«عيش معايا موود الإنجاز.. العظمة»، يحمّسنا عمرو أديب كعادته لافتتاح المتحف المصري الكبير. يخبرنا بأن العالم كله ينتظر الأعجوبة و«الشيء الرهيب» الذي «لا مثيل له». شاهدوا الفيديو حتى تمسكم نار حماسه اللذيذة، وهو أمر ليس جديدًا على أديب، لكن حس المبالغة حاضر أيضًا في الخطاب الرسمي. فموقع المتحف الكبير يحمل شعار: هدية مصر إلى العالم، كما مهّد مجلس الوزراء لمراسم تقديم هذه الهدية بنفس الأسلوب، وأُرسلت دعوات الحضور على هيئة علب هدايا فخمة مبطنة بالقطيفة، بداخلها يرقد تابوت ذهبي يشبه الخاص بتوت عنخ أمون، تنام داخله لفافة الدعوة.
بالتأكيد افتتاح المتحف حدث كبير طال انتظاره، فهو يأتي بعد 23 عامًا من وضع حجر أساس هذا المشروع المتعثر لعقود، بعد أن عطلته الثورة وأخّره غياب التمويل، بل تأجل موعد افتتاحه الصيف الماضي إلى الخريف الحالي بسبب «تطورات الأحداث الإقليمية الراهنة» بالتزامن مع ضرب تل أبيب لطهران، كأحد تطورات حرب الإبادة الإسرائيلية، ثم جاء الإعلان عن الافتتاح في ظل توقف الحرب على غزة.
الهدية التي نقدمها للعالم، هذا الأسلوب سبق استخدامه في الترويج لتوسعة قناة السويس. وحين افتُتحت مكتبة الإسكندرية في أكتوبر 2002، العام نفسه الذي وُضع فيه حجر أساس «الكبير». يبدو أن هذا هو الوتر الوحيد الذي نجيد عزفه، لدينا تاريخ عريق، أصولنا تعود إلى حضارة العالم القديم، تفرج علينا، سنقدم لك هدية مُبهرة، أو لفة هدايا جديدة لما هو قديم.
وحتى لا نفسد الهدية، تخبرنا الميديا: الزموا بيوتكم لمشاهدة العظمة والهدية التي ستُقدم للعالم، بل صار السبت إجازة رسمية، وعُلقت شاشات في الميادين لمتابعة الحفل الذي تنفذه شركة سعدي-جوهر التي نظمت عرض موكب المومياوات في افتتاح متحف الحضارة 2021.
يروجون لاستعراض يجذب قادة العالم للمجيء عندنا للاحتفال بمظاهر الأبهة والإبهار التي ستمتد لثلاثة أيام، ربنا يتمّه على خير. لكن ما قصة هذا المتحف؟ وما محتوى الهدية؟
بخلاف جو الهدية والعظمة، ماذا سيبقى بعد الحفلة؟ المتحف لن يكون متاحًا للزيارة إلا بعد أيام الاحتفال الثلاثة، وأول أيام استقبال الجمهور يتزامن مع الذكرى الـ103 لاكتشاف مقبرة توت عنخ أمون، التي تُعرض مجموعتها كاملة لأول مرة بالمتحف الكبير.
تكلّف المتحف 1.2 مليار دولار، وموّل بقرضين من اليابان عامي 2006، و2016، بقيمة إجمالية نحو 750 مليون دولار، حسب تصريحات رئيسه، تُسدد على عشرين سنة بعد فترة سماح عشر سنوات. أي أننا نسدد مديونية الأول حاليًا وحتى العام المقبل، وفيه ستبدأ أقساط الآخر. باقي مصادر التمويل تكفلت بها الحكومة المصرية، (هناك معلومة ستهم القراء أو قد لا تلفت الانتباه، لكن يجب أن نشير إليها، فالمتحف هيئة اقتصادية تتبع الوزير المختص، يمكنها تأسيس شركات والتربح، وبالفعل أسست قاعة مؤتمرات تُؤجر، ومحال ومطاعم، وتحدد زيادات أسعار تذاكر الدخول، وهكذا فإنه يهدف إلى الربح وعدم الخسارة).
يقع «الكبير» على مساحة 490 ألف متر مربع، ويضم 57 ألف قطعة (منها 30 ألف لم تُعرض من قبل)، وتذكرته 200 جنيه للمصريين، وتزيد للعرب والأجانب إلى 1450، واسمه على مُسمى، فهو كبير فعلًا (حين زرتُه خلال فترة الافتتاح التجريبي لم تكف خمس ساعات للإحاطة بكل جوانبه).
***
هناك مسلة عملاقة تستقبل الزائرين (يقول الخبراء إن الزوار يمكنهم رؤية خرطوش الملك/توقيعه وختمه إن نظروا داخلها). خلف المسلة وخرطوشها، تجدون المبنى الذي صممه مكتب هينغان بينغ الأيرلندي، وبحسب موقعه «تُمثل أشعة الشمس الممتدة من قمم الأهرامات الثلاثة عند التقائها كتلة مخروطية هي المتحف المصري الكبير». ما نفهمه من هذه الفذلكة الدعائية أننا أمام مبنى جعل الأهرامات الثلاثة وما حولها منظرًا يطل عليه الزوار من زاوية رؤية مرتفعة تمكنهم من الفرجة على مشهد مبهر عمره خمسة آلاف عام، كأنهم تسلقوا هضبة دون معاناة أو خوضٍ في الرمال أو مشقة الهايكنج.
رمسيس الثاني ينتصب تمثاله في المدخل، وحوله مسطح مائي يشبه النافورة التي كانت أمامه في موقعه القديم الذي نُقل منه عام 2006. وحين سألت العاملين في المتحف الكبير عن السبب حتى يبطل العجب، رد أحدهم عليّ باستغراب أن التمثال كانت أسفله نافورة ماء في ميدان رمسيس، كأنه نبتة ولا داعي لأن نغيّر ما عهدنا رمسيس عليه.
قرب رمسيس، هناك لافتة تحدد الموقع الأنسب للوقوف أمامه حتى يبدو التمثال العملاق ظاهرًا بالكامل في حال التصوير. وبعد التصوير، تبدأ مرحلة الارتقاء عبر صعود عشرات الدرجات على منحدر صاعد سُمي بالدرج العظيم، وعلى مستوى النظر تُعرض بانوراما تاريخ مصر التي تتنوع بين تماثيل وأجزاء من جدران المعابد وتيجان أعمدة وأيقونات في غاية الجمال تصل إلى 70 قطعة ضخمة، منها المُرمم والمُكتشف حديثًا أو المجلوب من متاحف أخرى أو مواقع أثرية، كل ذلك يُعرض مع لوحات إرشادية شارحة على هيئة أحجار تناسب الديكور وأجواء المعمار القديم، يستمر الصعود بما يعادل ستة طوابق، حتى ترى البانوراما الكبرى، أهرامات وصحراء.. بصراحة فيو تحفة.
ومن هنا سيكون أمام الزوار خياران: السير يسارًا والتنقل من قاعة إلى أخرى للتجول بين الحقب التاريخية، أو الانحراف يمينًا إلى قاعتي توت عنخ أمون، اللتين تضمان المجموعة كاملة، حوالي 5800 قطعة. فحين صُممت القاعتان، قرر الآثاريون جلب كل القطع من المخازن، فـ«الزائر سيكتشف المقبرة كما اكتشفها كارتر»، كما قال المشرف السابق على المتحف، طارق توفيق، ونعيد التذكير أنها ذكرى اكتشافها الـ103، (كلنا كارتر؟).
أسلوب العرض المتحفي مُبهر، يمكن رؤية القطع واللّف حولها، والتدقيق بعناية في التفاصيل، وإمعان النظر في الخامات ودرجات الألوان، فهناك وحدات إضاءة يتكسر فيها الضوء الأزرق على سلاسل معدنية مطلية باللون الفضي حتى توفر رؤية لتفاصيل المنحوتات الدقيقة، شغل جواهرجية. وكلما شعر الزوار بالتخمة أو التشبع، يمكنهم إلقاء نظرة جديدة على الفيو والاستمتاع بالصحراء والهرم والهدوء فيشحنوا طاقتهم للاستمرار في الجولة.
بخلاف زحام وتكدس متحف التحرير (1902) فإن «الكبير» يوفّر لزواره جولة ممتعة وهادئة، يصعدون درجًا عظيمًا ليروا الفيو الرائع، يجلسون لشرب القهوة في كافيه شيك، يتصلون بالإنترنت، وهناك خبراء يحددون المكان الأمثل لالتقاط الصور مع الآثار. يمكن التمتع بـ«الكبير» منفردين أو بصحبة مرشد، (يمكن أن تحظى برفقة الفنان محمد خميس) بلا حر أو إزعاج ترجمان، كل هذا استُبعد من التجربة، بل لن يلمح الزوار هؤلاء الأرزقية إلا كنقاط في مشهد بانورامي لا يشوبه بشر أو عشوائية أو ما يجافي شعور الزوار بروعة التجربة.
فعلى مدار سنوات، أفضت عدة مسارات لمصلحة المتحف الكبير: افتتاح مطار سفنكس الدولي (على بُعد 36 دقيقة من المتحف)، تجهيز الطريق السياحي الواصل بين الدائري ومنطقة الأهرامات والمتحف الكبير، وتولّي الهيئة الهندسية تطوير منطقة هضبة الأهرامات السياحية (2017) بعد تعثر تطويرها منذ 2011، فبُدّل مدخل منطقة الأهرام ليكون عبر طريق الفيوم بدلًا من شارع الهرم (المغلق منذ سنين بسبب تأسيس مترو أنفاق)، وتطوير وتهجير منطقة نزلة السمان المتاخمة للأهرامات، وإغلاق الفنادق غير المرخصة هناك. مُنِحت «أوراسكوم القابضة» إدارة منطقة الأهرامات في 2018 ومنعت تواجد الخيالة ودوابهم، وحددت أماكن تواجدهم داخل المنطقة، وأخيرًا تأسس كوبري مُشاة يصل الأهرامات بالمتحف. يمكن للزوار رؤية عربات كهربائية تنقل الزوار من المتحف إلى الأهرامات والعكس صحيح.
وبخلاف تلاقي الخطط الذي يوحي بأن الملف يُدار باحترافية عالية، فإن هناك أيضًا التأجيل والتعثر، فقبل 33 عامًا من الافتتاح حُدد موقعه في 1992، بقرار رئاسي يخصص «93 فدانًا وعشرة قراريط و22 سهمًا ناحيتي غطاطي وحدود الجبل الغربي بمحافظة الجيزة» كملكية خاصة لوزارة الثقافة، إلى جانب «23 فدانًا و13 قيراطًا و12 سهمًا» بنفس الناحيتين من أعمال المنفعة العامة، وذلك «لإقامة المتحف المصري الجديد وملحقاته الثقافية». تضمن القرار أيضًا أسماء مُلاك أراضٍ، سيتم تعويضهم وفق حصر/جدول وقعه، في أبريل 1992، وزير الثقافة وقتها، فاروق حسني. (منهم ورثة محمد عرابي خليل، ومركز تدريب المقاولون العرب، والهيئة العامة للطرق والكباري، والشركة المصرية العامة للسياحة).
السنين الفاصلة بين تحديد الموقع ووضع حجر الأساس، عشر سنوات. ثم خفُت الكلام حوله حتى تحصلنا على قرض من اليابان في 2006، شهد العام نفسه نقل تمثال رمسيس الثاني، الذي سُمي أهم وأزحم ميادين مصر نسبة إليه، من موقعه أمام محطة قطارات القاهرة الرئيسية ليكون في استقبال زوار المتحف الكبير (كُهن التمثال في ميت رهينة ورُمم انتظارًا لاستدعائه ليستقبل زوار المتحف). ومع حلول الثورة وما تلاها هُمش الحديث عنه، بل تراجع لمصلحة السياسة. واعتُبر مشروع من زمن مبارك، فصار في الظل، ثم عاد للنور حين تحدث عنه وزير الآثار ممدوح الدماطي، في أغسطس 2014 مشيرًا إلى نقص التمويل. وكما يتضح من كلام الوزير وقتها، فإن متاحف أخرى منها الفسطاط الذي سيُعرف بالحضارة تأجل افتتاحه بسبب التمويل.
في حديث لوزير الثقافة الأسبق، فاروق حسني، يقول إن متحف الحضارة كان مكتملًا وجاهزًا قبل 2011، لكنه لم يفتتح إلا في 2021 بموكبه الناقل للمومياوات الأسطوري. إذا شاهدتم حسني، ستجدونه يحكي حكاية مسلية عن الصدفة التي كانت السبب في تأسيس المتحف، بأن إيطاليًا سخر من المتحف المصري بالتحرير ووصفه بالمخزن، فرد عليه الوزير بأنه سيؤسس أكبر متحف في العالم، منفعلًا ورافضًا للإهانة. حسب رواية حسني الذي يشغل حاليًا منصب عضو مجلس أمناء المتحف المصري الكبير، فإنه عاد إلى مصر وطلب من الرئيس مبارك تأسيس المشروع، وتوالت الأحداث: تخصيص الأراضي في 1992، ثم وضع حجر الأساس في 2002، وبدء العمل في 2005، ثم تعثرت الخطط بسبب الثورة وما تلاها، حتى تجدد البناء في 2015-2016.
لم يصدر توضيح رسمي بخصوص صدفة حسني، لكن الحكاية أكبر بكثير من غرور وزير أسبق، أو أسلوب دعائي يرى أن لفة الهدايا أهم من المحتوى، فالمتحف نفسه يستحق الزيارة، وهو ما سيبقى.
تقارير ذات صلة
الافتتاح الكبير للمتحف المصري الكبير
لا تقلقوا، سيظل بإمكانكم الدخول في أجواء الاحتفال عبر الشاشات
المستبعدون من صورة مصر الحضارية: عُمال الحفائر الأثرية
تحاول هذه القصة وضع عمال الحفائر الأثرية، رافعي أعمدة معابد، في مقدمة الصورة لا خلفيتها
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن