لا، محمد عبد العاطي لا يشبهنا
المواطن الـ«طلعت زكريا» الذي لم يتحمله المجتمع
في حواره الصادر منذ عام مع برنامج الراديو «السكة الأحلى»، يصف المذيع خالد عليش الستاند أب كوميديان ومقدم المحتوى الكوميدي، محمد عبد العاطي، بأنه «جايبها من تحت»، لأنه دخل في طفولته مدرسة «أم الأبطال» في حي فيصل الشعبي بعد العودة من الخليج. استغربت الانبهار الذي كسا ملامح وجه عليش، يوجد على الأقل مليون شخص ممن قدموا من الخليج ثم استقروا أو تعلموا بمناطق شعبية، ويوجد أكثر منهم من المصابين بالبدانة ممن تعرضوا للتنمر طوال مراحل حياتهم، وبالتأكيد هناك كوميديانات يستعملون الألفاظ الخارجة في محتواهم، ما هو المميز في الأمر؟ ولماذا نبدأ من تلك النقطة ونستهلك فيها وقتًا من حياة المذيع والضيف والمستمعين. في النهاية لن تصل بنا إلى شيء.
طوال العمل في المجال الإبداعي سواء الدعاية والإعلانات أو الكتابة للسينما والدراما أو حتى كتابة المحتوى التجاري بشكل عام يطالب المرء بألا يكون عاديًا. يجب أن تقدم شيئًا مختلفًا، يجب أن تملك زاوية مختلفة، وفي بعض الأحيان قد تنسلخ عن بيئتك وتجربتك الذاتية الخاصة بشكل شبه كامل حتى تكون جزءًا من العملية الإبداعية للصناعة. بعدها تُنتج أعمالًا ينتقدها الجمهور لعدم أصالتها، لكنهم يقبلون عليها لأنها المنتج المتاح، ولأن الإنسان سيبحث عن أي نوع من التسلية حتى لو كانت رديئة، لأن الترفيه حاجة إنسانية كالأكل والشرب والجنس والسكن، وبغيابه يشعر بخلل ما في يومه، سيضطر لملئه، حتى لو لجأ إلى عمرو أديب أو فيديوهات مسح السجاجيد باللغة الصينية.
ثم يأتي شخص ليقدم تجربة شديدة العادية من وجهة نظر القائمين على الصناعات الإبداعية، تنجح، وتنتشر، ويصفق الناس لها، وتنهال عليها عقود الرعاية وعروض التوسع وفرص الظهور في مجالات السينما والدراما، ويسميها الناس «الحاجة اللي شبهنا». لا «هي مش شبهكم»، لأنها لو شبهكم كانت ستكون منتشرة ومكررة جدًا، ولم نكن لنتفاجأ بأنها موجودة وتأخذ هذه الضجة، وتدور بنا دورة الصناعة الجميلة، فنعود بعد نجاح الظاهرة شديدة «الشخصية» لرفض الأفكار الذاتية البسيطة في قالبها ونبحث عن التعقيد مجددًا، ثم نمل، ثم تأتي ظاهرة جديدة بانفراجة، ثم نعود للانتكاس، ثم نمل وهكذا تدور دنيانا في عالم الإنتاج الفني نقضيها في سنوات من تكرار نفس النمط بمنتهى الأريحية والرضا. الفارق الوحيد أننا في تلك المرة أمام تهديد من قوى عليا، قررت إيقاف هذه التجربة في ذروتها من خلال قرارات بالتحقيق والحبس، وتحفظ على الممتلكات، واتهامات بالخروج عن الذوق العام وإهانة قيم الأسرة المصرية والمجتمع وخدش الحياء العام.
لحظة نتكاتف فيها حول شخص لنجمع له كل حسنات أعماله ونقدمها قربانًا لعلنا نخرجه من كربه، نترك فيها كل الأسباب «المسلية» و«الممتعة» ليصبح الأمر شديد الجدية، نتحدث عن أغراض مجتمعية وفوائد، وندافع عنه بأن لغته يتحدث بها الجميع بالشارع. تجردنا السلطة في تلك اللحظة من أهم استحقاق لنا، أن نناقش الظواهر الفنية من منظور فني، وأن نركز في التفاصيل التي تهمنا فيها وتجعلنا ننجذب لها، رغم عاديتها من وجهة نظر المنتقدين.
لا أجيد كتابة مثل تلك المقالات، لكن ردود الفعل والأزمة المتعلقة بالقبض على صانع المحتوى الكوميدي والستاند أب كوميديان، (والمشتهر عن طريق انتشار مقاطعه على مواقع مثل التيك توك - كأن نشر المحتوى على تطبيق تيك توك أصبح جريمة) محمد عبد العاطي، أغضبتني بشدة، وأصبحت الجمل الجاهزة المعلبة في التضامن مع المبدعين تستفزني لأقصى درجات السباب، فوجدت أنني ربما أهدأ قليلًا لو فرغت طاقة غضبي بأن لا أسمح -ولو مرة واحدة- للسلطة أن تجرني لفخ الدفاع بالأخلاقيات والمواقف الشهمة الشجاعة للمظلوم، وأن أتناول محتوى عبد العاطي بصفته كوميديانًا، استطاع محتواه «الفني» أن يُقلق ويهز عددًا لا بأس به من إيجوهات ما يمكن تسميته مجازًا بمجتمع، وجعلهم يتشفون بكل طاقتهم في حبسه، ويطالبون بتوقيع أقصى العقوبة عليه. أريد أن يكون تناولي فنيًا، وأن أبحث عن أسباب حقيقية تجعل من تقييد مثل تلك المبادرات إجهاضًا حقيقيًا للفن وحرية التعبير.

بين السباب البذيء والمعجم اللغوي الواسع.. تسيح الطبقات على بعضها البعض
مثلت لي الألفاظ البذيئة و«الأبيحة» التابوه الأقرب للقلب منذ مرحلة المراهقة، مساحة اكتشفتها بتحسس في البدايات، وتدربت عليها في مساحات الحرية ودوائر الشباب وأصبحت ممارسًا شرهًا لها في السنوات الأخيرة. تكمن بلاغة الشتيمة أنها تختصر المسافات، وتذهب لأقصى درجات المعنى، وتوفر على الذهن إرهاق البحث عن مقابل مُفلتر لها. لماذا أستهلك وقتًا في صياغة المعنى شكلانيًا ويمكنني أن أوفر ذلك للمزيد من تحليل المعضلة نفسها. لماذا أختار للتعبير عن الموقف ألفاظًا منتقاة قد تخفف من وقع تأثيره على المتلقي أمامي، وفي نفس الوقت لديّ الفرصة لإعطائه التجربة الكاملة والوصف الأدق والأعمق، والمعنى الأكثر لذوعة.
تعلمنا أن السباب للإهانة وأن البذاءة لها أماكن معينة بغرض تهييج أحاسيس ووظائف معينة؛ وهو تعريف غرضي ووظيفي للغاية يجرد الفرد من خاصية المتعة، التي هي أساس التجربة الإنسانية في الأصل.
نسبة ضخمة من الجمهور تعرفت على عبد العاطي وبرنامجه «مع كامل إحترامي» بسبب الألفاظ البذيئة والتلميحات المصنفة كخادشة للحياء، لكن بالنسبة لي لم يكن الأمر أكثر من هوك جذاب. لا أرى ما يراه المنتقدون للبرنامج من أن فرادته في وجود شتائم، بل هي وسيلة لتوفير وقت الصياغات، بينما يتفرغ هو لشيء أهم في الكوميديا، وهو بناء الصور المركبة المغرقة بإحالات من الثقافة الشعبية، والظواهر الاجتماعية الآتية من بيئات مختلفة.
يحمل عبد العاطي قاموسًا شديد الثراء بلا أي مبالغة، يتنقل فيه من مفردات مغتربي الخليج، إلى مصطلحات المنطقة شديدة الشعبية التي نشأ فيها، «كفر طهرمس»، منتقلًا من تلك المنطقة الشعبية لمعالم ومظاهر الحياة اليومية لسكان أكتوبر وتفاعلاتهم مع القادمين من دول مجاورة مثل اليمن وسوريا ودول الخليج، وحتى عوالم المهندسين ووسط البلد والدقي وغيرها من أحياء المركزية بالقاهرة، كما لا تغيب عن إفيهاته مناطق أخرى خارج المركز، مثل المناطق البدوية أو صعيد مصر أو حتى الريف.
يطعم تلك التجارب التي يستعين بها كنماذج في الموضوعات المختلفة التي يناقشها بتوصيفات واستعارات من وسائط شديدة الاختلاف، حيث يصنع بوابة بين القديم النوستالجي والحديث المتنوع، مساحات قد يتلاقى فيها في إفيه واحد شاندو أو فرقة واما أو يوري المرقدي من ناحية وسوزي الأردنية وشاكر ومداهم وبالو مصر من ناحية أخرى. يغوص في أعماق أعماق العوالم السرية لتويتر، ويذكرنا بزمن منتديات الإنترنت الأولى بمختلف المجالات.
وبينما تنتشر التقارير العلمية وفيديوهات التنمية البشرية ونصائح رجال الأعمال الشباب الذين بدأوا رحلة كفاحهم بميزانيات تصل إلى الستة أصفار فقط وأفلام تامر حسني التوعوية وبوستات الكُتّاب والمثقفين المتحدثة عن أضرار السوشيال ميديا واستهلاكها بشكل مكثف على التركيز وتحصيل المعلومات، يحولها هو لمصدر لتقديم أفكار مبتكرة تذيب الطبقات الاجتماعية والمادية والثقافية وتُوجد المشترك بينها، بل وتعريها في بعض الأحيان لتكشف تشابهات جذرية بينها.
في «مع كامل احترامي» أنت لست الهدف، فقد صنع عبد العاطي البرنامج لنفسها
ربما قد يخدعك الاستنتاج الذي لاكه معظم المستضيفين لعبد العاطي في برامج حوارية، والذي يأتي في سياق التفاعل شديد الحميمية من الجمهور الحي وبالأماكن العامة معه، بأن ذلك لأن المشاهد يشعر أنه جزء من الحلقات الأسبوعية ضمن رفاق عبد العاطي وراء الكاميرا، وفي الحقيقة هذا خطأ كبير، فهو لا يعاملك معاملة هشام عفيفي في برنامجه الناجح «الفقرة الصباحية» مثلًا، بل تقتحم أنت جلسته هو وأصدقائه المقربين من أعمار مختلفة، والتي يفرضها عليهم من الأساس كعاملين إما معه بالبرنامج، وإما بالشركة التي تعد موقعًا للجلسة.
فعليًا يجمع عبد العاطي موظفي الشركة التي يعمل بها أخوه أحمد عبد العاطي مديرًا عامًا ومؤسسًا، ليتحدث فيما يشغله من أفكار يريد التعبير عنها، أو مشاعر غاضبة تجاه قضايا يريد البوح بها، يوجه الكلام لهم ويشاركون في الحلقة ببعض التعليقات والضحكات من باب التفاعل بينما يستأثر هو بالمايك.
يخلق من متابعيه وراء الكاميرا بيرسونات ليتنمر عليها أو يسخر منها أو «يُنمرها» كما نقوم جميعًا في أي جلسة سَمر، وهو لا يتوانى عن «تطليعهم» المسرح بلا أي تأنيب ضمير، وأبرزهم بهاء الذي أصبح عدوه اللدود الذي لا نعلم لماذا يضطهده بشكل كوميدي في كل حلقة. وفي الكثير من الأحيان يلتقط منهم طرف إفيه ليطوره ويقدمه بنفسه. تجربة عبد العاطي ليست تجربة تفاعلية جماعية مثل «راضيو كفر الشيخ الحبيبة» أو «ستوديو الإثنين» مثلًا، أو خطاب يتعمد الأحادية لأسباب فنية مثل «أخ كبير» أو «الفقرة الصباحية الجميلة»، لكنه يقدم مركبًا فريدًا يعتمد على فكرة الشخص الذي يملأ الجلسة بموضوعاته الشيقة، الشخص خفيف الدم «الرغاي» الذي يستأثر بالاهتمام الكامل.
تعرضه للتنمر والقسوة من أقرانه في طفولته ومراهقته جعله يطور مهارات تجعل حديثه شيقًا ومرغوبًا في أغلب الأحيان، قد تنزعج من استحواذه على الحديث في بعض الأحيان، لكنك تقف عاجزًا أمام سؤال «هل أنت قادر على تعويض فراغه إن صمت؟» هذا السؤال في رأيي مفتاح فرادة تجربة عبد العاطي وتعلق الناس بها، هو لا يمثلهم جميعًا، فالبعض يختار الصمت في التجمعات، لكنه يمثل ذلك الصديق الرغاي المسلي بينهم، الذي يملك قدرة على مواصلة الحديث والسرد والانتقال من مثال لمثال ومن موضوع لموضوع بمنتهى السلاسة ودون أن يشتري المشاهد بالفصلان.
البنت اللي ورا الكاميرا.. الخط الرفيع بين الانفتاح والتعدي
يتحسس المجتمع من أي ممارسات حميمية أو ودية متجاوزة لحدود الزمالة بشكل عام بين الجنسين في الأماكن العامة، تحسس وتوتر قد يؤدي إلى حدوث ممارسات عنيفة للتأديب وفرض قواعد قيم الأسرة المصرية. مع هذا المناخ الطارد لأي مظاهر تفاعل حقيقي وعابر للحدود يعززه تصنيف طبقي تحرم فيه الطبقة المتوسطة بدرجاتها على نفسها هذه التفاعلات بين الجنسين وتقصرها على الطبقات العليا والسفلى بحجة انحلالها الأخلاقي وافتقادها للقيم.
وسط كل ذلك نفتح اليوتيوب لنسمع صوت أنثى تقهقه بملء فيها على إفيهات تحمل تلميحات جنسية وشتائم بذيئة يوجهها شاب ثلاثيني مشعر وأقرع وبدين وضخم، فلماذا تقبل أن تسمع كلامه وتتفاعل معه بشكل إيجابي وتشعر بالراحة، ولا تتفاعل بنفس الحماس مع اختلاف الظرف مع ذكور آخرين؟
ببساطة لوجود سياق ومساحة ارتياح وأمان في «مع كامل إحترامي»، أولًا الإفيه ليس موجهًا للأنثى الموجودة بالحضور، وهو لا يتعدى حدودها، ولا يهاجمها بأي شكل من الأشكال، ولا يتعرض لها، لا يحول عبد العاطي ضيفاته إلى مساحة لإثراء خيال المشاهدين الجنسي تجاههن. أيضًا وبعكس العديد من العروض الكوميدية المختلفة لا يستغرب الشخص الغاضب البذيء سليط اللسان تفاعلهن مع نكاته، ولا يعلق عليه أو يبروزه بالاستنكار أو السخرية، ربما تكون تلك التفصيلة هي التفصيلة الوحيدة التي سأتجاوز لأصفها بألفاظ مبتذلة مثل «الطبيعية» و«الحقيقية»، فمن الطبيعي في جلسة بها بالغين من الجنسين أن يكون هناك نكات تحمل مرجعيات «خادشة للحياء العام»، غير الطبيعي هو أن يتم التوقف على تفاعلات الإناث معها. على عكس الكثير من العروض الكوميدية الحية والمحتوى الحي لكوميديانات آخرين مثل محمد حلمي وغيره، حيث يتم التوقف فيها أمام تفاعلات إناث وتصويرها بأنها تصرفات مبالغ فيها بطرق غير مباشرة وردود فعل ليست مؤذية بتعمد في أغلبها، لكنها تشبه جملة شخصية اللمبي الموجهة لنوسة في فيلم «اللمبي»، والتي يقولها ضاحكًا «وأنا اللي كنت فاكرك مؤدبة؟».
نضيف إلى ذلك أنه من اللحظة الأولى يشاركنا عبد العاطي السخرية على نفسه، الجملة الأشهر له قبل الحديث عن أي موقف عاطفي أو تعليق على سلوكيات رجال أو نساء هو «أنا مش جاد شويري»، أي أنه ليس وسيمًا ولا يدعي الاستعلاء في تلك النقطة. كما أنه يستهدف الجنسين على السواء بالسخرية العنيفة التي تصل إلى حد الحديث عن عيوب حساسة مثل الضعف الجنسي أو الخجل أو الخيانة بشكل متساوٍ يضع نفسه في بعض الأحيان ضمن سياقه. يشرح نفسه كما يُشرح سلوكيات الظواهر المتناولة في حلقاته على حد سواء، إن شعرت بأنك أصبحت على المسرح بسبب نكاته، فتذكر أنه أول شخص صعد عليه.
هذا لا ينفي أن محتوى عبد العاطي قد يذهب في بعض الأحيان إلى اتخاذ مواقف ذكورية، غالبها تخص انطباعات ومواقف شديدة الخصوصية، لكنه لا يخلق من تلك المواقف تيارًا للوصم أو الكراهية، أو يحاول إضفاء طابع وصائي أو إقصائي على نُكته، فقط يعبر عن سخريته أو غضبه من بعض الظواهر التي واجهته شخصيًا أو لاحظها في فضاء السوشيال ميديا.
يدرك عبد العاطي بشكل ذكي الفارق بين النكتة القاسية غير الصوابية وخطاب الكراهية فلا ينجرف له، ويخدمه في ذلك طبيعة وسياق برنامجه الساخطة فوق اللازم وبلا مبررات، والتي تجعل نكاته في تلك المساحة مقبولة.
السخرية تطال الجميع بلا فرملة.. إن عزمت فاضرب
في حواره مع ماهر السقا ببودكاست «أوضة الفيران» يستعرض عبد العاطي الألعاب الرياضية التي مارسها طوال حياته؛ والتي يتسم معظمها بالعنف المفرط، واحتمالات حدوث إصابات شديدة الخطورة لممارسيها، الفنون القتالية المختلطة وكرة القدم الأمريكية التي تصنف إصاباتها بأنها أشد خطورة على الجمجمة من إصابات الملاكمة في بعض التقارير الطبية.
تلك الرياضات مع عمله كجزار مع والده وأخويه في فترة من حياته بمشروعهم الخاص أثرت بشكل ملفت على قراراته في برنامجه؛ السخط والغضب في السخرية يطول الجميع بلا تفريق، من أشخاص غير محميين مثل الفلوجر المقيم بدبي مكاوي وحتى المخرج عمرو سلامة والممثل أحمد العوضي ونور النبوي، يحافظ على مستوى تهكمه وافتقاده التام للدبلوماسية. ومع وجوده في دوائر مجال السينما والدعاية والإعلام ووصوله إلى مستوى من الشهرة يمكّنه من دخول مجتمع «الساحل الشرير»، أو المنتجعات شديدة الغلاء مثل «مراسي»، يظل على حدته، ويظهر ذلك بشكل واضح في حلقة «تنورة» التي يناقش فيها مظاهر الاستعلاء الطبقي التي يمارسها ملاك الوحدات في هذه المناطق على بعضهم البعض، وكيف تؤثر الأمراض الطبقية البغيضة على تصوراتهم على غيرهم من الموجودين معهم بنفس المحيط، ويتطرق لأزمة مواطن الطبقة الوسطى ورغبته المميتة في التشبث بمظاهر ارتقاء الطبقات الأعلى.
بجانب عدم تعامله مع محتواه كوسيلة لتحسين مكانته في الأوساط الفنية والإنتاجية الدعائية، فإنه يتطرق بشكل واضح وصريح ودون تجميل لمظاهر الكراهية بالمجتمع، لا من منظور المتغذي عليها، أو المتعافي المترفع عن التعمق فيها، بل من منظور المتعافي الذي يدرك أن هذا جزء مهم محوري يجب فتح أبواب النقاش حوله، التنمر، الكراهية، ترومات المجتمع والأهل، كلها موضوعات قدمها بحساسية وجرأة شديدة في نفس الوقت، قد تكون اتسمت ببعض الشعبوية، لكنها ساهمت في تغيير متابعين عديدين لمواقفهم من ترومات تعرضوا لها.
على الحقيقة ووراء الكاميرات وبسبب أزمته الأخيرة شاهدنا ابنًا بارًا بأمه وأمًا تحمل الود والمحبة لابنها، لكن هذا لن يمنعه من أن يسلط الضوء على ممارسات وسلوكيات أثرت عليه بطفولته ومراهقته وتسببت في أذى له، مقدمًا رسالة مفادها أن التعافي والتصالح مع ما حدث في الماضي لا يلغيه، وأن ممارسات كتلك تمنع وقوع البشر في الابتزاز العاطفي الناتج عن مسؤوليتهم تجاه ذويهم في مراحل متقدمة من العمر ومشاعرهم السلبية تجاههم. حينما تناقش مع الفلوجر محمود سمير عن تجربته مع إدمان المخدرات، لم يسع لمعالجة النقاش من منطلق وعظي تطهري أو من مساحة ساخرة تامة تستخف بالتجربة، بل ناقشه كتجربة إنسانية كاملة لها تجاربها المحفزة للتندر والضحك في بعض الأحيان القليلة، وفي نفس الوقت لا تجرد صاحبها من إنسانيته ولا تلزمه بمنظور معين.
مع ضيوفه هو ليس بعبد العاطي ابن البلد المدقدق، بل عبد العاطي ونقطة
في المرحلة الأخيرة من بودكاسته استضاف عبد العاطي العديد من الشخصيات الآتية من خلفيات مختلفة تمامًا، رافضًا وضع تصنيف معين أو رابط يجمعهم إلا الجلسة والكلام، من لاعبي كرة يد مرورًا بفلوجرز من طبقات مختلفة يقدمون محتواهم لشرائح جماهيرية مختلفة، وممثلين ومخرجين ومنتجين ومقدمي محتوى جاد وترفيهي على حد سواء، حتى صانعي المحتوى الكوميدي مثله.
حرص دائمًا على الخروج مع ضيوفه من منطقة التعليب أو وضعهم في قالب محدد يخدم المشاهدات أو سردية الجمهور عنهم، وظهر ذلك بشكل واضح في حلقتي عمر فرج وسوزي الأردنية، فبينما كان التلقي العام لهم كظواهر يدخل في مساحة «الكرينج» والسخرية على طريقتهم في الحديث والتعبير عن نفسهم، نبعت كوميدياهم معه من منظورهم هم وطريقتهم في تقديم الكوميديا، أو كما قال في حواره ببرنامج «سيبها دايرة» مع المذيعة زهرة سامي، «الناس دي أنا مش جايبهم عشان أضحك عليهم، الناس دول أصلًا دمهم خفيف».
في كل تلك التجارب لم يحاول أن يلعب دور ابن البلد «المدقدق» الذي يمكنه الحديث مع كل شخص بلسانه، بل ببساطة لعب دور عبد العاطي، حينما يستوقفه شيء سيعلق ويعدل عليه، ولو وجد فرصة لتحويل الحديث لمساحته الساخرة المليئة بالشتائم وصوت البطة. لا يذاكر ضيوفه بشكل عميق ولا يوجه لهم مسار الحديث، فقط يجعلهم يشعرون بمساحة الراحة وينطلقون من مساحات لم يتطرقوا لها من قبل، دون أن يطمس شخصيته والجانب المشاكس لديه، فنجده يناكش سوزي كلما تهربت من ذكر حبيبها، ويضع نفسه ندًا بند مع محمد توفيق مقدم برنامج «توفيق الحديدي» الكوميدي، ويحاول إقناع مقدم المحتوى «منيري» عن تقييد نفسه بانطباعات الجمهور عنه وعن سلوكياته.
محمد عبد العاطي لا يشبهنا لأنه إن كان يشبهنا لما كنا نتناقش حول أزمته، ولم يكن ليُكتب هذا المقال، وقد قدم على مدى أكثر من مئة حلقة محتوى مختلفًا وفريدًا من نوعه حتى لو اختلفنا حول مستواه الفني أو سقفه العالي أو المنخفض، ستظل تجربة كوميدية تستحق الوقوف أمامها، للرجل «المُشعر»، «التخين»، «الطلعت زكريا» تثبت لنا أن قصصنا اليومية وخبراتنا «العادية» المشتركة تستحق أن تكون سطورًا لمعالجات نقدم بها مشروعاتنا الفنية. أتمنى أن يخرج محمد عبد العاطي سريعًا ليختلف مع هذا الكلام بشكل كلي، ويتساءل عن هذا الأبله الذي قدم تصورًا لمحتواه وشخصه من منظوره الشخصي، وأن تستمر حلقاته بالصدور كل يوم جمعة في الثانية ظهرًا.
تقارير ذات صلة
عصر جديد: الحرب تصل إلى خدمات السحاب
يؤشر الهجوم لطبيعة جديدة تتخذها الحروب في هذا العصر
أن تخسر المال في العالم الافتراضي لسعيك وراء «الرمال البيضاء» وغيرها
حاول الآلاف استثمار أموالهم إلكترونيًا عبر مخططات شبيهة بـ«مخطط بونزي»
إغلاق حسابات التواصل الاجتماعي.. «الأعلى للإعلام» يُبلغ وﻻ يقرر
كيف ينفذ المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قراراته بغلق وحجب حسابات مواقع التواصل الاجتماعي؟
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن