تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
لاجئون في هواء رطب

لاجئون في هواء رطب

كتابة: حسان الناصر 14 دقيقة قراءة

الأرض أسمنتية باردة، الأرضية بلاط بارد.

هواء ثقيل برائحة عرق قديم ورطوبة عالقة في الجدران. كانت الرائحة أول ما يهاجمه؛ خليط من عرق قديم ورطوبة ودخان سجائر. الرائحة قوية، والهواء ثقيل.

أصوات سعال، همسات القلق، وأحيانًا شجار قصير على موضع قرب الباب حيث يتسلل قليل من الهواء. 

في الليل، تتداخل الأصوات، سعال متكرر، همسات قلق، وأحيانًا بكاء مكتوم. في الليل، يتردد السعال والأنين، ويختلط التعب بالقلق.

أرز مسلوق أو قليل من العدس، وقطعة خبز. أرز أو مكرونة بكمية قليلة، وقطعة خبز.

بدأ الإحساس بالوقت يتلاشى. فقدت الإحساس بالوقت. لا أعرف هل مر يومان أم أربعة. مكثت أيامًا لا اعرف عددها بدقة.

هذه شظايا من شهادات، معظمها لسودانيين، تعرضوا للتوقيف والحبس في سياق حملة بدأت في مصر منذ منتصف 2024، وتوسعت منذ أواخر العام الماضي، وتضمنت القبض على لاجئين، أيا كانت صفتهم القانونية سواء كانوا يحملون: أوراق رسمية سارية أو إيصالات دفع أو بطاقات لجوء. الحملة تركزت على السودانيين وذوي البشرة السوداء، إضافة إلى السوريين. 

تنوعت مصائر أصحاب الشهادات ما بين إطلاق السراح والترحيل والموت. 

وبينما أشارت البيانات الرسمية إلى إجراءات وضوابط، كشفت الشهادات واقعًا مغايرًا؛ تجارب قاسية في سجون البلد المضيف، تضاف لتجارب الهروب من مدن دمرتها الحرب، لأشخاص سيعرفون القليل عن الاستقرار منذ لحظة نزوحهم. 

                                              ــــــــــــــــ

في الخامس من فبراير 2026، اعتقل محمد -طالب جامعي سوداني في أوائل العشرينات يدرس في كلية الإعلام بإحدى الجامعات الحكومية بالقاهرة- حين كان خارجًا من سكنه الجامعي متوجهًا إلى المكتبة. كان أصدقاؤه في السكن حذروه من الخروج دون أوراق الإقامة تحسبًا لحملات التوقيف المنتشرة، ولكنه قبل خروجه أطمأن لوجود الإيصال الرسمي الذي يفيد بسداد رسوم تجديد إقامته في حقيبته. كان فقط ينتظر موعد الاستلام خلال أسابيع.

يتضمن طلب اللجوء في مصر التسجيل لدى مفوضية اللاجئين، الذي يبدأ ببطاقة صفراء، يليها بطاقة زرقاء يحصل عليها الشخص بعد تحديد وضعه لاجئًا. وبالتوازي مع هذه البطاقات، يحصل الشخص على تصريح إقامة من الإدارة العامة للجوازات، يجدد سنويًا، ولكن، وفقا لشهادات طالبي اللجوء، تستغرق إجراءات التجديد شهورًا طويلة. 

«أوقفتني دورية في الشارع. سألني أمين الشرطة عن الإقامة، فأخرجت له الإيصال. قلت له إن البطاقة قيد الإصدار، وإن هذا هو المستند الرسمي لحين الاستلام». يتذكر أنه حاول التحدث بهدوء، لكن الرد جاء مقتضبًا: «تعال نتحقق في القسم». لم يُمنح محمد فرصة للاتصال بأحد، ولم يُلتفت إلى كونه طالبًا مسجلًا في جامعة معروفة.

في القسم، جلس محمد في زنزانة مكتظة قبل أن يُنقل إلى زنزانة ضيقة. «كنا أكثر من عشرين في مساحة لا تكفي خمسة عشر». الأرضية إسمنتية والجدران متشققة، والمصباح الأصفر يظل مضاءً طوال الليل. 

كان الطعام يقدم مرة أو مرتين في اليوم، وجبات شحيحة. وإذا لم يكن لديك مال لتسهيل إدخال طعام من الخارج عن طريق الأهل، تضطر للاعتماد على هذه الوجبات.

دورة المياه داخل الزنزانة محجوبة بحاجز قصير، والماء لا يتدفق إلا لوقت محدود. «كنا نصطف لاستخدامها، وأحيانًا ننتظر طويلًا». 

يصف محمد شعور الاختناق في الليل، حين يحاول الجميع إيجاد مساحة للتمدد. «كنا ننام بالتناوب. بعضنا يجلس مسندًا ظهره للحائط بينما يتمدد الآخرون، ثم نتبادل الأماكن». 

كانت الرائحة أول ما يهاجمه؛ خليط من عرق قديم ورطوبة ودخان سجائر. وتملأ الزنزانة أصوات السعال، همسات القلق، وأحيانًا شجار قصير على موضع قرب الباب حيث يتسلل قليل من الهواء.

كان محمد يكرر للحراس أنه يحمل إيصالًا رسميًا، لكن الرد كان يأتي دائمًا: «استنى لما نشوف». الأيام بدأت تتشابه. «فقدت الإحساس بالوقت. لا أعرف هل مر يومان أم أربعة»، أكثر ما أرهقه هو الشعور بالعجز؛ أن يكون مستنده القانوني في جيبه، ومع ذلك لا يغير شيئًا.

في الخارج، بدأ أصدقاؤه البحث عنه. اتصلوا بأقسام عدة حتى عرفوا مكان احتجازه. خلال زيارة قصيرة، أبلغوه أن الإفراج ممكن «لو تم دفع مبلغ». لم يكن الأمر رسميًا، بل عبر وسطاء وأفراد داخل القسم. «جمعوا المال بين بعضهم، ودفعوا جزءًا منه». بعد أيام إضافية من الانتظار، نُودي اسمه فجأة.

«قيل لي: جهز نفسك». لم يُشرح له سبب الإفراج، ولم يُعترف بخطأ احتجازه. خرج وهو يحمل الإيصال نفسه الذي لم يُعترف به في الداخل. 

يقول محمد إن أصعب ما في التجربة لم يكن الضيق فقط، بل الإحساس بأن وضعه القانوني لم يكن ضمانًا كافيًا، وأن نيل حريته ارتبط بقدرة أصدقائه على تدبير المال أكثر من ارتباطه بالإيصال الذي يفترض أنه يحميه.

شيئا واحدا تعلمه من الزنزانة: «يمكن أن تتحول من طالب يسعى لتجديد إقامته بشكل قانوني إلى محتجز ينتظر المجهول في دقائق. وبين اللحظتين، لا يفصل سوى قرار لا تملك حياله شيئًا».

                                                         ـــــــــــــــ

تعرضت سيدة السودانية، تعمل في كوافير سوداني في القاهرة، للاعتقال من داخل مكان عملها في مطلع يناير 2026، أثناء إحدى الحملات على أماكن العمل المعروفة بتوظيف سودانيين وأثيوبيين وغيرهم. 

«أدخلونا زنزانة كبيرة فيها نساء كثيرات، بعضهن مع أطفالهن. الأرضية بلاط بارد، والبطاطين قليلة. كنا ننام متلاصقات، واحدة إلى جانب الأخرى، حتى لا تبقى مساحة فارغة. دورة المياه داخل الغرفة، بلا باب كامل، والماء أحيانا ينقطع. الرائحة قوية، والهواء ثقيل. في الليل، يبكي الأطفال طويلًا، ولا أحد يعرف كيف يهدئهم».

مكثت أيامًا لا تعرف عددها بدقة. الطعام يأتي في أطباق بلاستيكية؛ أرز أو مكرونة بكمية قليلة، وقطعة خبز. «كنا نقتسم كل شيء. أحيانا أجوع حتى لا يجوع أطفالي». 

بعض النساء كن يشتكين من حمى أو آلام في المعدة، دون رعاية طبية واضحة. 

الانتظار كان هو العبء الأكبر؛ «كل صباح نسأل إن كان هناك إفراج، فيقال لنا استعدوا للترحيل».

بعد علمها بحبس سيدة، التي تحمل بطاقة المفوضية الصفراء لطالبي اللجوء، أخذت أختها تبحث عنها في الأقسام، حتى وجدتها. هناك، علمت الأخت بقرار الترحيل، وأخبرت الضباط انها تحمل نفس البطاقة الصفراء وأنها لا يمكنها البقاء بلا أختها في مصر، ولذا تفضل الترحيل معها أيضًا. ذهبت، وجمعت أغراضها ودفعت المستحقات المالية من ايجار وغيره، وذهبت لأختها. 

بعد أسبوعين تقريبا، جرى نقلهن فجرا في حافلة مغلقة. لم تكن تعرف وجهتهن. «أجلسونا صفوفًا، وكل واحدة تمسك حقيبة صغيرة فيها ما استطاعت جمعه. الرحلة كانت طويلة وصامتة. بعض الأطفال ناموا على أكتاف أمهاتهم، وآخرون بكوا من الحر والعطش. التوقفات كانت قليلة، والمياه محدودة.

وصلوا في النهاية إلى أسوان، وُضعوا في مبنى احتجاز مؤقت قرب نقطة الحدود، كان أكثر ازدحامًا وأشد حرارة من السجن. 

«كنا نعرف أننا على بعد خطوة من العبور، لكننا لا نعرف ماذا ينتظرنا هناك». الموظفون كانوا ينادون الأسماء تباعًا، ويُطلب من كل أسرة الاستعداد. لم تكن هناك مساحة للاعتراض أو التوضيح. «قيل لنا إننا سنُسلَّم للسلطات في الجانب الآخر».

لحظة العبور كانت مختلطة بالمشاعر. «مشينا في طابور، وكل واحدة تحمل طفلها أو حقيبتها. نظرت خلفي مرة أخيرة»

                                                      ـــــــــــــ

زينب، شابة سودانية تقيم في القاهرة مع أسرتها منذ 2023، تروي كيف داهمت الشرطة منزل عاملتهم المنزلية الجنوب سودانية، التي تحمل بطاقة المفوضية، في ساعة متأخرة من نهاية ديسمبر 2025. في هذا اليوم، لم تمنح الشرطة وقتًا لأفراد هذه الأسرة لجمع متعلقاتهم، ولا حتى التحقق من أوراقهم. «أخذوهم بثياب البيت، وطلبوا منهم أن يحضروا كل أفراد أسرتهم الموجودين خارج المنزل». خلال ساعات، كانت الأسرة كلها محتجزة.

بعد أيام، تمكنت زينب من التواصل معها عبر زيارة قصيرة. ومن ثم، تابعت الوضع حتى تم ترحيلهم من مصر. 

تقول زينب إن خادمتها كانت تخشى العودة إلى جوبا، حيث لا تملك بيتًا مستقرًا ولا عملًا مضمونًا. «كانت تقول لي: لا أعرف ماذا سأفعل هناك، ولا كيف سأبدأ من جديد». كانت أكثر ما تخشاه هو المجهول؛ وضع أمني متقلب، وغياب شبكة دعم واضحة.

                                                      ـــــــــــــــ

يوم احتجازه، في نهاية ديسمبر 2025، بدا يوم عوض -وهو سوداني مقيم في القاهرة منذ مطلع 2024- عاديًا. كان عائدًا من عمله، يفكر في إيجار الغرفة المتأخر قليلًا، وفي مكالمة كان ينوي إجراءها مساءً. توقفت سيارة شرطة، طلبوا أوراقه، أخرج بطاقة المفوضية الصفراء، ووضعها في يد الضابط بمزيج من الثقة والارتباك. يتذكر نظرة طويلة إلى البطاقة، ثم عبارة قصيرة أنهت يومه: «تعال». وُضع في السيارة مع آخرين من الموقوفين، ومنهم سودانيون وأثيوبيون، وكل واحد منهم يمسك أوراقه كأنها قد تشرح عنه.

في القسم، بدأ الإحساس بالوقت يتلاشى. أُدخل إلى غرفة انتظار قبل أن يُنقل إلى زنزانة ضيقة كانت ممتلئة بالفعل. كان العدد تجاوز القدرة الاستيعابية للمكان، حتى إنه ظل واقفًا دقائق طويلة أمام الباب قبل أن يجد موضع قدم. 

الأرض خرسانية باردة، والهواء ثقيل برائحة عرق متراكم ورطوبة عالقة في الجدران. لم تكن هناك مساحة كافية للتمدد، فكانوا ينامون بالتناوب؛ نصفهم يجلس والنصف الآخر يحاول أن يغفو. البطاطين قليلة، وبعضهم ينام بلا غطاء تمامًا.

الطعام كان يصل في أوعية بلاستيكية صغيرة؛ أرز مسلوق أو قليل من العدس، وقطعة خبز. الماء يُوزَّع في جالون يدور بينهم، وكل واحد يحسب رشفته. 

دورة المياه داخل الزنزانة مفصولة بحاجز منخفض، لا يمنح خصوصية ولا يمنع الرائحة. وفي الليل، تتداخل الأصوات، وسعال متكرر، وهمسات قلق، وأحيانًا بكاء مكتوم. 

يقول عوض أن أكثر ما أتعبه هو الشعور بأن جسده صار جزءًا من كتلة بشرية مضغوطة، لا يملك فيها مساحة لنفسه.

بعد يومين، نُقل مع آخرين إلى فناء مكشوف بسبب التكدس. هناك، افترشوا الأرض تحت سماء باردة. الشمس في النهار حارقة، والليل قارس البرودة. كانوا يتجمعون قرب الجدار التماسًا لشيء من الدفء، ويضعون أحذيتهم تحت رؤوسهم كبديل للوسائد. 

لم يعرف عوض كم سيمكث، ولا متى سيُعرض على النيابة، ولا إن كانت بطاقته ستكفي لإخراجه. كان الانتظار هو العقوبة الأطول؛ باب يُفتح ويُغلق، أسماء تُنادى وأخرى لا تُنادى.

ثم جاءت لحظة وُضعت فيها أمامه ورقة «العودة الطوعية». كانت الحكومة السودانية أطلقت حملة «العودة الطوعية» في مارس 2025 عقب استعادة السيطرة على الخرطوم، مروجة لعودة آمنة وخدمات متاحة، في حين يجد العائدون أنفسهم أمام أطلال المنازل المدمرة، في ظل انقطاع دائمًا للكهرباء والمياه، وتفش واسع للأوبئة. 

طاولة معدنية، ومروحة معطلة، وضابط يقلب الأوراق بلا اكتراث. قرأ العنوان أكثر من مرة، كأن تكراره قد يغيّر المعنى. قيل له إن التوقيع سيُنهي احتجازه، وإن الانتظار قد يطول إن لم يفعل. أمسك القلم، نظر إلى اسمه في أعلى الورقة، وشعر أن القرار يفوق قدرته على التفكير. لم يكن أمامه سوى خيارين كلاهما ثقيل. بعد تردد قصير، كتب اسمه بخط بدا له غريبًا، كأنه يخص شخصًا آخر.

تلك الليلة، عاد إلى الفناء وهو يحمل شعورًا ملتبسًا؛ خفة مؤقتة ممتزجة بقلق مفتوح. نظر إلى وجوه من لم يوقعوا بعد، إلى الرجل المسن الذي يضغط على صدره من شدة السعال، إلى الشاب الذي يحدق طويلًا في الباب الحديدي، وإلى البطاطين القليلة التي يتقاسمونها. تذكر الجالون البلاستيكي الذي يدور بينهم، وأرضية الفناء التي تلسع الظهر، وصوت المفاتيح وهي ترتطم بالحديد كلما فُتح الباب.

يقول عوض إن أصعب ما بقي معه ليس الضيق ولا الجوع، بل الإحساس بأن توقيعه لم يكن اختيارًا حرًا بقدر ما كان مخرجًا اضطراريًا من باب ضيق. كلما استعاد لحظة انحنائه فوق الورقة، عاد إليه أيضًا مشهد الزنزانة المكتظة، والليل البارد، والانتظار الذي يلتهم الساعات. 

خرج لاحقًا من ذلك المكان، عائدًا الى السودان، لكن تفاصيل المكان ظلت عالقة في ذاكرته، كأنها جزء من الاسم الذي وقّعه يومها.

«بعد أسابيع، بدأت أفهم أن النجاة ليست مضمونة، حتى بالنسبة لي. خرجت من بيتنا في شمال بحري حيًا، وخرجت من الحلفايا قبل يوم واحد من اقتحامها، واليوم أنا هنا، في زنزانة أخرى، أستمع إلى نفس الصراخ، نفس البكاء، ونفس الخوف. أحمل بطاقة تقول إنني لاجئ، وأحمل في داخلي مدينة محطمة. كل يوم يمر هو انتظار لقرار قد يعيدني إلى نقطة الصفر، وكل ليلة أشعر بالاختناق، ليس فقط من الهواء، بل من الخوف ومن الإحساس بأن الحياة يمكن أن تُنتزع منا في لحظة». 

                                                ــــــــــــــ

في يناير 2026، داهمت دورية الشرطة أحمد على بعد شارع واحد فقط من منزله، وحاول أحمد إقناع الضابط ان اقامته سارية وموجودة في المنزل. طالبه الضابط بإثبات لذلك. كان منزل أحمد في منطقة تسكنها الأسر السودانية ذات الدخل الميسور، والتي كان يتوقع أن تنجو من حملات التوقيف. 

بعد توقيفه، تنقل بين ثلاثة أقسام في مناطق مختلفة يجهل موقعها. لم يكن انتقالًا بين أماكن فقط، ولكن كان أيضًا عبورًا بين درجات متصاعدة من الإرهاق والضيق. في كل منها، وجد عشرات من المحتجزين، غالبيتهم من السودانيين، بالإضافة إلى آخرين من جنسيات سورية ويمنية وإثيوبية ومن جنوب السودان.
كانت الزنزانة في القسم الأول ضيقة إلى حد أن الأجساد تتلامس دون قصد؛ نحو 25 شخصًا في مساحة لا تتسع إلا لنصفهم. 

الأرض أسمنتية باردة، والرطوبة تكسو الجدران التي حفرت عليها أسماء وتواريخ لمن سبقوه في رحلة الاعتقال. 

دورة المياه في زاوية مكشوفة بحاجز منخفض، والماء شحيح. وكان المحتجزون يتبادلون الوقوف قرب الباب الحديدي طلبا لنسمة هواء عابرة. 

في الليل، يتردد السعال والأنين، ويختلط التعب بالقلق.

بعد نقله من القسم الأول إلى الثاني، يقول أحمد إن المساحة كانت أوسع قليلًا، لكنها أكثر اكتظاظًا. 30 أو أكثر، يفترش بعضهم الأرض، فيما ينام آخرون جلوسًا مسندين ظهورهم إلى الحائط، والبطاطين كانت قليلة، يتقاسم كل منها اثنان أو ثلاثة. ويقضون وقتًا صغيرًا في فناء تحت شمس قاسية تمثل المتنفس الوحيد لهم. 

شعر أحمد أن الإرهاق صار سمة عامة. الرائحة أثقل، والهدوء أشد. لم يعد هناك شجار على الضوء أو الماء، بل استسلام بطيء.

هنا، تعرّف أكثر إلى الشاب الذي كانوا ينادونه «الشبلي» لصغر ملامحه، رغم أن عمره قيل إنه يناهز الثامنة عشرة. كان نحيفًا، صامتًا أغلب الوقت، يجلس قرب الجدار محدقًا في الفراغ. منذ يومين، بدأ الشبلي يشكو من ألم حاد في صدره وضيق في التنفس. كان يسعل سعالًا جافًا متقطعًا، يتحول إلى نوبات طويلة تجبره على الانحناء حتى تلامس جبهته ركبتيه. في تلك الليلة، تفاقمت حالته. كان جلده ساخنًا حين لمسوا جبينه، وشفتاه ترتجفان. أفسحوا له مكانا قرب الباب حيث يتسلل بعض الهواء. وضع أحدهم بطانية تحت رأسه، وأعطاه آخر ما تبقى لديه من ماء. كان يتنفس بصوت مسموع، شهيق قصير يليه زفير أطول، كأن الهواء لم يعد يكفيه. بين كل نوبة سعال وأخرى، كان يهمس بأنه لم يعد يقوى على الوقوف. طرقوا الباب الحديدي مرارًا، نادوا الحارس وطلبوا إسعافًا. مرت الدقائق ثقيلة. تمدد الشاب على جانبه، وعيناه نصف مفتوحتين. اقترب أحمد منه، ناداه، فلم يتلق ردًا واضحًا. كان النفس يتباطأ ثم يتقطع. رشوا قليلًا من الماء على وجهه، حاولوا إفاقته، لكن الاستجابة كانت تتلاشى. عند الفجر، فُتح الباب، دخل الحارس ومعه شخصان، تفقدوا الشاب سريعًا ثم حملوه خارج الزنزانة. لم يخبرهم أحد بشيء. ظلوا طوال اليوم بين أمل وخوف: هل أغمي عليه فقط أم أن الأمر انتهى هناك؟ لم يكن لديهم يقين. كان الشك أقسى من أي خبر.

اختلفت الأقسام في المساحة والتنظيم، لكنها تشابهت في الإحساس ذاته؛ ضيق يتراكم، ووقت ثقيل، وأجساد تحاول الصمود. أما صورة ذلك الشاب، فبقيت عالقة في ذاكرته، لا كخبر قرأه بعد خروجه، بل كوجه كان إلى جواره، ونفس انقطع ببطء داخل زنزانة لم تتغير بعدها.

في محبسه، التقى أحمد بعدد من اللاجئين الذين كانوا في مصر منذ سنوات قبل الحرب، من بينهم صلاح، الذي يقارب عمره 40 عامًا، والذي أوصاه بتوقيع أي ورقة تشير إلى أنه سيجري ترحيله. قال له صلاح: بعد عودتك للسودان، دع أهلك يرسلون لك بطاقة الاقامة، وبعدها عد عبر طرق التهريب، وفي مصر، أبرز لهم بطاقتك السارية. «لم أعلم لماذا أوصاني صلاح بهذا الأمر إلا بعد أن فهمت معنى المعاناة في التوقيف»، يقول أحمد. 

أطلق سراح أحمد بعد تدخل أسرته عقب أسبوعين من الاحتجاز، حيث اقتنعت السلطات بسريان بطاقته. 

                                                  ـــــــــــــــ

في 17 فبراير 2026، توفي الشاب النعمان كاجو داخل أحد أماكن الاحتجاز إثر توقيفه على خلفية مشاجرة. بعد أيام، تلقت أسرته إخطارًا بوفاته، وتسلمت جثمانه وسط تساؤلات حول ملابسات ما جرى داخل الحجز. 

يقول صديقه المقرّب: «النعمان كاجو كان لاجئًا مسجّلًا في المفوضية. كان شابًا هادئًا يعرفه كل من عاشره. توقيفه جاء بعد مشاجرة عابرة في الحي، لم تكن جريمة كبرى ولا قضية خطيرة. أُخذ إلى القسم، وكنا نعتقد أن الأمر لن يتجاوز ساعات أو أيامًا قليلة. لكنه لم يخرج حيًا. علمنا لاحقًا أنه وُضع في زنزانة تضم محكومين في قضايا جنائية. لا نفهم لماذا يُحتجز شخص موقوف على ذمة مشاجرة في مكان كهذا. داخل الحجز، تعرض لإهانة من بعض السجناء، وحين احتج على ذلك، اعتدوا عليه بالضرب. كان الضرب مبرحًا. لم يكن هناك تدخل سريع لحمايته، ولم يُنقل بالوقت المناسب للعلاج، بحسب ما وصلنا من شهود كانوا معه. قيل لنا إنه سقط بعد الاعتداء، وبقي لساعات دون إسعاف حقيقي. نحن لا نتحدث عن شجار بين سجناء، بل عن مسؤولية جهة الاحتجاز في حماية من هم تحت سلطتها. النعمان لم يمت في الشارع، بل داخل مكان رسمي يفترض أنه آمن. فقدناه بهذه الصورة. نريد تحقيقًا واضحًا يبين كيف حدث ذلك، ومن المسؤول عن وضعه في تلك الزنزانة، ولماذا لم يُحمَ من الاعتداء».

تحدثت شقيقته بصوت متماسك يخفي ألمًا بالغًا، قائلة: «تلقينا اتصالًا مقتضبًا يُبلغنا بوفاته. لم يشرحوا لنا التفاصيل، فقط طُلب منا الحضور لإنهاء الإجراءات. لم يُسمح لنا برؤيته فورًا. انتظرنا ساعات طويلة بين المكاتب والتوقيعات. عندما استلمنا الجثمان، لاحظنا آثار كدمات واضحة على وجهه وجسده. لم يكن الأمر طبيعيًا. سألنا عن تقرير طبي يوضح سبب الوفاة، فقيل لنا إن الإجراءات ستأخذ وقتًا. لم يقدموا لنا تفسيرًا شافيًا حول ما جرى داخل الزنزانة».

وتختم حديثها بمرارة: «أخي دخل محتجزًا وخرج جثمانًا. لم يُحاكم، ولم يُدن، ولم يُمنح فرصة للدفاع عن نفسه. نريد أن نعرف فقط: كيف يموت إنسان داخل حجز رسمي بسبب إهانة؟ من يحاسب؟ ومن يضمن ألا يتكرر هذا مع غيره؟».

أنجز هذا التقرير ضمن أنشطة شبكة المواقع الاعلامية المستقلة حول العالم العربي، والتي تضم «السفير العربي»، و« أوريان 21»، و«مدى مصر»، و«حبر»، و«ماشاالله نيوز»، و«المغرب الناهض»، و«نواة»، و«باب المد».

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#لاجئون

«ضيوف مصر» في خطر

اللاجئون في مصر بين استمرار حالة البرزخ القانوني وخطر الاحتجاز والترحيل

مصطفى حسني و أحمد بكر 13 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن