تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
المستبعدون من صورة مصر الحضارية: عُمال الحفائر الأثرية

المستبعدون من صورة مصر الحضارية: عُمال الحفائر الأثرية

كتابة: معتز حجاج 9 دقيقة قراءة

ننشر هذا النص ضمن فترة التدريب والدراسة الخاصة بـ«الأكاديمية البديلة للصحافة العربية»، حيث نعمل عن قرب مع كُتّاب وكاتبات من المنطقة في تطوير مهاراتهم الصحفية. الأكاديمية هي برنامج زمالة مُكثف مدته عام، يشجع على الإبداع والتفكير النقدي في الصحافة وتشرف عليه «فبراير»: شبكة وسائل الإعلام التقدمية المستقلة الرائدة في الشرق الأوسط: مدى مصر | الجمهورية | معازف | ميغافون | صوت.  على مدار عامٍ كاملٍ من القراءة والنقاش والممارسة والعمل في هذه المؤسسات الصحفية، تحاول الأكاديمية تجريب واختبار مساحات جديدة وخلّاقة للسرد والتعبير، والاشتباك مع الكثير من المسلمات في سياقنا العربي، والتدرب على نهج مختلف في طرح الأسئلة والاستقصاء والبحث، ومناقشة علاقة الصحافة بالتاريخ والمكان والتراكمات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.

caption

«المشكلة إن كل صحفي بيجي مش بيتكلم مع العُمال، ممكن يتكلم مع مسؤول، مفتش، لكن هيتكلم مع العامل هيقوله بتشتغل إيه؟ هي دي الفكرة بتاعتهم.» 

تتضاءل ذواتنا أمام مهارة المصري القديم حالما نرى أثرًا. وتحت سطوة الانبهار، وكذلك الاستغلال السياسي للتاريخ من قِبل النُظم الحاكمة، يختفي المصري المعاصر. وإذا ما أُنصف لن يتجاوز الاحتفاء بعالِم الآثار المصري، وبحضور العالِم يغيب أهم جوانب الاكتشافات الأثرية، العمالة الأثرية. تحاول هذه القصة وضع عمال الحفائر الأثرية، رافعي أعمدة معابد، في مقدمة الصورة لا خلفيتها.  

انتظرنا الريّس محمود فاروق، رئيس عمال معبد الكرنك، في مقدمة صالة أعمدة المعبد بابتسامة مضيافة. قدم لنا شرحًا تاريخيًا مفصلًا مع كل خطوة تتوغل بنا داخل المعبد الواقع في مدينة الأقصر. يقاطع حديثه عامل يستفسر عن تفاصيل فنية. يرشد سائح أخطأ طريقه. ثم يعود إلى حديثه شارحًا الكيفية التي شيّد بها المصري القديم معابده. «المعبد اللي إنت شايفه دا كله مبني على حتة خشبة، بنسميها ديل حمامة عشان رفيعة من طرف وواسعة من التاني، الخشبة دي ماسكة الحجارة ببعض. المصري القديم كان يخمّر الجير في ميّه لمدة ستة شهور، لغاية مَا يبقى زي الزبدة، وبعدين ينزل الحجر فوق بعضه، فضغط الوزن يفرغ الميّه والهوا من الجير.»

يفاجئني بجملة اعتراضية «على فكرة أنا متعلم، خريج كلية آثار، بس أنا حبيت شغل أبويا، عشان مش سهل تبقى ريّس عمال، الريّس بيبقى واحد بس.» يتذكر بداية دخوله معبد الكرنك «كنت آجي مع أبوي وعُمري ست سنوات، إحنا سبعة إخوات، كلنا ولاد وبنات شغالين في الآثار، وعندي ولدين علمتهم المهنة.» يشير إلى شاب منهمك في تقطيع كتلة جرانيتية «دا واحد منهم.» 

ينحدر الريّس محمود فاروق من عائلة السُليك، إحدى العائلات المشهورة في أعمال الحفائر بقرية القلعة، من قرى مركز قفط بمحافظة قنا. ارتبطت هذه القرية منذ نهاية القرن التاسع عشر بأعمال الحفائر الأثرية. كانت البداية مع عالِم المصريات الإنجليزي فلندرز بتري الذي قرر التنقيب في مجمع معابد دندرة شمال غرب قنا. استخدم بتري مُزارع من الفيوم، يُدعى علي السويفي، وصار مساعده الأول. استقدم السويفي عمال قفط، ليصبح عمال تلك القرية حتى اليوم أفضل ما تحصل عليه بعثة أثرية لضمان تنقيب جيد. يقف الريّس وسيطًا بين الإدارة والعمال، وتُعتبر الريّاسة أعلى مرتبة يحصل عليها العامل حصيلة سنوات جهده، ويظل حتى وفاته يفخر باللقب. حتى لقب الحاج، الذي يحظى بأهمية في المجتمع المصري بعد أداء الفريضة، يتوارى خلف لقب الريّس. 

مثل مدرائه، يشعر الريّس محمود فاروق بمراقبة التاريخ له «شغلتنا عايزة مزاج رايق، لو كسرت قطعة بالغلط وإنت بتطلعها ممكن يتوقف عليها تاريخ ملك من الملوك. التاريخ مش هيسامحك.» ينقسم العمال إلى فرق عديدة؛ حفر، وعتالة، وترميم، وغيرها من المهام المتخصصة. يشرح لنا الريّس محمود دوره كموظف متخصص في العتالة بوزارة الآثار. «بيجي دورنا بعد ما الحفارين يلاقوا حاجة، الأول نكشف على الحجر، نشوف فيه شرخ، وزنه ومقاساته، خامة الحجر؛ جرانيت ولّا ألباستر ولّا جيري، أضعف حجر هو الرملي. لو فيه مشكلة بيعالجها قسم الترميم، وبعدها نتوكل على الله. طبعًا القطعة بنلاقيها مقلوبة، نرجعها الأول لوضعها، ونغلفها بورق الزبدة والإسفنج، وبعدين نحطها على طبلية خشب، ونحزمها بحبال حرير، ونرفع بحرص بعد ما نتأكد إن الوزن موزع بالتساوي.» يكمل «قبل أي حاجة لازم أعرف كمان القطعة هتُنصب فين، وهتمشي قد إيه، بالونش ولّا يدوي.» مواعيد عمل الريّس «على حسب الشغل، أوقات نبتدي من ستة الصبح، وساعات قبل، وممكن نخلص مع آخر ضوء في الكرنك، ومرات بيبقى في شغل بالليل كمان»  يقول فاروق الذي يعود للحديث بعد صمت سيطر لدقائق «لمّا روحنا ننصب مسلة ميدان التحرير، زي ما عارف بيبقى فيه شركات كبيرة من مصر ومن برّه، فرحنا لمّا لقيناهم مستنينا، الواحد حس نفسه مش مهندس، أحسن من المهندس كمان.»

خبرة تنقرض في دولاب الدولة 

«بيشوف الأثر قبلي» يتحدث دكتور مصطفى الصغير، مدير آثار منطقة الكرنك، عن العامل. «هو اللي عارف كل مرحلة في الشغل، امتى يوقف لو شاف لون التربة اتغيّرت، لغاية ما نصورها، عارف لو لقي حاجة لازم يسيبها شوية في الأرض، لغاية ما تُخرج منها الرطوبة. إزاي ينضف الأثر، والأدوات اللي يستخدمها.»

يعتز الصغير بعمال الكرنك «هنا، نتيجة عدد البعثات الأثرية الكبير بيبقى عند العمال خبرة عالية، بيتطلبوا في مواقع برّه الأقصر، في أسوان والشرقية وسقارة، إيه اللي يخلي الوزارة والبعثات الأجنبية تتحمل تكلفة سفرهم وإقامتهم لو مش مهمين؟» ويؤكد الصغير قدرتهم على هضم بعض التقنيات «بعضهم بيتعلم الرسم الأثري وتصنيف الفخار بالممارسة والاحتكاك، ومنهم اللي بيشتغل على جهاز Total station، وبيعمل رفع مساحي للموقع، ودا شغل مهندسين.»

منذ 2012، توقف جهاز الدولة عن استيعاب موظفين جدد، أمر يؤكد عليه رئيس الجمهورية  كلما سنحت له فرصة، رغم حاجة بعض القطاعات لتعيينات جديدة. وزارة التربية والتعليم مثلًا فتحت باب التطوع لسد العجز في الكوادر التعليمية، وهو قرار أثار انتقادات عديدة، قبل السماح بتعيين 30 ألف مدرس سنويًا لمدة خمس سنوات. ويُعتبر قطاع الآثار إحدى القطاعات المتضررة من جراء سياسة غلق باب التعيين، كما يوضح الصغير. «العمالة الخبرة دي بتقلّ، التعيينات في الجهاز الإداري للدولة موقوفة، فالعمال بيطلعوا معاش ومفيش بديل، وأغلب عمال اليومية مش بيستمروا، سواء لنفاذ اعتمادات الكشوفات الأثرية، أو بسبب اشتراطات بتمنع عملهم فترات طويلة، على المدى القصير خبرتهم هتنقرض في الوزارة.»

يعيد الصغير الأمل للحوار مرة أخرى. «في البر الغربي بالأقصر لسه العمالة موجودة، عدد البعثات الأجنبية هناك كبير جدًا، وهناك مفيش أنشطة تجارية كتير، فالعمل مع البعثات الأجنبية بيبقى مصدر رزق الأهالي الوحيد، ومنهم اللي بيوصل لريّس عمال للبعثات.»

يؤكد سعدي زكي، مدير عام آثار ومتاحف مصر العليا، أهمية العامل في كل أقسام الآثار، حتى قسم الترميم الأكثر تخصصًا. «حاليًا عامل الترميم دوره انحصر في معاونة الفني، خريج معهد ترميم. لكن قبل ما يُؤسس القسم في جامعة القاهرة أواخر السبعينيات، كان العامل يرمم وحده. دلوقت أصغر عامل في إدارة الترميم عمره خمسين سنة، ودا أثّر على إنتاجية العمل. حتى عامل اليومية اتمنع في القسم.»

رجالة الريّس.. سردية عامل الوزارة والموسمي

يأتي العامل الموظف بوزارة الآثار التالي في التراتبية بعد الريّس. محمود جاد الرب عُين ضمن «آخر تعيينات في الوزارة، بس شغال من 1999 باليومية.» لدى جاد الرب معرفة دقيقة بأدوات عمله. في حديثه عن أول تمثال يراه خارجًا من التربة يركز على الحرفة التي استُخرج بها، بينما يتذكر اسم التمثال بصعوبة «أول مرة في حياتي اشوف تمثال طالع من الأرض، كان اسمه إيه دا» يتوقف طويلًا ليتذكر «تمثال اسفنكس -أبو الهول- كنت مركز على إزاي العامل هيطلع التمثال من الأرض، بيحفر حواليه وينضفه، وإيه أدواته، فُرشة ولّا قطن؟ إيه نوع الفُرشة؟ وليه الناعمة مش الخشنة، وإزاي هيرفعه يحطّه على إسفنج؟ عايز اتعلم منه.» التماثيل الوحيدة التي تذكر أسماءها «الأزوري اللي هنا في قدس الأقداس [بالكرنك]، التماثيل دي بحبها قوي، عشان كانت أول حاجة أشارك في نصبها.»

علي السعدي، عامل يومية، وهي الشريحة التي تقع في ذيل تراتبية عمال الحفائر. هنا يغيب تقريبًا الاتصال بالمنتج المعرفي، ويظل الفضول والإحساس بالجمال، بسبب طول العِشرة مع الحجر. «لمّا بنلاقي حاجة بسمع الناس الكبيرة -الأثريين ورئيس العمال- اللى حواليا». يتذكر السعدي بداية عمله بمجال الحفائر «أول مَا نزلت من الزينية -إحدى قرى البر الغربي بالأقصر- نزلت معرفش حاجة، الكلام دا في 1993، كان عمري بتاع عشرين سنة، تلقاني الريّس فاروق، أبو الريس محمود، كان ريّس عمال هنا برضو، الله يرحمه علمني كل حاجة. كان معه خرزانة صغيرة، لمّا اعمل حاجة غلط، يضربني عشان أتعلم.» تقطع كلامه ابتسامة «الناس بتاعت زمان دي كانت بركة.»

حصل السعدي على «دبلوم صنايع». لا يوجد غيره من العائلة يعمل في الآثار، لكن جميعهم يعمل بالسياحة. ينكر السعدي لعنة الفراعنة، ولا يعتقد بوجود العفاريت. «في البداية كنت أخاف، بس اشتغلنا هنا صبح وليل، ومفيش حاجة.» يضيف مشيرًا إلى البحيرة المقدسة القريبة من موقعنا «البحيرة دي كنت أسمع اللي ينزلها مَيطلعش، أنا بنزل فيها لمّا بتقع حاجة، إنت لو خايف هتتخيل.» لا يتذكر السعدي اسم أول أثر أخرجه، لكن يتذكر بدقة مشاعره تجاهه «كنت عايز اقعد جنبه مش عايز اسيبه، لغاية ما جا الريّس فاروق زعق ليّ، كانت حاجة جديدة عليّ.»

على هامش التأريخ

في أواخر يناير 2021، أُقيم أول معرض لعمال الحفائر الأثرية بمحافظة الأقصر، كجزء من دراسة حالة على المجتمع المحلي المُحتك بالآثار، ضمن رسالة دكتوراه عن المشاركة المجتمعية في حماية الآثار أوقات الأزمات، للباحثة وسام عبد العليم، الأستاذة المتخصصة في علم المتاحف، والباحثة بجامعة آرهوس بالدنمارك. ترى الباحثة أن التاريخ يتجاهل دور العمال. «إحنا بنكتب عن الأثر، لكن ما حوله، مين أول عين شافته، وأول إيد لمسته؟ مفيش.» وتعتقد عبد العليم أن مشكلة مصر في التأريخ للعمال أكبر «فيه أرشيف كبير لعمال الحفائر في متاحف برّه، للأسف معندناش حصر به. أشهر مثال أرشيف عالم المصريات فلندرز بتري بمتحف لندن، مسجل فيه أسامي العمال، ورواتبهم، ودرجات القرابة بينهم، وحتى سماتهم الشكلية، اللي تُصنف اليوم عنصرية.» تربط عبد العليم حركة التأريخ للعمال بتوجه وزارة الآثار «إحنا في الوزارة بنشتغل إداريات أكتر.» 

تؤكد عبد العليم وجود دلائل تشير إلى اكتشافات كان أبطالها الرئيسيين عمال، ولم تُذكر أسماؤهم. «أول مرة حسب بحثي يُذكر فيها اسم عامل قبل مدير الموقع، كان خبيئة معبد الأقصر 1989، الريّس فاروق شارد شك بوجود حاجة في ساحة المعبد، فبلغ عنها مدير آثار الكرنك وقتها، دكتور محمد الصغير، والد دكتور مصطفى، رئيس آثار الكرنك حاليًا، أعطى الثقة للريّس فاروق، وكشفت أعمال التنقيب عن 22 من أجمل التماثيل الملكية. افتكر العمال الموقف دا في افتتاح المعرض، وقرأوا له الفاتحة، موقف بيوضح إحساسهم بهضم دورهم.»

يتخذ العمل في الحفائر شكل عائلي، لكن عبد العليم ترجع سببه لبدايات عملهم نهاية القرن التاسع عشر و«الفخر العائلي بدورهم في مجال الحفائر». كما تتردد في ذكر أمر ما؛ «أنا مش بحب أتكلم عن القصة دي كتير، عشان الريّس علي فاروق بيزعل. الريس علي مصمم إن جده الكبير علي السويفي، مساعد فلندرز بتري، وإنه اسمه الحقيقي علي السُليكِ -اسم عائلته- لكن الأجانب كانوا بينطقوه غلط، ولدعم رأيه جاب لنا عصاية طبق الأصل من عصاية السويفي في الصور، وفعلًا شكلها كان أثري وشكينا للحظة، بس فريق يعمل على أرشيف معبد أبيدوس، بعت لنا رسالة من السويفي لمسؤول الشرطة بمديرية سوهاج موقعة باسمه. عرضنا الرأيين في المعرض، عشان بيوضح اعتزازهم بالمهنة.»

يمنع العمال انقراض المهنة بنقل الخبرة لأبنائهم منذ الطفولة، بينما تتقاعس وزارة الآثار عن دورها في تدريب العمال. «مرة واحدة عملوا للعمال دورة تدريبية». وتعترف عبد العليم بالضغط النفسي الذي يمثله ضعف الأجور على عمال تُمسك أياديهم قطعًا أثريةً بملايين. «فرحة العمال لمّا بيبقى فيه بعثة أجنبية لأنها بتدفعلهم أحسن.» 

في نهاية اللقاء، أخرجت وسام عبد العليم آخر قصصها عن ذكريات المعرض «كان فيه شابين صغيرين بيشتغلوا باليومية، واحد منهم كتب قصيدة بعنوان من غير عمال مفيش تمثال، التاني قالي مش عايز أكمل في المهنة، أنا بشيل التراب بواسطة.»



عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن