كواليس «هندسة» انتخابات نقابة أطباء الأسنان
شهدت انتخابات نقابة أطباء الأسنان، الأسبوع الماضي، بعض الدراما، بعد مد مفاجئ لفترة الترشح ساعتين إضافيتين. خلال هذا الوقت، تغيرت قوائم المرشحين: انسحابات بالجملة، وترشحات جديدة مفاجئة، واتهامات للجهات الأمنية بالضغط على بعض المرشحين، من بينهم حتى مرشحين محسوبين على ما يمكن اعتباره «تيار الدولة».
وسط هذه الفوضى، ظهرت ملامح لما أسمته بعض المصادر بمجلس النقابة، «محاولة لهندسة قائمة مرشحي النقابة» لتقليل فرص فوز مرشح بعينه من المحسوبين على تيارات المعارضة بمنصب النقيب العام، و«تفويز» مرشح آخر اعتبرته المصادر «مرشح الدولة»، خصوصًا بعدما تأخر إعلان القوائم النهائية للمرشحين أكثر من أسبوع عن موعدها المعتاد.
بدأت المرحلة الأولى من انتخابات نقابة أطباء الأسنان للتجديد نصف السنوي في 18 ديسمبر الماضي، وأُغلق باب الترشيحات في 30 ديسمبر. تباعًا، بدأ المرشحون في تقديم أوراقهم على مقعد النقيب للنقابة العامة والنقابات الفرعية، ومقاعد مجلس النقابة.
حتى الساعات الأخيرة قبل غلق باب الترشح، كان المرشحون لمقعد نقيب عام أطباء الأسنان خمسة مرشحين من بينهم، إيهاب هيكل، النقيب الحالي، وحاتم الجندي، نقيب الدقهلية الحالي وأمين المهنيين بحزب «مستقبل وطن» بالمحافظة، ومجدي بيومي، وكيل النقابة العامة الأسبق، ومحمد بدوي عضو مجلس النقابة والأمين العام الأسبق لها، والذي يصف نفسه بـ«الحقوقي المهتم بملفي الحق في الصحة والحريات النقابية»، ومرشح آخر.
كان التخوف الأساسي، تكرار ما حدث في انتخابات نقابتي الصحفيين والمهندسين والتي انتهت بنجاح مرشحين غير مرغوبين من السلطة، حسبما قالت مصادر بالنقابة لـ«مدى مصر».
لذلك، الخطة كما أوضحت مصادر متعددة تحدثت مع «مدى مصر»، كانت أن يتراجع القيادي بحزب «مستقبل وطن»، حاتم الجندي، عن ترشحه على مقعد النقيب العام لصالح النقيب الحالي إيهاب هيكل. في المقابل، سيتم «مراضاة» الجندي، بحسب تعبير المصادر، بتجديد منصبه نقيبًا للدقهلية بعد أن ينسحب المرشحون أمامه.
بالفعل، وقبل ساعات من غلق باب الترشح في الثالثة ظهرًا، أعلنت اللجنة المشرفة، والتي تُعين كل عامين لتنظيم الانتخابات، مد فترة الترشح حتى الساعة الخامسة، بعد ورود شكاوى من انقطاع الكهرباء ببعض اللجان الفرعية بالمحافظات، حسبما قال اللواء طبيب أسنان، السيد أبو شهبة، رئيس لجنة الانتخابات لـ«مدى مصر».
خلال هذه الساعات، تغير كل شيء. انسحب حاتم الجندي، أحد أقوى المرشحين على منصب النقيب العام، وبدلًا من ذلك ترشح على تجديد منصبه نقيبًا للدقهلية. كما انسحب مجدي بيومي، وترشح نقيبًا للقاهرة، وظهر مرشح جديد تمامًا للنقابة العامة، وهو هشام عبد الحكم، العميد الأسبق لكلية طب أسنان قصر العيني.
«الهندسة» امتدت للنقابات الفرعية، حيث انسحب أيضًا مرشح من انتخابات نقيب القاهرة، ثم أعقبه انسحاب مرشحين على منصب نقيب الدقهلية، حسبما أعلنوا في بيانات غاضبة عبر صفحاتهم الشخصية على فيسبوك.
أحد مرشحى الدقهلية عزا انسحابه في البيان إلى «تغييرات المرشحين [في النقابة العامة] التي حدثت في اللحظات الأخيرة، وأثّرت بشكل مباشر في نزاهة ومصداقية العملية الانتخابية التي شابها العوار»، فيما قال آخر في بيان حذفه لاحقًا، واطلع عليه «مدى مصر»، إن «البعض كان له رأي آخر في مسألة ترشحه».
فيما انسحب البعض في هدوء، مثل مرشح النقابة الفرعية بالقاهرة، الذي اكتفى بالإعلان عن انسحابه لبعض الأصدقاء، وحذف بيان ترشحه من فيسبوك، بعدما اطلع «مدى مصر» عليه.
وبعد عدة أيام من الانسحاب على مقعد النقيب العام، أعلن القيادي بحزب «مستقبل وطن» ونقيب أطباء أسنان الدقهلية حاتم الجندي، تراجعه عن الترشح لمنصب نقيب الدقهلية، واعتزاله العمل النقابي كله.
كان انسحاب الجندي بالذات مفاجئًا للجميع، إذ كان أول المتقدمين للترشح على مقعد النقيب العام بعد فتح باب الترشح، وكان يعمل حتى اللحظات الأخيرة قبل انسحابه في جمع الدعم اللازم لفوزه، وفقًا لمصادر مختلفة، من بينهم منافسه إيهاب هيكل.
لم يكن انسحاب الجندي مراجعة لحسابات المكسب والخسارة أمام النقيب الحالي، إذ كان للجندي فرصًا كبيرة في الفوز بسبب شعبيته الهائلة في الدقهلية، حسبما قالت مصادر مختلفة. «دكتور حاتم بيخدم الكل، قريب كان فيه قرار في المنصورة بحظر فتح عيادات في المباني السكنية، ووقتها دكتور حاتم اتدخل وأجل تنفيذ القرار»، يقول مصدر بالنقابة لـ«مدى مصر»، «هو ده اللي يهم الدكاترة إنه يكون بيرعى مصالحهم، وهو بيقدر يحل أي مشكلة بتليفون مع المحافظة أو مع الحزب بتاعه أو مع النقابة».
في اليوم التالي للانسحابات، قال محمد بدوي، المرشح لمقعد النقيب العام ورئيس اللجنة القانونية والتشريعية بالنقابة، في بيان حصل «مدى مصر» على نسخة منه، إنه يتابع هذه الانسحابات عن كثب، ويحاول التواصل مع المنسحبين لمعرفة أسبابهم لضمان نزاهة العملية الانتخابية وعدم وجود أي مخالفات.
بعد أيام، قال بدوي لـ«مدى مصر»، إنه تواصل مع المنسحبين «وبقدر ما حمل كلامهم الكثير من التدخلات المباشرة وغير المباشرة إلا أنه احترامًا لرغبتهم في عدم اتخاذ أي إجراء لا نملك مساعدتهم أو نقل هذه التدخلات تفصيليًا».
لكن أربعة مصادر مختلفة بنقابة أطباء الأسنان قالت لـ«مدى مصر» إن الانسحابات والتغييرات المفاجئة جاءت نتيجة تفاهمات مع بعض المرشحين، وضغوط على البعض الآخر، بهدف تنظيم قوائم المرشحين لتحجيم فرص فوز بدوي، الذي يمثل تيارًا نقابيًا معارضًا.
كان بدوي قد تقدم، قبل شهور، بصفته رئيس اللجنة التشريعية بالنقابة، بتعديلات على اللائحة الداخلية لأكثر من 30 مادة، من بينها ثلاث مواد تسمح بالتصويت الإلكتروني في الانتخابات، ووضع حد أقصى مرتين للترشح على كل المناصب، والمادة الثالثة تمنع الجمع بين المناصب النيابية والتنفيذية ومجلس النقابة.
لكن هيئة مكتب النقابة، التي يرأسها النقيب الحالي هيكل، رفضت تمرير المواد الثلاث، وأجّلت البت فيها لحين وصول فتوى قضائية بشأنها، وهو ما لم يحدث حتى الآن، وفقًا لبدوي.
«هما خافوا يستهونوا بالموضوع زي ما حصل في نقابة الصحفيين وييجي حد توجهاته معارضة زي خالد البلشي، أو يتدخلوا بشكل عنيف لإنقاذ الموقف في آخر لحظة زي اللي حصل في نقابة المهندسين وتحصل فضايح تاني، علشان كده حاولوا يهندسوها من الأول كويس»، يقول مصدر مطلع اشترط عدم ذكر اسمه.
كانت الدولة قد حشدت آلاف المهندسين، في مايو الماضي، لسحب الثقة من نقيب المهندسين، طارق النبراوي. لكن نتائج التصويت كشفت رفض سحب الثقة بالأغلبية. وقبل إعلان النتيجة رسميًا، اقتحم عشرات الأشخاص قاعة الفرز وحطموا صناديق الاقتراع، واتهمهم فيما بعد النبراوي أنهم «بلطجية تابعين لحزب مستقبل وطن»، بعدما انتشرت مقاطع فيديو لبعض أعضاء أمناء الحزب وهم يحطمون الصناديق.
كما حاولت أجهزة الدولة في اللحظات الأخيرة عرقلة إعلان فوز خالد البلشي بمقعد نقيب الصحفيين، في مارس الماضي، لكنها لم تنجح في ذلك.
هذه «الهندسة» التي تحدث عنها ثلاثة مصادر بالنقابة، كانت تهدف هذه المرة إلى منع تشتيت أصوات «تيار الدولة» بين مرشحيه الأقوياء، وهم النقيب الحالي، وحاتم الجندي، ما يزيد من فرص فوز مرشح «التيار الآخر»، بدوي.
ووقع الاختيار في النهاية على أن يكون مرشح الدولة، وفقًا للمصادر الثلاثة، هو النقيب الحالي، هيكل.
أما ترشح العميد الأسبق لكلية طب أسنان قصر العيني، هشام عبد الحكم، في اللحظات الأخيرة كان وفقًا للمصادر، محاولة لتوفير اختيار آخر أمام الناخبين في حالة رفض البعض التصويت لهيكل، خصوصًا الغاضبين من استبعاد الجندي لصالحه. لكن عبد الحكم في الوقت نفسه ليس منافسًا قويًا في ظل عدم وجود أي خلفية نقابية له، ما يسمح بنجاح هيكل في النهاية، وفي الوقت نفسه عدم ذهاب الأصوات الغاضبة إلى بدوى بالضرورة، وفقًا للمصادر.
من جانبه، نفى عبد الحكم هذه الترتيبات، مؤكدًا لـ«مدى مصر»، أنه «محدش زقني للترشح، أنا ترشحت برغبتي، والتقديم في اللحظات الأخيرة حصل لأني كنت مسافر ولسه راجع».
أحد المصادر الثلاثة رجح أن يكون سبب تزكية هيكل بالتحديد هو خبرته السابقة كنقيب عام وعلاقاته القوية التي تضمن فوزه، خصوصًا أنه منع تمرير مادة في تعديلات لائحة النقابة، تحظر الجمع بين الوظائف النيابية والتنفيذية مع المقاعد النقابية. منع إقرار هذه المادة، وفقًا للمصدر، خدم العديد من النقباء في النقابات الفرعية، إذ يعملون في الوقت نفسه مدراء إدارة الأسنان بالمديرية.
لكن سرعان ما انهارت الخطة. ما لم يكن في الحسبان هو ثورة الجندي الذي عبّر عن استيائه بشكل علني لأكثر من مصدر تحدث مع «مدى مصر»، وانتهى بإعلانه، في بيان، اعتزال العمل النقابي، وكذلك بيانات الانسحاب الغاضبة لمرشحي نقابة الدقهلية، الذين جاء انسحابهم بعد ضغوطات من جانب الأجهزة الأمنية ومن داخل مجلس النقابة، حسبما قالت مصادر مقربة منهم لـ«مدى مصر»، فضلًا عما تردد في أوساط النقابة عن تدخل جهات أمنية والتحدث مع بعض أعضاء مجلس النقابة.
حاول «مدى مصر» التحدث مع الجندي، الذي وعد برد لم يأت حتى موعد النشر، لكنه اكتفى بالتشديد على أنه تم استبعاده والضغط عليه، مضيفًا «أنا رجل الدولة.. أنا رجل الدولة.. أنا رجل الدولة، ومش بس كده.. أنا أمين المهنيين في مستقبل وطن ومع ذلك تم الضغط عليا.. تخيلي مدى خطورة الموقف»، لكنه لم يوضح طبيعة الجهات التي ضغطت عليه.
مصدر بالنقابة أكد لـ«مدى مصر» أن الجندي قابل المرشح المنافس هيكل، النقيب الحالي، قبل يومين فقط من انسحابه، كما قضى صباح يوم انسحابه في جهة أمنية بالمنصورة، حسبما أخبر الجندي العديد من زملائه، قبل أن يخرج من هناك ليعدل طلب ترشحه للنقابة الفرعية بدلًا من النقابة العامة، ثم يقرر بعد أيام اعتزال العمل النقابي.
المصادر بمجلس النقابة أكدت لـ«مدى مصر» أن انسحاب الجندي من العمل النقابي جاء حرصًا على صورته ومركزه في محافظته. «الناس بدأت تتضايق منه، إنه ضحى بتلامذته اللي شجعهم يترشحوا للنقابة الفرعية، وبعدين رجع يزاحمهم على المنصب. وكمان حس إنه شكله وحش إنه بيرضخ للضغوطات، فكان الأحسن يخرج بكرامة، ويحافظ على صورته. وأكيد الحزب هيراضيه بحاجة أكبر»، يقول مصدر وثيق الصلة بالجندي.
من جانبه، نفى النقيب الحالي والمرشح إيهاب هيكل لـ«مدى مصر» أن يكون له أي علاقة بانسحاب الجندي، مرجحًا أن يكون انسحاب الجندي لرغبته في الترشح كعضو مجلس نواب مع حزبه «مستقبل وطن»، إذ لا يمكن الجمع بين منصب النقيب العام للنقابة ومجلس النواب. «ممكن يبقى الحزب بتاعه اتكلم معاه وخلاه ياخد باله من النقطة دي»، يقول هيكل.
كذلك أكد هيكل أنه لم يتوقع قرار المرشح الآخر، مجدي بيومي، بتبديل ترشحه في اللحظات الأخيرة من المنافسة على مقعد النقيب العام إلى مقعد نقيب القاهرة، مضيفًا أنه فوجئ يوم غلق باب الترشح ببيومي، «يحييه ويبلغه تمنياته بالتوفيق» قبل أن ينسحب، مبررًا ذلك بأنه تحدث مع بعض «الزملاء» الذين أقنعوه بعدم المنافسة أمام هيكل باعتبارهم «تيم واحد»، حسبما قال هيكل لـ«مدى مصر».
ما لم يوضحه هيكل، أن المقصود بـ«الزملاء» الذين أقنعوا بيومي بالعدول عن ترشحه في آخر لحظة، كان محمد علاء، الأمين العام للنقابة، وأكبر الداعمين لهيكل، حسبما قال مصدرين منفصلين لـ«مدى مصر».
وفقًا لثلاثة مصادر، كان لعلاء دور قوي في هذه «الهندسة»، إذ أنه لم يُقنع بيومي بإفساح الطريق أمام النقيب العام، هيكل، لتجديد منصبه فقط، لكنه أقنع كذلك أحد مرشحي مقعد نقيب للدقهلية بالانسحاب، وفقًا للمصدرين.
حاول «مدى مصر» التواصل مع علاء لكنه رفض التعليق، فيما لم نتلق أي رد من بيومي حتى موعد النشر.
هكذا، بعد تأخير نحو أسبوع عن المواعيد المعتادة، أعلنت النقابة القائمة النهائية للمرشحين، السبت الماضي. المصادر بالنقابة أكدت أن النقابة تأخرت للمرة الأولى في الإعلان عن أسماء المرشحين، إذ جرت العادة أن يتم الإعلان عنها بشكل يومي منذ فتح باب الترشح وحتى إغلاقه، لكن هذه هي المرة الأولى التي يتأخر فيها إعلان أسماء المرشحين أكثر من أسبوعين.
قائمة المرشحين ضمت كل مرشحي الدقهلية المنسحبين بما فيهم الجندي، فيما أوضح مصدر من نقابة الدقهلية، أن انسحابات المرشحين لم يعتد بها رسميًا، إذ تقدموا بها بعد إغلاق باب الترشح، موضحًا أن الجندي سيتنازل عن ترشحه لمنصب نقيب الدقهلية بمجرد فتح باب التنازل، 14 يناير، فيما أكد المصدر نفسه أن الجهات التي طلبت من مرشحي المنصورة الانسحاب لصالح الجندي، عادت وسمحت لهم بالترشح من جديد.
بالفعل، عاد أحد مرشحي الدقهلية وأعلن عن ترشحه من جديد عبر فيسبوك.
في الوقت نفسه، يتداول بين أوساط أعضاء النقابة مناقشات غاضبة من محاولة تحكم جهات تابعة للدولة في عملية الانتخابات التي سيبدأ التصويت عليها نهاية أبريل المقبل، فيما قال البعض لـ«مدى مصر» إن هذه التدخلات أفقدت المئات الثقة في العملية الانتخابية برمتها.
تقارير ذات صلة
انتخابات «المحامين»: غياب السياسة والنساء والأقباط
برامج المرشحين على منصب النقيب لم تتطرق إلى الكثير من القضايا التي تشغل المحامين
خلاف في «المهن الطبية» بعد قرار استثمار في شركة تدّعي علاقتها بجهة سيادية
يستعد مجلس نقابة اﻷطباء، غدًا الجمعة، لحضور اجتماع طارئ لمناقشة سحب الثقة من الأمين العام الحالي، أيمن سالم، على خلفية موافقته، ممثلًا عن النقابة، على قرار استثماري مثير للجدل، اتخذه…
مع اللايف كوتش.. «انت بتشتري صديق»
اللايف كوتشنج مهنة مقننة إداريًا لكنها غير مقننة مهنيًا
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن