كيف نفهم «الكارثة» اللبنانية؟
قراءة في ثلاثة أفلام تسجيلية لبنانية على هامش عرضهم في مهرجان «قابس» بتونس
«لم نفهم لبنان، لم نفهم لبنان أبدًا، ولن نفهم لبنان، لن نفهم لبنان إلى الأبد». محمود درويش، «ذاكرة للنسيان».
تبدو كلمات الشاعر الفلسطيني محمود درويش كأنها نبوءة تؤكد استحالة فهم لبنان، فهم ماضيها وحاضرها. جاءت عبارة درويش الشهيرة في سياق كتابته النثرية عن الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، وحصار بيروت خلال الحرب الأهلية.
لم يحمل المستقبل وعدًا بالخلاص اللبناني، وإنما ظل امتدادًا لعنف الحاضر وأزماته، واستمرارًا ثقيلًا للماضي، يعيد إنتاج مآسي الذات والآخر. لكن، في الوقت نفسه، ظلت المحاولات الأدبية والسينمائية تقدم مقاربات مختلفة لفهم لبنان.
ركزت الرواية اللبنانية الحالية على محاولة فهم «السلم الأهلي»، ذلك السلم المصطنع الذي جرى اعتماده دون التساؤل حول ماهية البلد أو «طرح حلول جذرية لإدارة النزاعات الأهلية المستقبلية»، كما يوضح الروائي اللبناني، هلال شومان.
وتعددت المحاولات السينمائية، التسجيلية والروائية، التي تتناول سنوات الحرب الأهلية والاجتياح الإسرائيلي للبنان.
إلا أن الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، ومن قبلها انفجار مرفأ بيروت، أعادت إلى الذاكرة ما لم يُنس يومًا؛ صور الخراب والدمار، ورؤية المدينة في تحولها إلى أطلال.
شاهدتُ في مهرجان قابس بتونس خلال دورته السابعة (من 26 أبريل إلى 2 مايو) عددًا من الأفلام اللبنانية الوثائقية التي تقدم مقاربات مختلفة لفهم الحالة اللبنانية الحرجة، والمنذرة دومًا بالكارثة. وفي مواجهة استحالة الفهم، وما تحمله من تشاؤم وجودي وتاريخي، استخدمت الأفلام التي سأتناولها مجازات مختلفة، كعنصر من عناصر التفكير البشري.
المجاز الذي أقصده ليس مجرد تعبيرًا رمزيًا، وإنما هو «إطار مفهومي» تُبنى عليه التصورات، ويُمكّن البشر من استخدام خبراتهم الطبيعية والاجتماعية لفهم أشياء أكثر تجريدًا، مثل الزمن والوطن، أو لفهم أسئلة أكثر تعقيدًا مثل الحرب والفقد والفناء.
ربما لن نفهم لبنان الآن، لكن هذه الأفلام تجعلنا نعرفه بشكلٍ أعمق. وهذه المعرفة العميقة، القائمة على الحدس الفني وجماليات السينما، يمكنها أن تكون خطوة أولى ورئيسية على طريق الفهم.
«فتنة في الحاجبين»: الحرب والجسدنة

يصور المخرج اللبناني، عمر مسمار، فيلمه الوثائقي الطويل الأول «فتنة في الحاجبين» داخل صالون تجميل في ضاحية بيروت. ومن خلال لقطة ثابتة، تركز الكاميرا على زبائن الصالون مستلقين على كرسي التجميل أثناء تلقي حقن البوتوكس والفيلر وغيرها من المواد التجميلية، على يد بوبا صاحبة الصالون.
لا نرى من بوبا إلا ظهرها، وربما نرى جانبًا من وجهها وهي تتحدث مع الحالة قبل الاستلقاء. لا تستدير بوبا لتواجه كاميرا عمر مسمار، الذي يشترك أحيانًا في الحديث بين بوبا وزبائنها مع بقائه دومًا خارج الكادر. بوبا دائمًا في مواجهة الزبونة. واللقطات ثابتة لا تتغير من حيث المسافة أو الزاوية أو الحركة. لقطات قريبة تظهر النصف العلوي لمن يستلقي على الكرسي.
أمام هذا النهج الاستاتيكي المتقشف هناك تنوع في الموضوع الذي تصوره الكاميرا، حيث تتغير الوجوه والأجناس. زبائن بوبا من مختلف الأعمار، من النساء والرجال. يدور الكلام حول الخصومات وعروض التوفير على حقن البوتوكوس. وتتبادل معهم/ن بوبا الحديث عن احتمالية قيام الحرب على لبنان، وذلك مع بدايات الحرب على غزة والقصف الإسرائيلي لجنوب لبنان. وتوصيهم/ن بالاستمرار في زيارة الصالون حتى إذا اندلعت الحرب.
يتخلل الفيلم مقاطع من «ستوريهات» السوشيال ميديا، تنقسم إلى نوعين: إعلانات تروّج لعروض وخصومات صالون التجميل، ونصوص قصيرة تتسم بالبوح الذاتي وركاكة التعبير، وتُعرض على الشاشة بالزمن نفسه الذي تبقى فيه على الحسابات الشخصية.
في أحد الستوريهات نقرأ أنه لو لم أستطع أن أعبس أو أعكس أي تعبير عما يدور بداخلي من غضب وحنق، «فإن هذا الشعور نفسه سيتحول، سيبرد ويخف، ومع الوقت ممكن أن يختفي».
تحضر الحرب في الفيلم، لا عبر أحاديث الزبائن وهواجسهم فقط، بل أيضًا من خلال استعاراتها المضمّنة في اللغة الإعلانية: «قصفنا الأسعار»، «فجّرنا الأسعار».
لكن العبارة الأهم هي تلك التي رددتها بوبا أكثر من مرة، ربما لتُطمئن نفسها وزبائنها باستمرار عمل الصالون حتى لو اندلعت الحرب. تقول بوبا: «في حرب تموز(2006) اشتغلت أكتر فترة بتاريخ حياتي». تعلل بوبا كثافة العمل والطلب على البوتوكس والفيلر وقتها بنزوح الناس من الجنوب إلى بيروت. لكن المجاز يمكنه أن يقدم لنا فهمًا أعمق.
لا يمكننا تفسير إقبال الزبائن على صالون التجميل بمجرد الرغبة في استعادة الشباب أو إخفاء آثار العمر. ولا بسهولة استجابة النساء لبروباجندا التجميل. تتنوع زبائن بوبا من حيث الجندر والعمر.
وجوه الزبائن غير طبيعية، تبدو مشوهة أكثر منها جميلة، حتى أن إحداهن تمزح قائلة إن فيلم عمر مسمار الذي يجري تصويره «أكيد فيلم رعب». لكن هذا الوعي لا يعني الجزم بأن تسليم الوجوه لغير المتخصصين -وبوبا ليست طبيبة- هو بالضرورة نوع من الإدمان أو نزعة لتدمير الذات، أو رغبة في الألم وإيذاء النفس.
يخلق عمر مسمار من صالون تجميل مساحة تتقاطع فيها السياسية بالجسد، والتجميل بالقلق، والثبات الخارجي بالتحول الداخلي.
يعيش اللبنانيون حالة جماعية من قلق الحياة تحت التهديد الدائم. وهذه الحالة المستمرة تجعلهم يعيشون حالة شبه جماعية من «الجسدنة»، أي حالة من اضطراب الأعراض الجسدية، تلك الأعراض دون سبب عضوي، وتأتي عادة عند مواجهة ظروف معاكسة وصراعات لا يستطيع الشخص معالجتها.
يلجأ المخ في «الجسدنة» إلى التعبير عن توتره في شكل أعراض جسدية، ومع تكرار تلك الأعراض ونجاح ظهورها في تخفيف شدة التوتر، تتحول إلى نمط متكرر يلجأ إليه المخ في مواجهة الأزمات.
في الحالة اللبنانية، تتحول بعض التمظهرات أو الخصائص الجسدية إلى مشكلات يجب حلها. شكاوى ومشاعر منزعجة من صفات في الوجه لا يُفترض أن تثير كل ذلك، وتعديلات لا تزيد في النهاية من جماله أو جاذبيته.
تقول الفيلسوفة الإيطالية، ميشيلا مارزانو، إن الحقل الدلالي الذي تستخدمه الدعاية شديد الإيحاء، «فالمنتجات التي يجري إعلاء شأنها في أغلب الأحيان» هي التي تتيح النحافة، أو تجديد الشباب وهكذا.. وتبين أن الجراحة التجميلية والأنظمة الغذائية تحظى بقيمة كبيرة بوصفها وسائل للتحرر.
لبنان في حالة حرب دائمة. توظف بوبا الحرب في دعاية منتجات التجميل. في الوقت نفسه، فإن الذات لا تستطيع مواجهة تهديدات الحرب والأزمات الاقتصادية إلا بما يُقدم لها من وسائل تحرر متوهمة؛ حقنة بوتوكس أو فيلر ثمنها 20 دولارًا.
يحمل العنوان بُعدًا دلاليًا يتجاوز المعنى المباشر لكلمة فتنة، بوصفها تعبيرًا عن السحر والإغراء والجاذبية. الفتنة التي يقدمها عمر مسمار أقرب إلى المعنى السياسي الاجتماعي، إنها الاضطراب الداخلي، الصراع الأهلي. اعتدنا في الأدبيات العربية وصف الحرب الأهلية بالفتنة.
لا تقع لبنان تحت تهديد الحرب الإسرائيلية فقط، وإنما تهددها النزاعات الأهلية المحتملة، التي تحدد سياستها أيضًا. تمثل لبنان حالة معقدة من مركزية الحرب الأهلية في الوجود السياسي. وكأن ذلك الصراع الداخلي تمثلته الأفراد داخل أجسادها. وكأن حقن التجميل تخفف من شدة توتر الصراع.
مع تكرار لقطات وخز الإبر في اللحم البشري، تنشأ حالة من اعتياد الألم، ويعري هذا «التطبيع» -المحتمل- المُتلقي نفسه: إذا صرت ترى اللا طبيعي طبيعيًا، فلم تستغرب من تقبل الزبائن لما يُفعل بوجوههم/ن ؟
استخدام اللقطة الثابتة بشكل متكرر ومن زاوية واحدة فقط يعطي طابعًا تأمليًا وتأطيريًا للفيلم، يُشبه اللوحة الحيّة، حيث تُمنح الشخصيات الوقت والمساحة للتعبير عن أنفسهم دون تدخل بصري من المخرج. واقتصار اللقطة على النصف العلوي من الجسد، ومن زاوية واحدة تقريبًا، مع غياب الموسيقى إلا في حالة الاستوريهات، يوحي بنهج سينما المراقبة/ Observational Cinema، ويتركز فيه كل الاهتمام على ما يُقال ويُشاهد داخل الكادر.
لذلك فإن توصية بوبا للزبائن بالاستمرار في زيارتها رغم احتمال الحرب لا تعبر عن موقف ضمني بأن «الحياة يجب أن تستمر» أو أن «الجمال شكل من أشكال المقاومة»، وإنما تعبر عن قلق متصاعد في ظل انهيار اقتصادي متكامل، ويقين بأنه لا شيء طبيعي في هذا البلد، ولا حتى وجوهنا.
«المصيطبة، المكان المرتفع»: من شرفة الذاكرة إلى جدار الخراب

للوهلة الأولى، تبدو غاية فيلم «المصيطبة، المكان المرتفع» كما وصفتها مخرجته، روان ناصيف، أثناء النقاش الذي تلا عرضه في المهرجان؛ «مجرد وسيلة للتعافي من ألم الفقد». لكن الفيلم، بخياره الأسلوبي، يتجاوز كونه مجرد عملية بوح ذاتي غايتها التعافي، على ما في ذلك من أهمية.
نرى طوال الفيلم لقطات بعيدة لشرفات البيوت. يرافق الصورة تعليق صوتي للمخرجة. تحكي ناصيف عن تفاصيل شارعها وطبيعة الحي الذي عاشت فيه طفولتها وسبب تسميته «حي السريان» نظرًا لوجود نسبة كبيرة من السريان الأرثوذوكس بين قاطنيه.
تسرد ناصيف ذكريات عن البيت والمدرسة والجيران. وتصف المصيطبة، أحد أحياء بيروت، بأنها «ضيعة صغيرة يسارية مختلطة»، لأن بها منظمات مثل اتحاد الشباب الديمقراطي، ومنظمة العمل الشيوعي، ويقيم فيها عدد من المنتمين للحركة الوطنية، كما تعيش فيها «كل الطوائف».
غادرت ناصيف المصيطبة في سن الثامنة عشر، ولم تعد إليها إلا بعد 20 عامًا. تحكي عن فقدها لأمها وأبيها والكثير من أقاربها. وتقول: «أنا ما صورت أهلي، وهيدا أكبر حزن عندي. كان بدي أصورهم لهيدا الفيلم.. بس ما لحقت».
يكتسب الفيلم دلالات أخرى نتيجة اختيار المخرجة أن تُرينا جميع مشاهد الفيلم وهي معروضة على جدار محدد. يُعرض الفيلم على جدار حمام مدمر في «بيت بيروت»، الواقع على «خط التماس بين شرق وغرب المدينة خلال الحرب الأهلية». كان المبنى مركزًا للقناصين أثناء الحرب و«تحول إلى متحف لذاكرة المدينة».
يحمل فعل الإسقاط/ Projection عدة طبقات دلالية تكمّل مضمون الفيلم وتعمق أبعاده.
بدايةً، نحن أمام المعنى المباشر، أي الإسقاط البصري/ visual projection. يعتبر عرض الفيلم على جدار الحمام المدمر فعلًا رمزيَا قويًا، حيث يعيد الضوء الحياة إلى الأطلال، والذاكرة تُبث في حطام الماضي.
ولدينا الإسقاط في دلالته النفسية. الفيلم يتناول ذكريات المخرجة ومشاعرها الشخصية. لكن هذا التذكر لا يحدث في فراغ. الجدار نفسه شاهد على زمن دموي. عرض الفيلم في «بيت بيروت» يعني أن الذاكرة الشخصية تُسقط على فضاء عام متشظٍ. يصبح سرد الذكريات كأنه إعادة إسقاط الذاكرة الفردية على ذاكرة جماعية. تدمج المخرجة ماضيها الشخصي مع ماضي المدينة. كما أنه أيضًا إسقاط زمني/ Temporal projection، من الطفولة إلى الحاضر، ومن زمن الحرب إلى زمن السلم الهش.
«بيت بيروت»، خط التماس بين شرق المدينة وغربها، يتحول من موقع القتل والمراقبة إلى مساحة عرض واعتراف ومساءلة. حين تُسقط المخرجة ذاكرتها الشخصية، وصورتها نفسها من الأمام والخلف وبروفايل جانبي، على جدار الحرب، تُحول الخراب إلى شاشة، والألم إلى مادة للمشاركة.
لكن المخرجة تعود إلى الذاكرة دون الدخول إلى البيت، المكان الذي يرتبط بقيم الألفة والذاكرة. تكتفي بتصوير الشرفات والبنايات من بعيد. تشير ناصيف إلى أن الشرفة كانت ملجأها الأثير في طفولتها وصباها.
تصبح الشرفة كأنها تمثل حدًا فاصلًا، خط تماس مثل «بيت بيروت». إنها تقع على التخوم بين الداخل والخارج، الخاص والعام، بين الحميمي والسياسي.
تصوير الشرفات فقط يرسخ هذا المعنى، فالمخرجة على عتبة الدخول، لكنها لا تعبرها، ربما بدافع الاحترام أو الحزن. كذلك فإن عدم تصوير الداخل هو تجسيد بصري للفقد. البيت لم يعد كما كان، لذا الغياب هو الذي يُشاهد.
كما أن الشرفات تظهر مليئة بعناصر الحياة اليومية: غسيل منشور، وأصص نبات، ومقاعد.. هذه العناصر تحمل أثر الحياة المستمرة رغم الفقد، وتتشكل المشهدية اليومية كخلفية للمأساة الفردية.
وتصويرها من الخارج يوحي أيضًا بأن الذات لا تستطيع الاقتراب من هويتها إلا من مسافة؛ قد تكون جغرافية أو زمنية أو حتى عاطفية. أو كما تقول المخرجة: «جزء من هويتنا المسيحية اليسارية المصيطباوية كانت بالتحديد عدم الاكتراث والاعتراف بهذه الهوية».
الهوية مثل الشرفة، مع تماس دائم مع الآخر، مع الخارج، مع الذاكرة والتهديد والتبدل. وخط التماس كما الشرفة أيضًا، هو حد هش بين الهوية الفردية والانتماء الطائفي. وبإسقاط الفيلم على الجدار المدمر، تعمل الذاكرة على محاولة خلق هوية جديدة على أنقاض الانقسام.
In Necrosis: مجاز الانفجار وإعادة الخلق

يقدم المخرج اللبناني، فرانسوا يزبك، في فيلمه «Nécrose» عملًا تجريبيًا، يُمكن اعتباره نوعًا مغايرًا من الوثائقي الشعري/ Poetic Documentary، حيث التركيز على الإحساس وتجربة التلقي أكثر من تقديم المعلومات والتفسيرات حول قصة ما أو موضوع. يتضمن الفيلم أيضًا بُعدًا مفاهيميًا، إذ يتمحور حول عدة مفاهيم وأفكار مجردة. يستخدم يزبك موسيقى تجريبية، إضافة إلى نصوص تأملية فلسفية، لعل أهمها نصوص الشاعر اللبناني الكبير، أنسي الحاج.
يتجاوز الفيلم السرد التقليدي ويتجنب تقديم حقائق واضحة للمشاهد، دون أن يعني ذلك القطيعة التامة مع الحكاية. بل على العكس، يقدّم يزبك سردًا متعدد المسارات يتخذ شكل تجربة بصرية وجمالية أقرب إلى الحلم، يُراد منها أن تُستقبل كرحلة حسّية وتأملية ينخرط فيها المتلقي بوصفه شريكًا فاعلًا في إنتاج المعنى.
يعيد الفيلم سرد قصة الخلق وبداية التاريخ الإنساني، في تناص مع سفر التكوين. تتكرر جملة «هذه قصة الوجه الآخر من التكوين» أكثر من مرة في التعليق الصوتي. هذه الجملة الشعرية مقتبسة من قصيدة أنسي الحاج الشهيرة «الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع»، وتُقرأ بالعربية على عكس بقية التعليق، الناطق بالفرنسية.
وهناك أيضًا لقطة متكررة على مدار الفيلم: رجل وامرأة يستلقيان متباعدين، في حالة ما بين النوم واليقظة، شبه عاريين، تحوطهما الظلمة. كأنها إحالة إلى آدم وحواء. كما أنها تؤسس لطبيعة عالم الفيلم الأقرب إلى الأحلام والرؤى الكابوسية. روحان في المطهر، بين الواقع والكابوس.
لكن الصور الأولى التي تطالعنا، وتستمر في معاودة الظهور، لها طبيعة أخرى ترتبط بعنوان الفيلم نفسه.
«Necrosis» أو «النخر» مصطلح علمي طبي يشير إلى موت غير طبيعي لخلايا أو أنسجة حية في الجسم بسبب عوامل خارجية ضارة مثل العدوى والالتهابات أو التعرض للسموم أو الإصابات. يؤدي النخر إلى تفكك الخلايا بشكل غير منظم، ولا يمكن عكسه، فالخلايا تموت فعلًا.
نرى في البداية صورًا تشخيصية أقرب إلى الصور المجهرية، وصور الأشعة السينية والمقطعية، وتصوير لعمل المناظير أثناء الفحص والقطع الجراحي. مع التدقيق نرى اسم فرانسوا يزبك أعلى شاشة التنظير الفلوري أثناء فحص الأجهزة الداخلية، وتاريخ يرجع إلى العام 2019. إنه الحالة المرضية موضوع الفحص، ومعايشته لحالة مغايرة من السبات/اليقظة تدفعه إلى مقاربة اللاوعي. لهذا تحضر الأحلام، لأنها كما يقول فرويد «الطريق الملكي إلى اللاوعي». ويتخذ اللاوعي الصفة «الجمعية»، حيث التشارك في النماذج الأولية، وهي تلك الصور والأفكار الموروثة عبر الأجيال من تراث الأسلاف، مثل صور: الأب والنور، الخير والشر والشيطان، والخوف من الظلام والدماء.
تعزز السمات البصرية والسمعية للفيلم من الإيهام بهذه الاستجابة اللاواعية. يحتوي الفيلم على مؤثرات بصرية وصور ذات التأثير السترابي أو الستروبوسكوبي/ Stroboscopic، (الذي يحدث عندما تتزامن ترددات الوميض الضوئي مع تردد الحركة الدورية للجسم)، وتعطي إحساس بالحركة البطيئة أو التقطيع البصري. ويحتوي أيضًا على أصوات مزعجة، واستخدام للطنين، والـInfrasound التي تعد البراكين والانفجارات والزلازل والعواصف أبرز أمثلة على مصادرها.
يوضح المخرج والمُنظر السينمائي، هارون فاروقي، أن رقمنة الصورة هي عملية إعادة تجسيد مادي لها Re-Materialization، وأصبحت للصورة في هذا الطور من الرأسمالية الصناعية التكنولوجية طابعًا تشغيليًا أو عملياتيًا/ Operative character، كما في الرادارات والأقمار الصناعية وكاميرات المراقبة والإجراءات الجراحية.
وكما تكشف المناظير والأشعة عن باطن الجسد، يطمح يزبك في أن تكتسب الصورة السينمائية ذات الطابع التمثيلي هذه الفاعلية التشغيلية دون أن تفقد قدرتها التأملية؛ أن تكشف صور الفيلم عن ما هو باطني، وما تحت سطح الوعي. لكنه لا يقف عند محاولة التجسيد البصري للاوعي البشري، بل يحاول أن يكشف عن ما يعتمل تحت سطح المدينة كذلك؛ عن لا وعي مدينة مثل بيروت.
يتحقق هذا الكشف بانتقال صور الفيلم من تقديم مناظر طبيعية وبيئية ممتدة وبلا بشر إلى اللقطات التي تصور الخراب الداخلي لعدد من المباني المهجورة. يقدم الفيلم تتابع لقطات العمران البيروتي، مع استخدام صوت الطنين والأزيز/ drone. يحيل التعليق الصوتي إلى برج بابل، البناء التاريخي المذكور في سفر التكوين. وكأن نشأة بيروت هي النتيجة العقابية لرغبة البشر بناء مدينة كبير تبلغ حد السماء.
.«And around this tower a mephitic city arose»
تبدو المباني كأطلال، كأنها ثقوب صغيرة تطل على خراب داخلي مروع. وتتجلى بيروت كمدينة شهدت قيامتها. هل يعكس الخراب المعماري نوعًا من الخراب الداخلي؟
تصور كاميرا يزبك الخراب والدمار. فلا شيء هناك سوى الأطلال والأشباح والظلام. حتى نصل إلى عدة صور لمرفأ بيروت، أو ما تبقى منه بعد الانفجار.
يعمل يزبك على إرجاء ظهور المرفأ إلى لحظة متأخرة من زمن الفيلم. ويظهر المرفأ مع اللحظات الأولى لما قبل الشروق. هنا نعلم من خلال المونتاج، واللقطات التي تذكرنا بالمخرج تيرانس ماليك في «شجرة الحياة»، بأننا أمام موازاة استعارية بين انفجار المرفأ والانفجار العظيم/ Big Bang الذي نشأ منه الكون. يصير الفيلم كله مجازًا لانفجار المرفأ. ربما انفجار المرفأ هو نوع من الانفجار الكبير الذي ينهي الحياة وتنشأ من بعده حياة أخرى، لأن من يريد اكتشاف وفهم «هندسة المدينة» عليه الاستعداد «لاختزال الماضي إلى أنقاض» كما يوضح فالتر بنيامين. فالدمار محتمل كنوع من التفكيك عند البحث عن المنطق الداخلي لأي بناء، سواءً أكان بناءً معماريًا ماديًا أو عملًا إبداعيًا مكتوبًا أو جسدًا تموت خلاياه. وكذلك فعل يزبك في محاولته المجازية للفهم.
تصور لقطات النهاية أرضًا موحشة، ومسطحات صخرية صلدة، تضاريس بدائية كالبراكين والمرتفعات، والجو سحابة من بخار متكاثف.. وصمت عظيم.
هكذا يقدم فرانسوا يزبك استجابته الجمالية للكارثة، على المستوى الذاتي، حيث النخر الذي يميت الخلايا، وعلى مستوى المدينة، حيث الكارثة ثاوية دومًا تحت السطح، والقيامة أقرب لمن يعيش فيها من حبل الوريد.
تقارير ذات صلة
محمد رشاد عن «المستعمرة»: أن تحكي حكاية تشبه الناس بطريقة تشبهك
تحاوره ناهد نصر عن الفيلم وحكايته وأبطاله
نادي المنتجين المصريين: أن تسبح خارج البحر
بروفايل للنادي من خلال حوار مع مؤسسه محمد تيمور
سينما صيفي| فقراء في المنيو
بيحاول بسام مرتضى يخلينا نفكر في البني الآدمين
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن