تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«كوب 28» على مفترق طرق بين الإمارات والسعودية

«كوب 28» على مفترق طرق بين الإمارات والسعودية

كتابة: محمد عز، ندى عرفات 8 دقيقة قراءة

تسابق الرئاسة الإماراتية لقمة المناخ، الزمن، وذلك للوصول إلى اتفاق نهائي ناجح، قبل الساعة 11 صباح غد، في اليوم الأخير للمفاوضات المناخية، لإثبات نجاحها في إدارة المفاوضات. 

لكن الزمن ليس العقبة الوحيدة التي تقف أمام الإمارات، إذ تواجهها أيضًا جارتها الخليجية التي تأبى أن تمنح الإمارات نجاح قمتها، الذي قد يعني الإضرار بنصف اقتصاد السعودية، المعتمد على البترول بشكل أساسي.

يعتمد النص الختامي لـ«كوب 28» هذا العام على إعادة تقييم وبناء خطط خفض الانبعاثات، بناءً على اتفاقية باريس للمناخ عام 2016، التي حددت عام 2023 لتقييم حجم التزام العالم، إلا أن التقريرالمعروف باسم «الحصر الجامع» أشار إلى خلل فادح في حجم التزام الدول بخططها لخفض الانبعاثات، ما يحتم أن تصيغ الإمارات نصًا جديدًا أكثر تشددًا لتحقيق أهداف اتفاقية باريس في الفترة القادمة، بما في ذلك الضغط من أجل التخلص من الوقود الأحفوري، المتسبب الرئيسي في التغيرات المناخية. 

في المقابل، تقود السعودية حملة كبيرة مناهضة لأي ذكر للوقود الأحفوري (مثل الفحم والغاز والبترول) في النص الختامي للقمة، وهو ما يمثل الخلاف الأساسي في «كوب 28» هذا العام. «لو النص طلع فيه أي شيء عن التخلص من الوقود، أسهم شركات البترول ويمكن كمان سعر البترول هيتأثر، ودي حاجة مش هتسمح بيها دول زي السعودية،» يقول مراقب مصري لـ«مدى مصر». 

وفي مواجهة هذه الحملة هناك مئات من المنظمات البيئية والدول، بما في ذلك الإمارات نفسها، التي تضغط في سبيل تضمين التخلص تدريجيًا من الوقود الأحفوري، أو على الأقل، تخفيف الاعتماد عليه، في النص الختامي. 

بشكل عام وعلى مدار «كوب دبي»، تحاول الرئاسة الإماراتية إيصال شعور بالإنجاز السريع والقدرة على السيطرة على سير المفاوضات، لذلك تركز على النجاحات الكبيرة السريعة، يضيف المراقب لـ«مدى مصر»: «في جلسة وافقوا على أجندة الكوب وده عادة الدول بتتفاوض عليه أيام. وبدأوا الكوب بالاتفاق على صندوق الخسائر والأضرار اللي خرج من مصر السنة اللي فاتت، وبمجرد الإعلان عنه ضخوا فيه 100 مليون دولار. كل دي نجاحات بتعمل صدى كويس. واستكمالًا لده بتحاول إصدار الحصر الجامع في جلسة واحدة، رغم أنه عادة بيحتاج أكتر من جلسة لمراجعة البيانات». 

الضغط الإماراتي هو محاولة منها لتقديم نفسها للعالم كلاعب رئيسي في سوق الطاقة المتجددة وتحسين صورتها، لتثبت بذلك أن الانتقادات التي وُجهت لها عند إعلانها مضيفة لقمة المناخ كانت خاطئة، وأنها جديّة في خططها للتحول للطاقة المتجددة، حال نجاحها في إدراج نص للتخلص من جميع أنواع الوقود الأحفوري للمرة الأولى في مفاوضات المناخ، وكل هذا سيساهم في تحسين صورة الإمارات النفطية وغسل سمعتها، حسبما قال مراقبون وخبراء مناخ. 

حرص الإمارات، السادسة عالميًا في إنتاج البترول، وهي أيضًا عضو في منظمة الدول المُصدرة للبترول «أوبك» مع السعودية، على إدراج النص لن يؤثر على مصالحها كما قد يتخيل البعض، لكنه بالتأكيد يؤثر على مصالح السعودية، فبحسب مراقب حضر المفاوضات، بدأت الإمارات مبكرًا في خفض اعتمادها على البترول وتوسعت في صناعات الطاقة المتجددة، على عكس السعودية التي تأخرت في تنويع اقتصادها الذي يعتمد نصفه تقريبًا على البترول. 

اقترحت الإمارات خمس صياغات مختلفة تتفاوض عليها نحو 200 دولة حاليًا للوصول إلى حل يرضي جميع الأطراف، لاشتراط قواعد المؤتمر أن تكون الموافقة جماعية.

واحد فقط من الخيارات الخمسة لا يأتي على ذكر الوقود الأحفوري، بينما تتضمن الأربعة خيارات الأخرى التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري بصيغ مختلفة.

الصيغة الأولى أن يتخلص العالم من كل أنواع الوقود الأحفوري تدريجيًا، بناءً على السيناريوهات التي تحددها الأبحاث العلمية، والتي تنص على التخلص تمامًا من استخدام الفحم «غير المخفف»، وتقليل استخدام البترول بنسبة 60%، والغاز بنسبة 45% بحلول 2030، لكن كبير المستشارين في مركز«e3g» للتغير المناخي، ألدن ماير، قال لـ«مدى مصر» إن بعض الدول قد تدفع إلى إجراء أبحاث جديدة ليتم عرضها لاحقًا في أثناء الكوب القادم، في محاولة للتملص من تحديد معدلات وأوقات محددة للتخلص التدريجي، أو على الأقل، مد الوقت اللازم لذلك.

الصيغة الثانية تشير إلى التخلص التدريجي من كل أنواع الوقود وفقًا لاتفاقية باريس 2016 التي بُنيت على أساس سيناريوهات علمية، بعضها يشير إلى أن الكوكب تلوث بالفعل نتيجة تخزين أطنان من الكربون في الغلاف الجوي، لذلك لا مفر من ارتفاع درجات الحرارة إلى أكثر من 1.5 درجة قبل أن تعود وتنخفض من جديد، وهو ما يعني السماح بتأجيل تقليل الانبعاثات.

أما الاختياران الثالث والرابع، فيعتمدان بشكل أساسي على الاستمرار في استخدام الوقود الأحفوري بشرط استخدام تقنيات تُعرف باحتجاز الكربون الناتج وتخزينه في أشكال مختلفة. 

رغم ذلك، الاختيار الثالث يحدد فترة زمنية حتى 2050 للتخلص من الوقود الأحفوري «غير المُخفف» وتخفيض الانبعاثات والوصول إلى مناخ خالٍ من الوقود الأحفوري «بشكل كبير».

أما الصيغة الرابعة فلا تشترط جدولًا زمنيًا، لكنها تهدف إلى التخلص من الوقود الأحفوري «غير المُخفف» وتحقيق صافي صفر من الانبعاثات، وهو ما لا يعني بالضرورة أن تصل الانبعاثات إلى صفر، وإنما أن يتساوى حجم الانبعاثات الجديدة مع حجم الانبعاثات التي تمتص من الجو بطرق مختلفة، مثل زراعة الغابات أو الاعتماد على الطاقة الشمسية. «فكرة التخفيف قائمة على أن الدول تعوض الضرر اللي بتعمله في المناخ، يعني لو كل شركة بترول بقى عندها مصنع لتخزين الكربون الناتج عن عملياتها، كده المشكلة اتحلت»، يقول مراقب من منظمة دولية لـ«مدى مصر». 

كما أنه لا يوجد اتفاق علمي يعرّف عملية تكنولوجيا احتجاز وتخزين الكربون، بحسب مديرة برنامج أنظمة الطاقة بمركز «e3g» ليزا فيشر، التي تضيف لـ«مدى مصر»: «أحدث تقارير الأمم المتحدة التي تُعرّف الوقود الأحفوري المخفف، تشترط احتجاز 90% من الانبعاثات الكربونية الناتجة عن استخدامه، على الأقل، سواء كوقود للسيارات أو في المصانع، لكن الانبعاثات لا تنتج فقط عند استخدام الوقود، بل أيضًا عبر سلسلة التوريد، بدءًا من الاستخراج والتكرير، وحتى التوزيع للمستهلك النهائي».

بالإضافة إلى ذلك، تقتصر القدرة على استخدام تكنولوجيا احتجاز وتخزين الكربون على المصانع، بسبب تكلفتها العالية والمساحة التي تحتاجها. «لا يُمكن وضع جهاز لاحتجاز وتخزين الكربون على كل سيارة» تشير فيشر، كما أن التكنولوجيا ما زالت تحت التجربة، ما يضع المزيد من الأسئلة عن استدامتها. «ماذا سيحدث للعالم لو اعتمد على احتجاز الكربون وتخزينه ثم فوجئنا بتسريب؟».

غياب الاتفاق حول التكنولوجيا وتعريفها بشكل واضح، سيدفع العديد من البلاد لتفسيرها بشكل مختلف، ما سيؤدي إلى «فوضى»، بحسب ماير، مضيفًا «هذه لن تكون المرة الأولى التي نشهد فيها ذلك، في أثناء الاجتماعات الأخيرة لمجموعة السبع دول الكبرى G7 هذا العام، كانت اليابان، مضيفة الاجتماعات، تروج لاستخدامها غاز الأمونيا كعنصر مساعد لحرق الفحم في توليد الطاقة. هذه العملية وفقًا لهم تقلل انبعاثات الفحم ما بين 15 إلى 20%، بمعنى آخر، سيكون مسموحًا لليابان بمواصلة حرق الفحم، طالما خفضت الانبعاثات بهذا المعدل».

وبسبب كل هذه الثغرات وغيرها، تحاول الدول التي يعتمد اقتصادها على البترول، الضغط من أجل عدم ذكر الوقود الأحفوري، والتركيز فقط على الانبعاثات التي ينتجها استهلاكه، أو على الأقل السماح بتكنولوجيا احتجاز وتخزين الكربون.

الثغرات كشراء شهادات الكربون، تستغلها الإمارات حاليًا، إذ وقعت اتفاقيات في ليبيريا، وتنزانيا، وزامبيا، وزيمبابوي، لتحويل جزء من أراضيها إلى أرصدة الكربون، في عملية توصف بـ«الغسيل الأخضر».

وبحسب ماير، السعودية ليست الدولة الوحيدة الرافضة لذكر التخلص من الوقود الأحفوري، فتتفق معها دول أخرى يعتمد اقتصادها على البترول، مثل إيران وروسيا والعراق، وحتى دول نامية أخرى مثل الصين والهند.

ومع تنامي الضغط على الدول البترولية للتخلص من الوقود الأحفوري، اتجهت السعودية كرئيس للمجموعة العربية، والصين كرئيس لتحالف سياسي من الدول المعتمدة على البترول يُسمى بـ«الدول النامية المتشابهة في التفكير» ودول أخرى، للدفاع عن مصالحهم عن طريق عرقلة مسار تفاوضي آخر.

خلال الأيام الماضية، رفضت هذه الدول المشاركة في صياغة اتفاق لتمويل تكيف الدول مع تغيرات المناخ إذا لم يتضمن مبدأ «المسؤوليات المشتركة والمتفاوتة»، وهو المبدأ الذي ترفضه تمامًا الدول المتقدمة.

هذا المبدأ كان أحد المبادئ الأساسية في اتفاقية «الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ»، ليعكس بوضوح أن كل دول العالم مسؤولة عن إيجاد حلول للتغير المناخي، لكن في الوقت نفسه هناك بلاد لها مسؤولية تاريخية في إطلاق كميات متفاوتة من غازات الاحتباس الحراري، وبالتالي يجب على هذه البلاد أن تبذل جهودًا أكبر من غيرها للحد من آثار انبعاثاتها. 

وفي مؤتمر صحفي ظهر اليوم، قال الأمين العام للأمم المتحدة إن الاتفاق النهائي يجب أن يشمل مبدأ «المسؤوليات المشتركة والمتفاوتة»، مؤكدًا أن الدول المتقدمة ينبغي عليها تقديم المساعدة الفنية والمادية للدول النامية التي ستعاني حال إقرار نص يتضمن التخلص من الوقود الأحفوري.

وفي ظل غياب التوافق على آليات تمويل التكيف، سيكون من الصعب على الدول النامية التخلص من الوقود الأحفوري وتحقيق انتقال للطاقة المتجددة. 

يقول ماير: «السعودية أو الإمارات يمكنهما تمويل تحولهما للطاقة المتجددة بأنفسهما. على الناحية الأخرى، الإكوادور التي تتوسع في إنتاج البترول، ليس لديها وسيلة غيره من أجل خدمة أعباء ديون لا يمكن تحملها، لأنهم لا يحصلون على إعفاء من الديون من الدول الدائنة. إنهم بحاجة إلى حزمة تحول عادلة تموّل الاقتصاد الذي سيُفقد جراء التخلص من الوقود الأحفوري»، مضيفًا «من دون حزمة دعم للدول النامية الفقيرة المثقلة بالديون والمضطرة إلى استخدام الوقود الأحفوري، ستواجه المفاوضات معارضة شرعية من الدول لقبول التخلص منه، وسوف تواجه أيضًا معارضة غير مشروعة من دول مثل المملكة العربية السعودية».

«لقد رأيتهم (السعوديين) يلعبون هذه اللعبة من قبل. هناك آخرون لديهم مخاوف مشروعة جدًا بشأن التكيف، خاصة مع تردد الدول المتقدمة في تقديم المساعدة لتلك الدول، ومع ذلك، إذا نجحت الرئاسة والدول الأخرى في جعل الصين والهند وروسيا وغيرهم يتحركون ويقبلون التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، ستضطر السعودية للانصياع. لا يحبون أن يكونوا البلد الوحيد الذي يعرقل الوصول لاتفاق» يؤكد ماير.

«اللي بتحاول تهندسه الإمارات دلوقتي هو إزاي تراضي الدول النامية البترولية، علشان يوافقوا على التخلص من الوقود الأحفوري لازم الدول تديهم حاجة في المقابل، زي فلوس للتكيف مثلًا» يقول المراقب المصري. 

في الوقت نفسه، حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الوعود التي تم تقديمها حتى الآن لا تمثل إلا نحو ثلث فجوة الانبعاثات التي يجب أن تتقلص في السنوات الست المقبلة للحد من ارتفاع درجات الحرارة إلى 1.5 درجة مئوية. 

من جانبه، حث الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، سيمون ستيل، الدول المشاركة في القمة على «التخلص من الحواجز غير الضرورية»، مؤكدًا أن أي «ألغام» تضعها الدول للضغط في مسار معين سوف «تفجر الجميع»، مضيفًا خلال مؤتمر صحفي، بالقمة، صباح اليوم، أن كل خطوة للوراء عن أقصى طموح ستكلف ملايين من الأرواح، ليس في المستقبل، وإنما الآن.

«شيء واحد مؤكد: أنا أفوز - أنت تخسر هي وصفة مثالية للفشل الجماعي».

عن الكتّاب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن