لقاء أخير مع حسن الشرق
مقابلة مع حسن الشرق، الفنان الذي رحل عن عالمنا الأربعاء الماضي، أجراها زميلنا محب سمير في أكتوبر 2022، وننشر هذا النص ضمن فترة التدريب والدراسة الخاصة بـ«الأكاديمية البديلة للصحافة العربية»، حيث نعمل عن قرب مع كُتّاب وكاتبات من المنطقة في تطوير مهاراتهم الصحفية.
سبعة كيلومترات تفصل بين مدينة المنيا وقرية زاوية سلطان، كما تشير خرائط جوجل. لحظات وتنطلق سيارة الأجرة التي تقلني صحبة آخرين من موقف سيارات نصف نقل أمام مسجد الفولي الشهير. جميع سيارات الموقف متشابهة، مُغطاة بإحكام بـ«تندة من الصاج»، ومع ارتفاع درجة حرارة هذا النهار، تتحوّل السيارة المحشور بداخلها إلى حلة ساخنة على موقد. يكتمل العدد وتنطلق السيارة، ويبدأ الهواء القوي يلفحنا من بابها الخلفي وفتحات التندة الضيقة.
فور عبور السيارة شرق النيل من فوق كوبري المنيا العلوي، تشق طريقها مسرعة جنوبًا، على يمينها شريط ضيق من الأرض الزراعية المُلاصقة للنيل، تخترقها بيوت خرسانية حديثة، وعلى يسارها الهضبة الشرقية تتزين بقباب مقابرها وأضرحتها الشهيرة.
حد يعرف حسن الشرق يا شباب؟
أسأل عن حسن الشرق، يرد أحد الشباب الجالسين قبالي: «طبعًا دا الفنان العالمي بتاعنا». يتبعه صوتٌ قوي لامرأة يأتي من أعمق نقطة في صندوق السيارة، مؤكدة «صيته مسمع في الأربع جهات».
لا يغادر حسن الشرق بيته الذي حوله إلى «متحف عالمي»، إلا ليلّف العالم بلوحاته وألوانه. وبين استقراره في «نزلة سلطان» بصعيد مصر، وتجوله حول العالم، وتجاهل القاهرة له، أصبح فن حسن الشرق الفطري معبّرًا عن حالة الريف المصري بواقعه وخياله، وهي سمة جذبت لفنه المستشرقين الباحثين عن نماذج فنية تمثل مصر والشرق.

[مصدر اللوحات Tam gallery، يُمكن رؤية اللوحات بالتجول هنا]
أترجل عدة أمتار لأصل إلى المتحف، بعد أن أنزلني السائق لرؤيته سيارة شرطة وحافلة سياحية أمام البوابة. يبدو أن هناك أجانب يزورون المتحف. على يميني، يرفرف علم مصر فوق المبنى ذي البوابات الثلاث، والرئيسية منها تعلوها لافتة كُتب عليها «متحف الفنان العالمي حسن الشرق».
يقف مجندان على مقدمة سيارة الشرطة يشربان الشاي في ظل شجرة صفصاف ضخمة، ينتظران انتهاء جولة السياح بالداخل. أحييهما وأعبر البوابة. على يمين المدخل، يقف شاهقًا تمثال نصفي ضخم من الجبس لرأس نفرتيتي، وعدة منحوتات صغيرة متناثرة، قبل أن يستقبلني على جانبي المدخل تمثالان آخران ضخمان نُحتا من الحجر الجيري، يجسدان الملك إخناتون وأمه الملكة تي.
ثم ألمح رجل سبعيني نحيف يرتدي جلبابًا رماديًا، أحفظ ملامحه جيدًا من كثرة ما رأيت صوره ولقاءاته طوال السنوات الماضية، فيما أشعة شمس الصباح الخريفي تعبر الباب وترقد تحت قدميه. يقف الرجل بجسده النحيل، بجلبابه الأسود، متوسطًا مجموعة من الأجانب والمصريين الذين تتنقل عيونهم بينه وبين لوحاته، يتحدث بلهجته المنياوية التي لم يتخل عنها. يحكي لمحات من حياته، وجولاته حول العالم والجوائز التي حصل عليها. «المتحف دا عمره 25 سنة، وصرفت عليه كل اللي حيلتي. متقسم تلات قاعات صغيرة فيهم لوحات ليّ ولكل الفنانين اللي قابلتهم طول عمري. ماعرفش عددهم قد إيه. ييجوا أكتر من ألف، غير اللي في المخازن. أنا أديلي 40 سنة برسم وسافرت ييجي 20 دولة بالجلابية دي»

كم مرة قص فيها حسن الشرق حكايته لزواره ومعجبيه، وأمام الصحفيين وكاميرات القنوات الذين التقوا به من كل بقاع الأرض؟ وكم مرة انبهر الجميع فيها بسطوة الحكاية؟ ابن الجزار الصعيدي الذي لم يُكمل تعليمه، وعشق الفن، ورسم في صغره على «ورق اللحمة»، وذلك بريشة من سعف النخيل وألوان من الطبيعة يرسم كل ما يصادفه في قريته الصغيرة. وعندما كبر، طاف القارات بجلبابه وموهبته. «فنان وصل إلى العالمية»، وصف أسمعه كلما تردد اسم الشرق.
بعد عشرين دقيقة من دخولي المتحف، يسير الرجل مع ضيوفه حتى يصل بهم إلى الباب الرئيسي، ويتركني وحيدًا غارقًا في تفاصيل غرفة الاستقبال الرئيسية. لوحات معلقة في كل جنبات الغرفة. توجد شاشة عرض كبيرة مطفأة على الجهة اليمنى من الباب، أسفلها يقبع «كومودينو» صغير عتيق، لونه بني متهالك، به ثلاثة أدراج مفتوحة كلها بدرجات متفاوتة، يخرج من خشمها اسكتشات رسم بيضاء، مطوية بشكل دائري، ومفرودة لم تُستعمل. أسفل الكومودينو منضدة صغيرة تتناثر فوقها علب الألوان. أمامها طاولة كبيرة قصيرة فوقها اسكتش كبير عليه خربشات بالقلم الرصاص، يبدو أنه عمل لم يكتمل بعد. ألمح وسادة صغيرة على الأرض، أتخيل جلوس الفنان عليها سارحًا بنظره ناحية الشرق، ثم يرسم.
نشرب شاي عاد
يعود حسن الشرق إلى مرسمه ليجدني في انتظاره. يقول مبتسمًا: «إحنا نشرب شاي عاد» ويمدّ يده لمصافحتي، معتذرًا عن تركي بمفردي. ثم يتخلى جزئيًا عن الأداء الرسمي في حديثه، الذي كان عليه مع الأجانب منذ قليل، فور علمه أنني من المنيا، وتحديدًا من «البرشا» التي لا تبعد عن مقابر بني حسن وزاوية سلطان 50 كيلومترًا. يخرج من جيب جلبابه علبة سجائر محلية ويعطيني سيجارة، ويختفى مسرعًا في ردهة طويلة مررت فيها منذ قليل. ثم يحضر صوته القوي: «تشرب ميه مرصرصة [ساقعة] من الزير؟» قبل أن أجيبه، أجد أمامي كوبًا من الصاج المطلي بالأبيض وعليه ورود حمراء مرسومة. كوب موجود في كل بيت بالصعيد تقريبًا، بينما خلت البيوت من الأزيار والقدر، وحلت الثلاجات محلها.
أروي ظمأي وأشعل السيجارة. يتركني مجددًا ليحضر الشاي. أجلس، وقبل البحث عن مطفأة، أجدها أمامي نصف ممتلئة بالأعقاب على طاولة تتناثر عليها بضع مجلات فنية بلغات مختلفة. يجول بصري مكتشفًا مكتبة صغيرة غاطسة بين قباب٬ ووجوه لوحات صاحب المكان، وشباك طويل على يساري مفتوح على حديقة صغيرة. أسفل الشباك على اليسار شاشة عرض صغيرة لكاميرات تُظهر الشارع والمدخل الرئيسي للمتحف.
يستقر بصري على صورة صغيرة ألوانها باهتة، تعود لحقبة الثمانينيات، معلقة بعناية داخل برواز كبير مقارنة بحجم الصورة، يتوسط فيها الشرق امرأتين في سن الأربعينيات تقريبًا، ويصعب عليّ تحديد عُمره وقت التقاط الصورة. أقترب ثلاث خطوات لقراءة ما تُشير إليه جملة مكتوبة بخط اليد أسفل الصورة: التُقطت خلال معرض حسن الشرق الأول في القاهرة عام 1988.
عرفت دي مين؟
يحضر حسن الشرق حاملًا صينية الشاي. كوبان كبيران من الخزف، يتصاعد منهما بخار الشاي وتهل رائحة النعناع. يتوجه إلى الصورة ويشير بإصبعه إلى المرأة الشقراء الواقفة على يمينه في الصورة، ويشرح: «دي بقى الست أورسولا» يقول بحب وامتنان كبيرين إنها المرأة التي لعبت دور «العراب» في حياته الفنية، ومعها بدأ كل شيء يخص العالمية والشهرة والمجد والتحقق، بعدما استقرت رسوماته ربع قرن في صندوق جدته الكبير. جاءت الست أورسولا ونفضت الغبار عن الرسومات، وقدمت الموهبة لمَن يقدرها، ليتحول صاحبها إلى «أيقونة» اسمها حسن الشرق. بل هي مَن أطلقت عليه لقب «الشرق» لأنه من شرق النيل.
كان ذلك عام 1985، عندما حضرت إلى مصر، أورسولا شيرينج، وهي ناقدة ألمانية مهتمة بالفن الفطري حول العالم، وتعمل في تسويق الأعمال الفنية في ألمانيا، وقتها رُشح لها اسمان في مصر، أولهما الفنان الفطري، رمضان سويلم، من قرية الصف بالجيزة، والثاني رجل أربعيني اسمه حسن، يعيش في «نزلة سلطان» بالمنيا.

«قالت لي هاعمل لك معرض في القاهرة. قُلت ماشي. المعرض بقى تلاتة. قالت لي هتسافر ألمانيا معايا. قُلت وماله. ودخلت على السفير الألماني بالجلابية وشوية ورق عليهم رسوماتي. أخدت التأشيرة في خمس دقائق»، ومن ألمانيا، طافت شيرينج مع حسن الشرق قاعات الفنون في كل بقاع العالم، مُعلنة للجميع عن الفنان المصري الأصيل «الهارب من التاريخ وحفيد إخناتون ووريث الفراعنة»، وغيرها من الأوصاف التي تصدرت الدوريات الفنية والكتب والأفلام التسجيلية. «استمرت العلاقة الإنسانية بيننا لغاية النهارده. ولا يمكن إنكار فضلها وفضل بلدها عليّ»، يقول الشرق عن أورسولا شيرينج.
«يمكن حلم العالمية اللي بيراود أي فنان جالي بالصدفة، ومن غيره مكنش هيبقى فيه حسن الشرق. على رأي زوجتي إني قعدت أربعين سنة برسم محدش يعرف عني حاجة، وبعد سن الأربعين مسكت فلوس من بيع لوحاتي لأول مرة، وقتها اعترفت زوجتي أن الإنسان يمكنه كسب عيشه من الرسم»
يؤمن الفيلسوف الألماني Shelling أنه كلما توحد الفنان مع ذاته وبيئته، وحدث تماهي بينهما بصورة مطلقة، يصبح العمل الفني مثل الطبيعة ذاتها، أي فن ذاتي وتلقائي، لا يوجد به أي افتعال؛ «إن إعلاء ذات الفنان المتوحد مع الطبيعة يُنتج نشاطًا مثمرًا في العمل الفني، كأنه ينتج عن عبقرية تلقائية مثل الطبيعة ذاتها.»
فيما وصف الفنان التشكيلي المصري، مصطفى الرزاز، الفنان الشعبي، في مقاله «النزعة الفطرية في الفن المصري في القرن التاسع عشر» المنشور في 2015 بأنه «يكتسب معارفه ومهاراته التقنية وعوالمه الرمزية والقيم الجمالية عن طريق التتلمذ في المحترفات التقليدية، فيتعرف على أسرار الفن، وتنضج مشاعره، وتتجلى طاقته ومرونته التعبيرية من خلال الوعي الجماعي لمحيطه الثقافي، تتداخل معه ملامح من وعيه الخاص ليحقق رؤيته الذاتية في مسعاه لتحقيق التواصل بين الموروث والحاضر.»
ما نظّر شيلنج له وأشار إليه الرزاز، رغم اختلاف منطلق حديثهما عن الفن، تحقق تقريبًا مع موهبة حسن الشرق، لدينا توحد الفنان مع بيئته ومحيطه من البشر والنباتات والجبال والأرض والزرع والنيل والحيوانات، واستلهامه الأساطير والحواديت الشعبية وحكايات الجدات الخرافية. كلا الاتجاهين يصنعان عالم حسن الشرق الفريد، من حكايات ألف ليلة وليلة، والشاطر حسن، وأبو زيد الهلالي، والموالد الشعبية والدينية، والسبوع والحنة والطهور.
التماهي مع البيئة الطبيعية والاجتماعية في الفن بشكل تلقائي هو ما قد يُطلق عليه الفن الساذج أو العفوي. في كتابها Naive Art تصف الكاتبة ناتاليا برودسكايا هذا الفن بتميزه بـ«الرسومات التفصيلية الدقيقة، والتقنية البسيطة، والألوان الزاهية. وهو نوع من الفنون انتشر في نهاية القرن التاسع عشر. حتى ذلك الوقت، كان هذا الشكل من التعبير، الذي ابتكره فنانون غير مدربين، وتميز بالعفوية والبساطة، متأثرًا بالفنون البدائية. فيما يجد الفنانون موضوعاتهم في الحياة اليومية وبيئتهم الخاصة، لكنهم يتجاوزون الأمور العادية من خلال الخيال والبصيرة الشعرية. رغم ذلك دائمًا ما يحظون بتقدير ضئيل من الفنانين المحترفين ونقاد الفن.» وهكذا كان الوضع في مصر، مثلًا أشارت الكاتبة والتشكيلية، لوتس عبد الكريم، إلى عدم مشاركة مصر في مؤتمر براسلافا الأول الدولي للفن الفطري 1966، والذي أسهم فيه الفطريون من إنجلترا وفرنسا وأمريكا وألمانيا وبعض الدول العربية. ولم تشارك مصر إلا في دورة 1994 «أرسل المركز القومي للفنون التشكيلية لوحات فنان أصم وأبكم. وفي ترينالي براتسلافا 1997 فازت أعمال الشيخ رمضان سويلم باسم مصر بجائزة وشهادة فخرية، ما فتح المجال أكثر للفن الفطري في الظهور والتعريف بفنانيه، لا سيما بعد مشاركة حسن الشرق في عام 1998 من الترينالي وفوزه بالجائزة الأولى وتكريمه على مستوى واسع، ما زاد من شهرته عالميًا مع بداية الألفية الجديدة.»
يعتبر حسن الشرق أنه لم يلق التكريم المناسب له في بلده، ويشعر بتجاهل الدولة ومؤسساتها له، فلم يحصل على أي تكريم رسمي. تتبدل ملامحه، وتفتر حماسته، ثمة غصة في حلقه وهو يحكي أنه كُرم في أغلب الدول التي زارها، «وفي مصر مش عارف أقابل محافظ المنيا علشان أعرض عليه [فكرة] مدينة للموهوبين الأطفال يتعلموا الرسم والفنون… بعدها عرضوا عليّ أعمل المتحف بتذاكر دخول بخمسة جنيه، ويتم توريد أتوبيسات المدارس لزيارة المتحف ورفضت طبعًا. وفي يوم الفن المصري المحافظة جابت راقص تنورة لمدة خمس دقائق على الكورنيش وهو دا الاحتفال بالفن المصري وعيده؟ 25 سنة بطالب أن متحفي يكون على الخريطة السياحية للأماكن اللي يتم زيارتها في المنيا، وحصل دا بصعوبة، وبعد ما صرفت كل اللي حيلتي.»

في المقابل، يعتبر البعض الاهتمام العالمي بفن حسن الشرق مزيجًا من الاستشراق والثقافوية. لكنه لا يلتفت إلى مَن يقلل من تجربته وفنه. ثم يعتدل في جلسته أمام طاولة الرسم، وينظر إلى اسكتش رسمه بالقلم الرصاص للعائلة المقدسة، ويشعل سيجارة أخرى، ويكمل حديثه: «كل قرية فيها مشروع حسن الشرق، في الرسم والنحت والدق على النحاس والرسم على الجدران، وغيرها من الفنون. لكن مين اللي يهتم ويقدر. حظي جه كده ومسكت فيه. هل المفروض نزعل إن المستشرقين دول بيساعدوا في اكتشاف فنانين مصر ولا نشكرهم؟ طبعًا أحب الألمان وممنون منهم، لكني لست صنيعة الاستشراق، كما تقول إنت أو غيرك، دي مُكايدة وغيرة من إخوانا الأكاديميين المتحزلقين، خصوصًا بعد توصلي لسر الألوان.»
هناك قصة حول ألوان حسن الشرق والتي يضعها داخل برطمانات صلصة فارغة، ولا أحد غيره يعرف سرها، بل هي مُسجلة باسمه، وبسببها نال الدكتوراه الفخرية من جامعة كولومبيا.
رحلة الفن بدأت وهو طفل صغير، حين لم يجد مالًا كافيًا لشراء الألوان وفُرش الرسم، وظف جريد النخيل وسعفه، وذيول الحيوانات التي يذبحها والده الجزار، لتكون فرشاته الخاصة. يشذب هذه الأشياء لتصبح ملائمة للرسم على الورق. يبحث عن ألوانه وسط الطبيعة، في الصحراء وجد «الحيبة / بودرة جبلية» تتنوع ألوانها بين الأبيض والأصفر والأحمر، ومنها يصنع الألوان. وبالمثل مع الأعشاب والبهارات، وزهرة الغسيل الزرقاء، والطين، وهباب الفرن.
«الألوان سر زي التحنيط عند الفراعنة، وأنا عرفت سر الألوان من مقابر بني حسن. تأملتها سنين، وجربت سنين كتير مزج وخلق ألوان طبيعية تعيش زي ألوان رسومات أجدادنا الفراعنة واللوحات القبطية. عرفت إزاي هُمّا كانوا بيعملوا الألوان بنسب معينة للمواد دي، ويدقوها بطريقة معينة، ويضيفوا مواد طبيعية لتثبيت الألوان وتفضل زاهية. جربت دا ونجحت فيه».
يقفز حسن الشرق من مطرحه، ويضحك فجأة، ويلفت انتباهي، بصوت خفيض، للتركيز مع حديث مَن سيدخل الآن. يتقدم خطوتين ليستقبل الضيف، وهو رجل أربعيني سمين ومتوسط الطول، يرتدي ملابس كلاسيكية ويمسك في يده اليسرى حقيبة جلدية سوداء. ملامحه تُشير إلى أنه موظف، ويؤكد حسن الشرق صحة تخميني حين يخبرني أن الضيف موظف ضرائب من المدينة، ويجوب القرى ليُقيّم حجم نشاط المنشآت التجارية مثل محال البقالة والصيدليات والورش والمطاعم والمقاهي ليرفع عن هذه الأنشطة تقارير لرؤسائه. هذه ليست زيارة الموظف الأولى لمتحف حسن الشرق كما عرفت.
«البلد لمّا افتكرتني بعتتلي الراجل الطيب دا. ماذا تريد مني الضرائب؟ دا بيتي، وفاتحه لزيارة كل الخلق. هو أنا فاتح محل كشري؟»
يدخل المكان شاب عشريني، مبتسمًا بوجه صبوح، ويقدم نفسه لنا أنه زين حسن الشرق، الابن الأصغر للفنان. يسأله الأب إن كان قد ذهب بالغداء للرجال، فيجيب بالإيجاب. ويطمئنه أن «كله تمام متقلقش»
«أنا بسأله عن أكل العمال اللي شغالين في المقبرة اللي بجهزها لنفسي. ودي آخر حاجة نفسي أشوفها تكمل». أخبرني أيضًا أن ابنتيه، خريجتي الفنون الجميلة، تشرفان على تجهيز وتصميم المدفن الخاص به.
تقارير ذات صلة
هكذا نتخيل المدينة في «بساريا»
رُحنا وشُفنا معرض «العقل كمدينة» الذي ينظمه جاليري بساريا للفنون، ويقدّم أعمال ستة فنانين اجتمعوا في برنامج إقامة الجاليري الفنية لستة أسابيع من إدارة القيّمة الفنية فريدة يوسف. العقل كمدينة…
المعرض العام في دورته الـ 40 أو مائة عام من رسم نفس المشهد
يصبح معيار النجاح هو إعادة إنتاج الماضي كما هو
عن الكواكب والنجوم
مزج العرب بين التنجيم والفلك في خليط نادر من الموضوعية والشاعرية
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
