تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
لاوعي البيت وكراكيبه

لاوعي البيت وكراكيبه

كتابة: بلال حسني 10 دقيقة قراءة
تصميم: سهير شرارة

#جو عام

كيف يعمل العقل الباطن للمنزل؟ يجيب هذا الدليل عن السؤال السابق، ويقدم قواعد أخرى استخلصها بلال حسني حول المهام المنزلية في إطار حكاية جميلة تتجاوز  فنون وأسرار التنظيف.

#دليل #قراءة

سأُظهر شيئًا من قلة الاحترام إن اقتحمتُ مجالها في هذه اللحظة، أنا أجلس فوق سور محطة ترام الإبراهيمية، أدخن سيجارة  ناحية شارع اللاجتيه، وهي تجلس منحنية على أحد مقاعد المحطة، تنظف وجه حذاءها، كان من القماش ودون كعب، ماركة باتا المحترمة، جديد نوڤي، رغم أنه لم يعد يُصنّع منذ زمن بعيد، لكن في حي الإبراهيمية قد تجد هنا على الأرصفة بضاعة لها العجب، أظن أنها تنظف بقعة وقعت في التو واللحظة، فهي لا تبدو كقط يسلي نفسه بنظافته. كانت تنظف وجه حذاءها بالطريقة المثالية، وهي تحرك أصابعها في دوائر ودوامات، ببطء وهدوء غريبين، يبدو أنني سوف أنتظر حتى تنتهي، أو يصل الترام، أيهما أقرب، ولقد بدا أن عالم المرأة السبعينية سينهار كليةً إن لم تستطع محو البقعة.

ميزتها على الفور من ازرقاق أوردتها المنتفخة في الحجرة الخلفية لساقها، رسم يشبه التعويذة، مثل لوحة غير مكتملة للخطاط منير الشعراني. منتصف الظهيرة، ودرجة الحرارة 39°، وليس كل الجميع على محطة الترام ينتظرون وصول الترام، بعض أهالي الحي يخرج لترطيب جسده في ساعة تخفيف أحمال الكهرباء، حسب جداول فصل الكهرباء عن المدن السكنية التي حددتها الحكومة في شهر أغسطس هذا الصيف، هي محطتي أيضًا، كان عليّ الذهاب إلى وسط المدينة، لصرف شيك نظير أجر عن كتابة حلقة تلفزيونية، وهو بنك خليجي ليس لديه فروع كثيرة. كان من المريح مشاهدتها عن بُعد، لا أعرف إذا كنت أحب تقديم نفسي إليها، وما هو رد فعلها للقاء العابر، لا أعرف إذا كنت أريد لذلك أن يحدث أصلًا، مع سيدة لا يزال لديها ما تبدده بعد السبعين. بينما ماتت عمتي، سبب معرفتي بها، في السادس والخمسين من عمرها. وتبدلت حياتي أكثر من مائتي مرة، وكأن بقاء خادمة عمتي فترة من العمر أطول، هي إشارة لجانب ميتافيزيقي لما تمثله الخادمات، صنف نادر منهن وُضَع في كتيب الدليل الذي يوزع عليهن قبل العمل.

قاعدة 1: لا تخبر أحدًا أبدًا جوهر قصتك، هذا يهلكك صغيرًا، وإن اضطررت فلتكن قصة تذوب مع سأسأة بسكويت شاي السادسة مساءً.

هذه القاعدة تمنحهم هالة نورانية في نظر مخدوميهم تدوم للأبد.

أتذكر الرغبة التي استدعت وجودها. كنت أقيم في منزل عمتي لفترة في أواخر التسعينيات، لقد أحببت فترة إقامتي لديها، حتى هذه اللحظة كانت حياة عمتي بسيطة، ربة منزل لديها طفلين، منزل واسع، بحديقة ومدخل خاص، وزوج يملك ويدير مصنع للملابس، حتى أُصيب زوجها في ذلك الصيف بمرض أفقده قدرته على الحركة والكلام، هذا ليس رجلها الوحيد الذي فقد وظائفه الحيوية مبكرًا، سبقه أبي قبل فترة طويلة بنفس المرض. رأيت عمتي تنظر إلى حوض المطبخ، كمَن تُلقي بنظرة أخيرة للنهر قبل أن تنتحر، كان حوض المطبخ قد امتلأ بالمياه بسبب انسداد مصفاة الحوض بعيدان القرنفل. قالت عمتي، بعد تأمل دام طويلًا، إن للمياه قوة تفكير وإدراك سوف تمكنها من تحريك عيدان القرنفل من مكانها، وتمنح نفسها حرية السريان. ثم ابتعدت عمتي عن الحوض، وتركته على حاله، وقالت كمَن استعادت صوتها، أظن أنني بحاجة إلى امرأة تساعدني في أعمال البيت. 

قاعدة 2: اختاري أن تخدمي ربة منزل لا تستهويها مهام الأعمال المنزلية لأسباب لن تتغير مُطلقًا.

في الزيارات التالية لمنزل عمتي، أصبحت ليلى تعمل لديها بشكل منتظم، من الساعات الأولى للصباح وحتى السادسة مساء كل يوم، قبل موعد عرض القناة الثانية المصرية للمسلسل الأمريكي «نساء سجينات»، كان المسلسل المُفضل للجميع. وفي تلك الأيام، كان هناك اعتقاد بأن تنظيف وترتيب المنزل مع هبوط الليل يجلب الحظ السيء. كانت ليلى امراة سمراء ممتلئة، دائمًا ما ترتدي فستانًا كريمي اللون أشبه بمريلة التلميذات، بأزرار كبيرة من الأمام، كانت مهمتها الأساسية مساعدة زوج عمتي القعيد والعناية بنظافته، تحمله من حجرة نومه للاستحمام، ثم تطعمه بيديها، ثم تضعه أمام نشرات الأخبار، وأخيرًا ليقضي بقايا اليوم في البلكونة، أثناء ذلك كان عليها إعادة تنظيف وترتيب المنزل، لكن كان من الغريب قدرة ليلى كل يوم على استخراج كومة من الكراكيب، مثل كومة الشعر التي تخرج من معدة القطط. وفي آخر النهار، تستعرض الكومة أمام عمتي، تتفحصها بعناية، ثم تطلب من ليلى أن تتخلص منها. كانت تلك الغربلة اليومية في حضور عمتي وزوجها وأبناءها تترك فيّ شعورًا أنها تقتص منهم ومن المنزل، تقتص جزءًا صغيرًا جدا من عدد محاولاتهم في الحياة، بمقدار أول شعرة يبتلعها القط، ربما كان ذلك سببه تزامن الأمر مع برنامج تلفزيوني فرنسي يُذاع في ساعة متأخرة من الليل، كانت تدور أحداثه حول المسابقات والنجاة من الموت أثناء البحث عن المفاتيح المخبأة في القلعة.

قاعدة 3: إذا انتهى العالم، وتبقى أمامك سيدتين لخدمتهم، واحدة مهووسة، والأخرى ذاكرتها القريبة بعافية شوية، واتُيح لكِ أن تفاضلي بينهما، اختاري العمل لدى المهووسة، دون تردد.

في تلك الفترة، كنتُ دائم السرحان في الزهور فرعونية الشكل في قيشاني أرضية مدخل منزل عمتي، في انتظار الرياح الخفيفة التي تحركها كل فترة، في كل منزل كان يأخذني البحث عن الكائنات الدقيقة التي تحرسه. لاحظت هذه المرة مدى لمعان القيشاني، بعد يوم طويل من اللعب بالكرة، كانت أحذيتنا، أنا وأولاد عمتي، تلوثها بالطين. كيف يُمكن لامرأة في رداء فاتح اللون أن تجعل القيشاني لامعًا هكذا دون أن تتلطخ به، ألا تبرك أبدًا على الأرضية وتدعكها، ألا تشمر ساعديها. ومع ذلك، كنت ألاحظ آثار اتساخ لا يُمكن محوها بحائط معين في المطبخ وأماكن عند زوايا غرفة المعيشة، بالتأكيد عمتي طلبت منها عدم التفكير في تنظيفها. 

قاعدة 4: هناك أشياء إذا قمت بتنظيفها جيدًا لا تعود لطبيعتها مُطلقًا. 

تركت منزل عمتي مع نهاية الصيف، وطوال الشتاء- فترة الدراسة- لم أزرها سوي مرة أو مرتين، لكنها جاءت لزيارة أمي مرة، وقد كانت غاضبة وتتحدث وهي تفرغ كل ما لديها دفعة واحدة، كانت تخبرها عن حيل  ليلى في سرقتها: تخيلي! لقد دفست الملاعق الصغيرة التي تسرقها في أكياس القمامة، وتستدعي شقيقتها، كل مرة، لتأخذها، موعودةّ أنا بضياع الملاعق الفضية الصغيرة، بسبب الخادمات وزوجات حراس العقارات وحتى أمهات أصدقاء أولادي. الملاعق الصغيرة في مطبخي، وفي أي مطبخ، اتنين بالعدد، واحدة للقهوة وأخرى للزبادي، كيف يُمكن سرقتها دون لفت الإنتباه؟

كانت عمتي في تلك الفترة، قد وجدت أخيرًا مَن ينشر لها قصائدها في مجلة «نهارك سعيد» الصادرة من قبرص. وكنت أشعر خلال صمتها لثوانٍ بعد نهايات المقاطع التي تقولها، كأنها قصائد مُحتملة تجربها معنا.

لن تصدقي ما حدث، قالت لأمي. في العيد الصغير نام ابني وهو يحتضن فردتي حذائه الجديد. وفي الصباح، استيقظتُ على صراخه وهو يقول إنه لا يجد فردة منهما، قلبت المنزل ظهرًا على بطن، ولكن لا أثر لفردة الحذاء، الشيطانة ليلى! أفسدت علينا بهجة العيد. بعد أيام، وجدت فردة الحذاء ملقاة في الزقاق الضيق الذي يطل عليه شباك حجرة نوم الأولاد.

في هذا اليوم، كان شبح ليلى السارق يطل من جحور كلام عمتي، من ساعة الظهرية وخلع عمتي لطرحتها، ثم طبخها مع أمي، ومع قيلولة العصاري، ثم القهوة وسجائر المارلبورو في الليل على سور بلكونتنا. سألتها أمي -لتفرغ منها شحنتها الأخيرة- عن سبب سرقة ليلي لفردة حذاء وحيدة، ما الذي ينفعها، ربما هي مريضة بالسرقة، نفت عمتي وقالت: لقد كان صعب عليها أن تسحب فردتي الحذاء من حضن الولد وهو نائم، لا بد له أن يتمسك بشيء في نومه، الأطفال على عكسنا وحتى وهم نائمين سطيحة، لا يمكن أن يفقدوا شعورهم بالتمسك بأشيائهم الحقيقية، جربي أن تسحبي ذراعك من صدر ابنك وهو نائم، يأكلك!

فور أن اكتفت عمتي من سرديات مطولة عن حيل ليلى، قصائدها المحتملة، احتضنتها أمي، وطلبت منها  ببساطة أن تستغني عن خدمات ليلى، فانهمرت عمتي في البكاء، لفظت الجملة التي كانت توجعها من البداية عن زوجها، عزت بقي شبه العظام المجففة. بعد فترة أرسلتني أمي لقضاء نهاية الأسبوع في منزل عمتي، للاطمئنان على أحوالها ومعرفة الجديد، استيقظت في اليوم التالي على صراخها، لأنها فقدت سلسلة فضية بها نقش لأول حرفين من اسمها، كان هدية من عم عزت، لكن ليلى حين عادت من إجازتها، اخبرتها دون تردد عن المكان الذي تركت فيه السلسلة، بل بنوع من العتاب الوقور، سردت لها ليلى أماكن مفقودات لا تعلم عمتي بفقدانها حتى الآن، عند مرآة الحمام، وبين شوالي الزرع في بلكونة المطبخ، وفي الصالة خلف ظهر البيانو.

قاعدة 5: الخادمة تعرف مكان كل شيء، أما الخبيرة فهي تعرف كيف يعمل العقل الباطن للمنزل. أو ما كانت تسميه عمتي، يد الشيطان التي تخفي أشياء من المنزل عن مكانها، لا تبحث عن الذي فقدته، ولا تجاريه في لعبته، في الوقت المناسب سيعود كل شيء لمكانه الطبيعي.

ليلى هي الوحيدة التي ربتت بذراعها فوق كتفي عمتي. كانت عمتي متوترة جدًا في يومها الأول وهي تستعد للعمل بشكل منتظم في إدارة مصنع الملابس، بديلة لزوجها، وبينما كانت تساعدها في اختيار ملابسها، غازلتها عمتي وقالت: ليلى.. إنتي بتفكريني بشارع فؤاد يوم حد. 

أحيانًا كانت تذهب ليلى معها إلى المصنع، خاصةً في الأيام التي تستدعي العمل لوقت متأخر، أذكر مرة أنني رأيت ليلى تجتمع مع مجموعة من الخادمات في الحديقة الخلفية للمصنع، وقدمت لهن طبقًا من المخبوزات المقرفة التي كانت تصنعها عمتي. في هذه المرة، شعرت أن ليلى هي كبيرة الخدم، تجتمع بمجموعة من الخادمات الجديدات. تستمع إلى شكواهن بحب، وتعطي لهن بعض النصائح في التعامل مع أصحاب المنازل الذين يعملن لديهم، وكان يعجبني حين يسخرن من عادات أصحاب تلك المنازل ويتبادلن النكات عليهم. لكن كانت تأتي لحظة صمت تجمعهن، تكشف غطاءً خفيفًا يحافظن عليه، شعورهن بأنهن غير مرئيات.

 قاعدة 6: لا تسرقي، وإن كان ولا بد، احصلي على الفائض، الأشياء التي لا تُقلق أحدًا بغيابها، برطمان صغير من خلطة التوابل والبهارات المجهزة منزليًا مثلًا، إنه أمر ولو تم اكتشافه، لن يُعتبر شيء مهين، بل دلالة ما عن التقدير، ويلعب بحب في منطقة التسامح.

حكي لي ابن عمتي عن زيارته الوحيدة لمنزل ليلى، ذهب بصحبة أمه، كان قد أغمي على ليلى مرة وهي تعمل في المنزل، سألته أن يصف لي منزلها، قال إن منزلها ضيق جدًا، لكنه يسع الجميع، زوجها وأطفالها وقطتها يتحركون في مسارات متقاربة، قدم في الصالة وذراع في المطبخ، ليس مثل منزلنا، والمدهش أن لديها مطبخًا تطل جميع نوافذه على الشارع، تخيل! (كان حين يتحمس، يتحدث مثل عمتي/ أمه) تخيل! حوض غسيل الأطباق أمامه نافذة على الشارع، البوتجاز كذلك، والترابيزة الصغيرة التي يتناولون عليها الطعام ويذاكر أطفالها عليها، قال أيضا إن منزلها الذي يقع قرب كنيسة مار جرجس بحي سبورتنج، تقع في مدخله شركة كبيرة وعتيقة للإنتاج السينمائي. الآن، وبعد مرور السنوات، لازلت أشعر أن ابن عمتي يشعر بالغيرة من منزل ليلى، لا تزال خريطة مطبخها في دماغه، وكلما اضطر للانتقال للسكن من مكان لآخر بسبب تعدد فشل زيجاته، يبحث عن منزل له مطبخ، تطل جميع نوافذه على الشارع. 

أثناء سنوات الدراسة في الكلية، عملت لفترة عامل نظافة في محل حلويات. وشرحتُ لصاحبته أنني في حاجة إلى وظيفة غير ثابتة، بعدد ساعات عمل غير متصلة، لكي أنتظم بشكل كبير في محاضرات الكلية. رفضت في البداية، لكنها لانت وتعاطفت معي أخيرًا، وأظن أن فكرة أن يكون عامل النظافة طالبًا جامعيًا أعجبتها، بالتأكيد سيكون لبقًا مع الزبائن، وكلانا يعرف أنها وظيفة مؤقتة. كان اليونيفورم عبارة عن بنطال أبيض وقميص وردي اللون بخطوط طولية حمراء، عليه شعار رجل يرفع مغرفة كبيرة، النوع الذي يصعب سرقته من البيوت، وجدت مظهري هزليًا جدًا وأنا أقف أمام مرآة غرفة تبديل الملابس، وكدت أستبدل ملابسي ولا أعود إلى المحل مرة أخرى، لكني استمديت شجاعتي يومها من ليلى، حين استخدمت نفس طريقتها المثالية في المسح، بدوائر ودوامات، صعدت فوق عتبة منتصف الواجهة الأمامية للمحل ونظفت بمزاج وحرية، فشر الفنان أحمد نبيل في عرض حي للبانتومايم.

***

الآن، انتهت ليلى من تنظيف حذاءها الباتا اللطيف من بقعة الآيس كريم أخيرًا، ودخل الترام إلى محطة الإبراهيمية، صعدت وصعدتُ خلفها، وتعمدتُ الجلوس في المقعد الخلفي لها، وظللنا طوال ثماني محطات تستند ظهورنا إلى بعضها، كشريكين قديمين. ثم تركتني، أخيرًا، ونزلت في محطتها.

قاعدة 7: خذي كل شيء تقدمه لكي سيدة المنزل، حتى وإن كنت ستتخلصين منه بعد ذلك فور خروجك من المنزل أو الترام.

وسلام. 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن