أبحاثها حصريًا لشركات الأدوية مثل «أسترازينكا AstraZeneca» بدلًا من إتاحتها للجميع؟ أم أن البحث العلمي لا يحدث في الجامعات أصلًا؟
عادة ما يتم تطوير التكنولوجيا الأساسية داخل الجامعات أو حتى في شركات البحث والتطوير الصغيرة. هذا هو ما حدث مع لقاحي فايزر وموديرنا، على سبيل المثال، والتي تم ترخيص تقنيتهما التأسيسية من جامعة بنسلفانيا، حيث جرى البحث والتطوير لحلول «الحامض النووي الريبوزي الرسول mRNA» منذ عام 2005. وبعدها تم ترخيص هذه التكنولوجيا المحمية ببراءة اختراع لشركات الأدوية الكبيرة، التي تمتلك القدرات اللازمة لمواصلة تطوير التكنولوجيا وتحويلها إلى منتج للتوزيع والاستهلاك. في مايو الماضي، نشرت مجلة نيتشر تحليلًا لبراءات اختراع الحامض النووي الريبوزي الرسول للقاح كوفيد-19، وخلصت إلى أن تطوير التكنولوجيا التأسيسية تم بواسطة المختبرات الأكاديمية، في حين أصبح تطويرها وتسويقها ممكنًا من خلال الترخيص لشركات الأدوية الكبيرة، وأن سيطرة تلك الشركات على حقوق الملكية الفكرية لبراءات الاختراع والأسرار التجارية تؤدي إلى عرقلة البحث العلمي والتطوير المستقبلي والمحتمل.
نجحت مصر في إنتاج أدوية مكافئة لعلاج عدوى التهاب الكبد الوبائي (فيروس سي). ما هي تلك الأدوية؟
أنتجت مصر العديد من الأدوية المكافئة لعلاج التهاب الكبد الوبائي (فيروس سي)، من أجل توفير بديل للدواء المستورد وباهظ الثمن من الولايات المتحدة، والذي تنتجه شركة «جلعاد ساينسس Gilead Sciences» الأمريكية، والتي رفضت مصر منحها حماية براءات الاختراع. على سبيل المثال، فكرت شركة الأدوية المصرية «فاركو» في صنع دواء من خلال الجمع بين اثنين من مضادات الفيروسات، أحدهما غير مسجل ببراءة اختراع والآخر مرخص من شركة أدوية مقرها سان فرانسيسكو، واسمه بريسيديو Presidio. نجح العلاج الذي صنّعته الشركة المحلية في خفض أسعار أدوية الالتهاب الكبدي الوبائي (سي) المستوردة بشكل كبير. كما نجح، جنبًا إلى جنب مع حملة وطنية، في خفض العدوى بشكل كبير، وهي واحدة من أعلى معدلات العدوى في العالم. تم اعتبار هذا الأمر قصة نجاح مصرية في مكافحة الأوبئة.
ماذا عن اللقاحات الحالية التي يتم تصنيعها محليًا في مصر؟
وقعت شركة مينافارم المصرية اتفاقية تبادل تكنولوجي مع الشركة المصنعة للقاح Sputnik V الروسي، والذي يتم تسويقه من قبل صندوق الاستثمار المباشر الروسي. يتكون المشروع من عملية يمكن أن تؤدي إلى تصنيع اللقاح من زرع الخلايا إلى المنتج النهائي، وتتضمن تحسين بعض الخطوات.
لدى مصر أيضًا اتفاقية «ملء وتعبئة» مع المُصنعين الصينيين للاستفادة من لقاح كوفيد-19 الذي نجحت شركة سينوفاك Sinovac الصينية الخاصة في تصنيعه، وفقًا لاثنين من مسؤولي وزارة الصحة تحدثا إلى «مدى مصر».
ما نوع الإجراءات التي تم الشروع فيها لمواجهة نظام «تريبس» واتفاقيات التجارة الحرة؟
تقدمت الهند وجنوب إفريقيا بطلب، في أكتوبر الماضي، إلى منظمة التجارة العالمية، بدعم من المجموعة الإفريقية، التي تعد مصر جزءًا منها، للتنازل عن بعض أحكام اتفاقية تريبس. وتشمل هذه الأحكام براءات الاختراع والأسرار التجارية وحقوق التأليف والنشر والرسوم والنماذج الصناعية. بحلول يونيو 2021، وافق مجلس منظمة التجارة العالمية بالإجماع على الشروع في مفاوضات للرد على الطلب. ولم تسفر هذه المفاوضات عن نتيجة حتى الآن، بسبب تحدي ثلاثة أعضاء في منظمة التجارة العالمية لصدور أي قرار محتمل، وهم على وجه التحديد: الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وسويسرا. يقوم الاتحاد الأوروبي بذلك على الرغم من اعتماد قرار في برلمان الاتحاد الأوروبي يدعم التنازل. في تلك الأثناء، أطلق المجتمع المدني، محليًا ودوليًا، دعوات مماثلة للتنازل عن بعض أحكام اتفاقية تريبس.
ما هي المخارج المتاحة؟
هناك اتفاق على أن اللجوء إلى التراخيص الإجبارية وتنازلات اتفاقية تريبس، التي ترفع بعض أشكال الحماية، تفتح الباب أمام مساحة مهمة لنشر تصنيع اللقاحات وتوزيعها. بالإضافة إلى ذلك، والأهم، يمكن للمشرعين رفع الأسرار التجارية للسماح بنقل التكنولوجيا حتى لا يضطر المصنعون المحليون إلى إعادة اختراع العجلة.
علاوة على ذلك، من المتوقع أن تسرع منظمة الصحة العالمية عملها لتطوير وإنهاء «الارتباطات المناعية للحماية» (ICPs) للقاحات كوفيد-19. يجب تفعيل «الارتباطات المناعية للحماية»، والتي تحدد الاستجابة المناعية للقاح، من أجل منع العدوى مستقبلًا، ما يسهم في التخلص من الحاجة إلى تجارب فعالية، ويؤدي إلى تسريع الإنتاج المحلي من لقاحات كوفيد-19.
كذلك، قامت «التقدمية العالمية»، وهي منظمة دولية تجمع نشطاء يساريين وحكومات، بتنظيم قمة بشأن أُممية اللقاحات في يونيو الماضي، وخرجت ببعض المقترحات. أحد الحلول التي اقترحتها «التقدمية العالمية» أن تشارك الدول المختلفة قدراتها التنظيمية وبيانات التقييم من أجل الموافقة على لقاحات كوفيد-19 المختلفة مع غيرها من الدول.
ولكن إلى جانب الاعتراف الدولي باللقاحات، هناك حل آخر صاغته «التقدمية العالمية» يتضمن تضافر القدرة التصنيعية لزيادة إنتاج اللقاح، خصوصًا من جانب الدول ذات القدرة الإنتاجية الكبيرة، مثل الأرجنتين والمكسيك وفنزويلا. يعد التعاون في مجالات تبادل التكنولوجيا والتجارب السريرية والترخيص بين هذه الدول أمرًا أساسيًا، وفقًا لتقرير القمة.
بالإضافة إلى ذلك، أشار المشاركون في قمة «التقدمية العالمية» إلى أهمية إتاحة اللقاحات المنتجة محليًا بأسعار معقولة للدول الأخرى، خصوصًا في ظل حرص شركات الأدوية متعددة الجنسيات على تحقيق الأرباح والتلاعب في الأسعار، حيث تدفع الدول أسعارًا مختلفة لنفس اللقاحات.
تقارير ذات صلة
من نار المدارس الخاصة إلى جحيم الحكومية
لماذا هجر الكثير من أبناء الطبقة الوسطى المدارس الخاصة؟
أزمة سلاسل الإمداد: ماذا يحدث اليوم في سفينة العولمة؟
يعاني قطاع الصناعة في مصر من مشكلات مزمنة في إدارة سلاسل الإمداد والتوريد خاصة مع الأزمة العالمية
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن