كلوب هاوس: إيه الحكاية؟
ماذا حدث في الأسبوعين الماضيين؟
في لحظة ما، تكونين زهقانة للغاية، في انتظار اجتماع العمل أو الدراسة على زووم، تفتحين كلوب هاوس، لتبديد الوقت، تضعين سماعات الآيفون في أذنك، تسكرولين في الغرف المتاحة، يشد انتباهك عنوان أحدها «لا للذكوريين» فتدخلين. سيدات من دول الخليج تتكلمن عن تجاربهن مع العنف الذكوري. وفجأة ومن حيث لا تحتسبين كمستمعة، يدخل خالد يوسف الغرفة، تلمحه الموديريتور، فتستدعيه لمنصة الحديث، وهوب خناقة، هوب أفلامك ليست نصيرة للمرأة، هوب أنا أكثر من دافعت عن المرأة في أفلامي، هوب أصلًا أنت لم تكترث للبنات اللاتي دمرت حياتهن بسبب الفيديوهات المسربة، هوب أنا أصلًا لم يوجّه لي اتهام من النيابة بالأساس، هوب يسخن الجو وتخرج تصريحات، لا تبخر فقط الملل والزهق الذي تشعرين به، ولكن أيضًا تجعلك متحفزة للمزيد، والأدرينالين يجري في الجو. مباغتات غير متوقعة إلى يومك.
في لحظة أخرى من اليوم، تضع مياهًا في الكاتيل، لتعد كوبًا من الشاي الأخضر، لتساعدك على الاسترخاء، تضع سماعة الأيفون في أذنك، تسكرول في كلوب هاوس، تعلمت الدرس، تبحث عن غرفة مسلية، لا للناس التي تتكلم في السياسية، أنت تريد أن تنام، ترى أنديل، فتدخل وراءه غرفة، فتحها لتسلية السهرانين، وضحك وهزار، خمس ساعات، وهوب يلعلع الحديث بطريقة ما، خمس ساعات من الضحك المتواصل، تكتشف بما لا يدع مجالًا للشك، أن مصر بلد غير محافظة بطبعها، ولا أي حاجة، وأن ما يسمى قيم الأسرة المصرية، ليس جزءًا مكونًا أصيلًا من هوية البلد، يرزع أحد المستمعين أنديل تنويهًا، فيغلق كلوب هاوس حسابه، لنعود محلك سر للمربع صفر.
هكذا، كلوب هاوس مرتع للمباغتات والمفاجآت غير المحسوبة الناتجة عن التفاعل الحي والمباشر، والأمثلة السابقة نماذج من العيار الخفيف، في حال كنتِ مواطنة أو مواطن من الذين يعتبرون الكلام في السياسة بيبوظ بشرتهم، ولم تقدك يداك للمحرمات من الغرف السياسية، مع احتمال أن يكون الجو أكثر سخونة. الضربة المباغتة على كلوب هاوس، مثلها مثل كل منتجات اللايف، يمكن أن تأتي من حيث لا تدري، وهو الأمر الذي يعرفه أحمد موسى وشركاؤه أكثر منك غالبًا.
شعور المباغتة يضرب من البدايات. ففي الدخلة الأولى، يعطي كلوب هاوس لمستخدميه إحساس أنهم دخلوا مكانًا ما بالخطأ، لم يكن من المفترض أن يظهروا فيه، أو إحساس «أوبس.. سوري»، فالمستخدم يجد نفسه في لحظة، وسط اجتماع، في Room أو غرفة يدخل فيها بدون استئذان، بدون ترتيبات مسبقة. اجتماع صوتي يشبه خبراتنا مع تطبيق زووم وما شابهه خلال سنة الوباء، لكن مخففة من الكثير من الأعباء؛ عبء الإلزام وأنه متوقع منك الحضور والمشاركة والتفاعل، بل يمكنك أن تكون زائرًا خفيفًا، تاخد فكرة وتشتري أو لا تشتري، ومخففة من الأمر الأهم: الصورة.
بعد إحساس المباغتة والغربة الذي يضربك، تشعر بحميمية النادي الاجتماعي الذي اعتدت الذهاب إيه، تعلم بشكل أساسي من ستقابله، ولكنك ستتفاجأ بمجموعات أخرى وستنضم لغرفها، وستمارس نشاط جماعي، خلاف وجودك على انستجرام وفيسبوك، حيث يكون انخراطك فردي بشكل كبير. هذا النادي توج مسيرة المحتوى اللايف على الإنترنت.

اختلافه عن البودكاست أن تفاعله مباشر ورايح جاي. اختلافه عن الزووم وكل تطبيقات اجتماعات التفاعل المباشر أنه «شبكة تواصل اجتماعية»، أنت تعرف ماذا يفعل أصدقاؤك الآن وفي أي غرفة هم. واختلافه عن باقي شبكات التواصل بخلاف أن بضاعته الأساسية «الكلام الصوتي»، هو المباشرة والآنية واللحظية في التفاعل، حيث يتخلّص من إزاحة التوقيت، الكاسرة للحميمية على فيسبوك وتويتر وإنستجرام، فبينما تكتبين البوست ثم تنتظرين التفاعل عليه، تتلقين هنا تفاعلًا مباشرًا وحميميًا وآنيًا. خبرة الكلوب هاوس خبرة قعدة على قهوة، لكن مع ميزة معرفة ماذا يقال في كل طاولة، فتجلس مع كل منهم، بعض الوقت. وحتى في حال اختيارك الجلوس مستمعًا لا مشاركًا، فأنت تستمتع بـ«ونس» معرفة أن صديقتك فلانة وصديقك فلان معك الآن حالًا دلوقتي في الغرفة نفسها، تتعرضون لنفس الخبرة معًا.
يذكّر كلوب هاوس بعصر الإذاعات الأهلية، هو راديو غير مُمأسس بعد. والمذيعون الأكثر نجاحًا بالطبع هم أصحاب الأرصدة الاجتماعية الأكبر، ومن يعرفون صنعة الكلام. تتكاثر النكات حول الحضور الكبير لكلمة CEO في بايو كثير من مستخدمينه الأوائل. الناجحون يشعرون بأحقية امتلاك الميكروفون، ونقل خبراتهم للجمهور. والتواصل المباشر مع أناس من العسير الوصول إليهم، مثل الخبراء والمتخصصين، يظل من أهم سمات التطبيق. ولأنه راديو أهلي، يقوم على ما يختاره سكانه، يتجاور فيه نقاش سياسي ساخن، مع قعدة ونس وفرفشة، وقد يصل إحساس إمكانية مناقشة «أي شىء» لأمور تجديفية تمامًا.

كلوب هاوس بلا أرشيف، بخلاف مواقع التواصل الأخرى التي يجري فيها الأرشيف وراء المستخدم، كل تعليق وبوست كتبته وصورة رفعتها موجود ويمكن الرجوع إليه، وحفظه، يسير المرء ووراءه هذا الثقل. لا يمكنك الهروب من الماضي. المحتوى عليه مثل المثل المصري الشهير «كلام الليل مدهون بزبدة...»، إلا إذا قرر أحدهم تسجيل ما تقوله.
لكن كلوب هاوس الذي لا يتكلم في الماضي، يُستأنف فيه النقاش المصري من الكلام في الماضي. علّق الكثيرون من الذين سجلوا حسابات عليه مؤخرًا، بأن المناقشات لم تخرج بعد من أعوام 2011- 2013، أعوام المعجنة الكلامية المجتمعية. هذا حقيقي، لسبب بسيط جدًا: أن بالفعل الحوارات توقفت منذ هذا التاريخ.
في أيام ازدهاره الأولى، فبراير الماضي، كانت الصفحة الرئيسية لكلوب هاوس مثل تايم لاين تويتر 2011-2013. الكل يعود لهذه النقطة، يحاول تذكر فيمَ كنا نتكلم؟ مدنية أم عسكرية؟ إسلامية أم علمانية؟ الحوار الرئيسي المخصّب بشرعية سنة حكم الإخوان، والذي بطريقة ما، بُتر، بعد أن عادت الأطراف لمربعات صفرية بعد انفضاض المولد. وبالطبع تحضر «ماذا لو» بأشكالها المختلفة.

المثقلون بأرشيفهم الإلكتروني، والعلاقات التي تهتكت بفعل الآراء السياسية، حاولوا استئناف النقاشات، بصخب وعنفوان وحيوية النقاشات، أيام كانت البلد سايبة. عادت وجوهًا مألوفة كانت اختفت عن مشهد الإعلام، بشكل أو بآخر، مثل محمد أبو حامد ووائل غنيم وبعض المحسوبين على «شباب الثورة». وبالطبع الشتات العربي صاحب النصيب الأكبر من المداخلات الجادة، لأنهم بره مصر.
يجر السؤال السياسي وراءه أسئلة التحرر الاجتماعي، التي انفجرت بعد 2011، والتي حتى الآن تبدو مكسبها الملموس، بما بلورته من أسئلة لنقاشات نسوية أكثر جذرية من أي وقت مضى، ومعها أسئلة الصوابية السياسية، التي تلاقت بدورها بالموجة العالمية لـ«مي تو» ونقاشات مع -ضد ثقافة الإلغاء، وكل ما شكّل عضم ملامح المناقشات الفترة الأخيرة. تنفتح الغرف على أسئلة حرية التعبير، وحرية الاختيار، بحضور لثنائيات المحافظة والتقدمية، بشكل أساسي، كمحاور يلف حولها المتحدثون.

ما زال طعم الكثير من النقاشات بديهي ويلعب على الأساسيات، لكن ما فعله كلوب هاوس أنه أظهر حجم حالة التعطيش التي أصابت طاقة الكلام الجماعي السبع سنوات الماضية، والتي أخذت أبعادًا أكثر جدية بعد سبتمبر 2019، ثم إجراءات الكوفيد، وظلمات فوق بعضها البعض. أثبت كلوب هاوس وحشة الناس لطعم ذلك الكلام الجماعي، مزاج المعجنة التي كانت مفتوحة، والتي يشترك فيها أطراف كثيرة، بمزاجاتهم المختلفة، وليس التعليقات على استيتسات فردية، بدوائر معينة من الأصدقاء، مثل فيسبوك. فجأة الكل يدخل في نقاش، ومن الشرق والغرب، الأفراد الذين انسحبوا إلى دوائرهم الآمنة، بعد 2013، يطلون برؤوسهم قليلًا ليخطوا خطوات خارج دوائرهم الأليفة.
الغرف المفتوحة على كلوب هاوس، شيء بالفعل عصي على التصديق، في هذه الآونة. أحمد موسى لا يصدق أنها مفتوحة، عادي، فيظهر في برنامجه ويقول إنه استطاع، بفضل الله، اختراق مجموعة إرهابية على كلوب هاوس. تعبيرات وجهه التي تشي بفرحة الانتصار، كأنه شرطي قبض على لص يتسلق مواسير عمارة في شارع جانبي، تفيد أن حالة الكلام غير المقيد ستكون ذات عمر قصير، خوفًا من الملاحقات الأمنية، فبخلاف المواضيع السياسية الحساسة، فقيم الأسرة المصرية الإنسيكيور، لن تتسامح حتى مع الهزار، كما اختبرنا العام الماضي، خاصة مع استهتار كلوب هاوس بخصوصية مستخدمينه.
ففضلًا عن أنه لا يسجل إلا برقم التليفون، ليس كالإيميل الذي تستطيع تغييره، يدفعك كلوب هاوس لفتح قائمة اتصالاتك على موبايلك، لترسل دعوات لأصدقائك. لا تستطيع إلغاء حسابك مباشرة، مثل المواقع الأخرى، بل ولا تستطيع تغيير اسمك أكثر من مرة واحدة على التطبيق، هذا لإجبار المستخدمين على الظهور بشخصياتهم الحقيقية.

التسجيل على كلوب هاوس يعتبر توريطة إلى حد ما، قرار لا تستطيع الرجوع فيه، خاصة مع عدم تقديم الشركة ضمانات أنها ستعمل على حل هذه المشاكل. ومع وساوس الخصوصية والأمان الرقمي التي تتضاعف في المنطقة العربية أكثر من الخارج، لأسباب اجتماعية وأمنية، يخشى المستخدمون، خاصة من يعيشون في الداخل، من أن تكون الحيطان لها ودان. ومن ناحية أخرى، تخشى الأجهزة الأمنية أن تفتح الغرف على الشارع، والشارع، ليس كما يقول منير، فاتح في قلبه، الشارع فاتح على ذكريات نحاول نسيانها.
يكتسح التطبيق، ذو التقنية الصينية، العالم الآن، بما يذكّر بأوائل صعود شبكات التواصل الاجتماعي الضخمة، ويمتاز صعوده عليها بأن بالفعل الآن هي موجودة وفعالة، بما يسرّع عملية الترويج للجديد. يذكرنا اكتساحه أيضًا بوعود شبكات التواصل الاجتماعي الأولى بإعادة تخيل وتنظيم علاقاتنا وأحاديثنا وتعاوننا، الوعود التي تلاشت في مواجهة الجموع ورغباتهم واحتياجاتهم التي من شأن الشبكة تلبيتها، ليستمر الاستخدام والتدفق ومعهما الكسب.
تقارير ذات صلة
عصر جديد: الحرب تصل إلى خدمات السحاب
يؤشر الهجوم لطبيعة جديدة تتخذها الحروب في هذا العصر
أن تخسر المال في العالم الافتراضي لسعيك وراء «الرمال البيضاء» وغيرها
حاول الآلاف استثمار أموالهم إلكترونيًا عبر مخططات شبيهة بـ«مخطط بونزي»
إغلاق حسابات التواصل الاجتماعي.. «الأعلى للإعلام» يُبلغ وﻻ يقرر
كيف ينفذ المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قراراته بغلق وحجب حسابات مواقع التواصل الاجتماعي؟
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن