#جو عام
نأمل أن يشجع هذا العدد على للتحرك حالًا بالًا أو في صباح السبت أو في أي إجازة مقبلة إلى خوض غمار مغامرة زيارة منطقة سقارة الأثرية التي تُصنف كواحدة من مواقع التراث العالمي منذ 1979. هناك يمكن التجول بين العديد من الأهرامات والمقابر المنتمية لبدايات التاريخ المصري القديم حتى حُقبتي الإغريق والرومان. لخوض غمار هذه المغامرة فإن منطقة سقارة مُتاحة للزيارة من الثامنة صباحًا حتى الخامسة عصرًا، وقيمة التذكرة عشرين جنيهًا للمصري، و 180 للأجنبي.

وذلك مع استمرار تلك المنطقة في تقديم مفاجآت من أسفل الرمال حيث تجلت مؤخرًا الكثير من الاكتشافات الأثرية هناك، بشكل أعاد زاهي حواس «للاكشن» كما قال بحماسه المعهود هُنا [الدقيقة 1:10]
#مشاهدة
«الأكشن» الذي يتم أثريًا، لم يُعلن رسميًا عن إمكانية زيارته، لذا إذا تكاسلت عزيزي القارئ عن الزيارة فلا تندم، بل يمكنك الفوز بلذة تلك الاكتشافات دون أي مغامرة إذا شاهدت «أسرار مقابر سقارة» الذي يوثّق أعمال بعثة أثرية مصرية في إبريل 2019 بمنطقة سقارة.
يسرد الوثائقي الذي أنتجته شبكة ومنصة «نتفلِكس» أعمال اكتشاف مقبرة في منطقة سقارة بالجيزة، وذلك بعد نحو أربعة أشهر من إعلان مصطفى وزيري، أمين عام المجلس الأعلى للآثار، عن اكتشاف مصر لمقبرة الكاهن المطهر والمشرف على القصر الملكي في الأسرة الخامسة المبنية قبل أكثر من 4400 عام. وفي تصريحات مصورة، يظهر وزيري جالسًا داخل المقبرة في وضع القرفصاء وهو يحمل رديم المقبرة، مشيرًا إلى أنه «لم يُمس من قبل بعد وضع اللقى الأثرية»، وهو ما يعزز أهمية ذلك الاكتشاف.
سترى على «نتفلِكس» أعمال البعثة داخل المقبرة وخارجها، تلك الأعمال تتمّ بأدوات يدوية سواء للحفر أو نقل الرديم أو رفع الحبال التي تحمل المغامرين الذين يكتشفون داخل الآبار والحفر.
ينقلك الوثائقي بين رواة متعددين من البعثة، كل منهم يسرد جانبًا من الأسرار الكثيرة التي كُشفت، أو متحدثًا عن عمله الذي ورثه أبًا عن جد، أو لأنه يقوم بمغامرة تحقق له اللذة، أو لكونه أول مَن يلمس تلك الأشياء المخبأة منذ مئات السنين. أفراد البعثة يتحدثون بعفوية، بل يقدمون تفسيراتهم لما يجدونه أو للدقة انطباعتهم، يبدأون أعمال الحفر والتنقيب بقراءة الفاتحة والتكبير وشرب الشاي بينما يكتشفون أسرار جبانة ملكية مقدسة خُصصت لملوك كانوا آلهة، وكهنة كانوا خدامًا لربة في هيئة قطة.

من ضمن رواة الفيلم، نلفت نظرك إلى حمادة أكثرهم حركة وخفة دم الذي يركب يوميًا الموتوسيكل مغادرًا عالم الأحياء نحو الصحراء إلى عالم الموتى، بينما يصطحب مديره خلفه. يعمل حمادة مفتشًا بوزارة الآثار، ويشارك في أعمال تبيّن ما يختفى داخل المقبرة. وهو حكاء جيد، يسرد الكثير من المعلومات عن آلهة مصر قديمًا، وعن أعمال البعثة التي يتركز عملها على اكتشاف خبايا مقبرة والتي كُتب على جدرانها أنها للكاهن «واح تي» وأسرته. كما تنقب خارج تلك المقبرة، ويتبيّن لها أن هناك الكثير من المقابر والتماثيل المدفونة أسفل رمال تلك المنطقة، فيصير البحث بالتوازي بين كشف أسرار الكاهن وأسرته، وما جرى دفنه في رمال سقارة.
بعيدًا عن المقبرة تستمر الاكتشافات أيضًا؛ يُدلى حمادة وعامل آخر عبر الحبال داخل حفرة ليستقرا داخلها، ليتبيّن لهما أن هناك أسرار أخرى تتمثّل في مومياوات متراكمة، ينتبه حمادة إلى أن حجم تلك المومياوات صغير يفترض أنها لقطط، لكن إحداها تثير استغراب حمادة لكبر حجمها مقارنة بالبقية.
يحكي حمادة أنه حين يعود إلى منزله يشعر بخوف القطط منه، يفسّر ذلك بأن القطط اكتشفت ما يفعله بمومياوات أجدادها ضمن مهام عمله.

لندع حمادة الآن، ونود أن تلتفت إلى راوية أخرى في الفيلم وهي سليمة إكرام، أستاذة علم المصريات بالجامعة الأمريكية، وهي المختصة بالحيوانات في مصر القديمة. تدرس إكرام المومياوات، وتحللها عبر الأشعة ويتبيّن لها أنها لقطط بالفعل، تفترض أنها قُدمت كقرابين للآلهة المصرية. أما المومياء الكبرى فتدخل السعادة إلى نفس إكرام لكبر حجمها، والرسوم الكائنة على القماش الكتاني للمومياء عند المقدمة. الرسوم تشكل وجهًا، لكنه لا يشبه ملامح القطط، هناك شارب وعيون مسحوبة كما البشر. بعد مسح جسد المومياء بالأشعة تفترض إكرام أنها لشبل، ما يكشف لأول مرة أن الأسود كانت تعيش بين صحراء ومدن أجدادنا.
خلال عمليات البحث تجد البعثة تمثالًا صغيرًا للإلهة «سخمت» والتي تُجسد في هيئة اللبؤة المفترسة، والتي تُعد صورة أخرى أو إلهة مدموجة مع «باستيت» التي جُسدت على هيئة قطة وديعة.. هكذا يمكن فهم سر وجود مومياوات القطط والشبل مدفونة في مقبرة منفصلة، فقد كانت بمثابة قرابين قدمها المصريون قديمًا إلى الإلهة باستيت/سخمت.

بالعودة إلى المقبرة يحاول فك طلاسمها المقبرة مختصان في الهيروغليفية، ليتعرفا على ما تخبر به النقوش الجميلة والملونة المحفورة على الجدران، كما يستقر بها نحو 55 تمثالًا لـ«واح تي». يصرخ أحد المختصين: «نهار أسود» لافتراضه صاحب آخر للمقبرة.. هكذا بدلًا من أن يقدم تفسير النقوش إجابات يطرح مزيدًا من الأسئلة؛ هل كانت لشقيق «واح تي»؟
تتعلق آمال البعثة بأن يحسم التنقيب حقيقة صاحب المقبرة، هل سيتم العثور على الكاهن وزوجته وأمه وأولاده الأربعة الذين ورد ذكرهم على الجدران، أم ستكون شكوك مختصي اللغة في محلها.
بين أمل ورجاء تُحفر آبار المقبرة، ستشاهد حمادة يستقر بأسفل إحداها، وأمام واحدة من أماكن الدفن الخشبية، يحكي عن سعادته وتفاؤله بأنه أول مَن يلمس ما بناه المصري القديم، لكن بينما ينقب يتصدع الخشب بما يؤدي إلى تعقد عملية التعرّف على البقايا الموجودة في آبار المقبرة.
لكن حل ذلك التعقيد يكون يسيرًا بعد الاستعانة بخبرة أميرة التي اخترنا صورتها غلافًا لهذا العدد وهي أستاذة الروماتيزم بالقصر العيني التي ستحلل العظام لتخبر البعثة من دُفن بالمقبرة، مؤكدة أنهم الأسرة المنشودة. كما تلاحظ أميرة ثخن عظام مَن تفترض أنه «واح تي» لتقدم فرضية أخيرة تخص سر الوفاة؛ الملاريا.. هكذا تستمر أعمال البعثة كاشفة عن آثار وحكايات وتساؤلات.

بحسب الفيلم، فإن البعثة عثرت على أكثر من ثلاثة آلاف قطعة أثرية تتنوع بين تماثيل وتوابيت، وكذلك لعبة قديمة تشبه الشطرنج.
ولعل زيارتك المقبلة للمنطقة، بعد إتاحة «الأكشن» الأثري كاملًا، تحقق لك لذة أكبر في ظل التوقعات بأن المعروف عن سقارة لا يزيد عن الثلث.
وسلام
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن