كيف خلق ألبوم «نزهة النفوس» زمنًا موازيًا؟
قلما يجود علينا المشهد الموسيقي بعمل يحمل الكثير من التجريب والاشتباك مع زمان ومكان مختلفين عما نعيشه ونشاهده في الساحة الموسيقية؛ من نوع التجارب الحاملة للكثير من الذاتية والخصوصية الفنية، ولا تعبأ بالجماهيرية والانتشار، فتخرج بعمل ذي مذاق خاص، وبفن من أجل الفن والمغامرة.
تخلق تلك الحالة ارتباكًا عند مراجعتها، لأنه يكفينا أن نرى تلك التجارب على الساحة المتجمدة والممتنعة عن التجريب والمغامرة، فعلينا الثناء عليها، وعلى شركة إنتاج موسيقية، تقرر دعم وإنتاج تجربة مثل تلك التجارب. فنان يقطع من عمره سنوات حتى يخرج إلينا بعمل فني مختلف، في الوقت نفسه تفتح تلك التجربة أفقنا للبحث والتفكيك، في محاولة لفهم التجربة ونقدها. اشتبك الفنان مع الزمان والمكان، ونكمل في قراءة الألبوم رحلة الاشتباك والفهم وطرح الأسئلة.
قطعت الموسيقية نانسي منير، صانعة الألبوم، رحلة زمانية ومكانية على مدار أكثر من ست سنوات. اختارت أن تعود إلى عشرينيات القرن الماضي في رحاب الطقطوقات ومطربيها وملحنيها. كيف صنعت ذلك في أول مشاريعها الخاصة، ومن أين جاءتها الفكرة؟
في البداية، كان حضورها ورشة فنية مع المطربة والموسيقية، كاميليا جبران، عام 2012، هو ما فتح لها الأفق لرؤية وسماع تلك الأغاني القديمة، والتعرف على مطربيها. جذبها الصوت والكلمات والحالة، وتدريجيًا غرقت وغرقت في تفاصيلها، توحدّت معها لتعود في رحلة عابرة للزمن، بروحها وعقلها إلى العشرينيات، تختلس السمع والنظر، تخطو بخطوات هادئة على أطراف أصابعها حتى لا تقلقهم، تجلس في غرفة التسجيل، ولسان حالها يقول: «دعوني أتعاون معكم، أنا قادمة من زمن بعيد بعيد، جذبني الشوق وحب الموسيقى إلى هنا، فدعوني أشارككم تلك اللحظة»، كما كتبت عام 2015 على فيسبوك: «منك لله يا ست منيرة». تلك الحالة من الغرق بصحبة قطعة موسيقية هي من خلقت هذه التجربة، التي استمرت لسنوات طويلة حتى تظهر للنور.

بحثت منير وراء المطربين والمطربات الذين فتنوها، على رأسهم فاطمة سري ومنيرة المهدية ونعيمة صبري وصالح عبد الحي وعبد اللطيف البنا، فوجدت أن الموسيقى التي فتنتها كانت من حقبة قبل مؤتمر الموسيقى العربية الأول عام 1932، فاهتمت أيضًا بدراسة أثر ذلك المؤتمر، وأثر الضوابط الموسيقية التي أقر بها، على قطاع كبير من الأغاني والمطربين. هذا المؤتمر لم يُدع إليه الفنانون الذين أحبتهم.
ترى منير أنه حدث تهميش لهؤلاء المطربين والمطربات لحساب آخرين، مثل أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب. أعتقد أن ذلك الشعور كان متأثرًا باكتشافها لذلك العالم للمرة الأولى، وتورطها الشخصي معهم في حياتهم ومآسيهم الشخصية، مثل حياة صبري، وانتقالها للحياة داخل المقابر بجانب قبر ابنها الضابط الشهيد، وفاطمة سري وقضيتها أمام زوجها، ابن هدى شعراوي، لإثبات نسب ابنتها له، في أولى القضايا من ذلك النوع في المحاكم المصرية، ونهاية منيرة المهدية واعتزالها العمل الفني. أعتقد أن هذا التورط هو ما جعلها تراهم من ناحية التهميش والظلم.

الأمر أبسط من ذلك بكثير، آخر وجود لمطربي ومطربات الألبوم على الساحة الفنية كان في الثلاثينيات، باستثناء صالح عبد الحي، الذي سجل تسجيلات في بداية الإرسال التليفزيوني. لو كانت أم كلثوم أنهت مشوارها الفني في الثلاثينيات لكانت مثل منيرة وأقل، لو كان محمد عبد الوهاب اكتفى بما قدمه حتى الثلاثينيات واعتزل أو لم يستطع مواكبة التطور والاختلافات الفنية والاجتماعية والسياسية، كان نصيبه سيكون مثلهما. ففكرة الخلود الفني في الوعي الجمعي للمجتمع تلزمها أشياء كثيرة خارج حدود الغناء، بل إن هناك أغاني كثيرة في الألبوم لها شهرة ونجاح كبير حتى وقتنا هذا، مثل «بعد العشا» و«تعالى يا شاطر» و«والله تستاهل يا قلبي»، رغم أن منير نفسها تستكشف ذلك العالم للمرة الأولى في تلك المرحلة.
قدمت منير ثماني أغاني في «نزهة النفوس». حاولتُ تقصي الإطار الذي جرى به اختيار الأغاني، لكن لم أستطع، فهناك أغاني مشهورة مثل «والله تستاهل يا قلبي» وأغاني غير مشهورة مثل «يا عينك يا جبايرك»، وهناك أغاني غنج وغزل صريح بصوت رجال، وهناك طقطقوات خفيفة وأغاني طربية. لكن بعد عدة مرات من الاستماع وجدتُ أننا أمام حالة تنقلنا بين مراحل العشق والحب المتباينة، من الرجاء واللوعة والاشتياق حتى التجرد من تلك المشاعر ونكرانها في أغنية «أنا بس سكتالك» للمطربة فاطمة سري، حتى يختم الألبوم بكلمات على لسان الرجل لأول مرة في الألبوم، وكأنه يعود بعد انتهاء كل شيء، يوم لا ينفع ندم، لتكون أغنية «جننتيني يا بت يا بيضة» هي ختام تلك الرحلة العاطفية والموسيقية.

أدخلها التورط الشخصي مع الأغاني وأصحابها، في حالة توحد مع الأمر، فتبدأ في ترميم بعض الحروف، تغنيها بصوتها، كي تعيد الحياة لتلك التسجيلات. تستمع وتستمتع، وتدخل في نقاشات تخيلية مع ملحني الأغاني ومطربيها، وكأنها عينت نفسها منتجة فنية لها. لم تحب منير استدعائهم إلى عالمها المعاصر، بل حملت حقيبتها وآلاتها الموسيقية والإلكترونية وذهبت إليهم. فكان من نتائج التورط اختيارها ألا تعيد غناء الأغاني بأصوات معاصرة، بل أرادت إبراز وإحياء تلك الأصوات القديمة، وإدخالها في تجربة زمنية مختلفة، مختلفة حتى عن وقت صناعتها. خلقت زمنًا موازيًا جمعت به الماضي والحاضر.
أولى أغاني الألبوم «تعالى يا شاطر» لحن زكريا أحمد، وغناء الست نعيمة المصرية، خلقت به منير الزمن الموازي، بغنائها مع الكورس، أو باستخدام الآلات الموسيقية مثل الدف والمثلث في جملة «هنيني بخفتك واسقيني بذمتك». آلات الإيقاع مناسبة لأجواء الرجاء، لقضاء ليلة جميلة ومحاولة استمالة قلب الحبيب بالغزل الصريح، لا تستخدم الطقطوقة كلها، لكن جزء صغير منها، يكفي لخلق الحالة التي تريدها في عالمها الموازي، تاركة الموسيقى هي ما تنهي الطقطوقة. [لسماع نسخة الألبوم هنا]
في الأغنيتين التاليتين، تذهب نانسي لعالم المطربين الرجال وما يقدمونه مع طقطوقات لعوالم الغزل الصريح على لسان الأنثى. يغني صالح عبد الحي «خفيف خفيف»، ويغني عبد اللطيف البنا كروان مصر «ماتخفش علبا»، والتي غنتها نعيمة المصرية ومنيرة المهدية. اختارت منير أصواتًا رجالية تأكيدًا على تلك المساحة من الحرية في الغناء في مطلع العشرينيات.

أبرزت منير صوت صالح عبد الحي، ولم تغير من طبع وأجواء الأغنية، بل كعادة طريقتها في الألبوم، تحيي الصوت والموسيقى، تنفض التراب وغبار الزمن عنها، وكأن ذلك يحدث بعد مناقشات مع الملحن الشيخ زكريا أحمد، وتدخل في محاولات اللعب بالكمان مع عازف الكمان الأصلي في الأغنية، وأعتقد أنه سامي الشوا. [لسماع نسخة الألبوم هنا]
مع عبد اللطيف البنا لم تضف تدخلات تزيد أجواء الغزل والغنج بما يحمله الكلام من معنى، لكنها أصرت على خلق حالة من الرومانسية والشجن مع صوت مثل البيانو، وكأنه قرار مشترك بينها وبين زكريا بعد مناقشات، كل ذلك حلم وتمني، تتمناه وتغويه ربما يأتي الحبيب وربما لا، «أقعد سهتانة .. قلبي مشغول بك ولما تشعلل لهاليب نار حبك أرخي الناموسية.. وأنام لي شوية وأحبكها وأشبكها بمتين دبوس وأعض وأبوس وأنزل على صورتك .. حتتك بتتك ما تخافش عليا». [لسماع نسخة الألبوم هنا]
مع طقطوقة «بعد العشا» تتعامل منير مع الأستاذ الملحن محمد القصبجي، وتصرح في أحد حواراتها أن تلك الطقطوقة هي ما ورطتها في المشروع ككل، وتعتبرها أجمل أغنية تعبر عن الحب، ربما لذلك نسمع الطقطوقة كاملة عكس كل ما سبق، فهي أطول أغاني الألبوم، وأكثرها زخمًا في التوزيع، الذي يغلفه حالة من الحزن الجميل، ما يؤكده محمد يونس القاضي في الكلمات من رجاء وطلب «زعلت من غير سبب، انسى اللي فات وتعالى بات، مستنظراك ليلة التلات بعد العشا». [لسماع نسخة الألبوم هنا]
التورط الشخصي مع حياة صبري، والنهاية الدرامية الحزينة لحياتها، جعلت منير تخرج خارج قالب الطقطوقات الخفيفة، وتذهب إلى قالب المونولوج العاطفي«والله تستاهل يا قلبي»، أغنية عاطفية بشكل واضح دون أي غزل، أعتقد وجود الأغنية في منتصف الألبوم إعلان انتهاء الرجاء والأمل في الحب، طبطبة الذات على نفسها. [لسماع نسخة الألبوم هنا]

جاء التوزيع بسيطًا دون أي تغييرات كبيرة. تتعامل منير بحذر مع لحن سيد درويش، في أغلب الألبوم تترك الموسيقى تختم الأغاني دون كلمات. لا تهتم بنقل الكلمات للجمهور، يكفي أن تدخل في حالة الأغنية. لم تكتب الكلمات على الفيديو في اليوتيوب أو في تفاصيل الأغنية أسفل الفيديو، تحتفظ بالكلمات في ذهنها غير مكترثة بوصولها للمتلقي، عليه أن يبحث مثلما بحثت، ويقرأ الكلمات مع الأغنية.
رغم القوة والغضب في الكلمات والمشاعر في الأغنيتين القادمتين، «يا عينك يا جبايرك» لمنيرة المهدية، و«أنا بس سكتالك» لفاطمة سري، لأن صوتي منيرة وفاطمة يكسوهما الحزن والوهن، وتعاملت نانسي مع ذلك بكل إحساس وذكاء، وحاولت في توزيعها أن تغلف ذلك الحزن وتبرزه دون صخب أو آلات تخرجك من تلك الحالة، مثل استخدام آلة «الثيرمين» في «يا عينك يا جبايرك»، وفخامة التوزيع من البيز والإيقاع والكمنجات في «أنا بس سكتالك»، خلقت جوًا يجمع بين الغضب والوهن الجميل، ولم تنحاز لمشاعر واتجاه عن الآخر. [لسماع نسخة الألبوم هنا وهنا]

آخر أغنية في الألبوم وأول أغنية على لسان الذَكر في الألبوم «وجننتيني»، محاولة الرجل الأولى في الرحلة بعد كل محاولات الأنثى من غواية ورجاء وحزن وغضب وقوة، لكن لم أتفهم فكرة التوزيع. جاء توزيع مفرح ومليء بالإيقاعات رغم أن الكلام ينقل حالة من الرجاء والتوسل، لم أجد منطق في ذلك إلا أنه حالة من الفرح بالعودة للعلاقة وبداية الأحداث نفسها مرة أخرى، لتغني نعيمة المصرية «تعالى يا شاطر نروح القناطر». [لسماع نسخة الألبوم هنا]
في حفلات الألبوم، تقدم نانسي رحلة زمنية حقًا، بتقديم مقاطع من لقاءات قديمة لمنيرة وعبد اللطيف البنا على سبيل المثال، بجانب قراءة من مذكرات فاطمة سري، ذلك يخلق عالمًا من التفاعل والانغماس للمتلقي، حُرم منه مستمع الألبوم على الإنترنت. الأمر الأهم بالنسبة لي، والذي يؤكد فكرة خلق زمن موازٍ أكثر منه تقديم توزيع مختلف وجديد لتلك الأغاني، كان أن كل حفلة تقدم بها الأغاني بشكل مختلف وآلات موسيقية مختلفة، مرة بصحبة أوركسترا كامل، مرة بصحبة بيانو وتشيلو فقط، مرة بصحبة فرقة وآلات مثل الكونترباص وبيانو وأكورديون، بل وتستمع أيضًا لأغاني غير متاحة في الألبوم مثل «بنت مصر» لحياة صبري. كل مرة تجد نفسك أمام التجربة بشكل جديد ومغاير.

في النهاية، التجربة في مجملها جيدة وجميلة ومثيرة للمستمع والمتلقي أيًا كان مكانك، في حفلة حية أو على الإنترنت. وتؤكد على قدرة منير موسيقيًا وفنيًا، واهتمامها بتقديم شكل وعالم بعيد تمامًا عن كل ما يطرح في الساحة الفنية، لكن أرى أن هناك ضعفًا في تغليف التجربة واللمسات الأخيرة، بعيدة عن الجزء الفني، لكنها مهمة لإبراز المحتوى الفني، كان يجب أن تأخذ مساحة أكبر على الإنترنت، مثل أن تكون الكلمات متاحة مع قصة كل أغنية، وتوضيح علاقة كل ذلك بمؤتمر الموسيقى العربية، لتخلق التجربة كاملة للمشاهد حتى وإن كان على الإنترنت، وإتاحة أشكال مختلفة للأغنية الواحدة، مثلما يحدث في الحفلات الحية. هذه الأمور كانت لتورطنا نحن الجمهور أكثر في التجربة، مثلما تورطت صاحبة المشروع.
تقارير ذات صلة
أطياف التمرد والدروشة والتطهر في «سر» مريم صالح
ينتظر مريم صالح وفريقها تحدٍ موسيقي كبير في تحويل هذا الألبوم بكل طبقاته إلى لايف
الأغنية في أفلام داود عبد السيد
تُختار الأغاني بعناية ودقة، لا تشعر بها في أغلب الوقت، ولكنها تضيف بعدًا للمشهد
بلاي ليست «البوب الجديد»: أغاني واكتشافات سوق الموسيقى في 2025
ما خرجنا به من سوق أغاني 2025 الجماهيرية
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن