تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
أن تخسر المال في العالم الافتراضي لسعيك وراء «الرمال البيضاء» وغيرها

أن تخسر المال في العالم الافتراضي لسعيك وراء «الرمال البيضاء» وغيرها

كتابة: معتز حجاج، وسام حمدي 8 دقيقة قراءة

«في ديسمبر 2021، بدأت تجربتي في الاستثمار الشبكي عبر برنامج تطبيق الرمال البيضاء، وعلى الفور اشتركتُ بمبلغ ستة آلاف جنيه، حيث أخبرني ابن أخي الذي يدرس في الصف الأول من المدرسة الإعدادية، أن هناك تطبيقًا مُربحًا يُساعد في جني المزيد من المال في فترات قصيرة. كنتُ مُتشككًا في بداية الأمر، لكنه أقنعني. وبالفعل حقق المبلغ البسيط ربح قيمته ثلاثة آلاف جنيه خلال أربعة أسابيع من الإيداع، قبل أن تغلق صفحة التطبيق في 9 يناير 2022. حينها بدأ انتشار مقاطع الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي مُفادها أننا كنا ضحايا عملية احتيال إلكترونية».

هذه رواية فايز عازر، 65 سنة، صاحب صيدلية في محافظة قنا بجنوب مصر. صاحبه في هذه الرحلة الآلاف مَن الذين حاولوا استثمار أموالهم إلكترونيًا عبر مخططات شبيهة بمخطط بونزي. ويعود مخطط بونزي إلى شارلز بونزي٬ المهاجر الإيطالي الى أمريكا في أوائل القرن الماضي٬ الذي دعا أقاربه للاستثمار في كوبونات طوابع بريدية تُشترى بسعر رخيص في إيطاليا وتُستبدل بطوابع بريدية غالية الثمن في أمريكا. عند الوصول لمكاسب كبيرة تصل لـ50%. عيّن بونزي الوكلاء لجمع المزيد من الأموال من المستثمرين٬ في آلية هرمية الشكل٬ حيث يُدفع مكسب المستثمرين القدامى من المستثمرين الجدد٬ بعد إيهامهم أنها أرباح حقيقية لاستثماراتهم.

كيف يعمل مخطط بونزي هذا بعد أكثر من قرن على الإنترنت٬ مستهدفًا الكثيرين من خلال صيغ جديدة لاستثمار أموالهم البسيطة وأنماط مختلفة عن العمل التقليدي المأجور؟

السيد حنفي، خمسيني يُعاني من شلل الأطفال، يستمد من أبنائه الأربعة العزيمة والجلد، ويقاتل من أجل لقمة العيش مهرولًا لمكسب سريع، فاتجه نحو تطبيق الرمال البيضاء. يروي حنفي، وهو مدرس المجال الصناعي بأحد مدارس الإسماعيلية: «عرض عليّ أحد معارفي على فيسبوك زيادة دخلي عن طريق تطبيقات الإنترنت، وبالفعل اشتركتُ بشريحة مالية بقيمة أربعة آلاف ثم رفعتها إلى ستة، وكان يُطلب مني مهام يومية مثل مشاهدة فيديوهات على يوتيوب، وعمل متابعات وإعجابات لصفحات مشاهير وفنانين ثم أخذ 'سكرين شوت' وإرسالها حتى يُحوّل لي المكسب اليومي عبر محفظتي في فودافون كاش. وبالفعل كنت أحقق أرباحًا من 100 إلى 200 جنيه يوميًا بحسب تنفيذ المهام المطلوبة. ولم يدم الحال كثيرًا حتى اختفى التطبيق، واكتشفتُ أنا وآلاف غيري من المشتركين أننا تعرضنا لعملية النصب وخسرت قرابة 30 ألف جنيه.»

طريقة عمل «الرمال البيضاء» يشرحها لـ«مدى مصر» محمد الوراقي، وهو طالب في السنة الثالثة بكلية الحقوق جامعة المنوفية: «عملت في التطبيق خمسة أشهر منذ بدايته في أغسطس 2021 حتى إغلاقه في يناير 2022. وتعتمد طريقة عمله على المكاسب الهرمية بمعنى حصول العميل القديم على نسبة أرباح من عميل جديد بهدف جذب أقدام عملاء جدد.»

يواصل الوراقي: يتكون التطبيق من ستة مؤسسين معروفين بأسماء مستعارة. لكل مؤسس خمسة وكلاء إقليميين، يتبعهم نحو 30 وكيلًا من وكلاء الشحن. يقوم العميل بتحويل مبلغ ثلاثة آلاف جنيه مثلًا عن طريق فودافون كاش إلى وكيل الشحن، يخصم منها وكيل الشحن 5٪ عمولة قبل تحويل المبلغ إلى الوكيل الإقليمي الذي بدوره يخصم 9٪ قبل أن يرسل المبلغ النهائي للمؤسس. هنا يقوم وكيل الشحن بإرسال بعض المهام للعميل في صورة باقات تضم صفحات على الإنترنت لإتمام مشاهدات وتسجيل إعجابات حتى يرسل له الربح اليومي.

ويؤكد الوراقي أن تلك المهام «كانت ستارًا للتغطية على عمليات الاحتيال مثل مشاهدات وصفات الطبخ والاكتشافات العلمية وقنوات كبيرة مثل حمدي ووفاء (يوتيوبرز) أو حتى صفحات الوزارات»، حيث لا توجد أية تعاقدات بين التطبيق وأصحاب هذه القنوات أو الصفحات.

مع تحويل مكاسب وأرباح كل يوم في اليوم التالي، يقول الورقي: «هنا بدأت رغبة المشتركين في مضاعفة أرباحهم عبر مضاعفة الشرائح المالية. وزاد من انتشار التطبيق نسبة الحوافز التي يأخذها كل شخص يستقطب أشخاصًا أخرين، وهنا استُقطب الأقارب والمعارف والأصدقاء». ويضيف أن بعض الوكلاء كانوا يتلقون مبالغ من رؤسائهم ثم يرسلونها إلى العملاء، وبدؤوا في الاختفاء ومصادرة الأموال، حتى اختفى التطبيق بشكل نهائي، وبلغ إجمالي مبلغ التحويلات نحو خمسة مليارات جنيه، لعدد يُقارب من ستة ملايين مشترك.

خلال إعداد هذه القصة، أجرينا استبيانًا إلكترونيًا مع عينة من متضرري تطبيق الرمال البيضاء، وثق هذا الاستبيان 33 حالة٬ نسبة 65.6% منها رجال مقابل 34.4% سيدات، و60% تتجاوز أعمارهم 40 سنة، و60% حاصلين على تعليم جامعي٬ والباقي من أصحاب مؤهلات متوسطة أو أقل. دلنا الاستبيان  أن 47% من المتضررين يأتون من محافظات الدلتا٬ ومن القاهرة 34.3%٬ والنسبة الأقل تأتي من محافظات الصعيد. تعرّفت أغلب الحالات على التطبيق عبر الأصدقاء، وفقًا للاستبيان، وذلك بنسبة 49%٬ تليها نسبة انتشاره من خلال وسائل التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وواتساب وتويتر وتليجرام وتيكتوك٬ وهي 37.5%٬ أما أقل نسبة فكانت معرفته عبر العائلة: 9.3%.

«الرمال البيضاء» ما هو إلا نموذج من نماذج أخرى لتطبيقات تستخدم آلية الاستثمار الهرمي.

تعرف محمود ثابت، موظف في شركة «شاي العروسة»، على تطبيق «هوج بول» عن طريق جاره، والذي كان مُشتركًا في التطبيق منذ افتُتح قبل ثلاثة أشهر. «كان بيكسب ثمانية دولارات يوميًا وشجعني.. الزنّ على الودان بقى، فاشتركت في فبراير اللي فات بـ 4200 جنيه». يحكي ثابت عن السبب الذي دفعه إلى الاستثمار في التطبيق؛ «راتبي 3900 جنيه بعد خصم الضرائب والتأمينات، ومعايا 3 عيال، فـ الواحد بيدور على أي جنيه زيادة». في البداية شعر أن في الأمر «شُبهة تحريم»، لكنه اطمئن حينما شاهد على التلفزيون رد أحد الشيوخ على سؤال إحدى المشتركات في التطبيق بأنه «حلال».

ربما كان دافع الجار منفعة ثابت، لكن لم يكن الهدف الوحيد، حيث يمنح التطبيق مكافأة للعميل نظير كل شخص يشترك من خلاله، عبر رابط يُرسله العميل القديم للعميل الجديد، بخلاف دولارين مكافأة عن كل عملية استثمار يقوم بها العميل الجديد على التطبيق، وهو ما سيفعله ثابت مع معارف آخرين «زي نظام شبكة كده».

بعدما حمّل ثابت التطبيق بواسطة الرابط الذي أرسله جاره، أُرسل له رقم محفظة «فودافون كاش» حتى يُحول عليها الأموال «لما تحط الفلوس في المحفظة بيظهر في رصيدك على التطبيق، وتؤجر بها مكنة تصنيع عملة، بيتكوين». انحصر دور ثابت بعد تأجير المكنة في فتح التطبيق كل يوم خلال موعد ثابت لإعادة تشغيل المكنة، التي تصنع عملات مشفرة في مقر الشركة كما أُخبر من مشرفي التطبيق، ثم ينتظر الأرباح. وفقًا لثابت، تنقسم أنواع المكن إلى ثلاثة: واحدة إيجارها ثمانية آلاف، وأخرى تُؤجر بأربعة آلاف، وأخيرة بـ1600 جنيه، تتراوح أرباحها بين 22 دولارًا إلى ثلاثة دولارات يوميًا، ومدد تأجيرها بين مائة ومائتي يوم.

تظهر الأرباح في رصيد ثابت يوميًا. إذا أراد السحب يُرسل التطبيق أمواله على محفظته٬ ودائمًا تأتي التحويلات من «محافظ مختلفة لفودافون كاش». لكن إذا انتظرت آخر يومين في الشهر٬ يعفيه التطبيق من «خصم 15% ضرائب على المكسب بياخدها التطبيق. ناس كتير مش بتسحب يومي عشان كده».

قبل غلق التطبيق بأيام، أعلن مشرفو التطبيق على جروب واتسآب الجامع للعملاء عن صندوق التمويل، وهو النوع الآخر للاستثمار في «هوج بول» بجانب مكن تصنيع البيتكوين. يمنح الصندوق المشترك قيمة المال المُودع كل يوم، ولمدة خمسة أيام فترة عمل الصندوق. إلا أن أحدًا من العملاء لم يستطع سحب أمواله، حيث أُغلق التطبيق بعد الإعلان عن فكرة الصندوق بثلاثة أيام. «لمّا الناس اشتكت، قالوا خلال 48 ساعة مشكلة السحب هتتحل، راحوا عاملين صندوق تاني، وبعد كده قفلوا التطبيق» هكذا يروي ثابت.

«كنت فاكر إني رايح أعمل محضر لوحدي، لقيت ناس كتير أوي منصوب عليها من التطبيق»، يسترسل ثابت في وصف مشاهداته في مديرية أمن الزقازيق. ويؤكد تنوع الأعمار والمستوى التعليمي، ورؤيته لعدد ملحوظ من «ربات المنزل» ضحايا للتطبيق. «شفت ناس مأجرة كذا مكنة بمبالغ كبيرة». يشير ثابت، مُرتكزًا على خبرته من التنقل بين مجموعات الضحايا على واتسآب ومديرية الأمن «التطبيق منتشر في جميع محافظات الجمهورية».

أحد محاميي ضحايا «هوج بول»، عبد الرحمن جاد٬ يشرح أن اختصام المحالين الـ30 في القضية التي حرّكتها النيابة٬ وهم أصحاب الخطوط التي حُولت عليها الأموال٬ يقوم على قانون تداول العملات المشفرة، التابع لقانون البنك المركزي، والقوانين الخاصة بعملية النصب في قانون العقوبات، وتوظيف الأموال.

يوضح جاد أيضًا أن هناك «شكاوى ضد فودافون، وفيه ناس قدمت شكاوى في الجهاز القومي للاتصالات. فيه شركات طبعًا موجه لها اتهامات، إنها أدت الثقة للناس دي، وفيه تسجيلات لخدمة العملاء بتقول إنهم متعاقدين مع التطبيق، وتسجيلات تانية بتنفي.»

عنصر تحرك الأموال عبر المحافظ الخاصة بشركة الاتصالات هو عنصر محوري.

في دمنهور، يروي إبراهيم سالم، 43 عامًا، وهو يعمل تاجر إطارات سيارات «تقدمت ومعي 75 آخرين بشكاوى ضد شركة فودافون في نيابات التجمع الخامس. وكُنا أجرينا كل التحويلات المالية لتطبيق الرمال البيضاء عبر محافظ الشركة، وعندما اختفى التطبيق، وجدنا أكثر من ألفي خط بدون أية بيانات، وعلى الفور حررنا المحاضر.»

تُسهل بعض خدمات شركات الإتصالات الحصول على خط دون هوية حامله الفعلي، عن طريق نظام خطوط الشركات٬ بحسب ما يصفه الحاج ياسر، أحد الوسطاء بين «فودافون» والشركات. رسميًا النظام يخدم موظفي شركة واحدة، لتقليل تكلفة التواصل بين الموظفين، إلا أن البعض يتعاقد باسم شركة ما، ثم يبيع الخطوط إلى عملاء آخرين، أفراد أو مجموعات، أسرة أو موظفي شركة صغيرة، لا يتجاوز عدد عامليها الحد المسموح بالتعاقد على نظام خطوط الشركات. يستفيد العميل من مزايا الباقة المخصصة للشركة، بالإضافة إلى رقم مميز. ويكسب الوسيط عمولة من بيع الخط وإعادة شحن الباقة الشهرية، لكن الأهم مكافأته بخصومات وهدايا شركات الاتصالات. والأخيرة تجنب نفسها عبء التعامل مع هذا العدد من الجمهور، لتتعامل مع مفوض نيابةً عنهم.

وعن طرق أخرى لاستخراج خطوط من الشركة ببطاقات هوية شخصية دون علم أصحابها٬ يقول موظف عملاء في شركة فودافون٬ فضل عدم ذكر اسمه٬ إنه أمر وارد حدوثه بطريقتين: إما أن العميل نفسه يحمل بطاقة شخص آخر يستخرج بها خطًا، مستخدمًا علاقته بأحد موظفي الشركة، أو يستخرج موظف بالشركة خطوطًا على بطاقات أشخاص يعرفهم، لتحقيق أهداف البيع الخاصة به، ثم يعيد بيعها لآخرين، بذلك يستعيد الموظف قيمة الخطوط التي دفعها مسبقًا. يحدث ذلك رغم وجود رقابة داخلية من الشركة، وخارجية من الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، بحسب الموظف.

وبحسب المحامي هاني سامح الذي يمثل بعض ضحايا «الرمال البيضاء»٬ فإن الاتهامات الموجهة لشركة فودافون تضم انتهاك ضوابط العمليات المصرفية، من خلال اللوائح المُتساهلة على المحافظ المصرفية لـ«فودافون كاش»، ومنح «الرمال البيضاء» آلاف خطوط الهاتف المرتبطة بالمحافظ تلك٬ وتلقي الأموال دون رقابة أو إشراف. قواعد ضبط  التحويلات والودائع النقدية منصوص عليها في قانون البنك المركزي والنظام المصرفي رقم 194 لسنة 2020 والذي يضمن الرقابة وسلامة العمليات المصرفية وضبط عمل المحافظ المصرفية.

عن الكتّاب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن